الاثنين، 25 مارس 2024

ج1وج2. كتاب : أوضح المسالك إلى ألفية إبن مالك أبو محمد عبدالله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبدالله بن هشام

 

ج1وج2. اوضح المسالكاك إلي ألفية مالك


ج1وج2. كتاب : أوضح المسالك إلى ألفية إبن مالك أبو محمد عبدالله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبدالله بن هشام

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأَتمَّانِ الأكْمَلاَنِ على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين قائد الغر المحَجَّلين وعلى آله وَصحبه أجمعين صلاةً وسَلاماً دائمين بدوَام السَّمَوات وَالأرَضيِنَ
أما بعدَ حمدِ للهِ مستحقِّ الحمد ومَلُهْمِة وَمُنْشىء الخلق وَمُعْدِمه وَالصَّلاَةِ وَالسلامِ على أشرف الخلق وَأكْرَمِه المنعوت بأحسن الخُلُق وَأعظمِهِ محمدٍ نبيِّه وَخليله وَصَفِيِّه وَعَلَى آله وَأصحابهِ وَأحزابه وَأحبابه فإن كتاب الخلاصة الألفية في علم العربية نَظْم الإمام العلامة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك الطائي - رحمه الله - كتابٌ صَغُرَ حَجْماً وغَزُرَ عِلماً غير أنه لإفراط الإيجاز قد كاد يُعَدُّ من جملة الألْغَاز
وَقد أسعفت طالبيه بمختصر يُدَانيه وَتوضيح يسايره وَيُبَاريه وأحُلُّ به ألفاظه وَأوَضح معانيه وَأحلِّلُ به تراكيبه وَأَنِّقحُ مبانيه وَأعذب به موارده وَأعِقل به شَوَارده أخْلِى منه مسألة من شاهد أر تمثيل وَربما أشير فيه إلى خلاف أوَ نَقْدٍ أو تعليل وَلم آلُ جَهْداً في توضيحه وَتهذيبه وَربما خالفته في تفصيله وتَرتيبه
وَسميته : ( أوَضح المسالك إلى ألفية ابن مالك )
وبَالله أعْتَصمُ وَأسأله العِصْمَةَ مما يَصِم لا ربَّ غيره وَلاَ مأمول إلا خَيْرُهُ عليه توكلت وَإليه أنيب
هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه الكلام - في اصطلاح النحويين - عبارة عما اجتمع فيه أمران : اللفظ والإفادة
و المرادُ باللفظ الصوتُ المشتمل على بعض الحروف تحقيقاً أو تقديراً
والمرادُ بالمفيد ما دَلَّ على مَعْنىً يحسُنُ السكُوتُ عليه
وأقل ما يتألف الكلام من اسمين : ك ( زَيْدٌ قائم ) ومن فعل واسم ك ( قَامَ زَيْدٌ ) ومنه ( اسْتَقِمْ ) فإنه من فعل الأمر المنطوق به ومن ضمير المخاطَبِ المقَدَّر بأنت

والكَلمِ : اسمُ جِنْسِ جمَعْىً وَاحِدُه كَلمَة وهي : الاسم والفعل والحرف ومعنى كونه اسمَ جنسٍ جَمْعِىً أنه يدل على جماعَةِ وإذا زِيدَ على لفظة تاء التأنيث فقيل : ( كلمةٌ ) نَقَصَ مَعناه وصار دَالاًّ على الواحد ونظيُرهُ لَبِنٌ وَلَبِنةٌ وَنَبْقٌ وَنَبْقَةٌ
وقد تبين - بما ذكرناه فى تفسير الكلام : من أن شَرْطَه الإفادة وأنه من كلمتين وبما هو مشهور من أن أقل الجمع ثلاثة - أن بين الكلام وَالكَلِم عموماً وخصوصاً من وَجْهٍ فالكلم أعَمُّ من جِهَةِ المعنى لانطلاقه على المفيد

وغيره وَأَخَصُّ من جهة اللفظ لكونه لا ينطلق على المركب من كلمتين فنحو " زيد قام أبوه " كلام لوجود الفائدة وكَلمِ لوجود الثلاثة بل الأربعة و ( قام زيد ) كلام لا كَلِم . و ( إنْ قَامَ زيد ) بالعكس
والقولُ عبارةٌ عن ( اللفظ الدالِّ عَلَى مَعْنًى ) فهو أعَمُّ من الكلام والكلمة عموماً مطلقاً لا عموماً من وَجْهٍ
وتطلق الكلمة لغةً ويُرَاد بها الكلامُ نحو ( كَلاَّ إنّهَا كَلِمةٌ هُوَ قَائِلُهَا ) كثيرٌ لا قليلٌ

فصل : يتميز الاسمُ عن الفعل والحرف بخمس علامات :
إحداها : الجر وليس المرادُ به حرفَ الجر لأنه قد يدخل في اللفظ على ما ليس باسم نحو ( عَجِبْتُ مِنْ أَنْ قُمْتَ ) بل المرادُ به الكسرةُ

التي يحُدْثهِا عاملُ الجرِّ سواء كان العاملُ حرفاً أم إضافةً أم تَبَعِيةً وقد اجتمعت في الْبَسْمَلة
الثانية : التَّنْويِن وهو : نون ساكنة تلحق الآخر لفظا لا خطا لغير توكيد فخرج بقيد السكون النونُ في ( ضَيْفَنٍ ) للطُّفَيْليِّ و ( رَعْشَنٍ ) للمُرْتَعِشِ وبقيد الآخِرِ النونُ فى ( انْكَسَر ) و ( مُنْكَسِر ) وبقولى ( لَفظاً لا خَطَّا ) النونُ اللاحقةُ لآخر القَوَافِي وستأتي وبقولى ( لغير توكيد ) نونُ نحو ( لنَسْفَعَاً ) و ( لَتَضْرِ بُنْ يا قَوْمُ ) ( لَتَضْرِ بِنْ يا هِنْدُ ) . وأنواع التنوين أربعة : أحَدُها : تنوين التمكين كزَيْدٍ ورَجُلٍ وفائدتُه الدلالَةُ على خِفّةِ الاسم وَتمَكُّنِهِ فى باب الاسمية لكونه لم يُشْبه الحرف فَيبنى ولا الفعلَ فيمنعَ من الصرف
الثاني : تنوينُ التنكير وهو اللاحقُ لبعض المبنيَّات للدَّلاَلة على التنكير تقول : ( سِيَبَويْهِ ) إذا أرَدْتَ شَخْصاً معيناً اْسُمهُ ذلك و ( إيِه ) وإذا استزدْتَ مخُاَطَبَكَ من حديث معين فإذا أردت شَخْصاً مَّا اسْمُه سيبوبه أو استزادةً من حديثٍ مَّا نَوَّنْتَهَمُاَ

الثالث : تنوين المُقَابِلة وهو اللاحقُ لنحو ( مسلماتٍ ) جَعَلُوه في مُقَابلة النون في نحو مُسْلمِيَن
الرابع : تنوين التعويض وهو اللاحق لنحو غَوَاشٍ وَجَوَارٍ عوضاً عن الياء وَلإذْ في نحو ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ) عوضاً عن الجملة التي تضاف ( إذ ْ ) إليها . وهذه الأنواع الأربعة مختصة بالاسم
وزاد جماعةٌ تنوينَ التَّرَنُّمِ وهو اللاحِقُ للقوافي الُمطْلَقَة أي : التي آخرها حرف مد كقوله :

-
(
أقِلِّى اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَنْ ... وَ قُوِلى إن أَصَبْتِ لَقَدْ أصَابَنْ ) الأصل ( العتابا ) و ( أصابا ) فجئ بالتنوين بدلا من الألف لترك الترنم

وزاد بعضهم التنوين الغالي وهو اللاحِقُ للقَوَافِي المُقَيَّدَةِ زيادةً على الْوَزْنِ ومن ثَمَّ سمي غالياً كقوله :

-
(
قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلمْى وَإنْنْ ... كَانَ فَقَيِراً مُعْدِماً قَالَتْ وإنْنْ

والحقُّ أنهما نونان زِيدَتاَ في الوقف كما زيدت نون ( ضَيْفَنٍ ) في الوصل والوقف وليسا من أنواع التنوين في شئ لثبوتهما مع ( أل ) وفي الفعل وفي الحرف وفي الخط والوقف ولحذفهما فى الوَصْلِ وعلى هذا فلا يَردَانِ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ أن الاسم يُعْرَف بالتنوين إلا من جهة أنه يُسَمَّيهَما تَنْوِيَنْيِن أما باعتبار ما في نفس الأمر فلا
الثالثة : النداء وليس المرادُ به دخولَ حرف النداء لان ( يا ) تدخل في اللفظ على ما ليس باسم نحو : ( يَا لَيْتَ قوْميِ ) ( ألاَ يَا اسْجُدُوا ) في قراءة الكسائى بل المرادُ كونُ الكلمةِ مناداةً نحو : ( يا أيُّهَا

الرجلُ وَيافُلُ وَيَا مَكْرَمَانُ ) الرابعة : ألْ غيُر الموصولَةِ كالفرس والغلام فأما الموصولَة فقد تدخل على المضارع كقوله : -
(
مَا أنت بِالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ ... )

الخامسة : الإسناد إليه وهو أن تَنْسُبَ إليه ما تَحْصُلُ به الفائدةُ وذلك كما فى ( قُمْتُ ) و ( أنا ) فى قولك ( أنا مؤمن )
فصل :
يَنْجَلِى الفعلُ بأربع علامات : إحداها : تاء الفاعل متكلما كان ك ( قُمْتُ ) أو مخاطباً نحو ( تَباَرَكْتَ ) . الثانية : تاء التأنيث الساكنة ك ( قَامَتْ وقَعَدَتْ ) فأما المتحركة فتختص بالاسم كقائمة

وبهاتين العلامتين رُدَّ على من زعم حرفية ليس وعسى وبالعلامة الثانية على مَنْ زعم اسمية نعم وبئس

الثالثة : ياء المخاطبة كقُومِي وبهذه رُدَّ على من قال إن هاتِ وتَعَالَ اسما فعلين
الرابعة : نون التوكيد شديدةً أو خفيفة نحو : ( لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً ) وأما قوله : -
(
أقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا ... ) فضرورة
فصل :
ويُعْرَفُ الحرفُ بأنه لا يحسُنُ فيه شئ من العلامات التسع كهل وفي ولم
وقد أشير بهذه المُثُلِ إلى أنواع الحروف فإن منها مالا يختص بالأسماء

ولا بالأفعال فلا يعمل شيئاً كَهَلْ تقول : ( هل زيد أخوك ) و ( هل يقوم ) ومنها ما يختص بالأسماء فيعمل فيها كَفِى نحو ( وفي الأرض آياتٌ )

(
وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) ومنها ما يختص بالأفعال فيعمل فيها كَلَمْ نحو : ( لَمْ يَلِدْ ولم يُولَدْ )
فصل :
والفعل جنس تحته ثلاثة أنواع : أحدها : المضارع وعلامُته أن يَصْلُح لأن يلى ( لم ) نحو ( لم يَقُمِ ولم يَشَم ) والأفصح فيه فتحُ الشين لاضَمُّها والأنْصَحُ في الماضي شِممْتُ - بكسر الميم - لافتحها وإنما سمى مضارعا لمشابهته للاسم ولهذا أعرب واستحق التقديم في الذكر على أخَوَيْه . ومتى دَلَّتْ كلمة على معنى المضارع ولم تقبل ( لم ) فهي اسم كأوَّهْ وأُفّ

بمعنى أتوجَّعُ وأتَضَجَّرُ
الثاني : الماضي ويتميز بقبول تاء الفاعل كتَبَارك وعَسَى وليس أو تاء التأنيث الساكنة كنِعْم وبِئْسَ وعَسَى ولَيْسَ . ومتى دَلّتْ كلمة على معنى الماضي ولم تقبل إحدى التاءين فهي اسم كَهْيهَاتَ وشَتَّانَ بمعنى بَعُدَ وافترق . الثالث : الأمر وعلامته أن يقبل نون التوكيد مع دلالته على الأمر نحو ( قُومَنَّ ) فإن قبلت كلمةٌ النونَ ولم تدلَّ على الأمر فهى فعلٌ مضارعٌ نحو ( لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً ) وإن دلت على الأمر ولم تقبل النون فهي اسم

كنَزَال ودَرَاكِ بمعنى أنْزِلْ وأدْرِكْ وهذا أولى من التمثيل بصَهْ وحَيَّهَلْ فإن اسميتهما معلومة مما تقدم لأنهما يقبلان التنوين

هذا باب شرح المعرب والمبنى الاسم ضربان : مُعْرَب وهو الأصل ويسمى مُتَمَكَّناً ومبنى وهو الفرع ويسمى غير متمكن . وإنما يُبْنَى الاسمُ إذا أشبه الحرف وأنواع الشبه ثلاثة : أحدها : الشبه الوَضْعي وضابطه أن يكون الاسم على حرف أو حرفين

فالأول كتاء ( قُمْتُ ) فإنها شبيهة بنحو باء الجر ولاِمِه وواو العطف وفائه والثاني كناَ مِنْ ( قُمْنَا ) فإنها شبيهة بنحو قَدْ وبَلْ
وإنما أعرب نحو ( أبٍ وأخٍ ) لضَعْف الشبه بكونه عَارِضاً فإن أصلهما أبَوٌ وأخَوٌ بدليل أبَوَانِ وأخَوَانِ
الثاني : الشبه المعنوي وضابطُه : أن يتضمن الاسم معنًى من معاني الحروف سواء وضع لذلك المعنى حَرْفٌ أم لا
فالأول كَمَتَى فإنها تستعمل شَرْطاً نحو ( مَتَى تَقُمْ أَقُمْ ) وهى حينئذ شبيهة فى المعنى بإِن ِالشرطية وتستعمل أيضاً استفهاماً نحو ( مَتَى نَصْرُ اللهِ ) وهي حينئذ شبيهة في المعنى بهمزة الاستفهام وإنما أعربت أيٌّ الشرطية فى نحو ( أيمَّاَ الأجَلَيْن قَضَيْتَ ) والاستفهاميه في نحو ( فأَىٌّ الفَرِيقْيِن أحَقُّ ) لضعف الشبه مما عارضه من ملازمتهما للاضافة التي هي من خصائص الأسماء

والثاني نحو ( هُنَا ) فإنها متضِّمنَة لمعنى الإشارة وهذا المعنى لم تضع العرب له حرفاً ولكنه مِنْ المعاني التي مِنْ حَقِّها أن تؤدَّي بالحروف لأنه كالخطاب و التنبيه فهُنَا مستحقة للبناء لتضمنها لمعنى اَلحرفِ الذي كان يستحق الوضع
وإنما أعرب ( هذَان وهاتان ) - مع تضمنهما لمعنى الإشارة - لضعف الشبه بما عارضه من مجيئهما على صورة المثنى والتثنية من خصائص الأسماء

الثالث : الشبه الاستعمالى وضابطُه : أن يلزم الاسُم طريقةً من طرائق الحروف كأن يَنُوب عن الفعل وَلاَ يَدْخُلَ علية عاملٌ فيؤثر فيه وكأن يَفْتَقِرَ افتقاراً متأصِّلاً إلى جملة
فالأول ك ( هَيْهَاتَوَصَهْ وَأَوَّهْ ) فإنها نائبه عن بَعُدَ وَاُسْكُتْ وَأَتَوَجَّعُ ولا يصح أن يدخل عليها شئ من العوامل فتتأثر به فأشبهت ( ليت ولعلَّ ) مثلا ترى أنهما نائبان عن ( أتمنَّى وأترجَّى ) ولا يدخل عليهما عامل وَاحْتُرِزَ بانتقاء التأثر من المصدر النائب عن فعله نحو ( ضَرْباً ) في قولك ( ضَرْباً زَيْداً ) فإنه نائب عن ( أضْرِبْ ) وهو مع هذا معربٌ وذلك لأنه تدخل عليه العواملُ فتؤثر فيه تقول : ( أعجبني ضربُ زيدٍ وكرهت ضربَ عمرو وعجبت من ضَرْبِهِ )
والثاني كإِذْ وإذا وَحَيْثُ والموصولاتُ ألا ترى أنك تقول ( جئْتُكَ إذ )

فلا يتمُّ معنى ( إذْ ) حتى تقول ( جاء زَيْدٌ ) ونحْوَهُ كذلك الباقي وَاحتُرِزَ بذكر الأصالة من نحو ( هذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِيَن صِدْقُهُمْ ) فيوم : مضاف إلى الجملة والمضاف مفتقر إلى المضاف إليه ولكن هذا الافتقار عارضُ في بعض التراكيب ألا ترى أنك تقول : ( صُمْتُ يَوْماً وَسِرْتُ يًوْماً ) فلا يحتاج إلى شئ وَاحتُرِزَ بذكر الجملة من نحو ( سُبْحاَنَ ) وَ ( عِنْدَ ) فإنهما مفنقران في الأصالة لكن إلى مفرد تقول ( سُبْحَان الله ) وَ ( جلستُ عندَ زَيدٍ )
وإنما أُعْرِبَ ( اللذان اللتان وَأيُّ الموصولة ) في نحو ( اضرب أيَّهُمْ أساء ) لضعف الشَّبَهِ بما عارضَه من المجيء على صورة التثنية ومن لزوم الإضافة

وما سَلِمَ من مشابهة الحرف فمعربُ وهو نوعان : ما يظهر إعرابه كأرْضٍ تقول : ( هذه أرضٌ ورأيت أرضاً ومررت بأرضٍ ) ومالا يظهر إعرابه كالْفَتَى تقول : ( جَاء الْفَتَى ورأيت الفَتَى ومررت بالفَتَى ) ونظيرُ الفتى سُمّا - كهُدًى - وهي لغة فى الاسم بدليل قول بعضهم : ( ما سمُاكَ ) حكاه صاحب الإفصاح وأما قولُه : -
(
وَاللهُ أَسْمَاكَ سمُاً مُباَرَكاً ... )

فلا دليل عليه فيه لأنه منصوب مُنَوِّن فيحتمل أن الأصل سُمُ ثم دخل عليه الناصبُ ففتح كما تقول في يَدٍ : ( رأيت يَداً )
فصل : والفعل ضَرْبَانِ : مبنى وهو الأصل ومُعْرَبُ وهو بخلافه . فالمبنى نوعان : أحدهما : الماضي وبناؤهُ على الفتح كضَرَبَ وأما ( ضَرَبْتُ ) ونحوه فالسكون عارِضٌ أوْجَبَهُ كَرَاهتُهم تواليَ أربع متحركات فيما هو كالكلمة [ الواحدة ] وكذلك ضمة ( ضَرَبُوا ) عارضة لمناسبة الواو

والثاني : الأمر وبناؤُةُ على ما يُجْزَمُ به مضارُعه فنحو ( اضْرِبْ ) مبنى على السكون ونحو ( اضْرِبَا ) مبنى على حذف النون ونحو ( اغْزُ ) مبنيٌّ على حذف آخر الفعل
والمعربُ : المضارعُ نحو ( يَقَومُ ) لكن بشرط سلامته من نون الإناث ونون التوكيد المبَاشِرَةِ فإنه مع نون الإناث مبنى على السكون نحو ( وَالُمطَلقْاتُ يَتَرَبَّصْنَ ) ومع نون التوكيد المباشرة مبنىٌّ على الفتح نحو ( لَيُنْبَذَنَّ )

وأما غير المباشرة فإنه معرب معها تقديراً نحو ( لَتْبُلَوُنَّ فَإمَّا تَرَيِنَّ وَلاَ تَتَبِعَانِّ ) . والحروف كُلُّها مبنية
فصل :
وأنواع البناء أربعة أحَدُها : السكُون وهو الأصل ويسمى أيضاً وَقْفاً ولخفته دَخَلَ في الكلم الثلاث نحو : هَلْ وقُمْ وكَمْ . والثاني : الفتح وهو أقرب الحركات إلى السكُون فلذا دخل أيضا في الكَلِمِ الثلاث نحو : سَوْفَ وَقَاَم وَأَيْنَ . والنوعان الآخَرَانِ هما الكسر والضم ولثقلهما وثقل الفعل لم يدخلا فيه ودَخَلاَ في الحرف والأسم نحو لام الجر و ( أمس ) ِ ونحو ( مُنْذُ ) فى لغة من جَرَّ بها أو رَفَعَ فإن الجارة حرف والرافعة اسم
فصل :
الإعراب أَثَرٌ ظاهر أو مُقَدَّر يجلبه العاملُ في آخر الكلمة وأنواعه أربعة : رفعُ ونصبُ في اسم وفعل نحو ( زَيْدٌ يَقُومُ وَإنَّ زَيْداً لَنْ يَقُومَ ) وجَرٌّ في اسم نحو ( لزَيْدٍ ) وجَزْمٌ في فعل نحو ( لم يَقُمْ ) ولهذه الأنواع الأربعة علاماتُ أُصول وهي : الضمة للرفع والفتحة للنصب والكسرة للجر وحذف الحركة للجزم وعلاماتٌ فروعٌ عن هذه العلامات وهي واقعة في سبعة أبواب : الباب الأول : باب الأسماء الستة فإنها ترفع بالواو وتنصب بالألف وتخفض بالياء وهي ( ذُو ) بمعنى صاحب والْفَمُ إذا فارقته الميم والأب والأخ و الحَمْ والْهَنُ ويشترط في غير ( ذو ) أن تكون مضافة لا مفردة أفردت أعربت بالحركات نحو ( وَلَهُ أَخٌ ) و ( إنَّ لَهُ أَباً )

و ( بَنَاتُ الأخِ ) فأما قوله : -
(
خَالَطَ مِنْ سَلْمىَ خَيَاشِيمَ وَفَا ... )

فشاذ أو الإضافة مَنْوِيّة أي : خياشِيمَهاَ وَفَاهَا واشترط في الإضافة أن تكون لغير الياء فإن كانت للياء أعربت بالحركات المُقَدَّرة نحو ( وَأَخِى هَارُون ) ( إنَّى لاَ أَمْلِكُ إلاّ نَفْسِي وَأَخِى ) و ( ذُو ) ملازمة للإضافة لغير الياء فلا حاجة إلى اشتراط الإضافة فيها

وإذا كانت ( ذو ) مَوْصُولَةُ لزمتها الواو وقد تعرب بالحروف كقوله : -
(
فَحَسْبِيَ مِنْ ذِي عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِياَ ... )

وإذا لم تفارق الميم الفَمَ أعرب بالحركات

فصل : والأفْصَحُ في الْهَنِ النَّقْصُ أي : حَذْفُ اللامِ فيعربُ بالحركات ومنه الحديث : مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الجَاهِليَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهنِ أبِيهِ وَلاَ تَكْنُوا ) ويجوز النَّقْصُ في الأبِ والأَخْ والحَمِ منه قوله : -
(
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِىٌّ في الْكَرَمْ ... وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ )

وقولُ بعضهم في التثنية : ( أبَانِ ) و ( أخَانِ ) . وقصْرُهُنَّ اولى من نقصهن كقوله : -
(
إنَّ أبَاهَا وَأبَا أبَاهَا ... )

وقَوْلِ بعضهم : ( مُكْرَهُ أخَاكَ لا بَطَلُ )

وقَوْلِهِمْ للمرأة ( حَمَاةٌ )
الباب الثاني : المثُنَىَّ وهو : ما وُضِعَ لاثنين وأغْنَى عن المتعاطفين كالزيدان والهندان فإنه يرفع بالألف وَيُجرَ وينصب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها . وحملوا عليه أربعة ألفاظ ( اثْنَيْنِ ) و ( اثْنَتَيْنِ ) مطلقاً و ( كِلاَ ) و ( كِلْتَا ) مضافين لمضمر فإن أضيفا إلى ظاهرٍ لَزِمَتْهُمَا الألف
الباب الثالث : باب جمع المذكر السالم كالزيدون والمسلمون فإنه يرفع بالواو وينصب بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها
ويشترط في كل ما يجمع هذا الجمع ثَلاَثَة شروط أحدها : الخلو من تاء التانيث فلا يجمع نحو ( طلْحَة ) و ( عَلاّمَة ) . الثاني : أن يكُون لمذكر فلا يجمع نحو ( زَيْنَبَ ) و ( حَائِض ) . الثالث : أن يكُون لِعَاقِلٍ فلا يجمع نحو ( وَاشِق ) علما لكلب و ( سَابِق ) صفة لفرس
ثم يشترط أن يكُون إمَّا علماً غير مركب تركيبا إسناديّاً ولا مَزْجِياًّ فلا يجمع نحو ( بَرَقَ بَحْرُهُ ) و ( مَعْد يِكَرِبَ ) وإمَّا صفةً تقبل التاء أو تَدُلُّ على التفضيل نحو ( قَائِم ) و ( مُذْنِب ) و ( أَفْضَل ) فلا يجمع نحو ( جَريِح ) و ( صَبُور ) و ( سَكْرَان ) و ( أحْمرَ )
فصل :
وَحَمَلُوا على هذا الجمع أرْبَعَةَ أنْوَاعٍ : أحدها : أسماء جموع وهي : أولُو وعَالَمُونَ وعِشْرُونَ وبابه
والثاني جموع تكسير وهي : بَنُونَ وحَرُّونَ وأرَضُونَ وسِنُونَ وبابه فإن هذا الجمع مُطَّرِد في كل ثلاثي حذفت لامه وَعُوِّضَ عنها هاء التأنيث ولم يُكَسَّرْ نحو : عِضَةٍ وعِضِينَ وعِزَةٍ وعِزِينَ وثُبةٍَ وثُبِيِنَ قال الله تعالى : ( كَمْ لَبِثْتُمْ فيِ الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ) ( الّذيِنَ جَعَلُوا القْرُآنَ عِضِينَ ) ( عَنِ اليَمِيِن وَعَنِ الشِّمَالِ عِزيِنَ ) ولا يجوز ذلك في نحو تَمْرَةٍ لعدم الحذف ولا في نحو ( عِدةٍ ) و ( زِنَةٍ ) لأن المحذوف الفاء ولا في نحو ( يَدٍ ) و ( دَمٍ ) وشذ أبُونَ وأخون ولا في اسم وأُخْتٍ وبنت لأن العوض غير التاء وشذَ بَنُونَ ولا في نحو شَاةٍ وشَفَةٍ لأنهما كُسِّرَا على شِيَاه وشِفَاه
والثالث : جموعُ تصحيحٍ لم تستوف الشروط كأهْلُونَ ووَابِلُونَ لأن أهْلاً ووَابِلاً ليسا عَلَمين ولا صفتين ولأن وَابِلاً لغير عاقل
والرابع : ما سُمِّيَ به من هذا الجمع وما ألحق به كِعلِّيُّونَ وزَيْدُونَ

مُسَمَّى به ويجوز في هذا النوع أن يُجْرَى مجرى غِسْلِين في لزُوم الياء والإعراب بالحركات على النون مُنَوَّنَةً ودون هذا أن يجُرْى مُجْرَى عَرَبُونٍ في لزوم الواو والإعراب بالحركات على النون مُنَوَّنَة كقوله : -
(
وَاعْتَرَتْنِي الْهُمُومُ بِالمَاطِرُونِ ... )

ودون هذه أن تلزمه الواو وفَتْحُ النون وبعضهم يُجْرِي بنين وبابَ سنين مجرى غِسْلِيِن قال : -
(
وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَلِيٌّ ... أَباً بَرَّا وَنَحْنُ لَهُ بَنَيُن )

وقال : -
(
دَعَانَيِ مِنْ نَجْدٍ فَإنَّ سنِيْنَهُ ... )

وبعضهم يطرد هذه اللُّغَةَ في جمع المذكر السالم وكلِّ ما حمل عليه وَيُخَرِّجُ عليها قولَهُ : -
(
لاَ يَزَالُونَ ضَارِبِينَ الْقِبَابِ ... )

وقوله : -
(
وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينِ ... )

فصل :
نونُ المثنى وما حُمل عليه مكسورةٌ وفتحُهَا بعد الياء لُغَةٌ كقوله : -
(
عَلَى أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقلّتْ عَشِيَّةً ... )

وقيل : لا يختص بالياء كقوله : -
(
أعْرِفُ مِنْهَا الْجِيدَ وَالعَيْنَانَا ... )

وقيل : البيت مصنوع ونونُ الجمع مفتوحةٌ وكَسْرُهَا جائز في الشعر بعد الياء كقوله : -
(
وَأنْكَرْناَ زَعَانِفَ آخَريِنِ ... )

و قوله :
(
وَقَدْ جَاوزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينِ ... )
الباب الرابع : الجمع بألف وتاء مزيدتين كهندات ومسلمات فإن نَصْبَه بالكَسرة نحو ( خَلَقَ اللهُ السَّموَاتِ ) وربما نُصِبَ بالفتحة إن كان محذوفَ اللامِ كسمعت لغُاَتَهُمْ فإن كانت التاء أصليَّة كأبْيَاتٍ وَأَمْوَاتٍ أو الألف أصلية كقُضَاة وغُزَاة نُصِبَ بالفتحة

وحُمل على هذا الجمع شيئان : ( أُولاَتُ ) نحو ( وإنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ ) وما سُمِّيَ به من ذلك نحو ( رَأَيْتُ عَرَفَاتٍ ) و ( سَكنْت أذْرِعَاتٍ ) وهي قَرْيَة بالشام فبعضُهم يُعربه على ما كان عليه قبل التسمية وبَعضُهم يترك تنوين ذلك وبعضُهم يُعْربِه إعرابَ مالا ينصرف وَرَوَوْا بالأوجه الثلاثة قوله : -
(
تَنَوَّرْتُها مِنْ أذْرِعاتٍ وَأهْلُهَا ... بِيَثْربً أدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِى )
الباب الخامس : مالا ينصرف وهو ما فيه عِلَّتَانِ من تسع كأحْسَنَ أو واحدة منها تقوم مقامهما كمساجد وصَحْرَاءَ فإن جَرَّهُ بالفتحة نحو ( فَحَيُّوا بَأَحْسَنَ مِنْهَا ) إلا إن أضيف نحو ( في أحْسَن تَقْويِمٍ ) أو دَخَلَتْه

أل مُعَرِّفَةً نحو ( في الَمسَاجِدِ ) أو موصولةً نحو ( كَالأْعَمى والأصَمِّ ) أو زائدة كقوله : -
(
رَأَيْتُ الْوَليْدَ بْنَ اليَزيِدِ مُبَارَكاً ... )
الباب السادس : الأمثلة الخمسة وهي كُلُّ فعلٍ مُضَارِع اتَّصَلَ به ألفُ اثنين نحو تَفَعلاَنِ ويَفعَلاَنِ أو واو جمع نحو تَفعَلُونَ ويَفْعُلونَ أو ياء مخاطبة نحو تَفعَلِينَ فإن رَفْعَها بثُبُوت النون وجَزْمَهَا ونَصْبها بِحَذْفها

نحو : ( فإن لَمْ تَفَعَلُوا ولن تَفعَلْوا ) وأما ( إلاَ أنْ يَعْفُونَ ) فالواوُ لامُ الكلمةِ والنونُ ضمير النسوة والفعل مبنى مثل ( يَتَرَبَّصْنَ ) ووزنه يَفْعُلْنَ بخلاف قولك ( الرِّجَالُ يَعْفُونَ ) فالوَاو ضمير المذكرين والنونُ علامةُ رفعٍ فتحذف نحو ( وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ للِتَّقْوَى ) ووزنه تَفْعُوا وأصله تَعْفُووا
الباب السابع : الفعل المضارع المعتل الآخر وهو : ما آخره ألفٌ كَيَخْشَى أو ياء كَيَرْمِى أو واو كَيَدْعُو فإن جَزْمَهن بحذف الآخر فأما قوله : -
(
أَلْم يَأْتِيكَ وَالأنْبَاءُ تَنْمِى ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ ) فضرورة

وأما قوله تعالى : ( إنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبر ) فى قراءة قُنْبُل فقيل ( مَنْ ) موصولة وتَسْكِيُن ( يصبر ) إما لتوالي حركات الباء والراء والفاء والهمزة أو على أنه وَصَلَ بنية الوقف وإما على العطف على المعنى لان مَنْ الموصولة بمعنى الشرطية لعمومها وإبهامها
تنبيه : إذا كان حرف العلة بدلا من همزة كَيقْرَأْ وَيُقْرِئ ويَوْضُؤ

كان الإبدال بعد دخول الجازم فهو إبدال قياسي ويمتنع حينئذٍ الحذفُ لاستيفاء الجازم مُقْتَضَاه وإن كان قبله فهو إبدال شاذ ويجوز مع الجازم الإثباتُ بناء على الاعتداد بالعارض وعدمهِ وهو الأكثر

فصل : وتُقَدَّر الحركاتُ الثلاثُ في الاسم المعرب الذي آخِرُه ألفُ لازمةٌ نحو الْفَتَى وَالُمصْطَفَى ويسمى معتلا مقصورا
والضمة والكسرة في الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة مكسور ما قبلها نحو المرتقى والقَاضِي ويسمى معتلاً منقوصاً
وخرج بذكر الاسم نحو يخَشْىَ ويَرْمِى وبذكر اللزوم نحو ( رأيت أخَاكَ ) و ( مررت بأخِيكَ ) وباشتراط الكسرة نحو ظَبْيٍ وكُرْسِيّ
وتقدَّرُ الضمة والفتحة فى الفعل المعتلِّ بالألف نحو ( هو يَخْشَاهَا ) و ( لن يخَشْاهَا ) والضمة فقط في الفعل المعتل بالواو أو الياء نحو ( هُوَ يَدْعُو ) و ( هُو يَرْمِي )
وتظهر الفتحة في الواو والياء نحو ( إنَّ الْقَاضِيَ لَنْ يَرْمِيَ وَلَنْ يَغْزُوَ )

هذا باب النَّكِرة والمعرفة الاسم نَكِرةَ وهي الأصل وهي عبارة عن نوعين
أحدهما : ما يقبل ( أل ) المؤثرة للتعريف كرجل وفرس ودار وكتاب

والثاني : ما يقع موقع ما يقبل ( أل ) المؤثرة للتعريف نحو ( ذِي ومَنْ ومَا ) في قولك : ( مَرَرْتُ برَجُلٍ ذي مَالٍ وَبِمْنَ مُعْجِبٍ لك وبما معجب لك ) فإنها واقعة موقع ( صاحب وإنسان وشيء ) وكذلك نحو : صَهٍ - منوناً - فإنه واقع موقع قولك ( سُكُوتاً )
ومعرفة وهي الفرع وهي عبارة عن نوعين : أحدهما : مالا يقبل ( أل ) ألبتة ولا يقع موقع ما يقبلها نحو زيد وعمرو والثاني ما يقبل أل ولكنها غير مؤثرة للتعريف نحو ( حارث وعَبَّاس وضّحَّاك ) فإن ( أل ) الداخلة عليها لِلَمْحَ الأصل بها
وأقام المعارف سبعة : المضمر كأنَا وهُمْ والعَلمَ كزيد وهند والإشارة كذَا وذِي والموصول كالّذِي والتِي وذو الأداة كالغلام والمرأة والمضاف لِوَاحِدٍ منها كأبْنىِ وغُلاَمِي والمنادى نحو ( يا رَجُلُ ) لمعين .
فصل في المضمر - المضمر و الضمير : إِسمان لما وُضِعَ لمتكلمٍ كأنا أو لمخاطبٍ كأنْتَ أو لغائب كهُوَ أو لمخاطَب تارةً ولغائبٍ أخرى وهو الألف و الواو والنون كقُومَا وقَامَا وقُومُوا وقَامُوا وقُمْنَ
وينقسم إلى بارز - وهو ماله صورة في اللفظ كتاء ( قُمْتُ ) - وإلى مستتر وهو بخلافه كالمقدر في ( قُمْ ) . وينقسم البارز إلى متصل وهو : مالا يُفْتَتَحُ به النطقُ ولا يقع بعد ( إلا ) كياء ( ابْنِىِ ) وكاف ( أكرمَكَ ) وهاء ( سَلْنِيهِ ) ويائه وأمَّا قوله : -
(
وَمَا عَلَيْنَا إذَا ما كُنْتِ جَارَتَنَا ... أنْ لا يُجَاوِرَنَا إلاَّ كِ دَيَّارِ ) فضرورة

وإلى منفصل وهو : ما يُبْتَدَأ به ويقع بعد ( إلا ) نحو ( أنا ) تقول : ( أنا مؤمن ) و ( ما قام إلا أنا )
وينقسم المتصل - بحسب مواقع الأعراب - إلى ثلاثة أقسام : ما يختصُّ بمحل الرفع وهو خمسة : التاء كقُمْتُ والألف كقَامَا الواو كقَامُوا والنون كقُمْنَ وياء المخاطبة كقُومِي . وما هو مشترك بين محل النصب والجر فقط وهو ثلاثه : ياء المتكلم نحو ( رَبِّي أَكْرمَنَي ) وكاف المخاطب نحو ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ) وهاء الغائب نحو ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهْوَ يُحاوِرُهُ ) . وما هو مشترك بين الثلاثة وهو ( نا ) خاصة نحو ( ربَّنَا إنَّنَا سَمِعْناَ ) . وقال بعضهم : لا يختص ذلك بكلمة ( نا ) بل الياء وكلمة ( هم ) كذلك لأنك تقول : ( قُومِي ) و ( أكْرَمَنِي ) و ( غُلاَمِي ) و ( هم فَعَلوُا )

(
وإنّهم ) و ( لهم مال ) وهذا غيُر سَدِيدٍ لأن ياء المخاطبة غيُر ياء المتكلم والمنفصل غير المتصل
وألفاظ الضمائر كلها مبنية ويختص الاستتار بضمير الرفع
وينقسم المستتر إلى مستتر وُجُوباً وهو : مالا يُخلُفُه ظاهر ولا ضمير منفصل وهو المرفوعُ بأمر الواحد ك ( قُمْ ) أو بمضارعٍ مبدوء بتاء خطاب الواحد ك ( تَقُومُ ) أو بمضارع مبدوء بالهمزة ك ( أقُوم ) أو بالنون ك ( نَقُومُ ) أو بفعل استثناء ك ( خَلاَ وَعَدَا وَلاَ يَكُون ) في نحو قولك : ( قَامُوا ماخَلاَ زيداً وما عَدَا عَمْراً ولا يكون زيداً ) أو بأَفْعَلَ

فى التعجب أو بأفْعَلِ التفضيل ك ( مَا أَحْسَنَ الزَّيْدَيْنِ ) و ( هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ) أو باسم فِعْلٍ غير ماضٍ ك ( أَوَّه وَنَزَالٍ )
وإلى مستتر جَوازاً وهو : ما يخلُفُه ذلك وهو المرفوع بفعل الغائب أو الغائبة أو الصفات المَحْضَة أو اسم الفعل الماضي نحو ( زَيْدٌ قَامَ وَهِنْدٌ قَامَتْ زيد قَائِم أو مَضْرُوبٌ أو حَسَنُ وَهَيْهَات ) ألا ترى أنه يجوز ( زيد قام أبوهُ ) أو ( ما قام إلا هو ) وكذا الباقي
تنبيه - هذا التقسيم تقسيم ابن مالك وابن يعيش وغيرهما وفيه نظر إذ الاستتار في نحو ( زيد قام ) واجب فإنه لا يقال ( قام هو ) على الفاعلية وأما ( زيد قام أبوهُ ) أو ( ما قامَ إلا هُوَ ) فتركيبٌ آخر والتحقيق أن يقال : ينقسم العامل إلى مالا يرفع إلا الضمير المستتر كأقوم وإلى ما يرفعه وغيرَه كقَامَ

وينقسم المنفصل - بحسب مواقع الإعراب - إلى قسمين : - ما يختصُّ بمحل الرفع وهو ( أنا وأنت وهُوَ ) وفروعهن ففرع أنا : نحن وفرع أنْتَ : أنْتِ وأنْتُمَا وأنْتُمْ وأنْتُنَّ وفرُع هُوَ : هِيَ وهُمَا وهُمْ وهُنَّ . -
وما يختص بمحل النصب وهو ( إيَّا ) مُرْدَفاً بما يدلُّ على المعنى المراد نحو ( إيَّاىَ ) للمتكلم و ( إيَّاكَ ) للمخاطب و ( إيَّاهُ ) للغائب وفروعُهَا : إيَّانَا وإيَّاكِ وإيَّاكُمَا وإيَّاكُمْ وإيَّاكُنَّ وإيَّاهَا وإيَّاهُمَا وإيَّاهُمْ وإيَّاهُنَّ
تنبيه - المختار أن الضمير نفسُ ( إبَّا ) وأن الَلوَاحِق لها حروفُ تكلُّمٍ وخطابٍ وغيبةٍ
فصل :
القاعدة أنَّه متى تأتي اتِّصَالُ الضمير لم يُعْدَل إلى انفصاله فنحو ( قُمْتُ ) و ( أكرمتك ) لا يقال فيهما ( قامَ انَا ) ولا ( أكْرَمْتُ إياك ) فأما قولهُ : -
(
إلاَ يَزيِدُهُمُ حْبَّا إلَىَّ هُمُ ... )

وقولُه : -
(
إيَّاهُمُ الأرْضُ فىٍ دَهْرِ الدَّهَارِيرِ ... ) فضرورةُ

ومثال ما لم يتأتَ فيه الاتصال أن يتقدم الضمير على عامله نحو ( إيَّاكَ

نَعْبُدُ ) أو يلي ( إلاّ ) نحو ( أَمَرَ أنْ لَا تَعْبُدُوا إلاّ إيَّاهُ ) ومنه قوله : -
( . . . . . . .
وَإنُّما ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أوْ مِثْلىِ ) لأن المعنى مَا يُدَافِعُ عن أحْسَابهم إلا أَنَا

ويستثنى من هذه القاعدة مسألتان : إحداهما : أن يكون عاملُ الضميِر عاملا في ضَمِيٍر آخَرَ أعْرَفَ منه مقدمٍ عليه وليس مرفوعاً فيجوز حينئذ في الضمير الثاني الوجهان ثم إن كان العامل فعلا غير ناسخ فالوصل أرْجَحُ كالهاء من ( سَلْنِيهِ ) قال الله تعالى ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ) ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا ) ( إنْ يَسأَلكُمُوهَا ) ومن الفصل ( إن الله مَلْكَكُمْ إيَّاهُمْ ) وإن كان اسْماً فالفصل أرْجَحُ نحو ( عجبت من حُبِّي إيَّاهُ ) ومن الوصل قولُه : -
(
لَقَدْ كَانَ حبُيِّكِ حَقَّاً يَقِيناً ... )

وإن كان فعلا ناسخاً نحو ( خِلْتَنِيهِ ) فالأرْجَحُ عند الجمهور الفَصْلُ كقوله : -
(
أخِي حَسٍبْتُكَ إيَّاهُ ... )

وعند الناظم و الرُّمَّاني وابن الطَّرَاوة الوَصْلُ كقوله : -
(
بُلِّغْتُ صُنعَ امْرِيءٍ بَرٍّ إخَالُكَه ُ ... )

الثانية : أن يكون منصوباً بكان أو إحدى أخواتها نحو ( الصديق كنتَه ) أو ( كَأنَه زيدٌ ) وفى الأرجح من الوجهين الخلافُ المذكورُ ومن ورود الوصل الحديثُ ( إن يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلّطَ عليه ) ومن ورود الفَصْل قولُه : -
(
لئن كانَ إيَّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا ... )

ولو كان الضمير السابق في المسألة الأولى مرفوعاً وجب الوصْلُ نحو ( ضربته ) ولو كان غيرَ أَعْرَفَ وْجب الفْصَل ( أعطاه إياك ) أو ( إياى ) أو أعطاك إياي ) ومن ثَمَّ وجب الفَصْلُ إذا اتحدت الرتبة نحو : ( مَلَّكْتَنِي إيَّايَ ) و ( مَلَّكْتُكَ إيَّاكَ ) و ( مَلَّكْتُةُ أبَّاهُ ) يَبُاحُ الوصل إن كان الاتحاد في الغَيْبَةِ واختلف لفظُ الضميرين كقوله :

-
(
أَنَا لَهُماه قَفْوُ أَكْرَمِ وَالِدِ ... )

فصل
:
مضى أن ياء المتكلم من الضمائر المشتركة بين محلّىِ النصب والخفض . فإن نَصَبَهَا فعلُ أو اسْمُ فعل أو ( لَيْتَ ) وجب قبلها نون الوقاية فأما الفعل فنحو ( دَعَانِي ) و ( يُكْرِمُنِي ) و ( أعْطِني ) وتقول ( قام القوم ما خَلاَنِي ) و ( ما عَدَانِي ) و ( حَاشَانِي ) إن قَدَّرْتَهُنَّ أفعالا قال :

-
(
تُمَلّ النَّدَامى مَا عَدَانىِ فَإنَّنِي ... )

وتقول ( ما أفْقَرَنيِ إلى عفو الله ) و ( مَا أَحْسَنَنِي إنِ اتقّيْتُ الله ) وقال بعضهم ( عليه رَجُلاً لَيْسَنِى ) أي : ليِلْزَمْ رجلاً غيري وأما تجويز الكوفي ( ما أَحْسَنِى ) فمبنىٌّ على قوله إن ( أحْسَنَ ) ونحوه اسمٌ واما قولُه : -
(
إذْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِى ... ) فضرورة

وأما نحو ( تأمُرُونِي ) فالصحيح أن المحذوف نون الرفع

وأما اسم الفعل فنحو ( دَرَاكِنى ) وَتَداركني و ( عَلَيْكَنىِ ) بمعنى أَدْرِكْنىِ وبمعنى اتركْني وبمعنى الزَمْنِي . وأما ليت فنحو ( يا لَيْتَني قَدَّمْتُ لحياتي ) واما قوله : -
(
فَيَالَيْتي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ ... ) فضرورة عند سيبويه وقال الفراء : يجوز ( لَيْتَنِى ) و ( لَيْتِى )

وإن نَصَبَهَا ( لعلَّ ) فالحذْفُ نحو ( لَعَلِّى أبْلُغُ الأسْباَبَ ) أكثَرُ من الإثبات كَقَوله : -
(
أَرِيِنى جَوَاداً مَاتَ هُزْلاً لَعلّنىِ ... )

وهو أكثر من ( لَيْتِي ) وغَلِطَ ابن الناظم فجعل ( لَيْتِى ) نادراً و ( لَعَلّنِي ) ضرورة
وإن نصبها بقيهُ أخوات ليت ولعل - وهي : إنَّ وَأَنَّ ولكنَّ وكأنَّ - فالوجهان كقوله : -
(
وَإنَّ عَلَى لَيْلَى لَزَارٍ وَإنَّنيِ ... )

وإن خَفَضَها حرفٌ : فإن كان ( مِنْ ) أو ( عَنْ ) وجبت النونُ إلا فى الضرورة كقوله : -
(
أيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعِنِّي ... لَسْتُ مِنْ قيْسَ وَلاَ قَيْسُ مِنِي )

وان كان غيرهما امتنعت نحو ( لىِ ) و ( بىِ ) و ( فيَِّ ) و ( خَلاَىَ ) و ( عَدَاىَ ) و ( حَاشَاىَ ) قال : -
(
فىِ فِتْيَةٍ جَعَلُوا الصَّليِبَ إِلهَهُمْ ... حَاشَاىَ إني مُسْلِمٌ مَعْذُورُ )

وإن خَفَضَها مضاف : فإن كان ( لَدُنْ ) أو ( قَطْ ) أو ( قَدْ ) فالغالبُ الإثباتُ ويجوز الحذفُ فيه قليلا ولا يختص بالضرورة خلافاً لسيبويه وغلط ابن الناظم فجعل الحذف في ( قَدْ وقَطْ ) أَعْرَفَ من الإثبات ومثالهما : ( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) وقرئ مُشَدَّداً ومُخفَّفاً وفى حديث النار ( قَطِنى قَطنىِ ) وقَطِي قَطِي قال : -
(
قَدْنىَِ مِنْ نَصْرِ اُلْخُبَيْبَيْنِ قَدِى ... ) وإن كان غَيْرَهُنَّ امتنعت نحو ( أبىِ ) و ( أخىِ )

هذا باب العَلمَ وهو نوعان : جِنْسِىٌّ وسيأتي وشَخْصِيٌّ وهو : اسم يُعَيِّن مُسَمَّاه تعيينا مطلقا فخرج بذكر التعيين النكراتُ وبذكر الإطلاق ما عدا العَلَمَ من

المعارف فإن تعيينها لمسمياتها تعيينٌ مُقَيَّدٌ ألا ترى أن ذا الألف و اللام مثلا إنما تعين مُسمَّاه ما دامت فيه ( أل ) فإذا فارقَتْهُ فارقَهُ التعيينُ ونحو ( هذا ) إنما يعين مُسَمَّاه ما دام حاضراً وكذا الباقي

فصل وُمُسَمَّاه نوعان : أُولُو العِلْمِ من المذكَّرِينَ كجَعْفَر والمؤنثاتِ كخِرْنِق وما يُؤَلَفُ : كالقبائل كقَرَنَ والبلاد كعَدَن والخيل كلاَحِقٍ والإبل كشَذْقَم والبقر كعَرَارِ والغنم كهَيُلَة والكلابِ [ نحو ] وَاشِقٍ
فصل
:
وينقسم إلى مُرْتَجَلٍ وهو : ما استعمل من أول الأمر علماً كأدَدٍ لرجلٍ وسُعَاد لامرأة ومنقول - وهو الغالب - وهو : ما استعمل قبل العلمية لغيرها وَنَقْلُه إما من اسم إما لحدث كزَيْدٍ وفَضْل أو لعين كأسد وثَوْر وإما من وَصْفٍ إما لفاعل كحاَرِثٍ وحَسَنٍ أو لمفعول كمنصور

ومحمد وإما من فعل إما ماض كشَمَّر او مُضَارع كيَشْكُر وإما من جملة إما فعلية كشَابَ قَرْنَاهَا أو اسمية كزيد منطلق وليس بمسموع ولكنهم قَاسُوهُ وعن سيبويه الأعلام كلها منقولة وعن الزجاج كلها مُرْتجله

فصل : وينقسم أيضاً إلى مُفْرَد كزَيْد وهِنْد وإلى مُرَكَّب وهو ثلاثة أنْوَاعٍ : - مركَّب إسنادِىّ ك " بَرَقَ نَحْرُهُ " و " شَابَ قَرْنَاهَا " وهذا حكمه الحكاية قال : -
(
نُبِّئْتُ أَخْوَالِى بَنِى يَزيِدُ ... )

-
ومركَّب مَزْجِىٌّ وهو : كل كلمتين نزِّلَتْ ثانيتهما منزلَةَ تاء التأنِيث مما قبلها فحكم الأول أن يُفْتَحَ آخِرهُ ك ( بَعْلَبَكَّ ) و ( حَضْرَ مَوْتَ ) إلا إن كان ياء فيسكن ك ( مَعْدِ يكَرِبَ ) و ( قَالىِ قَلاَ ) وحُكْمُ الثاني أن يُعْرَب بالضمة والفتحة إلا إنْ كان كلمة ( وَيْهِ ) فيبنى على الكسر ك ( سِيَبَويْهِ ) و ( عَمْرَ وَيْهِ ) . - ومركَّب إضافي - وهو الغالب وهو كل اسمين نُزِّل ثانيهما منَزَلةَ التنوين مما قبله ك ( معْبَد الله ) و ( أبي قُحَافة ) - وحكمه أن يُجْرَى الأولُ بحسب العوامل الثلاثة رفعاً ونصباً وجرًّا ويجر الثاني بالإضافة
فصل
:
وينقسم أيضاً إلى اسم ُوكُنْيَةٍ ولَقَبٍ :

فالكُنْيَة : كل مركَّب إضافي في صَدْرِه أبٌ أو أمٌ كأبي بكر وأم كلثوم
والّلقَب : كل ما أشْعَرَ بِرِفْعَة الُمسَمَّى أوضَعَتِه كزين العابدين وانْفِ النَّاقه
والاسم ما عَدَا هُمَا وهو الغالب كزيد وعمرو
ويؤخّرُ اللقب عن الاسم ك ( زَيد زَيْن العابدين ) وربما يُقَدَّم كقوله : -
(
أَنَا ابْنُ مُزَيِقْيَا عَمْرٍو وَجَدِّى ... )

ولا تَرْتِيبَ بين الكُنْيَه وغيرها قال : -
(
أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ )

وقال حسان : -
(
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللهِ مِن أجْلِ هَالِكٍ ... سَمِعْنَا بِهِ إلاّ لِسَعْدٍ أبِى عَمْرِو )

وفي نسخة من الخلاصة ما يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكُنْيَة

ك ( أبي عبد الله أنف الناقة ) وليس كذلك
ثم إن كان اللقب وما قبله مضافين ك ( عبد الله زين العابدين ) أو كان الأول مفرداً والثاني مضافاً ك ( زيد زين العابدين ) أو كانا بالعكس ك ( عبد الله كرز ) أتْبَعْتَ الثاني للأول : إما بَدَلاً أو عَطْفَ بيانٍ أو قَطَعْتَهُ عن التبعية إما برفعه خبراً لمبتدأ محذوف أو بنصبه مفعولا لفعل محذوف وإن كانا مفردين ك ( سعيد كُرْز ) جاز ذلك ووَجْهُ آخر وهو إضافة الأول إلى الثاني وجمهورُ البصريين يوجب هذا الوجه

ويردُّه النَّظَر وقولُهم : ( هذَا يَحْيَى عَيْنَانُ )

فصل : والعَلمَ الجنسي اسمُ يعِّيُن مسماه بغير قيدٍ تعيينَ ذِى الأداة الجنسية أو الحضورية تقول : ( أُسَامَةُ أَجْرَأُ مِنْ ثُعَالَةَ ) فيكُون بمنزلة قولك : ( الأسد أجرأ من الثعلب ) و ( أل ) في هذين للجنس وتقول هذَا أُسَامَةُ مُقْبِلاً " فيكُون بمنزلة قولك " هذا الأسد مقبلا " و " أل " في هذا لتعريف الحضور وهذَا العَلَم يُشْبه عَلَم الشخص من جهة الأحكام اللفظية فإنه يمتنع من ( أل ) ومن الإضافة من الصَّرْفِ إن كان ذا سببٍ آخَرَ

كالتأنيث في ( أسامة ) و ( ثُعَالَة ) وَكَوَزْنِ الفعل في ( بَنَاتِ أوْبَرَ ) و ( ابن آوَى ) وَيُبْتَدَأ به ويأتي الحالُ منه كما تقدم في المثالَيْنِ ويُشْبه النَّكِرَة من جهة المعنى لأنه شائع في أَمَّتهِ لا يختص به واحد دون آخر
فصل
:
وَمُسَمَّى عَلَم الجنس ثلاثَةُ أنواع : أحدها - وهو الغالب - أعْيَانُ لا تُؤْلَفُ كالسِّبَاع والحشرات كأسامة وثُعَالة وأبي جَعْدَةَ للذئب وأُم عِرْيَطٍ للعقرب
و الثاني : أعيان تؤلف كهَيَّان بن بَيَّان للمجهول العين والنسب وابي المَضَاء للفرس وأبي الدَّغْفَاء للأحمق
و الثالث : أمور معنوية كسُبْحَان للتسبيح وكَيْسَان للِغَدْرِ ويَسَارِ للمَيْسَرةَ وَفَجَارِ للفَجْرَة وبَرَّه للمبرة

هذا باب أسماءِ الإشارة والمُشَار إليه إما واحد او اثنان او جماعة وكلُّ واحد منها إما مذكر وإما مؤنث فللمفرد المذكر ( ذا ) وللمفرد المؤنث عشرة وهي : ذِى وتىِ وذِهِ وتِهِ وذِهْ وتِهْ وذات وتا ذَانِ وتَانِ رفعاوذَيْنِ وتَيْنِ جراً ونصباً ونحو ( إنَّ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) مؤول ولجمعهما ( أولاء ) ممدوداً عند الحجازيين ومقصوراً عند تميم ويقلُّ مجيئه لغير العقلاء كقوله : -
(
وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولئِكَ الأيَّام ... )
فصل : وإذا كان المشار إليه بعيدا لحقته كافٌ حَرْفية تتصرّف تَصَرُّفَ الكاف الأسمية غالبا ومن غير الغالب ( ذَلكَ خَيْرٌ لَكُمْ ) أن تزيد قبلها لاماً إلا في التثنية مطلقا وفي الجمع في لغة من مَدَّةُ وفيما سَبَقَتْهُ ( ها ) وبنو تميم لا يأتون باللام مطلقاً

فصل
:
ويشار إلى المكان القريب بهُنَا أو ههُنَا نحو ( إنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ ) وللبعيد بهُنَاكَ أو هُهنَاكَ أو هُنَالِكَ أو هَنَّا أو هَنَّا أو هنت أو ثَمَّ نحو ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَريِنَ ) .
هذا باب الموصول وهو ضربان : حرفي واسمي . فالحرفىَّ : كلُّ حرفٍ أُوِّلَ مع صِلَتهِ بمصدر وهو ستة : أَنَّ وأَنْ ومَا وكَىْ ولَوْ والّذِي نحو ( او لَم يَكْفِهِمْ أَنَّا أنْزَلنْاَ ) ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) ( بِمَا نَسُوا يَوْمَ الِحْسابِ ) ( لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلىَ المُؤمِنيِنَ

حَرَجٌ ) ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ) ( وَخُضْتُمْ كَالّذِى خَاضُوا )

والاسمىُّ ضربانِ : نَصٌّ ومشترك . فالنصُّ ثمانية : منها للمفرد المذكر ( الذي ) للعالم وغيره نحو ( الحّمْدُ للهِ الّذىِ صَدقَنَا وَعْدَهُ ) ( هذَا يَوْمُكُمُ الّذىِ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) وللمفرد المؤنث ( التي ) للعاقلة وغيرها نحو ( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التّيِ تجُاَدِلُكَ في زَوْجَها ) ( مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتهِمُ التّى كَانُوا عَلَيْهاَ ) ولتثنيتهما ( الّلذَانِ ) و ( الّلتّانِ ) رفعاً و ( الّلذَيْنِ ) و ( الّلتّيْنِ ) جَرَّا ونصباً وكان القياسُ في تثنيتهما وتثنية ( ذّا ) و ( تا ) ان يقال : الّلذِيَانِ وَالّلتِيَانِ وَذَيَانِ وَتَياَنِ كما يقال القَاضِيَانِ - باثبات الياء - وَفَتَيَانِ - بقلب الألف ياء - ولكنهم فَرَقُوا بين تثنية المبنى والمعرب فحذفوا الآخر كما فرقوا في التصغير إذ قالوا : الّلذّيَّا وَالّلتَيَّا وَذَيَّا وَتَيَّا فأبْقَوُا الأوَّلَ على فتحه وزادوا ألفاً فى الآخر عِوَضاً عن ضمة التصغير وتميم وقيس تشدِّد النون فيهما تعويضاً من المحذوف أو تأكيداً للفرق ولا يختصُّ ذلك بحاله

الرفع خلافاً للبصريين لأنه قد قرئ فى السبع ( رَبَّنَا أَرِنَا الّلذَيْنَّ ) ( إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِّ ) بالتشديد كما قرئ ( وَ الّلذّانِّ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ) ( فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ ) وَبَلْحَرِثُ بن كَعْب وبعضُ ربيعة يحذفون نون اللذان واللتان وقال : -
(
أبَنىِ كُلَيْبِ إنَّ عَمَّىَّ الَّلذَا ... )

وقال : -
(
هٌمَا الّلتَا لَوْ وَلَدَتْ تمَيِمُ ... ) ولا يجوز ذلك في ذَانِ وتَانِ للإلباس

وتلَخّص أن في نون الموصول ثلاثَ لُغَاتٍ وفي نون الإشارة لُغَتَانِ ولجمع المذكَّرِ كثيراً ولغيره قليلا " الألَى " مقصوراً وقد يُمَدُّ و " الّذيِنَ " بالياءِ مطلقاً وقد يقال بالواو رفعاً وهو لُغة هُذَيْل أو عُقَيْل قال -
(
نَحْنُ الّذونَ صَبَّحُوا الصَّباَحَا ... )

ولجمع المؤنث " اللاّتِى " و " اللاَئِى " وقد تحذف ياؤهما وقد يتقاوض الآلَى واللاَئِى قال -
(
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الألَى كُنَّ قَبْلَهَا ... )

أي حب اللاتي وقال : -
(
فَمَا آباؤُنَا بِأَمَنَّ مِنْهُ ... عَلَينْا اللاء قَدْ مَهَدُوا الُحْجُورَا ) أي الذين

والمشترك ستة : مَنْ ومَا وأىٌّ وألْ وذُو وذا
فأما ( مَنْ ) فإنها تكون للعِالِم نحو ( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْم الْكِتَابِ ) ولغيره في ثلاث مسائل : إحداها : أن يُنَزَّلَ منزلتَهُ نحو ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ له ) وقوله : -
(
أسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَنْ يُعِيُر جَنَاحَهُ ... )

وقوله - (
أَلاَ عِمْ صَباَحاً أَيُّهاَ الطّلَلُ البَالِي ... وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ في العُصُرِ الَخْالِي ) فدُعاء الأصنام ونِداء القَطَا والطّلَل سوَّغَ ذلك

الثانيه : أن يجتمع مع العاقل فيما وقعت عليه ( مَنْ ) نحو ( كَمنْ لاَ يَخْلُقُ ) لشُمُوله الآدميينَ و الملائكةَ والأصنامَ ونحو ( أَلَمْ تَرَ أنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ

مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) ونحو ( مَنْ يَمْشى عَلَى رِجْلَيْنِ ) فإنه يشمل الآدمِىَّ والطائرَ
الثالثة : أن يقترن به في عمومٍ فُصِّل بمن نحو ( مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ) و ( مَنْ يَمْشِى عَلىَ أَرْبَعِ ) لاقترانهما بالعاقل في عموم ( كلَّ دابة )
وأما ( ما ) فإنها لما لا يَعْقِلُ وَحْدَه نحو ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) وله مع العاقل نحو ( سَبَّحَ للهِ مَا في السَّموَاتِ وَمَا فىِ الأَرْضِ ) ولأنواع مَنْ يعقل نحو ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ) وللمُبَهمِ أمْرُهُ كقولك وقد رأيت شَبَحاً : ( انْظُرْ إلى مَا ظَهَرَ )
والأربعة الباقية للعِاقِل وغيرهِ فأما ( أىٌّ ) فخالف في موصوليتها ثعلب ويردُّه قوله : -
(
فَسَلمْ عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ ... )

ولا تُضَاف لنكرة خلافاً لابن عصفور ولا يعمل فيها إلا مُسْتَقبَل مُتَقدِّم

نحو : ( لَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ ) خلافاً للبصريين وسُئِلَ الكسائىُّ : لم لا يجوز أعجبني أيُّهُمْ قَامَ : فقال أىٌّ كذا خُلِقَتْ وقد تؤنث وتئنى وتجمع وهي معربة فقيل مطلقاً وقال سيبويه : تُبْنَى على الضم إذا أضيفت لفظاً وكان صَدْرُ صلتها ضميراً محذوفا نحو : ( أيُّهُمْ أَشَدُّ ) وقوله :

(
عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ ... ) وقد تعرب حينئذ كما رويت الآية بالنصب والبيت بالجر . وأمَّا ( أل ) فنحو ( إنَّ الُمصَّدِّقين وَالُمصَّدقِّاتِ ) ونحو ( وَالسَّقْفِ اَلمرْفُوعِ وَالبَحْرِ الَمسْجُورِ ) وليست موصولا حَرْفيَّا خلافاً للمازني ومَنْ وافقه ولا حرف تعريف خلافاً لأبي الحسن . وأما ( ذو ) فخاصة بطيء والمشهور بناؤها وقد تعرب كقوله :
(
فَحَسْبَي مِنْ ذِى عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِيَا ... ) فيمن رواه بالياء ومشهور أيضاً إفرادُها وتذكيرها كقوله :

-
(
وَبِئرِى ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ ... )

وقد تُؤَنَّثُ وتُثَنَّى وتُجْمَع حكاه ابن السَّراج ونازَعَ في ثبوت ذلك ابنُ مالكٍ وكلُّهم حكى ( ذَاتُ ) للمفردة و ( ذَوَاتُ ) لجمعها مضمومتين كقوله ( باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ وَالكَرَامَةِ ذَاتُ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بَهْ ) وقوله :

-
(
ذَوَاتُ يَنْهَضْنَ بِغَيِرسَائِقِ ... )

وحكى إعرابهما إعرابَ ذات وذوات بمعنى صاحبة وصاحبات . وأما ( ذا ) فشرط موصوليتهَا ثلاثة أمور : أحدها : ان لا تكُون للاشارة نحو ( مَنْ ذا الذّاهِبُ ) و ( مَاذَا التَّوَانِي ) . والثاني : ألا تَكُون مُلغْاَة وذلك بتقديرها مركبة مع ( ما ) في نحو

(
ماذَا صَنَعْتَ ) كما قَدْرها كذلك من ( قال عَمَّاذَا تَسأَلُ ) فأثبت الألف لتوسُّطِها ويجوز الإلغاء عند الكُوفيين وابن مالك على وجه آخر وهو تَقْدِيُرها زائدةً

:
أن يتقدمها استفهام بما باتفاق أو بِمَنْ على الأصح كقول لبيد : -
(
أَلاَ تَسْأَلاَنِ الَمرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... )

وقوله : -
(
فَمَنْ ذَا يُعَزِّى اَلْحَزيِنَا ... )

والكوفىُّ لاَ يَشْتَرِط ما ولا مَنْ واحتجَّ بقوله : -
(
أَمِنْتِ وَهذَا تَحْمِليِنَ طَليِقُ ... )

أي : والذي تحمِليَنُه طليق وعندنا أن ( هذا طليق ) جملة اسمية و ( تحملين ) حال أي : وهذا طليق محمولا

فصل : وتفتقر كلُّ الموصولات إلى صله متأخرة عنها مشتملة على ضمير مطابق لها يسمى العائذ
والصلة : إما جملة وشرطُهَا : أن تكون خبرية معهودة إلا في مقام التهويل والتفخيم فيحسن إبهامها فالمعهودة ك ( جاء الذي قامَ أبُوهُ ) والمبهمة نحو ( فَغَشِيَهُمْ مِنَ اَلِيمِّ مَا غَشِيَهُمْ ) ولا يجوز أن تكون إنشائيه

ك ( بِعْتُكَه ولا طلبية ك ( اضْرِبْهُ ) و ( لاَ تَضْرِبْهُ ) وإما شِبْهُهَا وهي ثلاثة : الظرف المكاني والجار والمجرور التامَّان نحو ( الذي عندك ) و ( الذي في الدار ) وَتَعَلُّقُهُمَا باستقرَّ محذوفاً وَالصِّفَةُ الصَّرِيحة - أي الخالصه للوصفية - وتختص بالألف واللام ك ( ضارب ) و ( مضروب ) و ( حَسَنٍ ) بخلاف ما غَلَبَتْ عليها الاسميةُ كأبْطَحٍ وأجْرَعٍ وصاحب وراكب وقد تُوصَلُ بمضارع كقوله :
(
مَا أَنْتَ بالْحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ ... )

ولا يختص ذلك عند ابن مالك بالضرورة
فصل
:
ويجوز حَذْفُ العائد المرفوع إذا كان مبتدأ مخبراً عنه بمفردٍ

يُحْذَفُ في نحو ( جَاء الّلذَانِ قَامَا ) أو ( ضُرِباَ ) لأنه غير مبتدأ ولا في نحو ( جاء الذي هو يقوم ) أو ( هو في الدار ) لأن الخبر غير مفرد فإذا حُذِفَ الضميرُ لم يَدُلَّ دليل على حذفه إذ الباقي بعد الحذف صالحٌ لأن يكون صلة كاملة بخلاف الخبر المفرد ( أَيُّهُمْ أَشَدُّ ) ونحو ( وَهُوَ الذِى فىِ السَّمَاءِ إلهٌ ) : هو إلهٌ في السماء أي : معبود فيها

ولا يكثر الحذفُ في صلة غير ( أىٍّ ) إلا إنْ طَالَتِ الصِّلَةُ وَشَذّتْ قراءة بعضهم ( تَمَاماً عَلىَ الّذىِ أَحْسَنُ ) وقوله : -
(
مَنْ يُعْنَ بِاَلْحمْدِ لمَْ يَنْطِقْ بمِاَ سَفَهٌ ... ) والكوفيون يَقِيسُونَ على ذلك

ويجوز حَذفُ المنصوب إن كان متصلا وناصبه فعلُ أو وَصْفٌ غيرُ صِلَةِ الألف واللام ونحو ( وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) وقوله : -
(
مَا اللهُ مُوليِكَ فَضْلٌ فَاحْمَدَنْه بِهِ ... )

بخلاف ( جاء الذي إياه أكرمت ) و ( جاء الذي إنه فاضل ) أو ( كأنَّهُ أَسَد ) أو ( انا الضاربُهُ ) وَشَذّ قُوله : -
(
مَا المُسْتَفِزُّ الَهوى مَحْمُودَ عَاقِبَةٍ ... )

وحذفُ منصوبِ الفعل كثيرٌ ومنصوب الوصفِ قليلُ

ويجوز حَذفُ المجرور بالإضافة إنْ كان المضافُ وصفاً غيَر ماضٍ نحو ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاَضٍ ) بخلاف ( جاء الذي قَامَ أبُوهُ ) و ( أنَا أمْسِ ضَارِبُهُ )
والمجرور بالحرفِ إنْ كان الموصول أو الموصوف بالموصول مجروراً بمثل ذلك الحرف مَعْنًى وَمُتَعَلقاً نحو ( وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) أي : منه وقوله :

(
لاَ تَرْكَنَنَّ إلَى الأمْرِ الّذيِ رَكَنَتْ ... أَبْنَاء يَعْصُرَ حِينَ اضْطَرَّهَا الْقَدَرُ )

وشذ قوله : -
(
وَأيّ الدَّهْرِ ذُو لَمْ يَحْسُدُونِي ... )

أي فيه وقولُه : -
(
وَهُوَّ عَلَى مَنْ صَبَّه اللهُ عَلْقَمُ ... )

أي : عليه فحذَفَ العائِدَ المجرورَ مع انتفاء خَفْضِ الموصول في الأول ومع اختلاف المتعلَّقِ في الثاني وهما ( صَبَّ ) و ( عَلْقَمُ )
هذا باب المعرفه بالأداة وهي ( أل ) لا اللامُ وَحْدَها وفاقاً للخليل وسيبويه وليست الهمزةُ زائدةً خلافا لسيبويه
وهي : إما جنسية فإن لم تخلُفْها ( كلُّ ) فهي لبيان الحقيقة نحو : ( وَجَعَلنْاَ مِنْ الَماءِ كُلَّ شَيءٍ حَىٍّ ) وإن خَلَفتْها ( كلُّ ) حقيقةً فهي لشُمُول افراد الجنس نحو ( وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفاً وإن خلفتها مجازاً فلشمول خصائص الجنس مبالَغَةً نحو ( أَنْتَ الرَّجُلُ عِلْماً )
وإما عَهْدِيّةُ والعهد : إما ذِكْرىّ نحو ( فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُول ) أو عِلْميُّ نحو ( بِالْوَادِى المقَدَّسِ ) ( إذْ هُمَا فِي الْغَارِ ) أو حُضُورِيٌّ نحو ( الْيَوْمَ أَكَمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )
فصل : وقد تَردُ ( أل ) زائد ة أي غير مُعَرِّفةٍ إما لازمة كالتي في عَلَم قَارنَتْ وَضْعه كالسَّموْ أَلِ وَالْيَسَعِ وَالَّلاتِ وَالْعُزَّى أو في إشارة وهو ( الآن ) وفاقاً للزجاج والناظم أو في موصول وهو ( الذي ) و ( التي ) وفروعهما لأنه لا يجتمع تعريفان وهذه معارف بالعَلمَية والإشارة والصِّلَة وإما عارضة : إما خاصة بالضرورة كقوله : -
(
وَلَقَدْ نَهَيتْكُ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ ... )

وقوله : -
(
صَدَدْتَ وَطِبتَ النَّفْسَ يا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو ... )

لأن ( بنات أوبر ) عَلَم و ( النفس ) تمييز فلا يَقْبَلانَ التعريفَ ويلتحق بذلك ما زِيدَ شذوذاً نحو ( اُدْخُلُوا الأوَّلَ فَالأوَّلَ )

وإما مُجَوَّزةٌ لِلمْحِ الأصل وذلك أن العَلمَ المنقول مما يقبل ( أل ) قد يُلْمَحُ أَصْلُهُ فتدخل عليه أل وأكثر وقوع ذلك في المنقول عن صِفَةٍ كحارثٍ وقاسمٍ وحَسَنٍ وحُسَيْنٍ وعَبَّاس وضَحَّاك وقد يَقَعُ في المنقول عن مصدر كفَضْل او اسم عَيْنٍ كنُعْمان فإنه في الأصل اسمٌ للدَّمٍ والباب كلُّه سماعىٌّ فلا يجوز في نحو مُحَمَّد وصالح ومَعْرُوف ولم تَقَعْ في نحو ( يزيد ) و ( يَشْكُر ) لأن أصله الفعل وهو لا يقبل أل وأما قوله :
(
رَأيْتُ الْوَليِد بْنَ اليْزَيِد مُبَارَكاً ... ) فضرورة سَهَّلَهَا تَقَدُّم ذكر الوليد

فصل
:
من الُمعَّرفِ بالإضافة أو الأداة ما غَلَبَ على بعض مَنْ يستحقه حتى التْحَقَ بالأعلام فالأول كان عباس وابن عُمَرَ بن الخطاب وابن عَمْرو بن العاص وابن مسعود غَلَبَتْ على الْعَبَادلة دون مَنْ عداهم من إخوتهم و الثاني كالنَّجْم للثُّرَيَّا والعَقَبَة والبيت والمدينة والأعشى و ( أل ) هذه زائدة لازمة إلا في نداء أو إضافة فيجب حذفها نحو ( يَا أَعْشَى بَاهِلَةَ ) و ( أَعْشَى تَغْلِبَ ) وقد يحذف في غير ذلك سمع ( هذَا عَيُّوقٌ طَالِعاً ) و ( هذَا يَوْمُ اثْنَيْنِ مُبَارَكاً فِيهِ )
هذا باب المبتدأ والخبر المبتدا : اسمٌ أو بمنزلته مُجَرَّدٌ عن العوامل اللفظية أو بمنزلته مُخْبَرٌ عنه أو وصفٌ رافعُ لمكْتَفى به
فالاسمُ نحوُ ( اللهُ رَبُّنَا ) و ( مُحَمَّدُ نبَيِنُّا ) والذي بمنزلته نحو ( وَأَنْ

تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) و ( سَوَاءٌ عَليَهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تنُذْرْهُمْ ) و ( تَسْمَعُ بِالْمُعَيْديّ خَيْرُ مِنْ أَنْ تَرَاهُ )

والمجرد كما مثلنا والذي بمنزلة المجرد نحو ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله ) و ( بحَسْبِكَ دِرْهَمٌ ) لأن وجود الزائد كلا وُجُودٍ ومنه عند سيبويه ( بِأَيِّكُمُ الَمْفتُونُ ) وعند بعضهم ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ )

وَالوَصْف نحو ( أقَائِمٌ هذَانِ ) وَخَرَجَ نحو ( نَزَالِ ) فإنه لا مُخْبَرٌ عنه ولا وَصْفٌ ونحوُ ( أَقَائِمٌ أَبَوَاهُ زَيْدٌ ) فإن المرفوع بالوصفِ غَيْرَ مُكْتَفًي بِهِ فزيدٌ : مبتدأ وَالوَصْفُ خبٌر
ولا بُدَّ للوصف المذكور من تَقَدُّم نَفْيٍ او استفهام نحو :

-
(
خَليِلَىَّ مَا وَافٍ بِعَهْدِي أَنْتٌمَا ... )

ونحو : -
(
أَقَاطِنٌ قَوْمُ سَلْمَى أَمْ نَوَوْا ظَعَناً ... )

خلافاً للاخفش والكوفيين ولا حُجَّةَ لهم في نحو : -
(
خَبِيِرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلاَ تَكُ مُلغْيِاً ... )

خلافاً للناظم وابنه لجواز كون الوصف خبراً مقدماً وإنما صحَّ الإخبار به عن الجمع لأنه على فَعِيل فهو على حد ( وَالَملاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) . وإذا لِمُ يطابق الوصف ما بعده تَعَيَّنَتِ ابتدائيتَّهُ نحو ( أقَائِمٌ أخَوَكَ ) وإن طَابَقَهُ في غير الإفراد تَعَّينَتْ خبريَّتُهُ نحو ( أقَائِمَانِ أخَوَاك ) و ( أقَائِمُونَ إخْوَتُكَ ) وإن طَابَقَهُ في الإفراد احْتمَلَهَمُا نحو ( أقَائِم أخُوكَ )

وارتفاعُ المبتدأ بالابتداء وهو التجرُّد للإسناد وارتفاع الخبر بالمبتدأ لا بالابتداء ولا بهما وعن الكوفيين انهما تَرَافَعَا

فصل : والخبرُ الجزء الذي حَصَلتْ به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور فخرج فاعلُ الفعل فإنه ليس مع المبتدأ وفاعلُ الوَصْفِ
وهو : إما مفرد وإما جملة . والمفرد : إما جامد فلا يتحَّملُ ضميرا المبتدأ نحو ( هذَا زَيْدٌ ) إلا إنْ أَوِّل بالمشتق نحو ( زَيْدٌ أسَدٌ ) إذا أريد به شُجَاع وإما مشتق فيتحمل ضميَرهُ نحو ( زيد قائم ) إلا إنْ رفع الظَّاهِرَ نحو ( زيد قائم أبُوَاهُ ) ويبرز الضميرُ المتحَّملُ إذا جَرَى الوَصْفُ على غيرِ مَنْ هو له سواء ألْبَسَ نحو ( غُلاَمُ زَيْدٍ ضَارِبُهُ هُوَ ) إذا كانت الهاء للغلام أم لم يُلْبِسْ نحو غُلامَ هِنْدٍ ضَارِبَتُهُ هِيَ وَالكُوفِيُّ إنما

يلتزم الإبراز عند الإلباس تمسكا بنحو قوله :

-
(
قَوْمِي ذُرَا الَمجْدِ بَانُوهُا ... )

والجملة إما نفسُ المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى رَابطٍ نحو ( هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) وإذا قُدِّرَ ( هو ) ضميرَ شأنٍ ونحو ( فَإذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَروُا ) ومنه ( نُطْقِي اللهُ حَسْبِي ) لأن المراد بالنطق المنَطْوقُ به
وإما غَيْرُه فلا بُدَّ من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مَسُوقَة له

وذلك بأن تشتمل على اسم بمعناه وهو إما ضميُره مذكورا نحو ( زيد قائم أبُوهُ ) أو مقَدَّراً نحو ( السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ ) أى : منه وقراءة ابن عامر ( وَكُلٌّ وَعَدَ اللهُ اُلْحسْنَى ) أى : وَعَدَهُ إشارةٌ إليه نحو ( وَلبِاَسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) إذا قُدِّر ( ذلك ) مبتدأ ثانيا لا تابعا للباس . قال الأخفش : أو غيرهما نحو ( وَالّذيِنُ يُمسِّكُونَ بِالكِتَابِ وَأقَامُوا الصَّلاَةَ إنَّا لا نَضِيعُ أَجْرَ الُمصْلِحِيَن ) أو على اسُمٍ بلفظه ومعناه

نحو ( اَلْحَاقَّةُ مَا الحَاقَّةُ ) أو على اسمٍ أعَمَّ منه نحو ( زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ ) وقوله : -
(
فَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْها فَلاَ صَبْرَا ... )

فصل
:
ويقع الخبر ظَرْفاً نحو ( وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) ومجروراً

نحو ( اَلْحْمدُ للهِ ) والصحيحُ أن الخبر في الحقيقة مُتَعَلقّهُمَا المحذوف وان تقديره كأئنُ أو مستقرُّ لا كان أو اسْتَقَرَّّ وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور كقوله : -
(
فَإنَّ فُؤَادِي عِنْدَكِ الدَّهْرَ أَجْمَعُ ... )

ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني نحو ( الصَّوْمُ الْيَوْمَ ) و ( السّفَرُ

غَداً ) لا عن أسماء الذوات نحو ( زيد الْيَومَ ) فإن حصلت فائدة جاز : كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصاً نحو ( نَحْنُ فِى شَهْرِ كَذَا ) وأما نحو ( الْوَرْدُ في أَيَّارَ ) و ( الْيَوْمَ خَمْرٌ ) و ( الّليْلَةَ الْهِلاَلُ ) فالأصل : خُرُوجُ الورد وشُرْبُ خمرٍ ورؤية الهلال

فصل : ولا يبتدأ بنِكرة إلا إنْ حَصَلتْ فائدة : كأن يخبر عنها بمختص مقدم ظرف أو مجرور نحو ( وَلَدَيْنَا مَزيِدٌ ) و ( عَلَى أَبْصَارِهْمِ غِشَاوَةٌ ) ولا يجوز ( رَجلُ في الدَّار ) ولا ( عِنْدَ رجلٍ مالٌ ) أو تتلو نفياً نحو ( ما رجل قائم ) أو استفهاماً نحو ( أَ إلهٌ مَعَ اللهِ ) أو تكُون موصوفه سواء ذُكِرَا نحو ( وَلَعْبدُ مؤمِنٌ ) أو حذفت الصفة نحو ( السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمِ ) ونحو ( وَطَائِفةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهمْ ) أى : مَنَوَانِ منه

وطائفة من غيركم أو الموصوفُ كالحديث ( سَوْدَاءٌ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيم ) أى : امرأة سَوْدَاء أو عاملة عملَ الفعلِ كالحديث ( أَمْرٌ بمِعْروُفٍ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ ) ومن العاملة المضافةُ كالحديث ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ )
وَيُقَاس على هذه المواضع ما أشبهها نحو ( قَصَدَكَ غُلاَمُهُ رَجُلٌ ) و ( كَمْ رَجُلاً في الدَّارِ ) وقوله : -
(
لَوْلاَ اصْطِبارٌ لأَوْدَىَ كُلُّ ذِى مِقَةٍ ... )

وقولك ( رُجَيْل فىِ الدَّارِ ) لشبه الجملة بالظرف والمجرور واسمِ الإستفهام بالاسمِ المقرون بِحَرفْهِ وتالي ( لولا ) بتالى النفي وَالُمصَغَّر بالموصوف

فصل
:
وللخبر ثلاثُ حالاتٍ : إحداها التأخُّرُ وهو الأصل ك ( زَيْدُ قَائِمٌ ) ويجب في أربع مسائل : إحداها : أن يُخَاف التباسُه بالمبتدأ وذلك إذا كانا معرفتين أو متساويتين ولا قرينة نحو ( زيد أخُوك ) و ( أفْضَلُ مِنْكَ أفْضَلُ مِنِّي ) بخلاف ( رجل صالح حاضر ) و ( أبو يُوسُفَ أبو حَنِيفَةَ ) و قوله : -
(
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا ... ) أي بنو أبنائنا مثل بنينا

الثانية : ان يُخَاف التباسُ المبتدأ بالفاعل نحو ( زيد قام ) بخلاف ( زيدٌ قائم ) أو قام أبوه ) و ( أخَوَاكَ قَامَا )
الثالثة : أن يقترن بإِلاّ مَعْنًى ( إنمَّاَ أَنْتَ نَذِيرٌ ) أو لفظاً نحو ( وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ ) فأما قوله :

-
(
وَهَلْ إلاّ عَلَيْكَ الُمعَوَّلُ ... ) فضرورة

الرابعة : أن يكون المبتدأ مُستْحَقّاً للتصدير إما بنفسه نحو ( مَا أحْسَنَ زَيْداً ) و ( مَنْ فيِ الدَّارِ ) و ( مَنْ يَقَمْ أقُمْ مَعَهُ ) و ( كَمْ عِبيدٍ لزِيْدٍ ) أو بغيره إما متقدماً عليه نحو ( لَزَيْدٌ قَائِمٌ ) وأما قوله : -
(
أٌمُّ اُلْحليْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَ بَهْ ... )

فالتقدير : لهى عجوز أو اللام زائدة لا لام الابتداء أو متأخراً عنه نحو ( غُلاَمُ مَنْ فيِ الدَّارِ ) و ( غُلاَمُ مَنْ يَقُمْ أقُمْ مَعَهُ ) و ( مَالُ كَمْ رجل عِنْدكَ ) أو مُشَبهَّاً به نحو ( الّذِى يَأْتِينِي فَلَه دِرْهٌم ) فإن المبتدأ هنا مُشَبَّه باسم الشرط لعمومه واستقبال الفعل الذي بعده وكونه سبباً ولهذا

دَخَلَتِ الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب
الحالة الثانية : التقدم ويجب في أربع مسائل :

إحداها : أن يُوقِعَ تأخِيُره في لَبْسٍ ظاهرٍ نحو ( في الدَّارِ رَجُلٌ ) و ( عِنْدكَ مَالٌ ) و ( قَصَدَكَ غُلاَمُهُ رَجْلٌ ) و ( عِنْدِى أنَّكَ فَاضِلٌ ) فإنَّ تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس ( أن ) المفتوحة بالمكسورة و ( أن ) المؤكَّدَة بالتي بمعنى لَعَلَّ ولهذا يجوز تأخيرهُ بعد ( أما ) كقوله : -
(
وَأَمَّا أَنَّنِي جَزِعُ ... يَوْمَ النَّوَى فَلِوَجْدٍ كَادَ يَبْرِيِنى )

لأن ( إنَّ ) المكسورة و ( أنَّ ) التي بمعنى لعلَّ لا يدخلان هنا وتأخيره في الأمثلة الأول بوقع في إلباس الخبر بالصفة وإنما لم يجب تقديُم الخبر في نحو

(
وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ ) لأن النكرة قد وُصِفَت بمُسَمَّى فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة
الثانية : أن يقترن المبتدأ بالإّ لفظاً نحو مَا لَنَا إلاّ اتِّبَاعُ أحْمَدَا أو مَعْنّى نحو ( إنمَّاَعِنْدَكَ زَيْدٌ )
الثالثة : أن يكون لاَزِمَ الصَّدْرِيِةّ نحو ( أَيْنَ زَيْدُ ) أو مضافاً إلى ملازمها نحو ( صَبِيحَةَ أيِّ يَوْمٍ سَفَرْكَ )
الرابعة : أن يعود ضميرٌ متصلٌ بالمبتدأ على بعض الخبر كقوله تعالى : ( أمْ عَلىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقول الشاعر : -
(
وَلكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيْبهَا ... )

الحالة الثالثة : جواز التقديم والتأخير وذلك فيما فُقِدَ فيه مُوجِبهُمُا كقولك ( زيد قائم ) فيترجَّحُ تأخِيُرهُ على الأصل ويجوز تقديمُه لعدم المانع

فصل : وما عُلم من مبتدأ أو خبر جاز حَذْفُهُوقد يجب

فأما حذف المبتدأ جوازاً فنحو ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَليْهَا ) ويقال : كيف زيد فتقول : دَنِفٌ التقدير : فَعَمَلهُ لنفسه وإساءته عليها وهو دَنِفٌ
وأما حذفه وجوباً فإذا أُخبر عنه بِنَعْتٍ مَقْطُوع لمجرد مَدْح نحو ( اَلْحمْدُ للهِ اَلْحِميدُ ) أو ذم نحو ( أعُوذُ باللهِ من إبليسَ عَدُوُّ المؤمنين ) او تَرَحُّمٍ نحو ( مَرَرْتُ بعبدك الِمسْكيِنُ ) أو بمصدرٍ جئ به بَدَلاً من اللفظ بفعله نحو ( سَمْعٌ وَطَاعَةٌ ) وقوله : -
(
فَقَالَتْ : حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ ههُنا ... ) التقدير : أمْرِى حَنَانٌ وأمْرِى سَمْعٌ وَطَاعَةٌ

او بمخصوص بمعنى نعم أو بئس مؤخر عنها نحو ( نعمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ) و ( بئس الرَّجُلُ عَمْرٌو ) إذا قُدِّرَا خبرين فإن كان مقدماً نحو ( زَيْدٌ نعمَ الرجلُ ) فمبتدأ لا غير ومن ذلك قولهم ( مَنْ أنْتَ زَيْدٌ ) : مذ كوركَ زَيْدٌ وهذا أوْلى من تقدير سيبويه كلامُكَ زيد
وقولهم ( فىِ ذِمَّتِي لأَفْعَلَنَّ ) أي في ذمتي ميثاقٌ أو عَهْدٌ

وأما حَذْفُ الخبر جوازاً فنحو ( خَرَجْتُ فَإذَا الأسَدُ ) أى : حَاضِرٌ ونحو ( أكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلَّهَا ) أي : كذلك ويقال : مَنْ عِنْدَكَ فيَقول زيد أي : عندي
وأما حَذْفُهُ وجوباً ففي مسائل : إحداها : ان يكون كَوْناً مُطْلقاً والمبتدأ بعد ( لولا ) نحو ( لَوْلاَ زَيْدٌ

لأَكْرَمْتُكَ ) أي لولا زيد موجود فلو كان كَوْناً مقيداً وجب ذكره إن فُقِدَ دليلُه كقولك ( لولا زيد سَالَمَنَا ما سِلمَ ) وفي الحديث ( لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكفْرٍ لبَنْيتُ الكَعَبةَ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ) وجاز الوجهان إن وُجِدَ الدليل نحو ( لولا أنْصَارُ زَيْدٍ حَمَوْهُ مَا سِلمَ ) ومنه قول أبي العلاء المعري : -
(
فَلَوْلاَ الْغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالاَ ... )

وقال الجمهور : لا يذكر الخبر بعد ( لولا ) وَأَوْجَبُوا جَعْلَ السكون الخاص مبتدأ فيقال : لولا مُسَالمةُ زيد إيانا أي : موجوده وَلَحَّنُوا المعرى وقالوا : الحديث مَرْوىُّ بالمعنى
الثانية : أن يكون المبتدأ صريحاً في القسم نحو ( لَعَمْرُكَ لأفْعَلَنَّ )

و ( أيْمُنُ اللهِ لأفْعَلَنَّ ) أي : لعمرُكَ قَسَمىِ وَاُيْمُنُ الله يميني فإن قلت : ( عَهْدُ اللهِ لأفْعَلَنَّ ) جار إثبات الخبر لعدم الصراحة في القسم وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو ( لَعَمْرُكُ لأفْعَلَنَّ ) أن يقدر لقَسَمىِ عمركُ فيكون من حَذْف المبتدأ
الثالثة : أن يكون المبتدأ معطوفا عليه اسمٌ بواو هي نَصٌّ في المعية نحو ( كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ ) و ( كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعَ ) ولو قلت ( زيد وعمرو ) وأردت الإخبار باقترانهما جاز حَذْفُه وذكره قال : -
(
وَكُلُّ امْرِيءٍ وَالَموْتُ يَلْتَقِيانِ ... )

وَزَعَم الكوفيون والأخفشُ أن نحو ( كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ ) مُسْتَغْنٍ عن تقدير الخبر لأن معناه مع ضيعته
الرابعة أن يكون المبتدأ إمَّا مَصْدَراً عاملا في اسم مُفَسِّر لضمير ذى حال لا يصح كونها خبراً عن المبتدأ المذكور نحو ( ضَرْبِى زيداً قائماً ) أو مضافاً

للمَصْدَرِ المذكور نحو ( أكْثَرُ شُرْ السَّوِيقَ مَلْتُوتاً ) أو إلى مُؤَوَّل بالَمصْدَرِ المذكور نحو ( أخْطَبُ مَا يَكُونُ الأَمِيُر قَائِماً )
وخبُر ذلك مُقَدَّرٌ بإِذْ كَانَ أو إذا كان عند البصريين وبمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش واختارهُ الناظم فيقدر في ( ضَرْبِي زَيداً قائماً ) ضَرْبُه قائماً ولا يجوز ضَرْبِى زيداً شديداً لصلاحية الحال للخيرية فالرفع واجب وَشَذَّ قولهم ( حكمك مُسمَّطاً ) أي حكمك لك مُثْبَتاً

فصل
:
وَالأصَحُّ جوازُ تَعَدُّدِ الخبر نحو ( زيد شاعر كاتب ) والمانعُ يَدَّعى تقدير ( هو ) للثاني أو أنَّهً جامع للصفتين لا الاخبار بكل منهما . وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم من قوله : -
(
يَدَاكَ يَدٌ خَيْرُهَا يُرُتَجَى ... وَأخْرَى لأِعْدَائِهَا غَائِظَهْ )

لأن ( يَدَاكَ ) في قوة مبتدأين لكل منهما خَبَرُ ومن نحو قولهم ( الرُّمَّانُ حُلْوٌ حامض ) لأنهما بمعنى خبر واحد أى : مُزُّ ولهذا يمتنع العطف على الأصح وأن يتوسط المبتدأ بينهما ومن نحو ( وَالّذيِنَ كَذّبُوا بِآيَاتَنَا صُمُّ وَبُكْمٌ ) لأن الثاني تابع
هذا باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر فترفع المبتدأ تشبيهاً بالفاعل ويسمى اسَمَها وتنصب خبره تشبيهاً بالمفعول ويسمى خَبَرَهَا وهي ثلاثةُ أقسامٍ :

أحدها : ما يعمل هذا العَمَلَ مطلقاً وهو ثمانية : كان وهي أمُّ الباب وأمسى وأصبح وأضحى وظَلَّ وبات وصار وليس نحو ( وَكَانَ رَبُّكَ قَديِراً )
الثاني : ما يعمله بشرط أن يتقدَّمَه نفي أو نهي أو دعاء وهو أربعة : زال ماضى يَزَالُ وبَرِحَ وفَتئِ وانْفَكَّ مِثَالُهَا بعد النفي ( وَلاَ يَزَالُونَ مخُتَلِفِينَ ) ( لَنْ نَبْرَحَ عَلْيهِ عَاكفِينَ ) ومنه ( تَاللهِ تَفْتَؤُ ) وقولُه : -
(
فَقْلْتُ يمَيِنُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ... )

إذ الأصل لا نَفْتَؤُ ولا أبرح ومثالُهَا بعد النَّهْيِ قولُه : -
(
صَاحِ شَمِّرْ وَلاَ تَزَلْ ذَاكِرَ الَموْتِ ... )

ومثالهُاَ بعد الدعاء قولُه : -
(
وَلاَ زَالَ مُنْهَلاَّ بِجِرْعَائِكِ الْقَطْرُ ... )

وَقَيَّدْتُ زال بماضي يَزَالُ احترازاً من زال ماضي يَزِيلُ فإنه فعل تام متعدٍّ إلى مفعول معناه مَازَ تقول ( زِلْ ضَأْنَكَ عَنْ مَعْزِكَ ) ومَصْدَره الزَّيْلُ ومن ماضي يَزُولُ فإنه فعل تام قاصر ومعناه الانتقال ومنه ( إنَّ اللَه يُمْسِكُ السَّمَواتِ وَالأرْضَ أن تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا ) ومصدره الزَّوَالُ
الثالث : ما يعمل بشرط تقدم ( ما ) المصدرية الظرفية وهو دَامَ نحو ( مَا دمْتُ حَيَّا ) أي مُدَّةَ دَوَامِى حَيَّا وسميت ( ما ) هذه مصدرية

لأنها تُقَدَّر بالَمصْدَر وهو الدوام وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف وهو المدة

فصل : وهذه الأفعال في التصَرُّف ثلاثة أقسامٍ : مالا يَتَصَرَّفُ بحالٍ وهو ليس باتفاق ودام عند الفراء وكثيٍر من المتأخرين . وما يتصرف تصرفاً ناقصاً وهو ( زال ) وأخواتُهَا فإنها لا يستعمل منها أمر ولا مصدر ( دام ) عند الأقْدَمِيَن فأنهم أثبتوا لها مضارعاً . وما يتصرف تصرفا تامَّا وهو الباقي
وللتصاريف في هذين القسمين ما للماضي من العمل فالمضارع نحو ( وَلَمْ أَكُ بَغِيَّا ) والأمر نحو ( كُونُوا حِجَارَةً ) والمصدر كقوله :

-
(
وَكَوْنُكَ إيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيُر ... ) واسم الفاعل كقوله : -
(
وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِى البْشَاشَةَ كَائِناً ... أَخَاكَ . . . . . . . )

وقوله : -
(
قَضَى اللهُ يَا أَسْمَاءُ أَنْ لَسْتُ زَائِلاَ ... أُحِبُّكِ . . . . . )

فصل
:
وتوسُّطُ أخبارِهِنَّ جائز خلافًا لابن دُرُسْتُوَيْهِ في ليسَ ولابن مُعْطٍ في دام قال الله تعالى : ( وَكَانَ حَقَّاً عَليَنْاَ نَصْرُ الْمؤُمِنِينَ ) وقرأ حمزة وحفص : ( ليَسْ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ) بنصب البر وقال الشاعر : -
(
لاَ طِيبَ لِلعْيَشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لَذَّاتُهُ . . . . . . . )

إلا أن يَمْنَعَ مانعٌ نحو ( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلاّ مُكَاءً )

فصل : وتقديم أخبارهن جائز بدليل ( أهؤلاَءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ) ( وَأنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُون ) إلا خبر دام اتفاقاً وليس عند جمهور

البصريين قَاسُوهَا على عسى واحتجَّ المجيز بنحو قوله تعالى : ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهم ليَسْ مَصْروُفاً عَنْهُمْ ) وأجيب بأن المعمول ظرفٌ فيَّتَسعُ فيه

وأذا نفي الفعل بما جاز تَوَسُّطُ الخبر بين النافي والمنفي مطلقاً نحو ( ما قائماً كان زيد ) ويمتنع التقديمُ على ( ما ) عند البصريين وَالفَرَّاء وأجازة بقية الكوفيين وَخَصَّ ابن كَيْسَانَ المنعَ بغير زالَ واخواتها لأن نَفْيَهَا إيجابٌ وَعَمَّمَ الفّرَّاء المنعَ في حروف النفي ويردُّهُ قولُه : -
(
عَلَى السِّنِّ خَيْراً لاَ يَزَالُ يَزيِدُ ... )

فصل
:
ويجوز باتفاق أن يلىَ هذه الأفعالَ معمولُ خَبَرِهَا إن كان ظرفاً أو مجروراً نحو ( كان عندك أو في المسجد زَيْدٌ مُعْتَكِفاً ) فإن لم يكن أحَدَهُمَا فجمهورُ البصريين يمنعون مطلقاً والكوفيون يُجيزون مطلقاً وَفَصَّلَ ابن السَّراج والفارسىُّ وابن عصفور فأجازوه إن تقدَّمَ الخبر معه نحو ( كَانَ طَعَامَك آكِلاً زَيْدٌ ) وَمَنَعُوه إن تقدم وحده نحو ( كَانَ طَعَامَكَ زَيْدٌ آكِلاَ ) واحتجَّ الكوفيون بنحو قوله : -
(
بِمَا كَانَ إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا ... )

وَخُرِّجَ على زيادة كان أو إضمار الاسم : مُرَاداً به الشأن أو راجعاً إلى ما وعليهنَّ فعطية مبتدأ وقيل : ضرورة وهذا متعين في قوله : -
(
بَاتَتْ فُؤَادِى ذَاتُ الْخَالِ سَالِبَةَ ... ) لظهور نَصْبِ الخَبرِ
فصل : قد تستعمل هذه الأفعال تامَّة أي مستغنية بمرفوعها نحو ( وَإنْ

كَانَ ذُو عسْرَةٍ ) أى : وإن حَصَلَ ذو عُسْرَة ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) أى : حين تَدْخُلوُن في الَمسَاء وحين تَدْخُلُونَ في الصَّبَاح ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالأرْضُ ) : ما بَقِيَتْ وقوله : -
(
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ... )

وقالوا ( بَاتَ بالْقَوْمِ ) أي نزل بهم و ( ظَلَّ الْيَوْمُ ) أى : دام ظِلُّهُ و ( أَضْحَيْنَا ) أي دَخَلنْاَ في الضُّحَى
إلا ثلاثة أفعال فأنها أُلْزِمَتِ النَّقْصَ وهي : فتئ وزال وليس
فصل
:
تختصُّ ( كان ) بأُمُورٍ منها جَوَاز زيادتها بشرطين : أحدهما كونُهَا بلفظ الماضي وَشَذّ قول أم عَقِيلٍ : -
(
أَنْتَ تَكُونُ مَاجِدٌ نَبِيلُ ... )

والثاني : كونُهَا بين شيئين متلازمين لَيْسَا جاراً وجروراً نحو ( ما كان أحْسَنَ زيداً ) وقول بعضهم : ( لَمْ يُوجَدْ كَانَ مِثْلُهُمْ ) وَشَذّ قولُه : -
(
عَلَى كَانَ الُمَسوَّمَةِ العِرَابِ ... )

وليس من زيادتهّا قولُه : -
(
وَجِيَرانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ ... ) لرفعها الضميُر خِلافاً لسيبويه

ومنها : أنها تُحْذَفُ ويقع ذلك على اربعة أوْجُهٍ : أحدها - وهو الأكثر - أن تُحْذَفَ مع اسمها ويبقى الخبر وَكَثُرَ ذلك بعد ( إنْ ) و ( لَوِ ) الشرطيتين . مثالُ ( إنْ ) قولُكَ ( سِرْ مُسْرِعاً إن رَاكبِاً وَإنْ مَاشِياً ) و قولُه : -
(
إنْ ظَالِماً أَبَداً وَإنْ مَظْلُومَا ... )

وقولُهم : ( النَّاسُ مجَزِيُّونَ بِأعْمَالِهِمْ إنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإنْ شَرَّاً فَشَرٌّ ) أى : إن كان عملُهم خيراً فجزاؤهم خيٌر ويجوز إنْ خَيْرٌ فَخَيْراً بتقدير إنْ كان في عملهم خير فَيُجْزَوْنَ خيراً ويجوز نصبهما

ورفعهما والأول أرْجَحها والثاني اضعفها والأخيران مُتَوَسطِّانِ . ومثال لو ( الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ ) قولُه : -
(
لاَ يَأْمَنِ الدَّهْرَ ذُو بَغْيٍ وَلَوْ مَلِكاً ... )

وتقول : ( ألاَ طَعَامَ وَلَوْ تَمْراً ) وَجَوَّزَ سيبويه الرفعَ بتقدير : ولو يكون عندنا تَمْرٌ . وَقَلَّ اَلْحذْفُ المذكور بدون إنْ ولَوْ كقوله : -
(
مِنْ لَدُ شَوْلاً فَإلَى إتْلاَئِهَا ... ) قَدَّرَهُ سيبويه : مِنْ لَدُ أن كَانَتْ شَوْلاً

الثاني : أن تُحْذَفَ مع خبرها ويبقى الاسم وهو ضعيف ولهذا ضَعُفَ ( وَلَوْ تَمْرٌ وَإنْ خَيْرٌ ) في الوجهين
الثالث : أن تُحْذَفَ وحدها وَكَثُرَ ذلك بعد ( أنِ ) المصدرية في مثل ( أَمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقاً انْطَلَقْتُ ) أصلة : انطلقتُ لأن كُنْتَ مُنْطَلقا ثم قُدِّمَت اللامُ وما بعدها على انطلقت للاختصاص ثم حُذِفَت اللام للاختصار ثم حذفت ( كان ) لذلك فانفصل الضمير ثم زيدت ( ما ) للتعويض ثم أُدْغمت النون في الميم للتقارب وعليه قوله :

-
(
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ ... ) أي : لأن كُنْتَ ذَا نَفَر فَخَرْتَ ثم حُذِف متعلّق الجارِّ

وَقّلَّ بدونها كقوله : -
(
أَزْمَانَ قَوْمِي وَالَجْمَاعَةَ كَالّذِي ... ) قال سيبويه : أراد أزْمَانَ كَانَ قَوْمِي

الرابع : أن تُحْذَفَ مع مَعْمُولَيْهَا وذلك بعد ( انْ ) في قولهم ( افْعَلْ هذَا إمَّا لاَ ) أي : إن كنت لا تفعل غيره فما عِوَضٌ ولا النافيةٌ للخبرِ
ومنها : أن لام مضارعها يجوز حَذْفُهَا وذلك بشرط كونه مجزوماً بالسكون غير متصل بضميرِ نَصْبٍ ولا بساكن نحو ( وَلَمْ أَكُ بَغِيَّا )

بخلاف ( مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقَبِةُ الدَّارِ ) ( وَتَكُونَ لَكُماً الْكِبْرِيَاء ) لانتفاء الجزم ( وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِيَن ) لأن جَزْمه بِحَذْفِ النون ونحو ( إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ ) لاتصاله بالضمير ونحو ( لمَْ يَكُنِ اللهُ لِيغْفِرَ لَهُمْ ) لاتصاله بالساكن وَخَالَفَ في هذا يونسُ فأجاز الحذفَ تمسكا بنحو قوله : -
(
فَإنْ لَمْ تَكُ الْمِرآةُ أَبْدَتْ وَسَامَةً ... )

وَحَمَله الجماعةُ على الضرورة كقوله : -
(
وَلَكِ اسِقْنِي إن كَانَ مَاؤُكَ ذَا فَضْلِ ... )
فصل : في ما ولا ولات وإنِ المُعْمَلاَتِ عَمَلَ لَيْسَ تشبيهاً بها

أما ( ما ) فْأعَمَلهَا الحجازيُّونَ وَبلِغُتَهم جاء التنزيل قالَ الله تعالى : ( مَا هذَا بَشَراً ) ( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم ) ولأعمالهم إياها أربعةُ شروط : أحدها : أن لا يقترن اسْمُهَا بإنِ الزائدة كقوله : -
(
بَنِي غُدَاَنَة ما إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ... )

وأما رواية يعقوب ( ذَهَباً ) بالنصب فُتُخَرَّجُ على أنَّ إنْ نافيةٌ مؤَكِّدَةٌ لما لا زائدة
الثانى أن لا ينتقض نَفْىٌ خبرها بإِلاّ فلذلك وجب الرفع في ( وَمَا أَمْرُنَا إلاّ وَاحِدَةُ ) ( وَمَا مُحمَّدٌ إلاّ رَسُولُ ) فإما قولُه :
(
وَمَا الدَّهْرُ إلا مَنْجَنُوناً بِأَهْلِهِ ... وَمَا صَاحِب الحَاْجَاتٍ إلاّ مُعَذَّبَا )

فمن باب ( مَا زَيْدٌ إلاّ سَيْراً ) أي : إلاّ يَسِيُر سَيْراً والتقدير : إلاّ يدور دَوَرَانَ مَنْجَنُونٍوَإلّا يُعَذّبُ مُعْذّباً أى تعذيباً
ولأجل هذا الشرط أيضاً وجب الرفع بعد ( بل ) و ( لكن ) فى نحو ( مَا زَيدٌ قَائِماً بل قاعدٌ ) أو ( لَكِنْ قَاعِدٌ ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف ولم يجز نصبه بالعَطْفِ لأنه مُوجَبٌ

الثالث : أن لا يتقدَّمَ الخبر كقولهم ( مَا مُسِيءٌ مَنْ أَعْتَبَ ) وقوله :
(
وَمَا خُذَّلٌ قَوْمِي فَأَخْضَعَ للِعْدَى ... )

فأما قوله : -
(
إذْ هُمْ قُرْيشٌ وَإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ ... )

فقال سيبويه : شاذ وقيل : غلط وإن الفرزدق لم يعرف شَرْطَهَا عند الحجازيين وقيل : ( مِثْلَهُمْ ) مبتدأ ولكنهُ بُنَيَ لإبهامه مع إضافته للمبنى ونظيرهُ ( إنَّهُ لَحَقٌّ مثلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) ( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) فيمن فتحهما وقيل : ( مِثْلَهُمْ ) حال والخبر محذوف أى : ما في الوجود بشر مثلَهُمْ
الرابع : أن لا يتقدم معمولُ خبرها على اسمها كقوله : -
(
وَمَا كُلُّ مَنْ واَفَى مِنيّ أَنَا عَارِفُ ... )

إلا إن كان المعمول ظرفاً أو مجروراً فيجوز كقوله : -
(
فَمَا كُلَّ حِين مَنْ تُوَالِي مُوَاليِاَ ... )

وأما ( لا ) فإعمالها عَمَلَ ليس قليلٌ وَيشُتْرط له الشروطُ السابقة ماعدا الشرط الأول وأن يكون المعمولان نكرتين والغالبُ أن يكون خبرها محذوفاً حَتَّى قيل بلزوم ذلك كقوله :

-
(
فَأَنَا ابْنُ قَيْسِ لا بَرَاحُ ... )

والصحيح جواز ذكره كقوله : -
(
تَعَزَّ فَلاَ شَيء عَلَى الأرْضِ بَاقِيَا ... وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِياَ ) وإنما لم يُشْتَرَط الشرطُ الأول لأن ( إنْ ) لانزاد بعد ( لا ) أصلا

وأما ( لاَتَ ) فإن أصلها ( لا ) ثم زِيَدتَ التاءُ وَعَمَلهُا واجبٌ وله شرطان : كونُ معموليها اسْمَىْ زمان وَحَذْفُ أحدهما والغالبُ كونُهُ المرفوعَ نحو ( وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ) وأى : ليسَ الحيُن حِينَ فِرَارٍ ومن القليل قراءةُ بعضهم برفع الحين وأما قولُه : -
(
يَبْغِى جِوَاركَ حِينَ لاَتَ مُجِيِرُ ... )

فارتفاع ( مُجِيُر ) على الابتداء أو على الفاعلية والتقديرُ : حين لات له مُجير أو يْحصُلُ له مجير و ( لات ) مُهْمَلَة لعدم دخولها على الزمانِ ومثله قولُه : -
(
لاَتَ هَنَّا ذِكْرَى جُبَيْرةَ ... ) إذ المبتدأ ( ذِكْرَى ) وليس بزَمَانٍ

وأما ( إنْ ) فإعمُالَها نادِرٌ وهو لُغة أهل الْعَالِيَةِ كقول بعضهم : ( إنْ أَحَدٌ خَيْراً مِنْ أَحَدٍ إلا بِالْعَافَيَةِ ) وكقراءة سعيدٍ ( إنِ الّذيِنَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ ) وقول الشاعر :
(
إنْ هُوَ مُسْتَوِلياً عَلَى أَحَدٍ ... )

فصل
:
وَتُزَاد الباء بكثرةٍ في خبر ( ليس ) و ( ما ) نحو ( أَليَسْ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ )

(
وَمَا اللُه بِغَافِلٍ )

وَبِقِلّةٍ في خبر ( لا ) وكلِّ ناسخ مَنْفِى كقوله : -
(
وَكُنْ لِي شَفيِعاً يَوْمَ لاَ ذُو شَفَاَعَةٍ ... بمِغُنٍْ فَتيِلاً عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ )

وقوله : -
(
وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِى إلىَ الزَّادِ لَمْ أَكُنْ ... بِأَعْجَلهِمْ . . . . )

وقوله :
(
فَلَمَّا دَعَانِي لَمْ يَجِدْنيِ بِقعْدَدِ ... )

وَيَنْدُرُ في غير ذلك كخبر ( إنَّ ) و ( لكنَّ ) و ( لَيْتَ ) وفي قوله : -
(
فَإِنَّكَ ممِاَّ أَحْدَثَتْ بِاْلمُجَرَّبِ ... )

وقوله : -
(
وَلَكِنَّ أَجْراً لَوْ فَعَلْتِ بِهَيِّنٍ ... )

وقوله : -
(
أَلاَ لَيْتَ ذَا الْعَيْشَ الّلذِيذَ بِدَائِمِ ... )

وإنما دخلت في خبر ( أنَّ ) في ( أَوَلَم يَرَوْا أَنَّ اللَه الّذيِ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيِ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ ) لما كان ( او لم يروا أن الله ) في معنى ( أوليس الله )
هذا باب أفعال المقاربة وهذا من باب تسمية الكل باسم الجزء كتسميتهم الكَلاَمَ كلمةّ وحقيقةُ الأمر أن أفعال الباب ثلاثة أنواع : ما وضع للدلالة على قُرْبِ الخبر وهو ثلاثة : كَادَ وأَوْشَكَ وكَرَبَ وما وضع للدلالة عَلَى رَجَائِه وهو ثلاثه : عَسَى واخْلَوْلَقَ وحَرَى وما وضع للدلالة على الشروع فيه وهو كثير ومنه : أنْشَأَ وطَفِقَ وجِعَلَ وعَلِقَ وأخَذَ

وَيَعْمَلْنَ عمل ( كان ) إلا أنَّ خَبَرَهُنَّ يجب كونُه جملةّ وَشَذّ مجيئه مفرداً بعد ( كاد ) و ( عسى ) كقوله : -
(
فَأُبْتُ إلىفَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آئِباَ ... )

وقولهم : ( عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُساً )

وأما ( فَطَفِقَ مَسْحاً ) فالخبُر محذوفٌ أى : يمَسْحُ مَسْحاً
وشرطُ الجملة : أن تكون فِعْلِيَّةً وَشَذّ مجيء الأسمية بعد ( جَعَلَ ) في قوله : -
(
وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَنِي سُهَيْلٍ ... مِنَ الأكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَريِبُ )

وشرطُ الفعلِ ثلاثَةُ أَمُورٍ : أحَدُهَا : ان يكون رافعاً لضمير الأسم فأما قولُه : - (
وَقَدْ جَعَلْتُ إَذا مَا قُمْتُ يُثْقُلِنىِ ... ثَوْبىِ . . . . . . )

وقوله : -
(
وَأُسْقيِهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلَّمُنيِ أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهُ )

فثوبي وأَحْجَارُه بَدلاَنِ من اسْمَىْ جَعَلَ وكَادَ ويجوزُ في ( عسى ) خاصةّ أن ترفع السببى كقوله : -
(
وَمَاذَا عَسَى الحَجَّاجُ يَبْلُغُ جُهْدُهُ ... ) يروى بنصب ( جهده ) ورفعه

الثاني : أن يكون مضارعاً وَشَذّ في ( جَعَلَ ) قولُ ابن عباس رضي الله عنهما : ( فحعلَ الرَّجُلُ إذا لم يَسْتَطيِعْ أنْ يخَرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً )
الثالث : أن يكون مقروناً بأَنْ إن كان الفعل حَرَى أو اخْلَوْلَقَ نحو ( حَرَى زَيْدٌ أَنْ يَأْتِيَ ) و ( اخْلَوْلَقَتِ السَّمَاءُ أَنْ تُمْطِرَ ) وأن يكون

مُجَرَّداً منها إن كان الفعل دَالاّ على الشروع نحو ( وَطَفِقَا يِخْصِفَانِ ) والغالبُ في خبر ( عسى ) و ( أوشك ) الأقتران بها نحو ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) وقوله : -
(
وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ التَّرَابَ لأّوْشَكُوا ... إذَا قِيلَ هَانُوا أَنْ يمَلَوُّا وَيَمْنُعَوا )

والتجرُّد قليلٌ كقوله : -
(
عَسَى الْكَرْبُ الّذِي أَمْسَيٍتُ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءُه فَرْجٌ قَرِيبُ )

وقوله : -
(
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتهِ ... فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ بُوَافِقُهَا )

وكاد وكَرَبَ بالعكس فمن الغالِبِ قولُه تعالى : ( وَمَا كُادُوا يَفْعَلُونَ ) وقول الشاعر : -
(
كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَوَاهُ يذُوبُ ... )

ومن القليل قوله : -
(
كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ ... )

وقوله : -
(
وَقَدْ كَرَبَتْ أَعْناقُهَا أَنْ تَقَطَّعَا ... ) ولم يذكر سيبويه في خبر كَرَبَ إلا التجردَ من أنْ
فصل : وهذه الأفعال ملازمةٌ لصيغة الماضي إلا أربعةً اسْتُعمل لها مضارع وهي ( كاد ) نحو ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ ) و ( أوشك ) كقوله :
(
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِه ... ) وهو أكثرُ استعمالا من ما ضيها و ( طَفِقَ ) حكى الأخفش طَفَقَ يَطْفِقُ كضرب يضرب وطَفِقَ يَطْفَقُ كعلم يعلم ( وجَعَلَ ) حكى الكسائي ( إنَّ الْبَعِيرَ لَيَهْرمُ حتى يجَعْلُ إذَا شَرِبَ المَاء مَجَّهُ )
واستعمل اسمُ فاعل لثلاثة وهى ( كاد ) قاله الناظم وأنشد عليه : -
(
وَإنَّنىِ يَقِيناً لَرَهْنٌ بِالّذِى أَنَا كَائِدُ ... )

و ( كَرَبَ ) قاله جماعة وأنشدوا عليه : -
(
أَبُنَىَّ إنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِهِ ... )

و ( أَوْشَكَ ) كقوله : -
(
فَإنّكَ مُوشِكٌ أَنْ لاَ تَرَاهَا ... )

والصوابُ أن الذي في البيت الأول كابد - بالباء الموحدة - من المُكَابَدَة وَالعَمَل وهو اسمٌ غيرُ جارٍ على الفعل وبهذا جزم يعقوب في شرح ديوان كُثَير
وأن كاربا في البيت الثاني اسمُ فاعل كَرَبَ التامة في نحو قولهم ( كَرَبَ الشتاء ) إذا قَرُبُ وبهذا جزم الجوهري
واسْتُعمل مَصْدَرٌ لاثنين وهما ( طفق وكاد ) حكى الأخفش طُفُوقاً

عمن قال طَفَقَ بالفتح وطَفَقاً عمن قال طفق بالكسر وقالوا : كَادَ كَودْاً ومِكَاداً وَمَكَادَةً
فصل
وتختصُّ ( عسى ) و ( اخلولق ) و ( وأوشك ) بجواز إسنادِهِنَّ إلى ( أَنْ يَفْعَلَ ) مُسْتَغْنيً به عن الخبر نحو ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئاً ) وينبني على هذا فرعان : أحدهما : أنه إذا تقدَّم على إحداهن اسمٌ هو الُمْسَندُ إليه في المعنى وتأخَّرَ عنها ( أنْ ) والفعلُ نحو ( زَيْدٌ عَسَى أنْ يَقًومَ ) جاز تقديرُهَا خاليةً من ضمير ذلك الاسم فتكون مُسْندة إلى ( أنْ ) والفعلِ مٌسْتَغْنًى بهما عن الخبر وجاز تقديرها مسندةً إلى الضمير وتكون ( أنْ ) والفعلُ في موضع نصب على الخبر
ويظهر أثر التقديرين في التأنيث والتثنية والجمع فتقول على تقدير الإضمار ( هِنْدٌ عَسَتْ أنْ تُفْلِحَ ) و ( الزَّيْدَانِ عَسَياَ أن يَقُومَا ) و ( الزَّيْدُونَ عَسَوْا أنْ يَقُومُوا ) و ( الِهْندَاتُ عَسَيْنَ أنْ يَقُمْنَ ) وتقول على تقدير اُلْخلُوِّ من الضمير ( عسى ) في الجميع وهو الأفْصَحُ قال الله تعالى : ( لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قوم عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ من نَساءٍ عسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ )
الثاني : أنه إذا ولى إحداهن ( أنْ ) والفعلُ وتأخّرَ عنهما اسمُ هو الُمْسنَدُ إليه في المعنى نحو ( عَسَى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ ) جاز في ذلك الفعل أن يُقَدَّرَ خالياً من الضمير فيكون مسندا إلى ذلك الاسم وعسى مسندة إلى أنْ والفعلِ مستغنى بهما عن الخبر وأنْ يُقَدَّرَ مُتَحَمِّلاً لضمير ذلك الاُسم فيكون الاُسم

مرفوعا بعسى وتكون ( أنْ ) والفعلُ في موضع نصب الخبرية ومنعَ الشَّلَوْبِينُ هذا الوَجْهَ لضعف هذه الأفعال عن توسُّطِ الخبر وأجازه المبرد والسِّيَرافّيِ والفارسىّ
ويظهر أثر الاحتمالين أيضاً في التأنيث والتثنية والجمع فتقول على وجه الإضمار ( عَسَى أَنْ يَقُومَا أخَوَاكَ ) و ( عَسَى أنْ يَقُومُوا إخْوَتُكَ ) و ( وعَسَى أَنْ يَقُمْنَ نِسْوتُكَ ) و ( عَسَى أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) بالتأنيث لا غير وعلى الوجه الآخر تُوَحِّدُ ( يقوم ) وتؤنث ( تطلع ) أو تُذَكِّرُهُ
مسألة - يجوز كسر سين ( عَسَى ) خلافاً لأبي عُبَيدة وليس ذلك مطلقاً خلافاً للفارسى بل يتقيد بأن تُسْنَدَ إلى التاء أو النونِ أو نا ونحو ( هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ ) ( فَهَلْ عَسيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ) قرأهما نافعٌ بالكسر وغيرُهُ بالفتح وهو المختار

هذا باب الأحرف الثَّمَانيِةَ الداخلة على المبتدأ والخبر

فتنصب المبتدأ ويسمى اسمها وترفع خبره ويسمى خَبَرَهَا

فالأول والثاني ( إنَّ ) و ( أَنَّ ) وهما لتوكيد النسبة وَنَفْى الشكِّ عنها والإنكارِ لها
والثالث ( لَكِنَّ ) وهو للاستدراك والتوكيد فالأول نحو ( زَيْدٌ شُجَاعٌ لَكِنَّهُ بِخَيلٌ ) والثاني نحو ( لَوْ جَاءنِي أَكْرَمْتُهُ لكِنَّه لَمْ يِجَيء )
والرابع ( كَأَنَّ ) وهو للتشبيه المؤكد لأنه مركب من الكاف وأنَّ . والخامس ( لَيْتَ ) وهو للتمني وهو : طَلَبُ مالا طمع فيه أو ما فيه عُسْرٌ نحو ( لَيْتَ الشَّبَابَ عَائِدٌ ) وقول مُنْقَطِع الرجاء ( لَيْتَ لِي مَالاً فَأحُجَّ مِنْهُ )

والسادس ( لَعَلَّ ) وهو للتوقَّعِ وَعَبَّرَ عنه قوم بالترجِّي في المحبوب نحو ( لَعَلَّ اللَه يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلكِ أَمْراً ) أو الإشفاقِ في المكروه نحو ( فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) قال الأخفش : وللتعليل نحو ( أَفْرِغْ عَملَكَ لَعلَّنَا نَتَعَدَّى ) ومنه ( لَعَلّهُ يَتَذَكَّرُ ) قال الكوفيون : وللاستفهام نحو ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلّهُ يَزَّكَّى ) وَعُقَيل تجيزُ جَرَّ اسمها وكسر لامها الأخيرة
والسابع ( عَسَى ) في لُغَيَّة وهي بمعنى لعلَّ وشرطُ اسْمِهِ أن يكون ضميراً كقوله : -
(
فَقُلْتُ : عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وَعَلَّهَا ... )

وقوله : -
(
أَقُولُ لهَاَ : لَعَلِّى أَوْ عَسَانىِ ... )

وهو حينِئذٍْحرفٌ وفاقاً للسيرافي ونَقَلَه عن سيبويه خلافاً للجمهور في إطلاق القولِ بِفِعْليَّتِهِ ولابن السَّرَّاج في إطلاق القول بحرفيته . والثامن ( لا ) النافية للجنس وستأتي . ولا يتقدَّمُ خَبَرُهُن مطلقاً ولا يتوسَّطُ إلا إن كان الحرف غير ( عسى ) و ( لا ) والخبرُ ظرفاً أو مجروراً نحو ( إنَّ لَدَيْنَا

نْكَالاَ ) ( إنَّ فىِ ذَلِكَ لَعِبْرةً )

فصل تتعَّينُ ( إنَّ ) المكسورة حيث لا يجوز أن يَسُدَّ المصدرُ مَسَدَّهَا وَمَسَدَّ معموليها و ( أنَّ ) المفتوحة حيث يجب ذلك وَيَجُوزَ أن إن صَحَّ الاعتباران

فالأول في عشرة وهي : أن تقع في الابتداء نحو ( إنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) ومنه ( أَلاَ إنَّ أَوْليِاء اللهِ لاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )

أو تاليةً لحيث نحو ( جَلَسْتُ حَيْثُ إنَّ زَيْداً جَالِسٌ ) أو لإذ ك ( جِئْتُكَ إذْ إنَّ زَيْداً أَمِيرٌ ) . أو لموصول نحو ( مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوء ) بخلاف الواقعة في حَشْوِ الصِّلَة نحو ( جَاء الّذِي عِنْدِي أَنَّهُ فَاضِلٌ ) وقولهم : ( لاَ أَفْعَلُهُ مَا أَنَّ حِرَاءَ مَكَانَهُ ) إذ التقدير ما ثَبَتَ ذلك فليست في التقدير تاليةَ للموصول

أو جواباً لقسم نحو ( حم وَالْكِتَابِ المُبِيِن إنَّا أَنْزَلنْاَهُ ) . أو محكيةً بالقول نحو ( قَالَ إنيِّ عَبْدُ اللهِ ) . أو حالا نحو ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِاَلحْقِّ وَإنْ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤمِنِيَن لَكَارِهُونَ ) . أو صفة نحو ( مَرَرْتُ بِرَجُلٍ إنِّهُ فَاضِلٌ ) . أو بعد عامل عُلِّقَ باللام نحو ( وَاللهُ يَعْلَمُ إنّكَ لَرَسُولُهُ وَاللُه يَشْهَدُ إنَّ المنُاَفَقِيَن لَكَاذِبُونَ ) . أو خَبَراً عن اسم ذَاتٍ نحو ( زَيْدٌ إنِّهُ فَاضِلٌ ) ومنه ( إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنهُمْ )

والثاني في تسعة وهي : أن تقع فاعلةً نحو ( أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا ) . أو مفعولة غير محكية نحو ( وَلاََتَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ ) . أو نائبةً عن الفاعل نحو ( قُلْ أَوحِىَ إلَيَّ أَنَّهُ اُسَتَمَعَ نَفَرٌ ) . أو مبتدأ نحو ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الأْرْضَ ) ( فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الُمَسبِّحِيَن ) . أو خَبَراً عن اسم مَعْنىً غيرِ قولٍ ولا صادقٍ عليه خَبرَهُا نحو ( اُعْتِقَادِي أَنَّهُ فَاضِلٌ ) بخلاف ( قَوْلِى إنَّهُ فَاضِلٌ ) و ( اعْتِقَادُ زَيْدٍ إنَّهُ حَقُّ ) . أو مجرورةً بالحرف نحو ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَه هُوَ اَلْحقُّ ) . أو مجرور بالإضافة نحو ( إنَّهُ لحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) . أو معطوفَةً على شيء من ذلك نحو ( اُذْ كُرُوا نِعْمَتِيَ التّيِ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ) . أو مُبْدَلَةً من شئ من ذلك نحو ( وَإذْ يَعِدُكُمُ اللُه إحْدىَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ )

والثالث في تسعة : أحدها أن تَقَعَ بعد فاء الجزاء نحو ( مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإنَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فَالكَسْرُ على معنى فهو غفور رحيم والفتحُ على معنى فَالغُفْرَانُ وَ الرَّحْمَة : أي حَاصِلاَنِ أو فالحاصلُ الغفران والرحمة . كما قال الله تعالى : ( وَإنْ مَسَّهُ الشّرُّ فَيَئُوسٌ ) أي فهو يَئُوسٌ . الثاني : أن تقع بعد ( إذا ) الْفُجَائية كقوله : -
(
إذَا أَنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا وَالّلهَازِمِ ... )

فالكَسْرُ على معنى فإذا هو عبدُ القَفَا وَالفَتْحُ على معنى فإذا العبوديَّةُ أي : حاصلة كما تقول : خَرَجْتُ فإذا الأسَدُ . الثالث : أن تقع في موضع التعليل نحو ( إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نُدَعْوُهُ إنَّهُ هُوَ الْبُّر الرَّحِيمُ ) قرأ نافعٌ والكسائيُّ بالفتح على تقدير لام العلة والباقون بالكسر على أنه تعليل مستأنف ومثله ( صَلِّ عَلَيْهِم إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لهم ) ومثلُه ( لبَّيْكَ إنَّ اَلْحَمدْ وَالنعّمْةَ لَكَ ) . الرابع : أن تقع بعد فعلِ قَسَمٍ ولا لام بعدها كقوله : -
(
أَوْ تَحْلِفِى بِرَبِّكِ الْعَلِّىِ ... أَتىأَبُو ذّيَّالِكِ الصَّبِىِّ )

فالكَسْرُ على الجواب والبصريون يُوجِبُونَهُ والفتحُ بتقدير ( على ) ولو أُضْمِرَ الفعل أو ذُكِرتَ اللام تعين الكَسْرُ إجماعاً نحو ( والله إنَّ زَيْداً قَائِمٌ ) و ( حَلَفْتُ إنَّ زَيْداً لَقَائِم )

الخامس أن تقع خبراً عن قولٍ وَمُخْبَراً عنها بقول والقائلُ واحد نحو ( قَوْلِى إنِّي أَحْمَدُ اللهَ ) ولو انتفى القولُ الأول فُتِحَتْ نحو ( عِلْمِي أَنِّي أَحْمَدُ اللهَ ) ولو انتقى القولُ الثاني أو اختلف القائل كُسِرَت نحو ( قَوْلِى إنيِّ مُؤمِنٌ ) و ( قَوْلِى إنَّ زيدا يَحْمَدُ اللهَ ) . السادس : أن تقع بعد وأو مَسْبُوقَة بمفرد صالح للعطف عليه نحو ( إنَّ لَكَ أنْ لاَ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى وَأَنّكَ لا تَظْمَأ فيها ولاَ تَضْحَى ) قرأ نافعٌ وأبو بكر بالكسر : إما على الاستئناف أو بالعطف على جملة إن الأولى والباقون بالفتح بالعطف على ( أنْ لا تجوع ) . السابع : أن تقع بعد حتى ويختص الكسر بالابتدائية نحو ( مَرِضَ زَيْدٌ حَتَّى إنّهُمْ لاَ يَرْجُونَهُ ) والفتح بالجارَّةِ ولعاطفةِ نحو ( عَرَفْتُ أُمُوركَ حتى أنّكَ فَاضِلٌ )

الثامن : أن تقع بعد ( أمَا ) نحو ( أمَا إنَّك فَاضِلٌ ) فالكَسْرُ على أنها حرفُ استفتاح بمنزلة ألاَ والفتح على أنها بمعنى أَحَقَّا . التاسع : أن تقع بعد ( لاَ جَرَمَ ) والغالبُ الفَتْحُ نحو ( لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ) فالفتح عند سيبويه على أن ( جَرَمَ ) فعلٌ ماضٍ ( وأن ) وَصِلَتَهَا فاعلٌ : أى وَجَبَ أن الله يعلم و ( لا ) صلة وعند الفراء على أن ( لاَ جَرَمَ ) بمنزلة لاَ رَجُلَ ومعناهما لاَ بُدَّ وَمِنْ بَعْدَهُما مُقَدَّرَة والكسر على ما حكاه الفراءُ من أن بعضهم ينزلها مَنْزلَةَ اليمين فيقول : ( لاَ جَرَمَ لآتِيَنّكَ )
فصل
وتدخل لامُ الابتداء بعد ( إنَّ ) المكسورة على أربعة أشياء : أحدها : الخبر وذلك بثلاثة شروط : كونه مؤخراً وَمُثْبَتاً وَغَيْرَ ماض نحو ( إنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاءِ ) ( وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَم ) ( وَأنّكَ لَعَلىَ خُلُقٍ ) ( وَأنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُميِتُ ) بخلاف ( إنَّ لَدَينْاَ

أنْكَالاَ ) ونحو ( إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ) وَشَذّ قوله : - (
َوأَعْلَمُ إنَّ تَسْليِماً وَتَرْكاً ... لَلاَمُتَشابِهَانِ وَلاَ سَوَاء )

وبخلاف نحو ( إنَّ اللهَ اصْطَفَى ) وأجاز الأخفشُ والفراء وتبعهما ابن مالك ( إنَّ زَيْداً لَنِعْمَ الرَّجُلُ ) و ( لَعَسَى أنْ يَقُومَ ) لأن الفعل الجامد كالاسم وأجاز الجمهور ( إنَّ زَيْداً لَقَدْ قَامَ ) لَشَبهِ الماضي المقرون بِقَدْ بالمضارع لِقُربِ زمانه من الحال وليس جَوَازُ ذلك مخصوصاً بتقدير اللام للقسم لا للابتداء خلافاً لصاحب الترشيح وأما نحو ( إنَّ زَيْد اً لَقَامَ ) ففى الغُرةَّ أن البصرىَّ والكوفَّى على منعها إن قُدِّرَت للابتداء والذي نحفظه أن الأخفش وهشاماً أجازاها على إضمار قد
الثاني : معمول الخبر وذلك بثلاثة شروط أيضاً : تَقَدُّمِهِ على الخبر غيَر حالٍ وكونِ الخبر صالحا للام نحو ( إنَّ زَيْداً لَعَمْراً

ضَاِربٌ ) بخلاف ( إنَّ زَيْداً جَالِسٌ في الدَّارِ ) و ( إنَّ زَيْداً راكِباً مُنْطَلِقٌ ) و ( إنَّ زَيْداً عَمْراً ضَرَبَ ) خلافاً للأخفش فى هذه
الثالث : الاسم بشرط واحد وهو أنْ يتأخر عن الخبر نحو ( إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرةً ) أو عن معموله نحو ( إنَّ فيِ الدَّارِ لَزَيْداً جَالِسٌ )
الرابع : الْفَصْلُ وذلك بلا شرط نحو ( إنَّ هذَا لَهُوَ الْقَصَصُ اَلْحقُّ ) إذ لم يُعْرَبْ ( هو ) مبتدأ

فصل وتتصل ( ما ) الزائدة بهذه الأحرف إلا ( عسى ) و ( لا ) فتكفُّها عن العمل وتهيئها للدخول على الجمل نحو ( قُلْ إنمَّاَ يُوحَى إَلَّى أَنَّماَ إلُهكُمْ إلهُ وَاحِدٌ ) و ( كَأَنَّما يُسَاقُونَ إلَى الَموْتِ ) بخلاف قوله :

-
- (
وَلَكِنمَّاَ يُقْضَى فَسَوْف يَكُونُ ... )

إلا ( لَيْتَ ) فتبقى على اختصاصها يجوز إعمالُهَا وإهمالها وقد رُوِيَ بهما قولُه : -
(
قَالَتْ أَلاَ لَيَتَماَ هذَا اَلْحَمامُ لَنَا ... )

وَنَذَرَ الإعمالُ في إنَّماَ وهل يمتنع قياسُ ذلك في البواقى مطلقاً أو يَسُوعُ مطلقاً أو في لعلَّ فقط أو فيها وفي كأنَّ أقوالٌ
فصل
:
يُعْطَفُ على أسماء هذه الحروف بالنصب : قبل مجئ الخبر وبعده كقوله : -
(
إنَّ الرَّبِيعَ اَلْجَوْدَ وَالخْرِيفَا ... يَدَا أبِى الْعَبَّاسِ وَالصُّيُوفَا )

وَيعْطَفُ بالرفع بشرطين : استكمالِ الخبر وكونِ العامل ( أنَّ )

أو ( إنَّ ) أو ( لَكِنَّ ) نحو ( أنَّ اللهَ بَرِىء مِنَ الُمْشرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) وقوله : -
(
فَإنَّ لَنَا الأُمَّ النَّجِيَبةَ وَالأبُ ... )

وقوله : -
(
وَلكِنَّ عَمَّى الطَّيِّبُ الأصْلِ وَالَخْالُ ... )

والمحقِّقُونَ على أن رَفْعَ ذلك ونحوه على أنه مبتدأ حُذِفَ خبره أو بالعطف على ضمير الخبر إذا كَان بينهما فاصل لا بالعطف على محل الاسم مثل ( مَا جَاءَني من رَجُلٍ وَلاَ اُمْرَأَةُ ) بالرفع لأن في مسألتنا الابتداء وقد زال بدخول الناسخ
ولم يشترط الكسائُّىِ والفراء الشرطَ الأولَ تَمسُّكاً بنحو ( إنَّ الذينَ آمنوا والذينَ هَادُوا والصَّابِئُون ) وبقراءة بعضهم ( إن اللَه وَمَلاَئكِتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ) وبقوله : -
(
فإنِّي وَقَيَّارٌ بَها لَغَريِبُ ... )

وقوله :
(
وَإلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأنْتُمْ بُغاَةٌ ... )

ولكن اشترط الفراء - إذا لم يتقدَّمِ الخبُر - خَفَاء إعراب الاسم كما في بعض هذه الأدلة . وخَرَّجَهَا المانعون على التقديم والتأخير أي والصابئون كذلك أو على الحذف من الأول كقوله : -
(
فإِنِّى وَأنْتُما - وَإن لم تَبُوحا بالْهَوىَ - دَنِفَانِ ... )

ويتعَّينُ التوجيهُ الأولُ في قوله :
(
فإنى وَقيَاَّرُ بها لَغَرِيبُ ... ) ولا يتأتىّ فيه الثاني لأجل اللام إلا إن قُدِّرَتْ زائدةً مثلها في قوله :

(
أُمُّ اُلْحَليْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَ بَهْ ... ) والثاني في قوله تعالى ( وملاِ ئكَتُهُ ) ولا يتأتَّى فيه الأولُ لأجل الواو في ( يُصَلَّونَ ) إلا إن قُدِّرَتْ للتعظيم مثلها في ( قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) . ولم يشترط الفراء الشَّرْطَ الثاني تمسكاً بنحو قوله : -
(
يَا لَيْتَنىِ وَأَنْتِ يَا لَمِيسُ ... فىِ بَلْدَةٍ ليَسْ بَها أنِيسُ )

وخرج على أن الأصل ( وأنتِ مَعِيَ ) والجملة حالية والخبُر قوله ( في بلدة )

فصل : تُخَفّفُ ( إنَّ ) المكسورة لثقلها فيكثر إهمُالَها لزوال اختصاصها نحو ( وَإنْ كُلُّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحَضرُونَ ) ويجوز إعمالُها استصحابا للاصل نحو ( وَإنْ كُلاَّ لمَا لَيُوَفَّيَنَّهُمْ ) وتلتزم لامُ الابتداء بعد المهملة

فارقَةً بين الإثبات والنفي وقد تُغْنِى عنها قرينةٌ لفظية نحو ( إنْ زَيْدٌ لَنْ يَقُومَ ) أو معنويّةُ كقوله : -
(
وَإنْ مَالِكٌ كًانَتْ كِرَامَ الَمعَادِنِ ... )

وإن ولى ( إن ) المكسورة المخففة فعلٌ كُثرَ كونه مضارعاً ناسخاً نحو ( وإنْ يَكَادُ الذين كفروا ليُزْلقِوُنَكَ ) ( وإنْ نَظْنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبين ) وأكثر منه كونه ماضياً ناسخاً نحو ( وإنْ كَانَتْ لَكبِيِرَةً ) ( وإنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ) ( وإنْ وَجَدْنَا أكْثرَهُمْ لَفَاسَقِيَن ) ونَدَر كونُه ماضياً غيَر نَاسخٍ كقوله : -
(
شَلّتْ يَمِيُنكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً ... )

ولا يُقَاس عليه : ( إنْ قَامَ لأنَا وإنْ قَعَدَ لَزَيْدٌ ) خلافاً للأخفش والكوفيين وأنْدَرُ منه كَوْنُه لا ماضياً ولا ناسخاً كقوله ( إنْ يَزِيُنكَ لَنَفْسُكَ وَإنْ يَشِيُنكَ لَهِيَهْ )

فصل
:
وتخُفَفّ ( أنَّ ) المفتوحة فيبقى العمل ولكن يجب في اسمها كونه مضمراً محذوفاً فأما قوله : -
(
بأنْكَ رَبيعٌ وَغَيْثٌ مَريِعٌ ... وأنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمالاَ ) فضرورة

ويجب في خبرها : أن يكون جملة ثم إن كانت اسميةً أو فعليةً فعلها جامدٌ أو دعاء لم تَحْتَجْ لفاصل نحو ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحمدُ لله رَبِّ العَالِميَن ) . ( وَأَنْ لَيْسَ للإنْسَانِ إلاّ مَا سَعَى ) ( وَاَلخْامِسَةُ أَنْ غَضِبَ اللُه عَلَيْها ) ويجب الفَصْلُ في غيرهن بقد نحو ( وَنَعْلَم أنْ قَدْ صَدَقْتَناَ ) أو تنفيس نحو ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ ) أو نفي بلا أو لن أو لم نحو ( وَحَسِبُوا

أنْ لاَ تَكُونُ فِتْنَةٌ ) ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) ( أَيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) أو لو نحو ( أنْ لَوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُمْ ) تركُه كقوله : -
(
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُونَ فَجَادُوا ... )

ولم يذكر ( لو ) في الفواصل إلا قليلٌ من النحويين وقولُ ابن الناظم ( إنَّ الفَصْلَ بها قَليِلٌ ) وَهَمٌ منه على أبيه
فصل : وتخفف ( كأنَّ ) فيبقى أيضاً إعمالُهَا لكن يجوز ثبوتُ اسمها وإفرادُ خبرها كقوله : -
(
كَأنْ وَرِيدَيْهِ رِشَاءُ خُلُبْ ... )

وقوله : -
(
كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلَى وَارِقِ السَّلَمْ ... ) يروى بالرفع على حذف الاسم - أي كَأَنَّها - وبالنصب على حذف الخبر - أي كأن مكانَهَا - وبالجر على أن الأصل كَظَبَيةٍ وَزِيدَ ( أنْ ) بينهما

وإذا حُذِفَ الاسمُ وكان الخبر جملةً اسميةً لم يحتج لفاصِلٍ كقوله : -
(
كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ ... )

وَإنْ كانت الجملة فعليةً فُصِلَتْ بلَمْ أو قَد ْ نحو ( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ باِلأمْسِ ) ونحو قوله : -
(
لاَ يَهُولَنَّكَ اصْطِلاَءُ لَظَى اَلْحرْ ... بِ فَمَحْذُورُهَا كَأنْ قَدْ أَلَّما )

مسألة - وتخفف ( لَكِنَّ ) فتهمل وجوباً نحو ( ولِكنِ اللُه قَتَلَهُمْ ) وعن يونس والأخفش جوازُ الإعمال . [ ] [ ]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنْ اْلرَّحِيم هذا باب ( لا ) العاملة عمل إن
وَشَرْطُهَا : أن تكون نافيةً وأن يكون المنفىُّ الجنسَ وأن يكون نفيه نَصَّا وأن لا يدخل عليها جار وأن يكون اسمها نكرة متصلا بها وأن يكون خبرها أيضا نكرة نحو ( لاَ غُلاَمَ سَفَرٍحَاضِرٌ ) فإن كانت غَيْرَ نافيةٍ لم تعمل وَشَذَّ إعمالُ الزائدة في قوله : -
(
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لاَ ذُنُوبَ لهَاَ ... إذَا لَلاَمَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا )

ولو كانت لِنَفْىِ الوَحْدَة عملت عمل ليس نحو ( لاَ رَجُلٌ قَائِماً بَلْ رَجُلاَنِ ) وكذا إن أُريِدَ بها نَفْىُ الجنس لا على سبيل التنصيص وإن دخل عليها الخافض خَفَضَ النكرة نحو ( جِئْتُ بِلاَ زَادٍ ) و ( غَضِبْتُ مِنْ لاَ شَىْء ) وَشَذَّ ( جِئْتُ بِلاَ شَىءَ ) بالفتح وإن كان الاُسْمُ معرفة او منفصلا منها أُهْمِلَت ووجب عند غير المبرد وابن كَيْسَان - تكرارُهَا

نحو ( لاَ زَيْدٌ فيِ الدَّارِ وَلاَ عَمْرٌو ) ونحو ( لا فِيهَا غَوْلٌ ) وإنما لم تكرر في قولهم ( لاَ نَوْلُكَ أَنْ تَفْعَلَ ) وقوله :

-
(
أَشَاءُ ما شئْت حَتَّى لاَ أَزَالُ لمِاَ ... لاَ أَنْتِ شَائِيَةٌ مِنْ شَأْنِنَا شَانِى ) للضرورة في هذا ولتأول ( لاَ نَوْلُكَ ) بلا يَنْبَغِى لك
فصل : وإذا كان اسمها مفرداً - أى : غير مضاف ولا شَبِيهٍ به - بُنِىَ على الفتح إن كان مفرداً أو جمعَ تكسير نحو ( لا رَجُلَ ولا رِجَالَ ) وعليه أو على الكسر إن كان جمعاً بألف وتاء كقوله :

-
(
إنَّ الشَّبَابَ الّذيِ مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ ... فِيهِ نَلَذُّ وَلاَ لَذَّاتِ لِلشِّيبِ )

رُوِىَ بهما وفي الخصائص أنه لا يجيزُ فَتْحَهُ بصرىٌّ إلا أبا عثمان وعلى الياء إن كان مُثَنَّى أو مجموعاً على حَدِّه كقوله : -
(
تَعَزَّ فَلاَ إِلْفَيْنِ بِالْعَيْشِ مُتِّعاَ ... )

وقوله -
(
يُحْشَرُ النَّاسُ لاَ بَنِينَ ولاَ آ ... بَاءَ إلاَّ وَقَدْ عَنَتْهُمْ شُؤُونُ )

قيل : وعلة البناء تَضَمُّنُ معنى ( مِنْ ) بدليل ظهورها في قوله : -
(
وَقَالَ أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيلٍ إلَى هِنْدِ ... )

وقيل : تركيب اُلاُسم مع الحرف كخمسة عشر
وأما المضاف وشبهه فمعربان والمراد بشبهه : ما اتَّصَلَ به شىءٌ من تمام معناه نحو ( لا قبيحاً فِعْلُهُ محمود ولا طالعاً جَبَلاً حاضر ولا خيراً من زيد عندنا )
فصل
:
ولك في نحو ( لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة الاّ باللهِ ) خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : أحدها : فَتْحُهُماَ وهو الأصل نحو ( لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خُلّةَ ) في قراءة ابن كثير وابى عمرو
الثاني : رَفْعُهُماَ اما بالاُبتداء او على اعمال ( لا ) عَمَل ليس كالآية في قراءة الباقين وقوله :

-
(
لاَ نَاقَةٌ لِيَ فيِ هذَا وَلاَ جَمَلُ ... )

الثالث : فَتْحُ الأول ورَفْعُ الثاني كقوله :
(
لاَ أُمَّ لىِ إنْ كَانَ ذَاكَ وَلاَ أَبُ ... )

وقوله :
(
وَأَنْتُمْ ذُنَابَى لاَ يَدَيْنِ وَلاَ صَدْرُ ... )

الرابع : عكس الثالث كقوله :
(
فَلاَ لَغْوٌ وَلاَ تَأْثيِمَ فيِهَا ... )

الخامُس : فَتْحُ الأول وَنَصْبُ الثاني : كقوله : -
(
لاَ نَسَبَ الْيَوْمَ وَلاَخُلّةً ... ) - وهو أضْعَفُهَا حتى خَصَّهُ يُونُسُ وجماعةٌ بالضرورة كتنوين المنادى وهو عند غيرهم على تقدير ( لا ) زائدةً مُؤَكِّدَةً وأن الاُسم منتصب بالعطف

فإن عطفت ولم تكرر ( لا ) وَجَبَ فتح الأول وجاز في الثاني النصبُّ والرفعُ :
(
فَلاَ أَبَ وَاُبْناً مِثْلُ مَرْوَانَ وَاُبْنِهِ ... )

ويجوز ( وَاُبْنٌ ) بالرفع وأما حكاية الأخفش ( لاَ رَجُلَ وَاُمْرَأَةَ ) - بالفتح - فشاذة

فصل واذا وُصِفت النكرةُ المَبْنِيَّةُ بمفردٍ مُتَّصِلٍ جاز فَتْحُهُ على انه رُكِّبَ معها قبل مجيء ( لا ) مثل ( خَمْسَةَ عَشَرَ ) وَنَصْبُهُ مراعاةً لمحلِّ النكرة

وَرَفْعُهُ مراعاةً لمحلها مع لا نحو ( لاَ رَجُلَ ظَرِيفَ فِيهَا ) ومنه ( أَلاَ مَاءَ مَاءَ بَارِداً عندنا ) لأنه يُوصَفُ بالأسم إذا وصف والقول بأنه توكيد خطأ
فإن فُقِدَ الإفرادُ نحو ( لاَ رَجُلَ قَبِيحاً فِعْلُه عندنا ) أو ( لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ ظَرِيفاً عندنا ) أو الاتصالُ نحو ( لا رَجُلَ فيِ الدَّارِ ظَرِيفٌ ) أو ( لاَ مَاءَ عندنا ماءً بَارداً امتَنَعَ الفتحُ وجاز الرفعُ والنصبُ كما في المعطوف بدون تكرار ( لا ) وكما في البدل الصالح لعمل ( لا ) فالعَطْفُ نحو ( لا رَجُلَ وَامْرَأَةٌ فيها والبدل نحو لا أَحَدَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فيها فإن لم يصلح له فالرَّفْعُ نحو ( لا أَحَدَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فيها ) وكذا في المعطوف الذي لا يَصْلُح لعمل ( لا ) نحو ( لا امْرَأَةَ فيها ولا زَيْدٌ )
فصل
وإذا دخلت همزة الاستفهام على ( لا ) لم يتغير الحكم
ثم تارةً يكون الحرفان باقيين على معنييهما كقوله : -
(
أَلاَ اُصْطِبَارَ لِسلْمى أَمْ لَهَا جَلَدٌ ... ) وهو قليل حتى تَوَهَّمَ الشَّلَوْبِيِنُ أنه غير واقع

وتارةً يُرَادُ بهما التوبيخُ كقوله : -
(
أَلاَ ارْعِوَاءَ لَمِنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... ) وهو الغالبُ

وتارةً يُرَادُ بهما التَّمَنِّى كقوله : -
(
أَلاَ عُمْرَ وَلَّى مُسْتَطَاعٌ رُجُوعُهُ ... )

وهو كثير وعند سيبويه والخليل أن ( ألا ) هذه بمنزلة أَتَمَنَّى فلا خبر لها وبمنزلة ( لَيْتَ ) فلا يجوز مُرَاعَاةُ مَحَلِّها مع اسمها ولا إلغاؤُهَا إذا تكررت وَخَالَفَهُمَا المازنيُّ والمبرد ولا دليل لهما في البيت إذ لا يَتَعيَّنُ كون مستطاع خبراً أو صفة ورجوعه فاعلا بل يجوز كون ( مستطاعٌ ) خَبَراً مقدماً و ( رُجُوعُهُ ) مبتدأ مؤخراً والجملة صفة ثانية
وترد ألا للتنبيه فتدخل على الجملتين نحو ( أَلاَ إنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) ( أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) وَعَرْضِيَّةً وَتَحْضِيضِيَّةً فَتَخْتَصَّانِ بالفعلية نحو ( أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ ) ( أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ )

مسألة وإذا جُهِلَ الخبر وَجَبَ ذكره نحو ( لاَ أَحَدَ أَغْبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وإذا عُلِمَ فحذفُهُ كثيرٌ نحو ( لا فَلاَ فَوْتَ ) ( قالُوا لاَ ضَيْرَ ) ويلتزمُه التميميون والطائيون
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين أفعال هذا الباب نوعان أحدهما أفعال القلوب وإنما قيل لها ذلك لأن

معانيها قائمة بالقلب وليس كلُّ قلبى يَنْصب المفعولين بل القلبى ثلاثة أقسام مالا يَتَعَدَّى بنفسه نحو فَكَّر وتفكَّر وما يَتَعَدَّى لِوَاحِدٍ نحو عَرَفَ وَفَهِمَ وما يَتَعَدَّى لاثنين وهو المراد وينقسم أرْبَعَةَ أقْسَامٍ
أحدها ما يفيدُ في الخبر يقيناً وهو أربعة وَجَدَ وأَلْفَى وتَعَلّمْ بمعنى أَعْلَمْ ودَرَى قال الله تعالى ( تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً ) ( إنّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضالِّيَن ) وقال الشاعر : -
(
تَعَلّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا ... )

وَالأكْثَرُ وقوعُ هذا على ( أَنَّ ) وصلتها كقوله : -
(
فَقُلْتُ تَعَلّمْ أَنَّ لِلصَّيْدِ غِرَّةً ... )

وقوله : -
(
دُرِيتَ الْوَفِىَّ الْعَهْدُ يَا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ ... )

والأكْثَرُ في هذا أن يَتَعَدَّى بالباء فإذا دخلت عليه الهمزة تَعَدَّى لآخَرَ بنفسه نحو ( وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ )
والثاني ما يُفيد في الخبر رُجْحَاناً وهو خمسة جَعَلَ وحَجَا وعَدَّ وهَبْ وزَعَمَ نحو ( وَجَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إنَاثاً ) وقوله :

-
(
قَدْ كُنْتُ أَحْجُو أَبَا عَمْرٍو أَخَا ثِقَةٍ ... )

وقوله : -
(
فَلاَ تَعْدُدِ الَموْلَى شَرِيكَكَ فيِ الغِنىَ ... )

وقوله : -
(
وَإلاّ فَهَبْنِى أمْرَأً هَالِكا ... )

وقوله : -
(
زَعَمَتْنِى شَيْخاً وَلَسْتُ بِشَيْخٍ ... )

والأكْثَرُ فى هذا وُقُوعُه على أنْ وَأنَّ وصلتهما نحو ( زَعَمَ الّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا ) وقال : -
(
وَقَدْ زَعَمَتْ أنِّى تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا ... )

والثالث ما يَرِدُ بالوجهين والغالبُ كونُه لليقين وهو اثنان رَأَى وعَلِمَ كقوله جَلَّ ثناؤه ( إنّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً )

وقوله تعالى ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاّ اللهُ ) وقوله تعالى : ( فَإِنْ عَلِمْتُموهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ )
والرابع ما يرد بهما والغالبُ كونُه للرُّجْحَانِ وهو ثلاثة : ظَنَّ وحَسِبَ وخَالَ كقوله : -
(
ظَنَنْتُكَ إنْ شَبَّتْ لَظَى اَلْحَرْبِ صَالِياً ... )

وكقوله تعالى : ( يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ ) وكقول الشاعر : -
(
وَكُنَّا حَسِبْنَا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ... )

وقوله : -
(
حَسِبْتُ التُّقَى وَلْجُودَ خَيْرَ تجِاَرَةٍ ... )

وكقوله : -
(
إِخالُكَ إنْ لَمْ تَغْضُضِ الطَّرْفَ ذَا هَوًى ... )

وقوله : -
(
مَا خِلْتُنِى زِلْتُ بَعْدَكُمْ ضَمِنَا ... )

تنبيهان الأول ترد عَلِمَ بمعنى عَرَفَ وَظَنَّ بمعنى اتهَمَ ورأى بمعنى الرأى أى المذهب وحَجَا بمعنى قَصَدَ فيتعدَّيْنَ إلى واحدٍ نحو ( وَاللهُ أَخْرَجكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شيئاً ) ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بظَنِينٍ ) وتقول ( رأى أبو حنيفة حِلَّ كذا ورأى الشافعى حُرْمَتَهُ و ( حَجَوْتُ بَيْتَ الله )
وترد وجَدَ بمعنى حَزن أو حَقَدَ فلا يتعدَّيَانِ
وتأتى هذه الأفعال وبقيةُ أفعال الباب لمعَانٍ أُخَرَ غير قلبية فلا تتعدَّى لمفعولين وإنما لم يحترز عنها لأنها لم يشملها قولنا ( أفعال القلوب )
الثاني : ألحقوا رأى الحلُمية برأى العلْمِيَّة في التعدِّى لاثنين كقوله

-
(
أرَاهُمْ رِفْقَتِى حَتَّى إذَا مَا ... )

وَمَصْدَرُهَا الرؤيا نحو ( هذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ ) ولا تختصُّ الرؤيا بمصدر الحلمية بل تقع مصدراً للبصرية خلافاً للحريرى وابن مالك بدليل ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتِى أرَيْنَاكَ إلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال ابن عباس هي رُؤْيَا عَيْن

النوع الثانى أفعال التصيير كجَعَلَ ورَدَّ وتَرَكَ واتَّخَذَ وتخَذَ وصَيَّرَ ووَهَبَ قال الله تعالى : ( فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) ( لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفّاراً ) ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يمَوُجُ فيِ بَعْضٍ ) ( وَاتّخَذَ اللهُ إبْرَاهِيمَ خَليِلاَ ) وقال الشاعر : -
(
تَخِذْتُ غُرَازَ إثْرَهُمُ دَليِلا ... )

وقال : -
(
فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُولْ ... ) وقالوا ( وَهَبَنِى اللهُ فِدَاكَ ) وهذا مُلاَزِمٌ للمُضِىِّ
فصل لهذه الأفعال ثلاثة أحكام :
أحدها الإعمالُ وهو الأصْلُ وهو واقعٌ في الجميع
الثانى الإلغاءُ وهو إبطال العمل لفظاً ومحلاً لضعف العامل بتوسُّطِهِ

أو تَأَخُّرِهِ ك ( زَيْدٌ ظَنَنْتُ قَائِمٌ ) و ( زَيْدٌ قَائِمٌ ظَنَنْتُ ) قال :

-
(
وَفيِ الأرَاجِيزِ خِلْتُ اللُّؤْمُ وَالْخَوَرُ ... )

وقال : -
(
هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وَإِنَّمَا ... )

وإلغاء المتأخِّر أقْوَى من إعماله والمتوسِّطِ بالعكس وقيل هُمَا في المتوسِّطِ بين المفعولين سَوَاءٌ
الثالثُ التعليقُ وهو إبطال العمل لفظاً لا محلاًّ لمجىء ماله صَدْرُ الكلام بعده وهو لام الابتداء نحو ( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَالَهُ فيِ الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ) ولاَمُ القَسَمِ كقوله :

-
(
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِى ... )

وَمَا النافيةُ نحو ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هولاَءِ يَنْطِقُونَ )
وَلاَ وَإنِ النافيتان في جواب قَسَمٍ ملفوظٍ به أو مُقَدَّرٍ نحو ( عَلِمْتُ وَالله لا زَيْدٌ في الدَّارِ وَلاَ عَمْرٌو ) و ( عَلِمْتُ إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ ) والاستفهام وله صورتان
إحداهما أن يعترض حَرْفُ الاستفهام بين العامل والجملة نحو ( وَإنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ) "
والثانية أن يكون في الجملة اُسْمُ استفهامٍ عمدةً كان نحو ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الحْزِبَيْنِ أحْصَى ) أو فضلةً نحو ( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنُقَلَبِ يَنْقَلِبُونَ ) ولا يدخل الإلغاء ولا التعليقُ في شىء من أفعال التَّصْيِير ولا في قلبيٍّ جَامِدٍ وهو اثنان هَبْ وَتَعَلَّمْ فإنهما يلزمان الأمْرَ وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا وَهَبَ كما مر

ولتصاريفهنَّ ما لهنَّ تقول في الإعمال ( أَظُنُّ زيداً قائماً ) و ( أنَا ظَانٌّ زيداً قائما وفي الإلغاء ( زَيْدٌ أظُنُّ قَائِمٌ وزَيْدٌ قَائِمٌ أظُنُّ وزَيْدٌ أَنَا ظَانٌّ قَائِمٌ وزَيْدٌ قَائِمٌ أنَا ظَانٌّ ) وفي التعليق ( أظن ما زَيْدٌ قائمٌ وَأَنَا ظَانُّ ما زيدٌ قائم )
وقد تبين مما قدمناه أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين :
أحدهما أن العامل المُلْغَى لا عَمَلَ له اُلْبَتَّهَ والعامل المَعلّقَ له عَمَلٌ في المحل فيجوز ( علمت لَزَيْدٌ قائم وَغَيْرَ ذَلِكَ من أموره ) بالنصب عَطْفاً على المحل قال :

-
(
وَمَا كُنْتُ أَدْرِى قَبْلَ عَزَّةَ مَا الْبُكَى ... وَلاَ مُوجِعَاتِ الْقَلْبِ حَتَّى تَوَلّتِ )

والثانى : أن سبب التعليق مُوجِبٌ فلا يجوز ( ظَنَنْتُ ما زيداً قائماً ) وسبب الإلغَاء مُجَوِّز فيجوز ( زَيْداً ظننتُ قائماً ) و ( زيداً قائماً ظننتُ )
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم خلافاً للكوفيين والأخفش واستدلُّوا بقوله : -
(
أَنِّى رَأَيْتُ مِلاَكُ الشِّيمَةِ الأدَبُ ... )

وقوله : -
(
وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ ... )

وأجيب بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه :
أحدُها : أن يكون من التعليق بلام الابتداء المُقَدَّرَة والأصل ( لَمِلاَكُ ) و ( لَلَديْنَا ) ثم حُذِفت وبقى التعليقُ
والثانى أن يكون من الإلغاء لأن التوسُّطَ المُبيحَ للإلغاء ليس التوسُّطَ بين المعمولين فقط بل توسُّط العامل في الكلام مُقْتَضٍ أيضاً نعم الإلغاء للتوسُّطِ بين المعمولين أقْوَى والعامل هنا قد سُبِقَ بأنِّى وبما النافية ونظيره ( مَتَى ظَنَنْتَ زَيْداً قائماً ) فيجوز فيه الإلغاء
والثالث أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف وهو

ضمير الشأن والأصل ( وَجَدْته ) و ( إخَالُه ) كما حُذِفَ في قولهم ( إنَّ بِكَ زَيْد مأخُوذٌ )
فصل
:
ويجوز بالإجماع حذفُ المفعولين اختصاراً أي لدليل نحو ( أَيْنَ شُرَكَائِىَ الّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) وقوله : -
(
بْأيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأيّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَىَّ وَتَحْسِبُ ) أى تزعمونهم شركائى وتحسب حُبَّهُمْ عاراً عَلَىَّ

وأما حذفهما اقتصاراً أي لغير دليل فعن سيبويه والأخفش المنعُ مطلقاً واختاره الناظم وعن ا لأكثرين الإجازة مطلقاً لقوله تعالى : ( وَاللهُ يَعْلَمُ وَأنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ( فَهُوَ يَرى ) ( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ) وقولهم : ( مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ ) وعن الأعلم يجوز في أفعال الظن دون أفعال الِعْلمِ
ويمتنع بالإجماع حذفُ أحدهما اقتصاراً وأما أختصاراً فمنعه ابن مَلْكُونَ وأجازهُ الجمهور كقوله :
-
(
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّى غَيْرَهُ ... مِنِّى بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ الْمُكْرَمِ )
فصل تُحْكى الجملة الفعلية بعد القَوْل وكذا الاُسمية وَسُلَيْمٌ يُعْمِلُونه فيها عَمَلَ ظَنَّ مطلقاً وعليه يُرْوَى قولُه :
-
(
تَقُولُ هَزِيزَ الرِّيحِ مَرَّتْ بِأثْابِ ... )

بالنصب وقولُه : -
(
إذَا قُلْتُ أَنِّى آثِبٌ أَهْلَ بَلْدَةٍ ... )

بالفتح وَغَيْرُهُم يشترط شروطاً وهي : كونُه مضارعاً وَسَوَّى به السيرافيُّ ( قُلْتَ ) بالخطاب والكوفىُّ ( قُلْ ) وإسنادُهُ للمخاطَبِ وكونُه حالاً قاله الناظم ورُدُّ بقوله : -
(
فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا ... )

والحقُّ أن متى ظرف لتجمعنا لا لنقول وكونُه بعد استفهام بحَرْفٍ أو باسْمٍ سمع الكسائى ( أتقول لِلْعِمْياَنِ عَقْلاً ) قال : -
(
عَلاَمَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاَتِقِى ... )

قال سيبويه والأخفش وكونُهما متصلين فلو قلت ( أأنت تقول ) فالحكاية وَخُولِفَا فإن قَدَّرت الضمير فاعلا بمحذوفٍ والنصبَ بذلك المحذوف جاز اتفاقاً واغتفر الجميع الفَصْلَ بظرف أو مجرور أو معمولِ القَوْلِ كقوله : -
(
أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً ... )

وقوله : -
(
أَجُهَّالاً تَقُولُ بَنِي لُؤَىٍّ ... )

قال السُّهَيْلىِ : وأن لا يتعدَّى باللام ك ( تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو ومُنْطَلِقُ ) . وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط نحو ( أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ ) الآيَةَ في قراءة الخطاب وَرُوِىَ عَلاَمَ تَقُولُ الرُّمْحُ بالرفع
هذا باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة وهي أَعْلَمَ وأَرَى الّلدَانِ أصْلُهما علم ورأى المتعديان لاثنين وما ضُمِّنَ معناهما من نَبَّأ وأنْبَأ وخَبَّرَ وأخْبَرَ وحَدَّثَ نحو ( كَذَلِكَ يُريهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ) ( إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فيِ مَنَامِكَ قَليِلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً )
ويجوز عند الأكثرين حذفُ الأول ك ( أعْلَمْتُ كَبْشَكَ سَمِينَا ) والاقتصار عليه ك ( زَيْداً )
وللثانى وللثالث من جواز حذف أحدهما اختصاراً وَمَنْعِهِ اقتصاراً ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما خلافاً لمن منع من الإلغاء والتعليق مطلقاً ولمن منعهما في المبنى للفاعل ولنا على الإلغاء قولُ بعضهم ( البَرَكَةُ أعْلَمَنَا اللهُ مَعَ الأكَابِرِ ) وقولُه -
(
وَأنْتَ أرَانِى اللهُ أَمْنَعُ عَاصِمٍ ... )

وعلى التعليق ( يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وقوله : -
(
حَذَارِ فَقَدْ نُبِّئْتُ إنَّكَ للَّذي ... سَتُجْزَى بِمَا تَسْعَى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقَى )

قال ابن مالك : وإذا كانت أرى وأعلم منقولَتَيْنِ من المتعدى لواحد تعدَّتا لاثنين نحو ( مِنْ بَعْدِ مَا أرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ) وحكمهما حكم مفعولَىْ ( كَسَا ) في الحذف لدليلٍ وغيره وفي منع الإلغاء والتعليق قيل : وفيه نظر في موضعين أحدهما أن ( علم ) بمعنى عرف إنما حفظ نقلُها بالتضعيف لا بالهمزة والثانى : أن ( أرى ) البصرية سُمع تعليقها بالاستفهام نحو ( رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى المَوْتَى ) وقد يُجَاب بالتزام جواز نقل المتعدى لواحد بالهمزة قياساً نحو ( ألْبَسْتُ زَيْداً جُبَّةً ) وبادعاء أن الرؤية هنا علمية .
هذا باب الفاعل الفاعل : أسْمٌ أو ما في تأويله أسند إليه فعلٌ أو ما في تأويله مُقَدَّمٌ أصلىُّ المحلِّ والصيغة
فالأسم نحو ( تَبَارَكَ اللهُ ) والمُؤَوَّل به نحو ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا ) والفِعْلُ كما مثلنا ومنه ( أتىَ زَيْدٌ ) و ( نِعْمَ الفَتَى ) ولا فرق بين المتصرف والجامد والمُؤَوَّل بالفعل نحو ( مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ ) ونحو ( وَجْهُه ) في قوله ( أتَى زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ ) و ( مُقَدَّم ) رافع لتوهم دخول نحو ( زَيْدٌ قَامَ ) و ( أصْلِىُّ المحلِّ ) مخرج لنحو ( قَائِمٌ زيد ) فإن المسند وهو قائم أصْلُه التأخيرُ لأنه خبر وذكر

الصيغة مخرج لنحو ( ضُرِبَ زيْدٌ ) بضم أول الفعل وكسر ثانيه فإنها مُفَرَّعَة عن صيغة ضَرَبَ بفتحهما وله أحكام
أحدها الرفع وقد يُجَرُّ لفظاً بإضافة المصدر نحو ( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ ) أو اسْمِهِ نحو ( مِنْ قُبْلَهِ الرَّجُلِ امْرأَتَهُ الْوُضُوء ) أو بِمِنْ أو بالباء الزائدتين نحو ( أنْ تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِنْ بَشِيٍر ) ( كَفَى بِاللهِ شَهِيداً )

الثاني : وقوعُه بعد المُسْنَدِ فإن وُجِدَ ما ظَاهِرُهُ أنه فاعل تَقَدَّم وَجَبَ تقديرُ الفاعل ضميراً مستتراً وكونُ الُمقَدَّم إما مُبْتَدَأ في نحو " زَيْدٌ قَامَ " وإمَّا فَاعِلاً محذوفَ الفعلِ في نحو ( وَإنْ أحَدٌ مِنَ الُمشْركِيَن اسْتَجَارَك ) لأن أداة الشرط مختصة بالجمل الفعلية وجاز الأمران في نحو ( أبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ) و ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ) والأرْجَحُ الفاعلية

وعن الكوفي جوازُ تقديم الفاعل تَمَسُّكاً بنحو قول الزَّبَّاء :
(
مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ... )

وهو عندنا ضرورة أو " مَشْيُهَا " مبتدأ حُذِف خبره أي يَظْهر وَئِيداً كقولهم " حُكْمُكَ مُسَمَّطاً " أي : حكمك لك مُثْبتَاً قيل : أو " مَشْيهُا " بدلٌ من ضمير الظرف . الثالث : أنه لا بُدَّ منه فإن ظهر في اللفظ نحو " قَامَ زَيْدٌ والزيدان

قَامَا " فَذَاكَ وإلاّ فهو ضمير مستتر راجع : إما لمذكور ك " زَيْدٌ قَامَ " كما مَرَّ أو لما دَلَّ عليه الفعل كالحديث " لاَ يَزْنِي الزَّانِي حين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ " أى : ولا يشرب هو أى الشاربُ أو لما دَلَّ عليه الكلامُ أو الحالُ الُمشَاهَدَةُ نحو ( كَلاّ إذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ) أي : إذا بلغتِ الرُّوحُ ونحو قولهم : ( إذا كَانَ غداً فَأْتِنِى ) وقوله :

(
فَإِنْ كَانَ لاَ يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي ... )

أى : إذا كان هو - أى : ما نحن الآنَ عليه من سَلامة - أو فإن كان هو - أى : ما تُشَاهده مِنِّي - وعن الكسائي إجازة حَذْفِهِ تَمسُّكاً بنحو ما أوَّلْنَاه . الرابع : أنه يَصِحُّ حذفُ فِعْلِهِ إن أجيب به نَفْيٌ كقولك " بَلَى زَيْدٌ " لمن قال : ما قام أحَدٌ أى : بَلَى قَامَ زَيْدٌ ومنه قوله :

(
تَجَلّدْتُ حَتَّى قِيلَ : لَمْ يَعْرُ قَلْبَهُ ... مِنَ الْوَجْدِ شَيٌ قُلْتُ : بَلْ أعْظَمُ الْوَجْدِ )

أو استفهامٌ محقّقٌ نحو " نَعَمْ زَيْدٌ " جواباً لمن قال : هل جاءك أحد ومنه ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) أو مُقَدَّرٌ كقراءة الشاميِّ وأبي بكر ( يُسَبَّح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ و الآصَالِ رِجَالٌ ) وقوله :
(
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... )

أى يُسَبِّحُهُ رجال وَيبْكِيه ضارع وهو قياسي وِفَاقاً للجَرْمى وابن جنى ولا يجوز في نحو " يوُعَظُ في المسجد رَجُلٌ " لا حتماله للمفعولية بخلاف " يُوعَظ في المسجد رِجَال زيد " أو استلزمه ما قبله كقوله :

(
غَدَاةَ أحَلّتْ لاِبْنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطَاتِ السَّدَائِفِ وَالْخَمْرُ )

أى : " وَحَلّتْ له الخمر " لأن " أحَلّتْ " يستلزم " حَلّتْ " أو فَسَّرَهُ ما بعده نحو ( وَإِنْ أَحَدٌ من المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ) والحذفُ

في هذه واجب
الخامس : أنَّ فعله يُوَحَّد مع تثنيته وَجَمْعه كما يُوَحَّد مع إفراده فكما تقول " قَامَ أَخُوكَ " كذلك تقول " قَامَ أَخَوَاكَ " " و " قَامَ إخْوَتُكَ و " قَامَ نِسْوَتُكَ " قال الله تعالى : ( قَاَل رَجُلاَنِ ) ( وَقَالَ الظَّالِمُون ) ( وَقَالَ نِسْوَةٌ ) وحكى البصريون عن طيئ وبعضُهُمْ عن أزد شَنُوءة نحوَ " ضَرَبُونيِ قَوْمُكَ " و " ضَرَبنِنَيِ نِسْوَتُكَ " و " ضَرَبَانِي أخَوَاكَ " قال :
(
أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا ... )

وقال :
(
يَلُومُونَنيِ فيِ اشْتِراءِ النَّخِيلِ أَهْلىِ فَكُلُّهُمُ أَلْوَمُ ... )

وقال :
(
نَتَجَ الرَّبِيعُ مَحَاسِناً ... أَلْقَحْنَهَا غُرُّ السَّحَائِبْ )

وَالصَّحِيحُ أن الالف والواو والنون في ذلك أحْرُفٌ دَلُّوا بها على التثنيه والجمع كما دَلَّ الجميعُ بالتاء في نحو " قَامَتْ " على التأنيث لا أنها ضمائرُ الفاعلين وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير أو تابعٌ على الإبدال من الضمير

وأن هذه اللغة لا تمتنع مع الْمُفْرَدَيْنِ أو المفردات المتعاطفة خلافاً لزاعمي ذلك لقول الأئمة : إن ذلك لغة لقوم معينين وتقديمُ الخَبرِ والابدالُ لا يختصَّانِ بلغة قوم بأعيانهم قوله :
(
وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ ... )

وقوله :
(
وَإنْ كَانَا لَهُ نَسَبٌ وَخِيُر ... )

السادس : أنه إن كان مؤنثاً أُنِّثَ فِعْلُه بتاء ساكنةٍ في آخِرِ الماضي وبتاء الُمَضارَعَةِ في أول المضارع . ويجب ذلك في مسألتين : إحداهما : أن يكون ضميراً متصلا ك " هِنْدٌ قَامَتْ " أو " تَقُومُ " و " الشَّمْسُ طَلَعَتْ " أو " تَطْلُعُ " بخلاف المنفصل نحو " مَا قَامَ - أوْ يَقُوم - إلاّ هِيَ " ويجوز تركُهَا في الشعر إن كان التأنيث مجازياً كقوله :
(
وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا ... )

وقوله :
(
فَإنَّ اَلْحوَادِثَ أَوْدَى بِهَا ... )

والثانية : ان يكون متصلا حقيقىَّ التأنيث نحو ( إذْ قَالَتِ اُمْرَأَةُ عِمْرَان ) وَشَذَّ قولُ بعضهم " قَالَ فُلاَنَةُ وهو رديءٌ لا ينقاس . وإنما جاز في الفصيح نحو " نِعْمَ الَمرْأَةُ " و " بِئْسَ المَرْأَةُ " لأن المراد الجنسُ وسيأتي أن الجنس يجوز فيه ذلك . ويجوز الوجهان في مسألتين : إحداهما : المنْفَصل كقوله :
(
لَقَدْ وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سُوءٍ ... )

وقولهم : " حَضَرَ القَاضِيَ اليَوْمَ امْرَأَةٌ " والتأنيثُ أكْثَرُ إلاّ إن كان الفَاصِلُ " إلاّ " فالتأنيثُ خاصٌّ بالشعر نصَّ عليه الأخفشُ وأنشد على التأنيث :
(
مَا أَئِتْ مِنْ رِيَبةٍ وَذَمٍّ ... فيِ حَرْبِنَا إلاّ بَنَاتُ العَمِّ )

وَجَوَّزه ابنُ مالكٍ في النثر وقرىء ( إنْ كَانَتْ إلاّ صَيْحَةٌ ) ( فَأَصْبَحُوا لاَ تُرَى إلاّ مَسَاكِنُهُمْ ) . الثانية : المجازي التأنيثِ نحو ( وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ) ومنه اسمُ الجنسِ الجمعِ في معنى الجماعة والجماعة مؤنَّثٌ مجازىُّ فلذلك جاز التأنيثُ نحو ( كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ) و ( قَالَتِ الأعْرَابُ ) ( أوْرَقَتٍ الشَّجَرُ ) والتذكيرُ نحو ( أوْرَقَ الشَّجَرُ ) ( وَكَذّبَ بِهِ قَوْمُكَ ) ( وَقَالَ نِسْوَةٌ ) ( قَامَ الرِّجَالُ ) ( جاء الُهنُودُ ) إلا أنَّ سَلاَمَةَ نَظْم الواحد في جَمْعى التصحيح أو أوْجَبتْ التذكيرَ في نحو " قَامَ الزَّيْدُونَ " والتأنيثَ في نحو " قَامَتِ الهِنْدَاتُ " خِلاَفاً للكوفيين فيهما وللفارسىَّ في المؤنث واحتجُّوا بنحو ( إلاّ الّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ ) ( إذَا جَاءكَ المْؤُمِنَاتُ ) وقوله :
(
فَبَكَى بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وَزَوْجَتِي ... )

وَأُجِيبَ بأن البنين والبنات لم يَسْلَم فيهما لفظُ الواحِدِ وبأن التذكير في ( جاءك ) للفَصْلِ أو لأن الأصل النساءُ المؤمناتُ لأن " أل " مقدرة باللاتي وهي اسم جمع السابع : أن الأصل فيه أن يتصل بفعله ثم يجئ المفعول وقد يُعْكَس وقد يتقدمهما المفعولُ وكلٌّ من ذلك جائز وواجب . فأما جواز الأصل فنحو ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) . وأما وُجُوبه ففي مسألتين : إحداهما : أن يُخْشَى الّلبْسُ ك " ضَرَبَ مُوسَى عيِسَى " قاله : أبو بَكْر والمتأخرون كاُلْجُزْوليِّ وابن عصفور وابن مالك خالفهم ابنُ الحاجّ محتجَّا بأن العرب تُجيز تصغير عُمَرَ وعَمْرو وبأن الإجمال من مقاصد العقلاء وبأنه يجوز " ضَرَبَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ " وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق وَشَرْعاً على الأصَحِّ وبان الزَّجَّاجَ نَقَلَ أنه لا خلاف في أنه يجوز في نحو ( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ) كونُ " تلك " اسْمَهَا

و " دَعْوَاهُمْ " الخبر والعكس . الثانية : أن يُحْصَرَ المفعولُ بإنما نحو " إنمَّاَ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً " وكذا الحصر بإلا عند اُلجزُولىّ وجماعة وأجاز البصريون والكسائي والفَرَّاء وابن الأنباري تقديمَه على الفاعل كقوله :

(
وَلمَّا أَبَى إلاّ جِمَاحاً فُؤَادُهُ ... )

وقوله :
(
فَمَا زَادَ إلاّ ضِعْفَ مَا بِي كَلاَمُهَا ... )

وقوله :
(
وَتُغْرَسُ إلاّ فيِ مَنَابِتِهَا النَّخلُ ... )

وأما تَوَسُّطُ المفعولِ جوازاً فنحو ( وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ) وقولك " خَاَف رَبَّهُ عُمَرُ " وقال :
(
كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسىَ عَلَى قَدَرِ ... )

واما وُجُوبه ففي مسألتين : إحداهما : أن يَتَّصل بالفاعل ضميرُ المفعولِ نحوُ ( وَإذِ اُبْتَلَى إِبْرَاهيِمَ رَبُّهُ ) ( يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) ولا يُجِيزُ أكْثَرُ النحويين نحو " زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرَ " لا في نثرٍ ولا في شعرٍ وأجازه فيهما الأخفشُ وابنُ جِنِّى وَالطُّوَالُ وابنُ مالكٍ احتجاجاً بنحو قوله :
(
جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ) والصحيحُ جَوَازُه في الشعر فقط

والثانية : أن يُحْصَرَ الفاعلُ بإنما نحو ( إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) وكذا الحَصْرُ بإلاّ عند غير الكسائي واحتجَّ بقوله :
(
مَا عَابَ إلاّ لَئِيمٌ فِعْلَ ذِي كَرَمٍ ... وَلاَ جَفَا قَطُّ إلاّ جُبَّأٌ بَطَلاَ )

وقوله :
(
وَهَلْ يُعَذِّبُ إلاّ اللهُ بِالنَّارِ ... )

وقوله :
(
فَلَمْ يَدْرِ إلاّ اللهُ مَا هَيَّجَتْ لَنَا ... )

وأما تقدُّمُ المفعول جوازاً فنحو ( فَرِيقاً كَذّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) . وأما وجوباً ففي مسألتين : إحداهما : أن يكون مما له الصَّدْرُ نحو ( فَأيَّ آيَاتِ الله تُنْكِروُنَ ) ( أَيّاً ما تَدْعُوا ) . الثانية : أن يقع عاملُه بعد الفاء وليس له منصوب غيره مقدم عليها نحو ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) ونحو ( فَأمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ) بخلاف " أَمَّا اليَوْمَ فَاضْرِبْ زَيْداً "

تنبيه : إذا كان الفاعل والمفعول ضميرين ولا حَصْرَ في أحدهما وَجَبَ تقديمُ الفاعل كضَرَبْتُه وإذا كان المضمر أحدهما : فإن كان مفعولا وجب وَصْلُه وتأخير الفاعل كضَرَبَنيِ زَيْدٌ كان فاعلا وجب وَصْلُه وتأخيرُ المفعولِ أو تقديمُه على الفعل كضَرَبْتُ زَيْداً وزَيْداً ضَرَبْتُ

وكلامُ الناظم يُوهِمُ امتناعَ التقديمِ لأنه سَوَّى بين هذه المسألة ومسألة " ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى " والصوابُ ما ذكرنا .
هذا باب النائب عن الفاعل قد يُحْذَفُ الفاعل للجهل به ك " سُرِقَ الَمتَاعُ " أو لغرضٍ لفظي كتصحيح النَّظْمِ في قوله :

(
عُلِّقْتُهَا عَرَضاً وَعُلِّقَتْ رَجُلاً ... غَيْرِى وَعُلِّقَ أُخْرَى ذَلِكَ الرَّجُلُ )

أو معنويٍّ كأنْ لا يتعلق بذكره غَرَضٌ نحو ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) ( وَإذَا حُيِّيتُمْ ) ( إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ) . فينوب عنه - في رَفْعِهِ وَعُمْدِيته ووجوبِ التأخير عن فعله واستحقاقِه للاتِّصَال به وتأنيثِ الفعل لتأنيثه - واحدٌ من أربعة :

الأول : المفعول به نحو ( وَغِيضَ المَاء وَقُضِىَ الأمْرُ ) . الثاني : المجرور نحو ( وَلَمَّا سُقِطَ فيِ أَيْدِيهِمْ ) وقولك " سِيَر بِزَيْدٍ " وقال ابن دُرُسْتُوَيْهِ وَالسُّهَيْلِي وتلميذُهُ الرُّنْدِيُّ : النائب ضميُر المصدرِ لا المجرور لأنه لا يُتْبَع على المحل بالرفع ولأنه يُقَدَّمُ نحو ( كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ) ولأنه إذا تقدَّم لم يكن مبتدأ وكلُّ شيء ينوب عن الفاعل . فإذا إذا تقدم كان مبتدأ ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو " مُرّ بهند " . ولنا قولهم " سِيَرَ بِزَيْدٍ سَيْراً " وأنه إنما يُرَاعى محل يظهر في الفصيح نحو " لَسْتُ بِقَائِمٍ وَلاَ قَاعِداً " بخلاف نحو " مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الفَاضِلَ " بالنصب أو " مُرّ بزَيْدٍ الفاضِلُ " بالرفع فلا يجوزان لأنه لا يجوز " مَرَرْتُ زيداً " ولا " مُرّ زَيْدٌ " والنائب في الآية ضمير راجع إلى ما رَجَعَ إليه اسم كان وهو المُكَلَّفُ وامتناعُ الابتداء لعدم التجرُّدِ وقد أجازوا النيابة في " لم يُضْرَبْ مِنْ أَحَدٍ " مع امتناع " مِنْ أَحَدٍ

لمُ يُضْرَبْ " وقالوا في ( كَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) : إن المجرور فاعل مع امتناع " كَفَتْ بِهِنْدٍ "

الثالث : مصدر مُخْتَصّ نحو ( فَإذَا نُفِخَ فيِ الصُّورِ نَفْخَةٌ

وَاحِدَةٌ ) ويمتنع نحو " سِيَر سَيْرٌ " لعدم الفائدة فامتناع سيرَ على إضمار السير أحَقُّ خلافاً لمن أجازه وأما قوله :
(
وَقَالَتْ مَتَى يُبْخَلْ عَلَيْكَ وَيُعْتَلَلْ ... )

فالمعنى وَيُعْتَلل الاعتلالُ المعهودُ أو اعتلالٌ ثم خَصَّصَه بعَلَيْك أخرى محذوفة للدليل كما تحذف الصفاتُ المُخَصِّصَةُ وبذلك يُوَجَّه ( وَحيِلَ بَيْنَهُمْ ) وقوله :
(
فَيَالَكَ مِنْ ذِى حَاجَةٍ حِيلَ دُونَهَا ... )

وقوله :
(
يُغْضِى حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... ) ولا يقال النَّائبُ المجرورُ لكونه مفعولا له

الرابع : ظرف مُتَصَرِّفٌ مُخْتَصَّ نحو " صيِمَ رَمَضَانُ " و " جُلِسَ أمَامَ الأمِيرِ " ويمتنع نيابة نحو عِنْدَكَ وَمَعَكَ وَثَمَّ لامتناع رفعهن ونحو مكاناً وزماناً إذا لم يُقَيَّدا

ولا يَنُوبُ غيرُ المفعول به مع وجوده وأجازه الكوفيون مطلقاً لقراءة أبي جعفر ( لِيُجْزَى قَوْماً بمِاَ كَانُوا يَكْسِبُونَ ) والأخفشُ بشرط تَقَدُّمِ النائِبِ كقوله :
(
مَا دَامَ مَعْنِيَّا بِذِكْرٍ قَلْبَهُ ... )

وقوله :
(
لَمْ يُعْنَ بِالعَلْيَاءِ إلاّ سَيِّداً ... )

مسألة : وَغَيْرُ النائب ممَّا معناه متعلِّق بالرافع واجبٌ نصْبُه لفظاً إن كان غيرَ جار ومجرور ك " ضُرِبَ زَيْدٌ يومَ الخميس أمَامَكَ ضَرْباً شديداً " ومن ثَمَّ نُصِبَ المفعولُ الذي لم يُنَبْ في نحو " أُعْطِىَ زَيْدٌ ديِنَاراً " و " أُعْطِيَ دِينَارٌ زَيْداً " أو محلاًّ إن كان جاراً ومجروراً نحو ( فَإذَا

نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَعِلّة ذلك أن الفاعل لا يكون إلا واحداً فكذلك نائبه

فصل :
وإذا تَعَدَّى الفعل لأكثر من مفعول فنيابة الأول جائزة اتفاقاً ونيابة الثالث ممتنعة اتفاقاً نَقَلَهُ الْخَضْراوِيُّ وابن الناظم والصوابُ أن بعضهم أجازهُ إن لم يُلْبِس نحو " أَعْلَمْتُ زَيْداً كَبْشَكَ سمَيِناً " وأما الثاني ففي باب " كَسَا " إن ألْبَسَ نحو " أعْطَيْتُ زَيْداً عَمْراً " امتنع اتفاقاً وإن لم يُلْبِس نحو " أعْطَيْتُ زَيْداً دِرْهَماً " جاز مطلقاً وقيل : يمتنع مطلقاً وقيل : إن لم يُعْتَقَد القلبُ وقيل : إن كان نكرة والأول معرفة وحيث قيل بالجواز فقال البصريون : إقامة الأول أولى وقيل : إن كان نكرة فإقامته قبيحة وإن كانا معرفتين استويا في الحسن وفي باب " ظن " قال قوم : يمتنع مطلقاً للالباس في النكرتين والمعرفتين وَلعَوْدِ الضمير على المؤخّرِ إن كان الثاني نكرة لأن الغالب كونه مشتقاً وهو حينئذ شبيهٌ بالفاعل لأنه مسند إليه فرتبته التقديم واختاره الجزولى

والخضراوي وقيل : يجوز إن لم يلبس ولم يكن جملة واختاره ابن طَلْحَة وابن عُصْفور وابن مالك وقيل : يشترط أن لا يكون نكرة والأول معرفة فيمتنع " ظُنَّ قاَئِمٌ زَيْداً " باب " أعْلَمَ " أجازه قوم إذا لم يُلْبس وَمَنَعَه قوم منهم الخضراوي وَالأبَّدِيُّ وابن عُصْفور لأن الأول مفعول صحيح والأخيران مبتدأ وخبر شُبّها بمفعول " أعْطَى " ولأن السماع إنما جاء بإقامة الأوَّل قال :
(
وَنُبِّئْتُ عَبْدَ اللهِ بِالْجَوِّ أَصْبَحَتْ ... )

وقد تَبَيَّنَ أن في النظم أموراً وهي : حكاية الإجماع على جواز إقامة الثاني من باب " كَسَا " حيث لا لَبْسَ . وعدم اشتراط كون الثاني من باب " ظن " ليس جملة . وإيهام أن إقامة الثالث غير جائزةٍ باتفاق إذ لم يذكره مع المتفق عليه ولا مع المختلف فيه ولعل هذا هو الذي غلط ولده حتى حكى الإجماع على الاُمتناع

فصل :
يُضَم أوَّلُ فعلِ المفعولِ مطلقاً وَيَشْرِكُه ثاني الماضي المبدوء بتاء زائدة كتَضَارَبَ وتَعَلّمَ المبدوء بهمزِ الوصل كانْطَلَقَ واسْتَخْرَجَ واُسْتَحْلَى ويُكْسَر ما قبل الآخر من الماضي وَيُفْتَح من المضارع . وإذا اعتلَّتِ عينُ الماضي وهو ثلاثي كقَالَ وبَاعَ أو عين افْتَعَلَ أو انْفَعَلَ كاخْتَارَ وانْقَادَ فلك كَسْرُ ما قبلها بإخلاص أو إشمامُ الضمِّ فَتُقْلَبُ ياء فيهما ولك إخْلاَصُ الضمِّ فَتُقْلَبُ واواً قال :
(
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتُ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ )

وقال :
(
حُوكَتْ عَلَى نِيرَيْنِ إذْ تُحَاكُ ... )

وهي قليلة وتُعْزَى لفَقْعَسٍ ودَبِيٍر وادَّعَى ابن عذرة امتناعَهَا في افْتَعَلَ وانْفَعلَ والأول قول ابن عُصْفور والأبَّدِىِّ وابن مالك وادَّعَى ابن مالك امتناعَ ما ألبَسَ من كَسْرٍ كخِفتُ وبِعْتُ أو ضم كعُقْتُ وأصل المسألة " خَافَنيِ زَيْدٌ " و " بَاعَنيِ لِعَمْرٍو " و " عَاقَنِي عَنْ كَذَا " ثم بَنَيْتَهُنَّ للمفعول فلو قلت : خِفْتُ وبِعْتُ - بالكسر - وعُقْتُ - بالضم لتُوُهِّمَ أنهن فعل وفاعل وانعكس المعنى فتعين أن لا يجوز فيهن إلا الإشمام أو الضم في الأوَّلَيْنِ والكَسْرُ في الثالث وأن يمتنع الوجه الُملْبِس وَجَعَلتَه المغاربةُ مرجوحاً لا ممنوعاً ولم يلتفت سيبويه للالباس لحصوله في نحو مُخْتَار وتُضَارّ

وأوجب الجمهور ضمَّ فاء الثلاثي المضعَّف نحو شُدَّ ومُدَّ والحقُّ قولُ بعض الكوفيين : إن الكسر جائز وهي لغة بنى ضَبَّةَ وبعض تميم وقرأ عَلْقَمة : ( رِدَّتْ إلَيْنَا ) ( وَلَوْ رِدُّوا ) بالكسر وَجَوَّزَ ابنُ مالكٍ الإشمامَ أيضاً وقال المهاباذي : مَنْ أشم في " قِيلَ " و " بِيعَ " أشمَّ هُنا .
هذا باب الاشتغال إذا اشتغل فعلٌ متأخِّر بنصبه لمحلّ ضميرِ اسمٍ متقدِّم عن نَصْبه للفظ ذلك

الاسم : ك " زَيْداً ضَرَبْتُةُ " أو لمحله ك " هذَا ضَرَبْتُهُ " فالأصْلُ أن

ذلك الاُسْمَ يجوز فيه وجهان : أحَدُهُما راجحٌ لسلامته من التقدير وهو الرفع بالابتداء فما بعده في موضع رفع على الخبرية وجملةُ الكلامِ حينئِذٍ اسميةٌ والثاني مَرْجُوح لاحتياجه إلى التقدير وهو النصب فإنه بفعلٍ مُوَافِقٍ للفعل المذكور محذوفٍ وجوباً فما بعده لا محل له لأنه مُفَسِّر وجملة الكلام حينئِذٍ فعليةٌ

ثم قد يَعْرِض لهذا الاُسم ما يوجب نَصْبَه وما يُرَجِّحه وما يُسَوِّى بين الرفع والنصب ولم نَذْكُر من الأقسام ما يجب رفعه كما ذكر الناظم لأن حَدَّ الاشتغال لا يَصْدُق عليه وَسَيَتَّضحُ ذلك . فيجب النصب إذا وقع الُاسم بعد ما يختصُّ بالفعل كأدَوَاتِ التَّحْضِيض " هَلاّ زَيْداً أكْرَمْتَهُ " وأدواتِ الاستفهام غير الهمزة نحو " هَلْ زَيْداً رَأَيْتَهُ " و " مَتَى عَمْراً لَقِيَتهُ " وأدواتِ الشرط نحو " حَيْثُمَا زَيْداً لَقِيتَهُ فأكْرِمْهُ " إلا أنَّ هذين النوعين لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر وأما في الكلام فلا يليهما إلا صريحُ الفعل إلا إنْ كانت أداة الشرط " إذا " مطلقاً أو " إنْ " والفعلُ ماضٍ فيقع في الكلام نحو " إذَا زَيْداً لَقِيتَهُ - أو تَلْقَاهُ - فَأكْرِمْهُ " و " إنْ زَيْداً لَقِيَتهُ فَأكْرِمْهُ " ويمتنع

في الكلام " إنْ زَيْداً تَلْقَهُ فَأَكْرِمْهُ " ويجوز في الشعر وتسويةُ الناظمِ بين " إنْ " و " حَيْثُمَا " مَرْدودة . ويترَجَّحُ النصب في ستِّ مَسَائِلَ : إحداها : أن يكون الفِعلُ طلباً وهو الأمر والدعاء ولو بصيغة الخَبَرِ نحو " زَيْداً اضربْهُ " و " اللَّهُمَّ عَبْدَكَ ارْحَمْهُ " و " زَيْداً غَفَرَ اللهُ لهُ " . وإنما وجب الرفع في نحو " زَيْدٌ أحْسِنْ به " لأن الضمير في محل رفع

وإنما اتّفَقَ السبعةُ عليه في نحو ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ) لأن تقديره عند سيبويه : مِمَّا يُتْلَى عليكم حُكْمُ الزاني والزانية ثم استُؤْنِفَ الحكم وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا ولذا قال في قوله :
(
وَقَائِلَةٍ خَوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... )

إن التقدير : هذهِ خَوْلاَنُ وقال المبرد : الفاء لمعنى الشرط ولا يعمل الجوابُ في الشرط فكذلك ما أشبههما ومالا يعمل لا يفسر عاملا فالرفع عندهما واجب وقال ابن السِّيدِ وابن بابشاذ : يُخْتَار الرفعُ في العموم كالآية والنصبُ في الخصوصِ ك " زَيْداً اضْرِبْهُ " . الثانية : أن يكون الفعل مَقْرُوناً باللام أو بلا الطلبيتين نحو " عَمْراً لِيَضْرِبْهُ بَكْرٌ " و " خَالِداً لا تُهِنْهُ " ومنه " زَيْداً لاَ يُعَذِّبُهُ اللهُ " لأنه نفي بمعنى الطلب . ويجمع المسألتين قولُ الناظم " قَبْلَ فِعْلٍ ذِي طَلَبْ " فإن ذلك صادقٌ على الفعل الذي هو طلب وعلى الفعل المَقْرُونِ بأداةِ الطلب . الثالثة : أن يكون الاُسْمُ بعد شئ الغالبُ أن يليه فعلٌ ولذلك أمثلة : منها همزة الاستفهام نحو ( أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتّبِعُهُ ) فإن فُصِلت الهمزة فالمختارُ الرفعُ نحو " أَأَنْتَ زَيْدٌ تَضْرِبُهُ " في نحو " أكُلَّ يَوْمٍ زَيْداً تَضْرِبُهُ " لأن الفَصْلَ بالظرف كَلاَ فَصْلٍ وقال ابن الطَّرَاوَة : إن كان الاستفهام عن الاُسم فالرَّفْعُ نحو " أَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ أَمْ عَمْرٌو " وَحَكَم بشذوذ النصب في قوله :

(
أَثَعْلَبَةَ الفَوَارِسَ أَمْ رِيَاحاَ ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا )

وقال الأخفش : أخَوَاتُ الهمزة كالهمزة نحو " أيُّهُمْ زَيْداً ضَرَبَهُ " " وَمَنْ أَمَةَ اللهِ ضَرَبَهَا " ومنها النفي بما أو لا أو إنْ نحو " مَا زَيْداً رَأَيْتُهُ " وقيل : ظاهرُ مذهبِ سيبويه اختيارُ الرفِع وقال ابن الباذش وابن خروف : يستويان ومنها " حَيْثُ " نحو " حَيْثُ زَيْداً تَلْقَاهُ أكْرِمْهُ " كذا قال الناظم وفيه نظر . الرابعة : أن يقع الاسمُ بعد عاطفٍ غيرِ مفصولٍ بأمَّا مسبوق بفعل غير مبنى على اسم ك " قَامَ زَيْدٌ وَعَمْراً أكْرَمْتُهُ " ونحو ( وَالأنْعَامَ

خَلَقَها لَكُمْ ) بعد ( خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) بخلاف نحو ( ضَرَبْتُ زَيْداً وَأَمَّا عَمْروٌ فَأَهَنْتُهُ ) فالمختار الرفع لأن ( أمَّا ) تقطع ما بعدها عما قبلها وقريء ( وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ ) بالنصب على حد ( زَيْداً ضَرَبْتُه ) وحتى ولكن وَبَلْ كالعاطف نحو ( ضَرَبْتُ الْقَوْمَ حَتَّى زَيْداً ضَرَبْتُهُ ) . الخامسة : أن يُتَوهم في الرفع أن الفعل صفة نحو ( إنَّا كُلَّ شَيءٍ

خَلَقْنَاهُ ) وإنما لم يُتَوَهَم ذلك مع النصب لأن الصفة لا تعمل في الموصوف ومالا يعمل لايفسر عاملا . ومن ثَمَّ وجب الرفع إن كان الفعلُ صفةً نحو ( وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ) أو صِلَةً ( زَيْدٌ الّذِى ضَرَبْتُهُ ) أو مضافاً إليه ( زَيْدٌ يَوْمَ تَرَاهُ تَفْرَحُ ) أو وقع الاسم بعد ما يختصُّ بالابتداء الفُجَائية على الأصح نحو ( خَرَجْتُ فَإِذَا زَيْدٌ يَضْرِبُه عَمْرٌو ) أو قبل ما لا يَرِدُ ما قبله معمولا لما بعده نحو ( زَيْدٌ مَا أحْسَنَهُ ! ) أو ( إنْ رَأَيْتَهُ فَأَكْرِمْهُ ) أو ( هَلْ رَأَيْتَهُ ) ( تنبيهان ) - الأول : ليس من أقسام مسائل الباب ما يجب فيه الرفع كما في مسألة إذا الفجائية لعدم صدق ضابط الباب عليها وكلامُ الناظم يوهم ذلك . الثاني : لم يعتبر سيبويه إيهامَ الصفة مُرَجِّحاً للنصب بل جعل النصب في الآية مثَله في ( زَيْداً ضَرَبْتُهُ ) قال : وهو عربي كثير

السادسة : أن يكون الاسم جواباً لاستفهام منصوب ك ( زَيْداً ضَرَبْتُهُ ) جواباً لمن قال : ( أَيَّهُمْ ضَرَبْتَ ) أو ( مَنْ ضَرَبْتَ ) . ويستويان في مثل الصورة الرابعة إذا بُنِيَ الفعلُ على اسم غير ( ما ) التعجبية وتَضَمَّنت الجملةُ الثانيةُ ضميرهَ أو كانت معطوفة بالفاء لحصول المشاكلة رَفَعْتَ أو نَصَبْتَ وذلك نحو ( زَيْدٌ قَامَ وَعَمْروٌ أكْرَمْتُهُ لأَجْلِهِ ) أو ( فَعَمْراً أكْرَمْتُهُ ) بخلاف ( مَا أَحْسَنَ زَيْداً وَعَمْرٌو أكْرَمْتُهُ عِنْدَهُ ) فلا أَثَر للعطف فإن لم يكن في الثانية ضميرٌ للأول ولم يعطف بالفاء فالأخفش والسِّيرَافي يمنعان النصب وهو المختار والفارسىُّ وجماعة يُجِيزُونه وقال هشام : الواو كالفاء

وهذه أمور مُتَمِّمَاتٌ لما تَقَدَّمَ : أحدها : أن المُشْتَغِلَ عن الاُسم السابق كما يكون فعلا كذلك يكون اسْماً لكن بشروط ثلاثة أحدها أن يكون وصفاً الثاني : أن يكون عاملا الثالث أن يكون صالحاً للعمل فيما قبله وذلك نحو " زَيْدٌ أَنَا ضَارِبُهُ الآنَ أوْ غَداً " بخلاف نحو " زَيْدٌ عَلَيْكَهُ " و " زَيْدٌ ضَرْباً إيَّاهُ " لأنهما غير صفة نعم يجوز النصبُ عند مَنْ جَوّز تقديمَ معمول اسم الفعل وهو الكسائي ومعمولِ المصدر الذي لا ينحلّ بحرف مصدري وهو المبرد والسِّيرافي وبخلاف نحو " زَيْدٌ أَنَا ضَارِبُهُ أمْسِ " لأنه غير عامل على الأصَحِّ و " زَيْدٌ أَنَا الضَّارِبُه " و " وَجْهُ الأبِ زَيْدٌ حَسَنُهُ " لأن الصِّلَة والصِّفَة المشبهة لا يعملان فيما قبلهما . الثاني : لا بُدَّ في صحة الاشتغال من عُلْقَةِ بين العاملِ والاسْمِ السابِقِ وكما تحصل العُلْقَة بضميره المتصل بالعامل ك " زَيْداً ضَرَبْتُهُ كذلك تحصل بضميره المنفصل من العامل بحرف الجر نحو زَيْداً مَرَرْتُ بِهِ " أو باسم مضاف نحو " زَيْداً ضَرَبْتُ أَخَاهُ " أو باسم أجنبي أُتْبِعَ بتابع

مشتمل على ضمير الاسم بشرط أن يكون التابع نعتاً له نحو " زَيْداً ضَرَبْتُ رَجُلاً يُحِبُّهُ " أو عطفاً بالواو نحو " زَيْداً ضَرَبْتُ عَمْراً وَأَخَاهُ " أو عطفَ بيانٍ ك " زَيْداً ضَرَبْتُ عَمْراً أَخَاهُ " فإن قَدَّرت الأخَ بدلا بطلت المسألة رفعت أو نصبت إلا إذا قلنا عاملُ البدلِ والمبدل منه واحد صَحَّ الوجهان . الثالث : يجب كون الْمُقَدَّر في نحو " زَيْداً ضَرَبْتُهُ " من معنى العامل المذكور وَلَفْظِهِوفي بقية الصُّوَرِ من معناه دون لفظه فيقدر : جَاوَزْتُ زَيْداً مَرَرْتُ بِهِ وَأَهَنْتُ زَيْداً ضَرَبْتُ أَخَاهُ

الرابع : إذا رفع فعلٌ ضميَر اسمٍ سابق نحو " زَيْدٌ قَامَ " أو " غُضِبَ عَلَيْهِ " أو ملابساً لضميره نحو " زَيْدٌ قَامَ أبُوهُ " فقد يكون ذلك الاُسم واجبَ الرفع بالابتداء ك " خَرَجْتُ فَإذَا زَيْدٌ قَامَ " و " لَيْتَمَا عَمْروٌ قَعَد " إذا قدرت " ما " كافة . أو بالفاعلية نحو ( وَإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ) و " هَلاَّ زَيْدٌ قَامَ " . وقد يكون رَاجِحَ الابتدائية على الفاعلية نحو " زَيْد قَامَ " عند المبرد وَمُتَابِعيِه وَغَيْرُهُم يوجب ابتدائيته لعدم تقدم طالب الفعل

وقد يكون راجحَ الفاعلية على الابتدائية نحو " زَيْدٌ لِيَقُمْ " ونحو " قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَعَدَ " ونحو ( أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ) و ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ) . وقد يستويان نحو " زَيْدٌ قَامَ وَعَمْرٌو قَعَدَ عِنْدَهُ " . هذا باب التَّعَدِّي والَّلزُوم الفعل ثلاثه أنواع :

أحدها : ما لا يُوصَفُ بِتَعَدٍّ ولا لُزُوم وهو " كان " وأخواتها وقد تقدمت . الثاني : الُمَتَعدِّى وله علامتان إحداهما : أن يصح أن يَتَّصِلَ به هاءٌ

ضميرِ غيرِ المصدرِ الثانية : أن يُبْنَى منه اسمُ مفعولٍ تام وذلك ك " ضَرَبَ " ألا ترى أنك تقول : " زَيْدٌ ضَرَبَهُ عَمْرٌو " فَتَصِلَ به هاءَ ضميرِ غيرِ المصدرِ وهو " زيد " وتقول : " هُوَ مَضْرُوبٌ " فيكون تامَّا . وحكمه أن ينصب المفعولَ به ك " ضَرَبْتُ زَيْداً " و " تَدَبَّرْتُ الكُتُبَ " . إِلا إِنْ ناب عن الفاعل ك ضُرِبَ زَيْدٌ وتَدُبِّرَتِ الكُتُبُ الثالث : اللازم وله اثنتا عشرةَ علامة وهى : أن لا يتصل به هاء ضمير غير المصدر وأن لا يُبْنَى منه اسمُ مفعول تام وذلك ك " خَرَجَ " ألا ترى أنه لا يقال " زَيْدٌ خَرَجَهُ عَمْرٌو " ولا " هُوَ مَخْرُوج " وإنما يقال : " اُلْخُروج خَرَجَهُ عَمْرٌو " و " هُوَ مَخْرُوج بِهِ أوْ إلَيْهِ " . وأن يدل على سَجِيَّةٍ - وهي : ما لَيْسَ حَرَكَةَ جسمٍ - من وصف ملازم - نحو : جَبُنَ وشَجُعَ . أو على عَرَض - وهو : ما لَيْسَ حركَةَ جسمٍ من وصف غير ثابت - كَمَرِضَ وكَسِلَ ونَهِمَ إذا شبع . أو على نظافة كنَظُفَ وطَهُرَ ووَضُوءَ . أو على دَنَسِ نحو نَجُسَ وقَذُرَ . أو على مُطَاوَعَة فاعِلِه لفاعِلِ فعل مُتَعَدٍّ لواحد نحو كَسَرْتُهُ فَانْكَسَر ومَدَدْتُهُ فَامْتَدَّ فلو طَاوَعَ ما يتعدى فعلُه لاثنين تعدَّى لواحدٍ كعَلّمْتُهُ الحِسَابَ فَتَعَلّمَهُ . أو يكون موازناً لا فْعَلَلَّ كاقْشَعَرَّ واشمْأَزَّ أو لما أُلْحِق به - وهو افْوَعَلَّ كاكْوَهَدَّ الفَرْخُ إذا ارْتَعَدَ

أو لافْعَنْلَلَ كاحْرَنْجَمَ أو لما أُلْحِق به - وهو أفعنلل بزيادة إحدى اللامين كاقْعَنْسَسَ الجملُ إذا أبي ينقاد وافْعَنْلَى كاحْرَنْبَى الديكُ إذا انْتَفَشَ للقتال . وحُكْمُ اللازم : أن يَتَعَدَّى بالجار ك " عَجِبْتُ مِنْهُ " و " مَرَرْتُ بِهِ " وغَضِبْتُ عَلَيْهِ " . وقد يُحْذَف ويبقى الجر شذوذاً كقوله :
(
أَشَارَتْ كُلَيْبِ بِالأكُفِّ الأصَابِعُ ... . . . . ) أى : إلى كُلَيْبٍ

وقد يُحْذَفُ وَيُنْصَبُ المجرور وهو ثلاثه أقسام : سماعي جائز في الكلام المنثور نحو " نَصَحْتُهُ " و " شَكْرْتُهُ " والأكثر ذِكْر اللام نحو ( وَنَصَحْتُ لَكُمْ ) ( أنِ اشْكُرْ لِى ) . وسَمَاعِيّ خاصّ بالشعر كقوله :
( . . . .
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ... )

وقوله :
(
آلَيْتَ حَبَّ الْعِرَاقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ ... ) أي : في الطريق وعلى حَبِّ العراق

وقياسيّ وذلك في أَنَّ وأنْ وكَيْ نحو ( شَهِدَ اللهُ أَنَّه لاَإلِهَ إلاّ هُوَ ) ونحو ( أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) ونحو ( كَيْلاَ يَكُون دُولَةً ) أى بأنه ومن أن جاءكم ولكيلا وذلك إذا قَدَّرْتَ " كي " مصدريةً وأهمل النحويون هنا ذكر " كي " واشترط ابنُ مالك في أنَّ وأنْ أمْنَ الّلبْس فَمَنَعَ الحذف في نحو " رَغِبْتُ فيِ أنْ تَفْعَلَ " أو " عَنْ أنْ تَفْعَلَ " لإشكال المراد بعد الحذف وَيُشْكِل

عليه ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) فحذف الحرف مع أن المُفَسِّرِين اختلفوا في المراد

فصل : لبعض المفاعيل الأصَالَةُ فى التقدم على بعض : إما بكونه مبتدأ في الأصل أو فاعلا في المعنى أو مُسَرَّحاً لفظاً أو تقديراً والآخر مقيد لفظاً أو تقديراً وذلك ك " زَيْداً " في " ظَنَنْتُ زَيْداً قَائِماً " و " أَعْطَيْتُ زَيْداً دِرْهَماً " و " اخْتَرْتُ زَيْداً القَوْمَ " أو " مِنَ القَوْمِ " ثم قد يجب الأصلُ كما إذا خِيفَ الّلبْسُ ك " أَعْطَيْتُ زَيْداً عَمْراً " أو كان الثاني محصوراً ك " مَا أعْطَيْتُ زيداً إلاّ دِرْهَماً " أو ظاهراً والأولُ ضميُر نحو ( إنَّا أَعْطَيْنَاكَ اْلَكْوثَرَ )

وقد يمتنع كما إذا اتَّصَلَ الأولُ بضمير الثاني ك " أَعْطَيْتُ المَالَ مَالِكَهُ " أو كان محصوراً ك " ما أَعْطَيْتُ الدِّرْهَمَ إلاّ زَيْداً " أو مضمراً والأولُ ظاهر ك " الدِّرْهَمَ أعْطَيْتُهُ زَيْداً )
فصل
:
يجوز حَذْفُ المفعول لغرض : إما لفظي كتَنَاسُبِ الفواصل في نحو ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) ونحو ( إلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) وكالإيجاز في نحو ( فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ) . وإما معنوى كاحتقاره في نحو ( كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ ) أى : الكافرين أو لاستهجانه كقول عائشة رضي الله عنها : " ما رَأَى مِنِّى وَلاَ رَأَيْتُ مِنْهُ " أى : العَوْرَةَ . وقد يمتنع حَذْفُه كأن يكون محصوراً نحو " إنَّماَ ضَرَبْتُ زَيْداً "

أو جواباً ك " ضَرَبْتُ زيداً " جواباً لمن قال : " مَنْ ضَرَبْتَ "

فصل : وقد يُحْذَفُ ناصُبُه إنْ عُلِمَ كقولك لمن سَدَّدَ سهماً " القِرْطَاسَ " ولمن تَأَهَّبَ لسفرٍ " مَكَّةَ " ولمن قال : مَنْ أضْرِبُ " شَرَّ الناس " بإضمار : تُصِيب وتُرِيد واضْرِب . وقد يجب ذلك كما في الاشتغال ك " زَيْداً ضَرَبْتُهُ " والنداء ك " يَا عَبْدَ اللهِ " وفي الأمثال نحو " الكِلاَبَ عَلَى البَقَرِ " أي : أرْسِلْ وفيما جرى مجرى الأمثال نحو ( انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ ) أى : وَأَتُوا وفي التحذير بإيَّاك وأخواتها نحو " إيَّاكَ وَالأسَدَ " أي : إيَّاكَ بَاعِدْ وَاحْذَرِ الأسَدَ وفي التحذير بغيرها بشرط عَطْفٍ أو تكرار نحو " رَأْسَكَ وَالسَّيْفَ "

أى : باعد واحذر ونحو " الأسَدَ والأسَدَ " وفي الإغراء بشرط أحدهما نحو " المُرُوءَةَ وَالنَّجْدَةَ " ونحو " السِّلاَحَ السِّلاَحَ " بتقدير ألزم .
هذا باب التنازع في العمل وَيُسَمَّى أيضاً باب الإعمال . وحقيقته : أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يُشْبهانهما أو فعلٌ متصرف واسمٌ يُشْبهه ويتأخّرَ عنهما معمولٌ غيرُ سببيٍّ مرفوع وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى

مثالُ الفعلين ( آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ) ومثال الاسمين قوله :
(
عُهِدْتَ مُغِيثاً مُغْنِياً مَنْ أَجَرْتَهُ ... )

ومثالُ المُخْتَلفَيْنِ ( هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابَيْهِ ) . وقد تَتَنَازَعُ ثلاثَةٌ وقد يكون المتنازَعُ فيه متعدداً وفي الحديث : " تُسَبِّحُون وَتُكَبِّرونَ وَتُحَمِّدونَ دَبْرَ كل صلاةٍ ثلاثاً وَثَلاَثِينَ " فتنازع ثلاثة في اثنين ظرفٍ ومصدرٍ

وقد عُلم مما ذكرتُه أن التنازع لا يقع بين حرفين ولا بين حرف وغيره ولا بين جامدين ولا بين جامد وغيره وعن المبرد إجازتُه في فِعْلَى التعجب نحو " مَا أحْسَنَ وَأَجْمَلَ زَيْداً " وأحْسِنْ بِهِ وَأجْمِلْ بِعَمْرٍو ولا في معمول متقَدِّم نحو " أَيَّهُمْ ضَرَبْتَ وَأكْرَمْتَ " أو " شتمته " خلافاً لبعضهم ولا في معمول متوسِّطِ نحو " ضَرَبْتُ زَيْداً وأكْرَمْتُ " خلافاً للفارسي ولا في نحو :

(
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... . . . . . . . )

خلافاً له و للجُرْجَاني لأن الطالب للمعمول إنما هو الأول واما الثاني فلم يؤتَ به للإسناد بل لمجرَّد التقوية فلا فاعل له ولهذا قال :
(
أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ ... )

ولو كان من التنازع لقال : " أتَاكِ أتَوْكِ " أو " أتَوْكَ أتَاكَ " ولا في نحو :
(
وَعَزَّةُ مُمْطُولٌ مُعَنىًّ غَرِيمُهَا ... ) بل " غريمُهَا " مبتدأ و " ممطولٌ " و " مُعَنًّى " خَبَرَانِ أو " ممطولٌ " خبر و " مُعَنَّى " صفة له أو حال من ضميره

ولا يمتنع التنازع في نحو " زَيْدٌ ضَرَبَ وَأكْرَمَ أخَاهُ " لأن السببّي منصوب

فصل : إذا تنازع العاملان جاز إعمالُ أيهما شئتَ باتفاق واختار الكوفيون الأولَ لسَبْقِهِ والبصريون الأخيرَ لقُرْبِه
فإن أعْمَلْنَا الأولَ في المتُنَازَعِ فيه أعملنا الأخيرَ في ضميره نحو ( قَامَ وقَعَدَا - وضَرَبْتُهُمَا أو وَمَرَرْتُ بهما - أخَوَاكَ ) وبعضهم يجُيِز حذف غير المرفوع لأنه فَعْلَة كقوله :

-
(
بِعُكاَظ يُعْشِى النَّاظِرِينَ ... إذَا هُمُ لَمَحُوا شُعَاعُهْ ) ولنا أنَّ في حَذْفِهِ تَهْيِئَةَ العامِلِ للعملِ وَقَطْعه عنه والبيت ضرورة
وإن أعْمَلْنَا الثاني فإن احتاج الأولُ لمرفوع فالبصريون يُضْمِرُونه لامتناع حذف العُمْدَة ولأن الإظمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب

نحو " رُبَّهُ رَجُلاً " و " نِعْمَ رَجُلاً " وفي الباب نحو " ضَرَبُونِي وَضَرَبْتُ قَوْمَكَ " حكاه سيبويه وقال الشاعر : ( جَفَوْنيِ وَلَمْ أَجْفُ الأخِلاّءَ إنَّنِي ... )

والكسائيُّ وهشامٌ والسُّهَيْلِيُّ يُوجِبُون الحذفَ تَمَسُّكاً بظاهر قوله :
- (
تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأرَادَهَا ... رِجَالٌ . . . . . . . . . . . . . )

إذ لم يقل " تَعَفَّقُوا " ولا " أرَادُوا " . والفَرَّاء يقول : إن استوى العاملان في طلب المرفوع فالعملُ لهما نحو " قَامَ وَقَعَدَ أخَوَاكَ " وإنِ اختلفا أضمرته مُؤَخّراً ك " ضَرَبَنِى وَضَرَبْتُ زَيْداً هُوَ " . وإن احتاج الأولُ لمنصوبٍ لفظاً أو مَحَلاًّ فإن أوْقَعَ حَذْفُه في لَبْسٍ أو كان العاملُ من باب " كان " أو من باب " ظَنَّ " وجب إضمار المعمول مُؤَخّراً نحو " اسْتَعَنْتُ وَاُسْتَعَانَ عَلَىَّ زَيْدٌ بِهِ وَكُنْتُ وَكَانَ زَيْدٌ

صَدِيقاً إيَّاهُ وَظَنَّنِي وَظَنَنْتُ زَيْداً قَائماً إيَّاهُ " وقيل : في باب " ظن " و " كان " يضمر مقدماً وقيل يظهر وقيل : يحذف وهو الصحيح لأنه حَذْفٌ لدليل . وإنْ كان العامل من غير بَابَيْ " كان " و " ظن " وجب حذفُ المنصوبِ ك " ضَرَبْتُ وَضَرَبَنِي زيد " وقيل : يجوز إضماره كقوله :
(
وإذَا كُنْتَ تُرْضِيِه وَيُرْضِيكَ صَاحِبٌ ... ) وهذا ضرورة عند الجمهور

مسألة : إذا احتاج العاملُ المُهْمَلُ إلى ضميٍر وكان ذلك الضميُر خبراً عن اُسم ذلك الاسم مخالفاً في الإفراد والتذكير أو غيرهما للاسم المُفَسّر له - وهو المتنازَع فيه - وجب العدولُ إلى الإظهار نحو " أظُنُّ وَيَظُنَّانِنِي أخاً الزَّيْدَيْنِ أخَوَيْنِ " . وذلك لأن الأصل " أظن ويظننى " الزيدين أخوين فأظن يطلب الزيدين أخوين مفعولين ويظنني يطلب الزيدين " فاعلا و " أخوين " مفعولا " فأعْمَلْنَا الأوَّلَ فَنَصَبْنَا الاسمين " الزيدين أخوين " وأضمرنا في الثاني ضمير الزيدين " وهو الألف وبقي علينا المفعولُ الثاني يحتاج إلى إضماره وهو خبر عن ياء المتكلم والياء مخالفة لأخوين الذي هو مُفَسِّر للضمير الذي يُؤتَى به فإن الياء للمفرد و " الأخوين " تثنية فَدَارَ الأمْرُ بين إضماره مُفْرَداً ليُوَافق المخَبرَ عنه وبين إضماره مُثَنًّى

ليوافق الُمفَسِّرَ وفي كل منهما محذور فوجب العدولُ إلى الإظهار فقلنا " " أخاً " فَوَافَقَ المخَبرَ عنه ولم يَضُرَّهُ مخالَفَتُه ل " أَخَوَيْنِ " لأنه اسمٌ ظاهر لا يحتاج لما يفسره هذا تقرير ما قالوا . ولمَ يَظْهر لي فَسَادُ دَعْوَى التنازعِ في الأخوين لأن " يَظُنُّنِى " لا يطلبه لكونه مثنى والمفعول الأول مفرد . وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين : حَذْفَهُ وإضْمَارَهُ على وَفْقِ المخَبرِ عنه .
هذا باب المفعول المطلق أي : الذي يَصْدُقُ عليه قَوْلنُاَ " مفعول " صِدْقاً غير مُقَيَّد بالجارِّ . وهو : اسم يُؤَكِّد عَامِلَه أو يُبَيِّنُ نوعه أو عَدَدَه وليس خبراً

ولا حالا نحو " ضَرَبْتُ ضَرْباً " أو " ضَرْبَ الأمِيرِ " أو " ضَرْبَتَيْنِ " بخلاف نحو " ضَرْبُكَ ضَرْبٌ أَليِم " ونحو ( وَلّى مُدْبِراً ) . وأكثر ما يكون المفعول المطلق مَصْدَراً . والمصدر : اسمُ الحدث الجاري على الفعل . وخرج بهذا القيد نحو " اغْتَسَل غُسْلاً " و " وتَوَضّأَ وُضُوءاً " و " أعْطَى وعَطَاءاً " فإن هذه أسماءُ مصادر

وعاملُه إما مصدر مثلُه نحو ( فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءاً مَوْفُوراً ) أو ما اشتق منه : من فعل نحو ( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسىَ تَكْليِماً ) أو وَصْفٍ نحو ( وَالصَّافّاتِ صَفَّا ) . وزعم بعضُ البصريين أن الفعل أصل للوصف وزعم الكوفيون أن الفعل أصل لهما
فصل : ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق ما يدل على المصدر مِنْ صِفَةٍ ك " سِرْتُ أحْسَنَ السَّيْرِ " و " اشْتَمَلَ الصَّمَّاءَ " و " ضَرَبْتُهُضَرْبَ الأمِيرِ اللِّصَّ " إذ الأصل " ضَرْباً مِثْلَ ضَرْبِ الأمِيرِ اللِّصَّ " فحذف الموصوف ثم المضاف أو ضميرِه نحو " عَبْدَ اللهِ أظُنُّهُ جَالِساً " نحو ( لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً ) أو إشارةٍ إليه " ضَرَبْتُهُ ذَلِكَ الضّرْبَ " أو مُرَادِفٍ له نحو " شَنِئْتُهُ بُغْضاً " و " أحْبَبْتُهُ مِقَةً " و " فَرِحْتُ حَذَلاً " وهو بالذال المعجمة مصدر جَذِل بالكسر أو مشاركٍ له في مادته وهو ثلاثة أقسام : اُسْمُ مصدرٍ كما تقدم واسْمُ عَيْنٍ ومصدرٌ لفعل آخر نحو ( وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتاً ) ( وَتَبَّتلْ إلَيْهِ تَبْتِيلاً والأصل إنْبَاتاً وَتَبَتُّلاً أو دالٍّ على نوع منه قَعَدَ القُرْفُصَاءَ " و " رَجَعَ القَهْقَرَى " أو دال على عدده ك " ضَرَبْتُهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ " ( فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً ) أو على آلته ك " ضَرَبْتُهُ سَوْطاً " أو " عَصاً " أو " كل " نحو ( فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) وقوله :
(
يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أنْ لا تَلاَقِياَ ... ) أو " بعض " ك " ضَرَبْتُهُ بَعْضَ الضَّرْبِ "

مسألة : المصدرُ المؤكِّد لا يُثَنَّى ولا يُجْمع باتفاقٍ فلا يقال : ضَرْبَيْنِ ولا ضُرُوباً لأنه كَمَاءٍ وعَسَلٍ والمختومُ بتاء الوَحْدَة كَضرْبَة بعكسه باتفاقٍ فيقال : ضَرْبَتَيْنِ وضَرَبَات لأنه كتَمْرَة وكلمة وَاْخْتُلِفَ في النَّوْعَىِّ : فالمشهورُ الجواز وظَاهِرُ مذهب سيبويه المنعُ واختارهُ الشَّلَوْبِين

فصل
:
اتفقوا على أنه يجوز لدليل - مقالى أو حالى - حَذْفُ عامل المصدر غير المؤكد كأن يقال " مَا جَلَسْتَ " فتقول " بَلَى جُلُوساً طَوِيلاً " أو " بَلَى جَلْسَتَيْنِ " وكقولك لمن قَدِمَ من سفر " قُدُوماً مُبَاركا " . وأما المؤكِّدُ فزعَمَ ابنُ مالك أنه لا يُحْذَفُ عاملُه لأنه إنما جِيءَ به لتقويته وَتَقْرِير معناه والحذفُ مُنَافٍ لهما وَرَدَّهُ ابْنُه بأنه قد حُذِفَ جوازاً في نحو " أنْتَ سَيْراً " ووجوباً في " أنْتَ سَيْراً سَيْراً " وفي نحو " سَقْياً وَرَعْياً " . وقد يُقَام المصدرُ مُقَامَ فِعْلِهِ فيمتنع ذكره معه وهو نوعان : مالا فِعْلَ له نحو " وَيْلَ زَيْدٍ " و " وَيْحَهُ "

و
( ...
بَلْهَ الأكُفِّ . . . . . . . . ) فيُقَدَّرُ له عامل من مَعْنَاه على حَدِّ " قَعَدْتُ جُلُوساً "

وما له فِعْلٌ وهو نوعان : واقع في الطَّلَبِ وهوالوارد دُعَاء ك " سَقْياً وجَدْعاً " أو أمراً أو نهياً نحو " قِيَاماً لاَ قُعُوداً " ونحو ( فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) وقوله :
(
فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ ... )

كذا أطلق ابنُ مالكٍ وَخَصَّ ابنُ عصفورٍ الوُجُوبَ بالتكرار كقوله :
(
فَصَبْراً فيِ مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ... )

أو مقروناً باستفهام تَوْبِيخيٍّ نحو " أتَوَانِياً وَقَدْ جَدَّ قُرَنَاؤُك ) وقوله :
(
أَلُؤْماً لاَ أَبَالَكَ وَاغْتِرَاباَ ... . . . )

وواقع في الخبر وذلك في مسائل : إحداها : مصادرُ مَسْمُوعَة كَثُرَ استعمالُهَا ودَلّتِ القرائنُ على عاملها كقولهم عند تذكر نعمة وشدة : " حَمْداً وَشُكْراً لاَ كُفْراً " و " صَبْراً لاَ جَزَعاً " وعند ظهور أمر مُعْجب " عَجَباً " وعند خطاب مَرْضِىٍّ عنه أو مغضوب عليه " أفْعَلُهُ وَكَرَامَةً وَمَسَرَّةً " و " لاَ أفْعَلُهُ ولا كَيْداً ولاَ همًّا " . الثانيه : أن يكون تفصيلا لعاقبة ما قبله نحو ( فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً ) . الثالثة : أن يكون مكرراً أو محصوراً أو مُسْتَفْهَماً عنه وعاملُه خَبَرٌ عن اسمِ عينٍ نحو " أنْتَ سَيْراً سَيْراً " و " مَا أنْتَ إلاّ سَيْراً " و " إنَّما أنْتَ سَيْرَ البَرِيدِ " و " أَأَنْتَ سَيْراً . الرابعة : أن يكون مؤكداً لنفسه أو لغيره فالأول الواقع بعد جملة هي

نَصٌّ في معناه نحو " لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ عُرْفاً " أى : اعترافاً والثاني : والواقع بعد جملة تحتمل معناه وَغَيْرَهُ نحو " زَيْدٌ ابْنِى حَقًّا " و " هذَا زَيْدٌ اَلْحقَّ لاَ البَاطِلَ " و " لا أفْعَلُ كَذَا البَتَّةَ " . الخامسة : أن يكون فعلا عِلاَجِيًّا تشبيهياًّ بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه ك " مَرَرْتُ [ بزَيْدٍ ] فَإذَا لَهُ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ وَبُكاءٌ بُكَاءَ ذَاتِ دَاهِيَةٍ "
ويجب الرفع في نحو ( لَهُ ذَكَاءٌ ذَكَاءُ الحُكَمَاءِ ) لأنه معنوىٌّ لا عِلاَجِىٌّ وفي نحو ( صَوْتُهُ صَوْتُ حِمَارٍ ) لعدم تَقَدُّمِ جملةٍ وفي نحو ( فإذا في الدَّارِ صَوْتٌ صَوْتُ حِمَارٍ ) ونحو ( فَإذَا عَلَيْهِ نَوْحٌ نَوْحُ اَلْحمَامِ ) لعدم تَقَدُّمِ صاحبه وربما نصب نحو هذين لكن على الحال
تنبيه : مثلُ ( لَهُ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ ) قولُه :

-
(
مَا إنْ يَمَسُّ الأرْضَ إلاّ مَنْكبِ ... مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَىَّ المِحْمَلِ )
لأن ما قله بمنزلة ( لَهُ طَىٌّ ) قَالهُ سيبويه
هذا باب المفعول له ويُسَمَّى المفعولَ لأجِلِهِ ومن أجله ومِثَالُه ( جِئْتُ رَغْبَةً فِيكَ ) وجميع ما اشترطوا له خمسة أُمُور
كونه مَصْدَراً فلا يجوز ( جِئْتُكَ السَّمْنَ وَالْعَسَل ) قاله الجمهور وأجاز يونسُ ( أمَّا العَبِيدَ فَذُو عَبيِدٍ ) بمعنى مهما يُذْكر شخصٌ لأجلٍ العبيد فالمذكور ذو عبيد وأنكره سيبويه
وكونه قلبيًّا كالرَّغْبَة فلا يجوز ( جِئْتُكَ قِرَاءَةً لِلْعِلْمِ ) ولا ( قَتْلاً للكافر ) قاله ابنُ الْخَبَّاز وغيرُه وأجاز الفارسىُّ ( جِئْتُكَ ضَرْبَ زَيْدٍ ) أى : لتضرب زيداً
وكونه عِلّةً : عَرَضَاً كان كرَغْبَة أو غيَر عَرَضٍ ك ( قَعَدَ عَنِ اَلحْرْبِ جُبْناً )

واتحادُه بالمعلّلِ به وَقْتاً فلا يجوز ( تَأَهَّبْتُ السَّفَرَ ) قاله الأعلم والمتأخرون
واتحادُه بالمعلّل به فاعلا فلا يجوز ( جِئْتُكَ مَحَبَّتَكَ إيَّاى ) قاله المتأخرون أيضاً وخالفهم ابنُ خروف
ومتى فَقَدَ المعلّلُ شرطاً منها وَجَبَ - عند من اعتبر ذلك الشرط - أن يُجَرّ بحرف التعليل ففاقد الأول نحو ( وَالأرْضَ وَضَعَها لِلاْنَامِ )
والثاني نحو ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إمْلاَقٍ ) بخلاف ( خَشْيَةَ إمْلاَقٍ ) والرَّابِعِ نحوُ -
(
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... )

وَالْخَامِسِ نحوُ -
(
وَإنىِّ لَتَعْروُنِى لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... )

وقد انتفى الاتحادان في ( أقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ )
ويجوز جَرُّ المستوفى للشروط بكثرة إن كان بأل وبقلة إن كان مجرداً وَشَاهِدُ القليلِ فيهما قولُه -
(
لاَ أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ ... )

وقوله : -
(
مَنْ أَمَّكُمْ لِرَغْبَةٍ فِيكُمْ جُبِرْ ... )

وَيَسْتَويَانِ في المضاف نحو ( يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ اُبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ) ونحو ( وَإنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) قيل ومثلُه ( لإيلاَفِ

قُرَيْشٍ ) أي : فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلافهم الرحلتين والْحَرْفُ في هذه الآية واجِبٌ عند من اُشترط اتحاد الزمان هذا باب المفعول فيه وهو المسمى ظَرْفاً
الظرف ما ضُمِّنَ معنى في باطِّرَادِ من اسمِ وقتٍ او اسم مكان أو اسمٍ عَرَضَتْ دلالَتُه على أحدهما أو جارٍ مَجْرَاه فالمكان والزمان كا ( امْكُثْ هُنَا أزْمُناً )
والذى عَرَضَتْ دلالَتُه على أحدهما أربعة أسماءُ العددِ المميزة بهما ك ( سِرْتُ عِشْرِينَ يَوْماً ثَلاَثِينَ فَرْسَخاً ) وما أفيد به كليةُ أحدهما أو جُزْئيته ك ( سِرْتُ جَميِعَ اليَوْمِ جمَيِعَ الفَرْسَخِ ) أو كُلَّ اليَوْمِ كُلَّ الفَرْسَخِ ) أو بَعْضَ اليَوْمِ بَعْضَ الفَرْسَخِ أو ( نِصْفَ اليَوْمِ نِصْفَ الفَرْسَخِ )
وما كان صفة لأحدهما ك ( جَلَسْتُ طَوِيلاً مِنَ الدَّهْرِ شَرْقِيَّ الدَّارِ ) . وما كان مخفوضاً بإضافة أحدهما ثم أنِيبَ عنه بعد حَذْفه
والغالبُ في هذا النائب أن يكون مَصْدَراً وفي المَنُوبِ عنه أن يكون زماناً ولا بُدَّ من كونه مُعَينِّاً لوقتٍ أو لمقدارٍ نحو ( جِئْتُكَ صَلاَةَ العَصْرِ ) أو قُدُومَ الحْاجِّ ) و ( أنْتَظِرُكَ حَلْبَ نَاقَةٍ ) أو ( نَحْرَ جَزُورٍ )
وقد يكون النائبُ اسمَ عينٍ نحو ( لاَ أُكَلِّمُهُ القَارِظَيْنِ ) والأَصْلُ

مُدَّةَ غَيْبَةِ القَارِظَيْنِ )
وقد يكون المنوبُ عنه مكاناً نحو ( جَلَسْتُ قُرْبَ زَيْدٍ ) أى : مكانَ قُرْبه
والجاري مجرى أحدهما : ألفاظٌ مسموعةٌ تَوَسَّعوا فيها فنصبوها على تضمين معنى في كقولهم ( أَحَقًّا أنّكَ ذَاهِب ) والأصل أفِى حَقّ وقد نطقوا بذلك قال -
(
أَفِي الْحَقِّ أَنِّى مُغْرَمٌ بِكِ هَائِمٌ ... )

وهي جارية مَجْرَى ظرف الزمان دون ظرف المكان ولهذا تقع خبراً عن المصادر دون الْجُثَثِ ومثله ( غَيْرَ شَكٍّ ) أو ( جَهْدَ رَأْيىِ ) أو ( ظَنًّا مِنِّى أَنّكَ قاَئِمٌ )

وخرج عن الحد ثلاثة أمور :
أحدها نحو ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) إذا قدر بفى فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا
والثاني : نحو ( يَخَافُونَ يَوْماً ) ونحو ( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) فإنهما ليسا على معنى ( في ) فانتصابهما على المفعول به وناصبُ ( حيث ) يَعْلَم محذوفاً لأن اسم لتفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا
والثالث نحو ( دَخَلْتُ الدَّارَ ) و ( سَكَنْتُ البَيْتَ ) فانتصابهما

إنما هو على التوسُّعِ بإسقاط الخافض لا على الظرفية فإنه لا يطرد تَعَدِّى الأفعال إلى الدار والبيت على معنى ( فى ) لا تقول : صَلّيْتُ الدَّارَ ) ولا ( نِمْتُ البَيْتَ )

فصل وحكمه النَّصْبُ اللفظُ الدال على المعنى الواقع فيه ولهذا اللفظ ثلاثُ حالاتٍ
إحداها : أن يكون مذكوراً ك ( مْكُثْ هُنَا أَزْمُناً ) وهذا هو الأصل
والثانية أن يكون محذوفاً جوازاً وذلك كقولك : ( فَرْسَخَيْنِ ) أو ( يَوْمَ الْجُمْعَة ) جواباً لمن قال ( كَمْ سِرْتَ ) أو ( مَتَى صُمْتَ )
والثالثة أن يكون محذوفاً وجوباً وذلك في ست مسائل وهي أن يقع صفةً ك ( مَرَرْتُ بِطَائِرٍ فَوْقَ غُصْنٍ ) أو صلةً ك ( رَأَيْتُ الّذيِ عِنْدَكَ ) أو حالاً ك ( رَأَيْتُ الهِلاَلَ بَيْنَ السِّحَابِ ) أو خبراً ك ( زَيْدٌ عِنْدَكَ ) أو مُشْتَغَلاً عنه ك ( يَوْمَ الْخَمِيسِ صُمْتُ فِيهِ ) أو مسموعاً بالحذف لا غَيْرُ كقولهم ( حِينَئِذٍ الآنَ ) أى : كان ذلك حينئِذٍ واسمع الآن

فصل
اسماء الزمان كلَّها صالحةٌ للانتصاب على الظرفية سواء في ذلك مُبْهَمُهَا كحينٍ وَمُدَّة وَمُخْتَصُّها كيوم الخميس وَمَعْدُودها كيومين وأسبوعين والصَّالِحُ لذلك من أسماء المكان نوعان
أحدهما المبهم وهو : ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسماهُ كأسماء الجهات نحو أمَامَ ووَرَاء ويَمين وشِمَال وفَوْق وتَحْت وشبهها في الشِّيَاعِ كناحية وجانب ومكانِ وكأسماء المقادير كميِلٍ وفَرْسَخ وبَريِد
والثاني ما اتَّخذَتَ مادته ومادة عامله ك ( ذَهَبْتَ مَذْهَبَ زَيْدٍ ) و ( رَمَيْتُ مَرْمَى عَمْرو ) وقوله تعالى : ( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ )
وأما قولهم ( هُوَ مِنِّى مَقْعَدَ القَابِلَةِ ) و ( مَزْجَرَ الكَلْبِ ) و ( مَنَاطَ

الثّرَيَّا ) فشاذ إذ التقدير : هو منى مستقر في مقعد القابلة فعامِلُه الاستقرارُ ولو أُعمل في المقعد قعد وفي المزجَر وفي المَنَاط ناط لم يكن شاذاً

فصل الظرف نوعان
متصرف وهو ما يُفَارق الظرفية إلى حالة لا تشبهها كأن يُسْتَعْمل مبتدأ أو خبراً أو فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليهِ كاليوم تقول : ( اليَوْمُ يَوْمٌ مُبَارك ) و ( أَعْجَبَنِى اليَوْمُ ) و ( أحْبَبْتُ يَوْمَ قُدُومِكَ ) و ( سِرْتُ نِصْفَ اليَوْمِ )
وغير متصرف وهو نوعان : ما لا يُفَارق الظرفية أصلا ك ( قَطُّ

وَعَوْضُ ) تقول ( مَا فَعَلْتُه قَطُّ و ( لاَ أفْعَلُه عَوْضُ ) ومالا يخرج عنها إلا بدخول الجار عليه نحو قَبْلُ وَبَعْدُ ولَدُنْ وعِنْدَ فيحكم عليهن بعدم التصرف مع أن مِنْ تدخل عليهن إذ لم يَخْرُجْن عن الظرفية إلا إلى حالة شبيهة بها لأن الظرف والجار والمجرور أخَوَانِ
هذا باب المفعول معه وهو اسمٌ فَضْلة تالٍ لواوٍ بمعنى مَعَ تاليةٍ لجملة ذات فعل او اسم فيه معناه وحروفه ك ( سِرْتُ وَالطَّرِيقَ ) و ( أَنَا سَائِرٌ وَالنِّيلَ ) فخرج باللفظ الأول نحو ( لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَن ) ونحو ( سِرْتُ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ ) فإن الواو داخلة في الأول على فعل وفي الثانى على جملة وبالثانى نحو ( اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ ) وبالثالث نحو ( جِئْتُ مَعَ زَيْدٍ ) وبالرابع نحو ( جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرو قَبْلَه أوْ بَعْدَهُ ) وبالخامس نحو ( كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُه ) فلا يجوز فيه النصبُ خلافاً للصَّيْمَرُىِ وبالسادس نحو ( هذَا لَكَ وَأَبَاكَ ) فلا يتكلم به خلافاً لأبى على فإن قلت : فقد قالوا ( مَا أنْتَ وَزَيْداً ) و ( كَيْفَ أنْتَ وَزَيْداً )
قلت : أكثرهم يرفع بالعطف والذين نصبوا قَدَّرُوا الضمير فاعلا لمحذوف

لا مبتدأ والأصل ما تكون وكيف تصنع فلما حُذِفَ الفعلُ وحده بَرَزَ ضميرُه وانفصل

والناصبُ للمفعول معه ما سَبَقَهُ من فعل أو شِبْهِهِ لا الواوُ خلافاً

للجُرْجَانى ولا الخِلاَفُ خلافاً للكوفيين ولا محذوفٌ والتقدير سِرْتُ وَلاَبَسْتُ النِّيلَ فيكون حينئِذٍ مفعولا به خلافاً للزجاج

فصل للاسم بعد الواو خَمْسُ حالاتٍ
وجوب العطف كما في ( كل رجل وَضَيْعَتُه ) ونحو ( اشْتَركَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ ) ونحو ( جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قبله أو بعده ) لما بَيّنَّا
ورُجْحَانه ك ( جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ ) لأنه الأصل وقد أمْكَنَ بلا ضَعْفٍ
ووجوبُ المفعولِ معه وذلك في نحو ( مَالَكَ وَزَيْداً ) ومَاتَ زَيْدٌ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ ) لامتناع العطف في الأول من جهة الصناعة وفي الثانى من جهة المعنى
ورُجْحَانُه وذلك في نحو قوله : -
(
فَكُونُوا أَنْتُمُ وَبَنِى أَبِيكُمْ ... )

ونحو ( قُمْتُ وَزَيْداً ) لِضَعْفِ العطف في الأول من جهة المعنى وفي الثانى من جهة الصناعة وامْتِنَاعُهُمَا كقوله : -
(
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... )

وقوله : -
(
وَزَجَّجْنَ اَلحْوَاجِبَ وَالْعُيُونَا ... )

أما امتناعُ العطفِ فلا نتفاء المشاركة وأما امتناعُ المفعولِ معه فلانتفاء الِمعَّيه في الأول وانتفاء فائدة لإعلام بها في الثانى
ويجب في ذلك إضمار فعل ناصب للاسم على أنه مفعول به أى وَسَقَيْتُهَا مَاءً وكَحَّلْنَ العُيُونَا هذا قول الفارسىِّ والفَرَّاء ومَنْ تبعهما
وذهب الجَرْمِيُّ والمَازِنِيُّ والمبَرَّدُ وأبو عُبَيدة والأصمعى واليزيدى إلى أنه لا حَذْفَ وأن ما بعد الواو معطوف وذلك على تأويل العامل المذكور بعامل يصح أُنصبابه عليهما فيؤول زَجَّجْنَ بِحَسَّنَّ وَعَلفْتُهَا بِأَثَلْتُهَا هذا باب المستثنى للاستثناء أدَوَاتٌ ثمَانٍ :

حرفان وهما : إلاّ عند الجميع و ( حَاشَا ) عند سيبويه ويقال فيها حَاشَ وحَشَا

وفِعْلاَنِ وهما ( لَيْسَ ) و ( لاَ يَكُونُ )
ومُتَرَدِّدَانِ بين الفعلية والحرفية وهما : ( خَلاَ ) عند الجميع و ( عَدَا ) عند غير سيبويه
واسْمَانِ وهما ( غَيْر ) و ( سِوَى ) بلُغَاتها فإنه يقال سِوًى كرِضًى وسُوًى كهُدًى وسَوَاء كسَمَاء وسِوَاء كبِنَاء وهي أَغْرَبُهاَ

فإذا استثنى ب ( إلاّ ) وكان الكلام غيرَ تامٍّ وهو الذى لم يذكر فيه المستثنى منه فلا عَمَلَ لإِلاّ بل يكون الحكم عند وجودها مثلَه عند فَقْدِهَا وَيُسَمَّى استثناء مُفَرَّغاً وشرطه : كون الكلام غيرَ إيجابٍ وهو النَّفْىُ نحو ( وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ ) والنَّهْىُ نحو ( وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إلاّ الحْقَّ ) ( وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاّ بِالّتِى هِيَ أَحْسَنُ ) والاستفهامُ الإنكارىُّ نحو ( فَهَلْ يُهْلَكُ إلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) فأما قوله تعالى ( وَيَأبَى اللهُ إلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) فحمل ( يأبى ) على ( لا يريد ) لأنهما بمعنىً

وإنْ كان الكلامُ تامَّا : فإن كان مُوجَباً وجب نَصْبُ المستنى نحو

(
فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاّ قَليِلاً مِنْهُمْ ) وأما قولُه : -
(
اَف تَغَيَّرَ إلاّ النُّؤْى وَالْوَتِدُ ... ) فحمل ( تَغَيَّرَ ) على ( لَمْ يَبْقَ عَلَى حَالِهِ ) لأنهما بمعنًى

وإن كان الكلامُ غيرَ مُوجَبٍ فإن كان الاستثناء متصلا فالأرجحُ إتباعُ المستثنى للمستثنى منه بَدَلَ بعضٍ عند البصريين وَعَطْفَ نَسَقٍ عند الكوفيين

نحو ( مَا فَعَلُوهُ إلاّ قَليِلٌ مِنْهُمْ ) ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدُ إلاّ امْرَأَتُكَ ) ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلاّ الضَّالُّونَ ) وَالنَّصْبُ عربيٌّ جَيِّدٌ وقد قرىء به في السبع في ( قليل ) و ( امراتك )
وإذا تَعَذَّر البدلُ على اللفظ أُبدل على الموضع نحو ( لاَ إلِهَ إلاّ اللهُ )

ونحو ( مَا فيِهَا مِنْ أَحَدٍ إلاّ زَيْدٌ ) برفعهما و ( لَيْسَ زيد بشيءِ إلاّ شيئاً لاَ يُعْبَأ بِهِ ) بالنصب لأن لا الجنسية لا تعمل في معرفة ولا في مُوجَبٍ وَمِنْ والباء الزائدتين كذلك فإن قلت ( لاَ إلَه إلاّ اللهُ وَاحِدٌ ) فالرفع أيضاً لأنها لا تعمل في مُوجَبٍ
ولا يترجَّحُ النصبُ على الإتباع لتأخُّر صفة المستثنى منه على المستثنى نحو ( ما فيها رَجُلٌ إلاّ أَخُوكَ صَالح ) خلافاً للمازنى

وإن كان الاستثناء منقطعاً فإن لم يكن تَسْلِيطُ العامل على المستثنى وجب النصبُ اتفاقاً نحو ( ما زَادَ هذَا المالُ إلاّ ما نَقَصَ إذ لا يقال زاد النقصُ ومثلُه مَا نَفَعَ زَيْدٌ إلاّ مَا ضَرَّ إذ لا يقال نَفَعَ الضرُّ
وإن أمكن تَسْلِيطُهُ فالحجازيون يوجبون النَّصْبَ وعليه قراءة السبعة ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) وتميمٌ تُرَجِّحُه وَتُجِيزُ الإتباع كقوله :
-
(
وَيَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنيِسُ ... إلاّ الْيَعَافِيُر وَإلاّ العيِسُ )

وَحَملَ عليه الزمخشرىُّ ( قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فيِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إلاّ اللهُ )
فصل وإذا تَقَدَّم المستثنى على المستثنى منه وَجَبَ نَصْبُه مطلقاً

كقوله : -
(
وَمَالِىَ إلاّ آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَالِىَ إلاّ مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ )

وبعضُهم يُجِيزُ غيرَ النصب في المسبوق بالنفى فيقول ( مَا قَامَ إلاّ زَيْدٌ أحَدٌ ) سمع يونس ( مَالِىَ إلاّ أبُوكَ نَاصِرٌ ) وقال -
(
إذَا لَمْ يكُنْ إلاّ النَّبِيُّونَ شَافِعُ ... )

ووَجْهُه أن العامل فُرِّغ لما بعد إلا وان المُؤَخّرَ عامٌّ أرِيد به خاص فصحَّ إبدالُه من المستثنى لكنه بدل كل وَنَظِيُرهُ في أن المتبوع أخِّرَ وصار تابعاً ( مَا مَرَرْتُ بِمِثْلِكَ أحَدٍ )
فصل
وإذا تَكَرَّرَت إلاّ فإن كان التكرار للتوكيد وذلك إذا تَلَتْ عاطفاً أو تلاها اسمٌ مماثل لما قبلها ألغيت فالأول نحو

ما جاء إلا زيد وإلا عمرو ) فما بعد ( إلا ) الثانية معطوفٌ بالواو على ما قبلها و ( إلاّ ) زائدة للتوكيد والثانى كقوله :
(
لاَ تَمْرُرْ بهِمْ إلاّ الفَتَى إلاّ الْعَلاَ ... )

ف ( الْفَتَى ) مُسْتَثْنًى من الضمير المجرور بالباء وَالأرْجَحُ كونُه تابعاً له في جَرِّهِ ويجوز كونُه منصوباً على الاستثناء و ( العَلاَ ) بدلٌ من الفتى بدل كل من كل لأنهما لمسَمَّى واحد و ( إلا ) الثانية مؤكدة وقد اجتمع العطف والبدل في قوله -
(
مَالَكَ مِنْ شَيْخِكَ إلاّ عَمَلُهْ ... إلاّ رَسِيمُهُ وَإلاّ رَمَلُهْ ) ف ( ) بدلٌ و ( رَمَلُه ) معطوف و ( إلاّ ) المقترنة بكل منهما مؤكدة

وإن كان التكرار لغير توكيد وذلك في غير بَابَىِ العَطْفِ وَالبَدَلِ فإن كان العاملُ الذى قبل ( إلاّ ) مُفَرَّغاً تَرَكْتَهُ يُؤَثِّرُ في واحدٍ من المُسْتَثْنيَات وَنَصَبْتَ ما عدا ذلك الوَاحِدَ نحو مَا قَامَ إلاّ زَيْدٌ إلاّ عَمْراً إلاّ بَكْراً ) رفعت الأول بالفعل على أنه فاعل ونصبت الباقى ولا يَتَعَيَّن الأول لتأثير العامل بل يترجح وتقول ( مَا رَأَيْتُ إلاّ زيداً إلاّ عمراً إلاّ بَكْراً ) فتنصب واحداً منها بالفعل على انه مفعول به وتنصب البواقى بإلا على الاستثناء

وإن كان العامل غير مُفَرَّغ فإن تقدمتِ المستثنياتُ على المستثنى منه نُصِبَتْ كلها نحو ( مَا قَامَ إلاّ زيداً إلا عمراً إلا بكراً أحَدٌ وإن تأخرت فإن كان الكلام إيجاباً نصبت أيضاً كلها نحو ( قَامُوا إلاّ زَيْداً إلاّ عَمْراً إلاّ بَكْراً )
وإن كان غيرَ إيجابٍ أُعْطِىَ وَاحِدٌ منها ما يُعْطَاه لو انْفَرَدَ ونصب ما عداه نحو ( مَا قَامُوا إلاّ زَيْدٌ إلاّ عَمْراً إلاّ بَكْراً ) لك في واحد منها الرفعُ راجحاً والنصبُ مرجوحاً ويتعين في الباقى النصبُ ولا يتعين الأول لجواز الوجهين بل يترجحُ هذا حكم المستثنيات المكَرَّرَة بالنظر إلى اللفظ

وأما بالنظر إلى المعنى فهو نوعان مالا يُمْكن استثناءُ بَعْضِهِ من بَعْضٍ ك ( زيد وعمرو وبكر ) وما يُمكن نحو ( لَهُ عِنْدِى عَشَرَةٌ إلاّ أَرْبَعَةً إلاّ اثنَيْنِ إلاّ وَاحِداً )
ففى النوع الأول إن كان المستثنى الأول داخلا وذلك إذا كان مستثنى من غير موجب فما بعده داخل وإن كان خارجاً وذلك إن كان مستثنى من موجب فما بعده خارج
وفي النوع الثانى اختلفوا فقيل الحكم كذلك وإن الجميع مستثنى من أصل العدد وقال البصريون والكسائى كلٌّ من الأعداد مستثنىً مما يليه وهو الصحيح لأن الحمل على الأقرب متعين عند التردد وقيل المذهبان محتملان وعلى هذا فالمقَرُّ به في المثال ثلاثة على القول الأول وسبعة على القول الثانى ومحتَمِلٌ لهما على الثالث ولك في معرفة المتحصِّل على القول الثانى طريقتان إحداهما أنْ تُسْقِط الأول وتَجْبُر الباقى بالثاني وتُسْقِط الثالث وإن كان معك رابع فإنك تجبر به وهكذا إلى الأخير والثانية أن تَحُطّ الآخر مما يليه ثم باقية مما يليه وهكذا إلى الأول

فصل وأصل ( غير ) أن يُوصَفَ بها إما نكرةٌ نحو ( صَالِحاً باقيه

غَيْرَ الّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ) أو معرفةٌ كالنكرة نحو ( غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) فإن موصوفها ( الذين ) وهم جنسٌ لا قومٌ بأعيانهم
وقد تَخْرُجُ عن الصفة وَتُضَمَّن معنى ( إلاّ ) فيستثنى بها اسمٌ مجرور بإضافتها إليه وَتُعْرَب هي بما يستحقُّه المستثنى بإلا في ذلك الكلام فيجب ذمها في نحر ( قَامُوا غَيْرَ زَيْدٍ ) و ( مَا نَفَعَ هذَا المَالُ غَيْرَ الضَّرَرِ ) عند الجميع وفي نحو ( مَا فيِهَا أَحَدٌ غَيْرَ حِمَارٍ ) عند الحجازبين وعند

الأكثر في نحو ( مَا فيِهَا غَيْرَ زَيْدٍ أَحَدٌ ) ويترجَّحُ عند قوم في نحو هذا المثال وعند تميم في نحو ( ما فيها أحد غير حمار ) وَيَضْعُفُ في نحو ( مَا قَامُوا غَيْرَ زَيْدٍ ) ويمتنع في نحو ( مَا قَامَ غَيْرُ زَيْدٍ )
فصل
والمستثنى ب ( سِوَى ) كالمستثنى ب ( ) في وجوب الخفض

ثم قال الزجاج وابن مالك سِوَى كغَيْر معنىً وإعراباً ويؤيدهما حكايةُ الفَرّاء ( أَتَانِى سِوَاكَ ) . وقال سيبويه والجمهور هي ظرفٌ بدليل وَصْلِ الموصول بها ك ( جَاءَ ) الّذِى سِوَاكَ ) قالوا ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر كقوله
(
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا )

وقال الرُّمَّانى والعُكْبَرِى تستعمل ظرفاً غالباً وكغيرٍ قليلا وإلى هذا أذهب

فصل والمستثنى ب ( لَيْسَ ) و ( لا يكون واجبُ النصبِ لأنه خبرهما وفي الحديث ( مَا أَنْهَر الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ) وتقول ( أَتَوْنِى لاَ يَكُونُ زَيْداً )

وَسْمهُمَا ضمير مستتر عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق أو البعضِ المدلول عليه بكله السابق فتقدير ( قَامُوا لَيْسَ زَيْداً ) ليس القَائِمُ أو ليسَ بعُضهم وعلىالثانى فهو نظير ( فَإنْ كُنَّ نِسَاءً ) بعد

تَقَدُّمِ ذكرِ الأولاد
وجملتا الاستثناء في موضع نصب على الحال أو مستأنفتان فلا موضع لهما

فصل
وفي المستثنى ب ( خَلاَ ) و ( عَدَا ) وجهان :
أحَدُهُمَا : الجرُّ على أنهما حَرْفَا جَرٍّ وهو قليلٌ ولم يَحْفَظْهُ سيبويه في ( عَدَا ) ومن شواهده قولُه : -
(
أَبَحْنَا حَيَّهُمْ قَتْلاً وَأَسْراً ... عَدَا الشَّمْطاءِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ )

وموضعهما نصب فقيل : هو نَصْبٌ عن تمام الكلام وقيل لأنهما متعلقان بالفعل المذكور

والثانى النصب على أنهما فعلان جامدان لوقوعهما مَوْقِعَ إلاّ وفاعلهما ضمير مستتر وفي مُفَسِّره وفي موضع الجملة البحثُ السابقُ

وتدخل عليهما ( ما ) المصدرية فيتعين النصبُ لتعين الفعلية حينئِذٍ كقوله : -
(
أَلاَ كُلُّ شَىْء مَا خَلاَ اللَه بَاطِلُ ... )

وقوله : -
(
تُمَلُّ النَّدَامَى مَا عَدَانِى فَإنَّنِى ... )

ولهذا دخلت نونُ الوقاية وموضعُ موضعُ الموصولِ وصلتِهِ نَصْبٌ : إما على الظرفية على حذف مضاف أو على الحالية على التأويل باسم الفاعل فمعنى ( قَامُوا مَا عَدَا زَيْداً ) قَامُوا وَقْتَ مُجَاوزَتهم زيداً أو مُجَاوِزِينَ زَيْداً وقد يَجُرَّانِ على تقدير ( ما ) زائدة
فصل والمستثنى ب ( حَاشَا ) عند سيبويه مجرورٌ لا غيرُ وسمع غيرُه النصبَ كقوله : ( اللهم اغفر لي ولمن يسمع حَاشَا الشَّيْطَانَ وأبا الأصبغ )
والكلامُ في موضعها جارةً وناصبةً وفي فاعلها كالكلام في أُخْتَيْها ولا يجوز دخول ما عليها خلافاً لبعضهم ولا دخولُ ( إلا ) خلافاً للكسائى
هذا باب الحال الحالُ نوعان مُؤَكِّدَة وستأتى ومُؤَسِّسَة وهي وَصْفٌ فَضْلَة

مذكور لبيان الهيئة ك ( جِئْتُ راَكبِاً ) و ( ضَرَبْتُهُ مَكْتُوفاً ) و ( لَقِيُتُه رَاكِبَيْنِ )
وخرج بذكر الوَصْفِ نحوُ ( القَهْقَرَي ) في ( رَجعْتُ القَهْقَرَي )

وبذكر الفضلة الخبَرُ في نحو ( زَيْدٌ ضَاحِكٌ )
وبالباقي التمييزُ في نحو ( للهِ دَرُّهُ فَارِساً ) والنعتُ في نحو ( جَاءَنِي رَجُلٌ رَاكِبٌ ) فإنَّ ذِكْرَ التمييزِ لبيان جِنْسٍ المتعجَّب منه وذِكْرَ النعت لِتَخصِيصِ المنعوت وإنما وقع بيانُ الهيئة بهما ضمناً لا قصداً
وقال الناظم
(
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ... مُفْهِمُ فيِ حَالِ كَذَا )
فالوصف جِنْسٌ يشمل الخَبَرَ والنعتَ والْحَالَ وفَضْلَه مُخْرِج للخبر ومنتصب مُخْرِجٌ لنَعْتَيِ المرفوعِ والمخفوضِ ك ( جَاءَنِي رَجُلٌ رَاكِبٌ ) و ( مَرَرْتَ بِرَجُلٍ رَاكِبٍ ) ومُفْهِمُ في حال كذا مُخْرِجٌ لنعت المنصوب ك ( رَأَيْتُ رَجُلاً رَاكِباً ) فإنه إنما سيق لتقييد المنعوت فهو لا يُفْهِمُ في حال كذا بطريق القَصْدِ وإنما أفهمه بطريق اللزوم

وفي هذا الحد نظر لأن النَّصْبَ حكم والحكم فرع التصور والتصور متوقِّفٌ على الحد فجاء الدَّوْرُ

فصل للحال أربعة أوصاف
أحدها أن تكون مُنْتَقَلِة لا ثابتة وذلك غالبٌ لا لازمٌ ك ( جَاءَ ) زَيْدٌ ضَاحِكاً وتقع وصفاً ثابتاً في ثلاث مسائل

إحداها أن تكون مُؤَكِّدَةً نحو ( زَيْدٌ أَبُوكَ عَطُوفاً ) و ( يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا )
الثانية أن يَدُلَّ عاملُها على تجدُّدِ صاحبها نحو خَلَقَ اللُه الزَّرَافَةَ يَدَيْهَا أطْوَلَ مِنْ رِجْلَيْهاَ ) ف ( يديها ) : بدلُ بَعْضٍ و ( أطْوَلَ ) حال مُلاَزِمة
الثالثة : نحو ( قَائِماً بِالقِسْطِ ) ونحو ( أنْزَلَ إلَيْكُمُ اْلكِتَابَ مُفَصَّلاً ) ولا ضابط لذلك بل هو موقوف على السماع ووَهِمَ ابنُ الناظم فمثل بمفَصَّلاً في الآية للحال التي تَجَدَّد صاحبها
الثانى أن تكون مُشْتَقّةً لا جامدة وذلك أيضاً غالبٌ لا لازم وتقع جامدة مُؤَوَّلة بالمشتق في ثلاث مسائل إحداها أن تَدُلَّ على تَشْبِيه نحو ( كَرَّ زَيْدٌ أَسَداً ) و ( بَدَتِ

الْجَارِيَةُ قَمَراً وَتَثَنتْ غُصْناً ) أى شُجَاعاً ومضيئة وَمُعْتَدِلَة وقالوا ( وَقَعَ المُصْطَرِعَانِ عِدْلَىْ عَيْرٍ ) أي : مُصْطَحِبَينِ اصطحابَ عِدْلَىْ حمارٍ حين سقوطهما
الثانية أن تَدُلَّ على مُفَاعَلة نحو ( بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ ) أى : متقابضين و ( كَلّمْتُهُ فَاهُ إلىَ فِيَّ ) أى متشافهين

الثالثة : أن تَدُلَّ على ترتيب ك ( ادْخُلُوا رَجُلاً رَجُلاً ) أى مترتبين وتقع جامدة غير مُؤَوَّلة بالمشتق في سبع مسائل وهي أن تكون موصوفة نحو ( قُرْآناً عَرَبِياًّ ) ( فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيَّا ) وتسمى حالا مُوَطِّئَةً أو دلة على سِعْر نحو ( بِعْتُهُ مُدًّا بِكَذَا ) أو عدد نحو ( فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّعِ أَرِبَعيِنَ لَيْلَةً ) أو طَوْرٍ واقع فيه تفضيل نحو ( هذَا بُسْراً أَطْيَبُ مِنْهُ رُطَباً ) أو تكون نَوْعاً لصاحبها نحو ( هذَا مَالُكَ ذَهَباً ) أو فَرْعاً نحو هذَا حَدِيدُكَ خَاتماً ) و ( تَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً ) أو أصْلاً له نحو ( هذَا خَاتَمكَ حَدِيداً و ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً )

تنبيه أكْثَرُ هذه الأنواع وقوعاً مسأَلةُ التسعيرِ والمسائلُ الثلاث الأوَلُ وإلى ذلك يشير قوله
(
وَيَكْثُرُ اُلجُمُودُ فيِ سِعْرٍ وَفيِ ... مُبْدِى تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ )
وَيُفْهم منه أنها تقع جامدةً في مواضعَ أُخَرَ بِقلّةٍ وأنها لا تُؤَوَّلُ بالمشتق كما لا تُؤَوَّل الواقعة في التسعير وقد بينتها كلها
وزعم ابنُه أن الجميع مُؤَوَّل بالمشتقِّ وهو تكلف وإنما قلنا به في الثلاث الأول لأن اللفظ فيها مراد به غيرُ معناه الحقيقى فالتأويلُ فيها واجبٌ
الثالث أن تكون نكرة لا معرفة وذلك لازم فإن وَرَدَتْ بلفظ

المعرفة أوّلَتْ بنكرة قالوا : ( جَاءَ وَحْدَهُ ) أي منفرداً

و ( رَجَعَ عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ ) أى عائداً

و ( ادْخُلُوا الأوَّلَ فَالأوَّلَ ) أى مترتبين و ( جَاءُوا الْجَمَّاءَ الْغَفِيَر ) أي : جميعاً

و ( أَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ ) أي : معتركة

الرابع أن تكون نَفْسَ صاحِبَهَا في المعنى فلذلك جاز ( جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكاً ) وامتنع ( جَاءَ زَيْدٌ ضَحِكاً )
وقد جاءت مصادر أحوالا بِقِلّة في المعارف ك ( جَاءَ وَحْدَهُ ) و ( أَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ )
وبكثرة في النَّكِرَاتِ ك ( طَلَعَ بَغْتَهً ) و ( جَاءَ رَكْضاً )

(
وقَتَلْتُهُ صَبْراً ) وذلك على التأويل بالوصف أي مُبَاغِتاً ورَاكِضاً ومَصْبُوراً أى محبوساً
ومَعَ كثرة ذلك فقال الجمهور لا يَنْقاس مطلقاً وقَاسَهُ المبرد فيما كان نوعاً من العامل فأجاز ( جَاءَ زَيْدٌ سُرْعَةً ) ومنع ( جَاءَ زَيْدٌ ضَحِكاً وقَاسَهُ الناظمُ وابنهُ بعد اما ) نحو ( أَمَّا عِلْماً فَعَالِمٌ ) أى : مهما يذكر شخص في حال علم فالمذكور عالم وبعد خَبَرٍ شُبِّهَ به مبتدؤه ك ( زَيْدٌ زُهَيْرٌ شِعْراً ) أو قُرِنَ هو بأل الدال علىالكمال نحو ( أَنْتَ الرَّجُلُ عِلْماً )
فصل
وأصْلُ صاحب الحال التعريفُ ويقع نكرة

بِمُسَوِّغٍ كأن يَتَقَدَّمَ عليه الحالُ نحو ( فيِ الدَّارِ جَالِساً رَجُلٌ ) وقوله :

(
لَمِيَّةَ موحِشاً طَلَلُ ... )

أو يكون مخصوصاً إما بوَصْفٍ كقراءة بعضهم ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقاً ) وقول الشاعر : -
(
نَجَّيْتَ يَا رَبِّ نُوحاً وَاُسْتَجَبْتَ لَهُ ... فيِ فُلُكٍ مَاخِرٍ فيِ الْيَمِّ مَشْحُونَا )

وليس منه ( فيِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيِم أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا ) خلافاً

للناظم وابنه أو بإضافةٍ نحو ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً ) أو بمعمولٍ نحو ( عجبت مِنْ ضَرْبٍ أَخُوكَ شَدِيداً ) أو مسبوقاً بنفي نحو ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلاّ وَلَهَا كتِاَبٌ مَعْلُومٌ ) أو نهى نحو
(
لاَ يَبْغِ أمْرُؤٌ عَلَى أمْرِيءٍ مُسْتَسهِلاً ... ) وقوله -
(
لاَ يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إلىَ الإجْحَامِ ... يَوْمَ الْوَغَى مُتَخَوِّفاً لحِمِاَمِ )

أو استفهام كقوله : -
(
يَا صَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ بَاقِياً فَتَرَى ... )

وقد يقع نَكِرَةً بغير مُسَوِّغ كقولهم ( عَلَيْهِ مِائَةٌ بيِضاً )

وفي الحديث ( وَصَلّى وَرَاءهُ رِجَالٌ قِيَاماً )

فصل وللحال مع صاحبها ثلاثُ حالاتٍ
إحداها وهي الأصل أن يجوز فيها أن تَتَأَخّرَ عنه وأن تَتَقَدَّمَ عليه ك ( جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكاً ) و ( ضَرَبْتُ الِّلصَّ مَكْتُوفاً ) فلك في ( ضاحكا ) و ( مكتوفا ) أن تَقَدِّمهما على المرفوع والمنصوب
الثانية أن تتأخّرَ عنه وجوباً وذلك كان تكون مَحْصُورَة نحو

(
وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِين إلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ ) أو يكون صاحِبُهَا مجروراً إما بحرفِ جر غيرِ زائِدٍ ك ( مَرَرْتُ بِهِنْدٍ جَالِسَةً )

وَخَالَفَ في هذه الفارسىُّ وابن جِنِّي وابن كَيْسَان فأجازوا التقديمَ قال الناظم وهو الصحيحُ لوروده كقوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلنْاَكَ إلاّ كَافّةً للِنَّاسِ ) وَقَوْلِ الشاعر -
(
تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بَعْدَ بَيْنِكُمْ ... )

والْحقُّ أن البيت ضرورة وأن ( كَافّةً ) حالٌ من الكاف والتاء للمبالغة لا للتأنيث ويلزمه تقديمُ الحال المحصورة وتعَدِّى ( أرْسَلَ ) باللام والأولُ ممتنعٌ والثانى خلافُ الأكثر
وإما بإضَافَةٍ ك ( أَعْجَبَنِى وَجْهُهَا مُسْفِرَةً )
وإنما تجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضافُ بعضَهُ كهذا

المثال وكقوله تعالى : ( وَنَزَعْنَا مَا فيِ صُدُوِرِهِمْ مِنْ غِلٍّ إخْوَاناً ) ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) أو كبعضه نحو ( مِلّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) أو عامِلاً في الحالِ نحو ( إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) و ( أَعْجَبَنِى انْطِلاَقُكَ مُنْفَرِداً ) و ( هذَا شَارِبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتاً )

الثالثة أن تَتَقَدَّمَ عليه وجوباً كما إذا كان صاحبها محصوراً نحو ( مَا جَاءَ رَاكبِاً إلاّ زَيْدٌ )
فصل
وللحال مع عاملها ثلاثُ حالاتٍ أيضاً
إحداها وهي الأصل أن يجوز فيها أن تَتَأَخّرَ عنه وأن تَتَقَدَّمَ عليه وإنما يكون ذلك إذا كان العامل فِعْلاً مُتَصَرِّفاً ك ( جَاءَ زَيْدٌ رَاكِباً ) أو صفةً تشبه الفعلَ المتصرفَ ك ( زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مُسْرِعاً )

فلك في راكباً و ( مسرعاً ) أن تُقَدِّمهما على ( جاء ) وعلى ( منطلق ) كما قال الله تعالى : ( خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ ) وقالت العرب : ( شَتَّى تَؤُوبُ الْحَلَبَةُ ) أي : متفرقين يَرْجِعُ الحالبون وقال الشاعر
(
نَجَوْتِ وَهذَا تَحْمِليِنَ طَليِقُ ... )

ف ( تَحْمِليِنَ ) في موضع نَصْبٍ على الحال وعامِلُهَا ( طليق ) وهو صفة مُشَبَّهة
الثانية أن تَتَقَدَّمَ عليه وجوباً كما إذا كان لها صَدْرُ الكلامِ نحو كَيْفَ جَاءَ زَيْدٌ
الثالثة أن تَتَأَخّرَ عنه وجوباً وذلك في ست مسائل وهي مسائل وهي أن يكون العامل فعلا جامداً نحو مَا أَحْسَنَهُ مُقْبِلاً ) أو صفة تشبه الفعل الجامد وهو اسم التفضيل نحو ( هذَا أفْصَحُ النَّاسِ خَطِيباً ) أو مَصْدَراً مقدراً بالفعل وحرف مصدرى ( أعْجَبَنِى اُعْتِكَافُ أَخِيكَ صَائماً ) أو اسم فعل نحو ( نَزَالِ مُسْرِعاً ) أو لفظاً مُضَمَّناً معنى الفعل دون حروفه نحو ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) وقوله :

(
كَأَنَّ قُلُوبَالطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... )

وقولك ( لَيْتَ هِنْداً مُقِيمَةً عِنْدَنَا ) أو عاملا آخر عَرَضَ له مانع نحو ( لأصْبِرُ مُحْتَسِباً ) و ( لأَعْتَكِفَنَّ صَائما ) فإن ما في حَيِّز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما

ويُسْتَثْنَى من أفعل التفضيل ما كان عاملا في حَالَيْنَ لاسمين مُتَّحِدَىِ المعنى او مختلفين وأحَدُهُما مُفَضَّل على الآخر فإنه يجب تقديمُ حالِ الفاضِلِ ك ( هذَا بُسْراً أطْيَبُ مِنْهُ رُطَباً ) وقولك ( زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ عَمْرٍو مُعَانا )
ويستثنى من المضَّمنِ معنى الفعل دون حُرُوفه دون أن يكون ظرفاً أو مجروراً مخبراً بهما فيجوز بقلة تَوَسُّطُ الحال بين المخبَرِ عنه والمُخْبَرِ به كقوله :

-
(
بِنَا عَاذَ عَوْفٌ وَهْوَ بَادِىَ ذِلّةٍ ... لَدَيْكُمْ )

وكقراءة بعضهم ( مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا ) وكقراءة الحسن ( وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ ) وهو قولُ الأخفَشِ وتبعه الناظمُ

والحقُّ أن البيت ضرورة وأن ( خَالِصَةً ) و ( مَطْوِيَّاتٍ ) معمولانِ لصلة ( ما ) ول ( قَبْضَتِهِ ) وأن السَّمَوات ) عطف على ضمير مستترٍ في قَبْضَتهِ ) لأنها بمعنى مَقْبُوضَتِه لا مبتدأ و ( بِيَمِيِنِه ) معمولُ الحالِ لا عاملها
فصل ولشبه الحال بالخبر والنعت جاز أن تتعدد لمفرد وغيره فالأولُ كقوله -
(
عَلَىَّ إذَا مَا جِئْتُ لَيْلَى بِخُفْيَةٍ ... زِيَارَةُ بَيْتِ اللهِ رَجْلاَنِ حَافِياَ )

وليس منه نحو ( إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُورَا )
والثانى إن اتَّحَدَ لَفْظُه ومعناهُ ثنَّى أو جمع نحو ( وَسَخّرَ لَكُمُ

الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَاِئبَيْنِ ) الأصلُ دائبةً ودائباً ونحو ( وَسَخّرَ لَكُمُ الّليْلَ وَالنّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخّرَاتٍ وإن اختلف فُرِّقَ بغير عطف ك ( لَقيِتُهُ مُصْعِداً مُنْحَدِراً ) ويقدر الأول للثانى وبالعكس قال -
(
عَهِدْتُ سُعَادَ ذَاتَ هَوًى مُعَنًّى ... )

وقد تأتى على الترتيب إن أُمِنَ الّلبْسُ كقوله :

-
(
خَرَجْتُ بهِاَ أَمْشِى تَجُرُّ وَرَاءَنَا ... )

ومنع الفارسىُّ وجماعة النوعَ الأولَ فَقَدَّرُوا نحو قوله ( حَافِيا ) صفة

أو حالا من ضمير ( رَجْلاَن ) وَسَلّموا الجواز إذا كان العاملُ اسمَ التفضيل نحو ( هذَا بُسْراً أَطْيَبُ مِنْهُ رُطَباً )

فصل
الحال ضربانِ
مُؤَسِّسَة وهي التي لا يُسْتَفَاد معناها بدونها ك ( جَاءَ زَيْدٌ رَاكبِاً ) وقد مَضَتْ ومُؤَكِّدَة : إما لعاملها لفظاً ومعنىً نحو ( وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ) وقوله : -
(
أَصِخْ مُصِيخاً لَمِنْ أَبْدَى نَصِيحَتَهُ ... )

أو معنى فقط نحو ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ) ( وَلّى مُدْبراً ) وإما لصاحبها نحو ( لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) وإما لَمَضْمُونِ جملةٍ معقودة من اسمين معرفتين جامدتين ك ( زَيْدٌ

أبُوكَ عَطُوفاً ) وهذه الحال واجبة التأخير عن الجملة المذكورة وهي معمولة لمحذوف وجوباً تقديرُهُ أَحُقُّه ونحوه

فصل تقع الحال اسْماً مُفْرَداً كما مَضَى
وظَرْفاً ك ( رَأَيْتُ الهِلاَلَ بَيْنَ السَّحَابِ ) وجاراً ومجروراً نحو ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) وبتعلقان بمستقر أو اسْتَقَرَّ محذوفين وجوباً وجملة بثلاثة شروط
أحَدُهَا كونها خبرية وَغَلِطَ مَنْ قال في قوله

-
(
أُطْلُبْ وَلاَ تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبٍ ... )

إنَّ ( لا ) ناهية والواو للحال والصوابُ أنها عاطفة مثل ( وَاْعْبُدُوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً )

الثانى أن تكون غير مُصَدَّرَة بدليل استقبال وَغَلِطَ مَنْ أعرب ( سَيَهْدِين ) من قوله تعالى ( إنِّى ذَاِهبٌ إلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ ) حالا
الثالث أن تكون مرتبطة إما بالواو والضمير نحو ( خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ) أو بالضمير فقط نحو ( اُهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أي مُتَعَادِينَ أو بالواو فقط نحو ( لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ )
وتجبُ الواوُ قبل ( قد ) داخلَةً على مضارع نحو ( لِمَ تُؤْذُونَنِي

وَقَدْ تَعْلَمُونَ ) وتمتنع في سبع صُورَ
إحداها الواقعة بعد عاطِفٍ نحو ( فَجَاءَهَا بأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ )
الثانية المؤكِّدة لمضمون الجملة نحو ( هو الحق لا شك فيه ) و ( ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ )
الثالثة الماضي التالي إلاّ نحو ( إلاّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )

الرابعة الماضى الَمْتلُوَّ بأوْ نحو ( لأضْرِبَنَّهُ ذَهَبَ أَوْ مَكَثَ
الخامسة : المضارع المنفى بلا نحو ( وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ )
السادسة المضارعُ المنِفىُّ بما كقوله -
(
عَهِدْتُكَ مَا تَصْبُو وَفِيكَ شبَيِبَةٌ ... )

السابعة المضارع الْمُثْبَتُ كقوله تعالى ( وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) وأما نحو قوله :

-
(
عُلِّقْتُهَا عَرَضاً وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا ... )

فقيل ضرورة وقيل الواو عاطفة والمضارع مُؤَوَّل بالماضى وقيل واوُ الحال والمضارعُ خَبرٌ لمبتدأ محذوف أي وأنَا أقْتُلُ
فصل
وقد يُحْذَف عاملُ الحال جوازاً لدليل حالىٍّ كقولك لقاصد السفر ( رَاشِداً ) وللقادم من الحج : ( مَأْجُوراً ) أو مَقَالى نحو ( بَلَى قَادِرِينَ ) ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) بإضمار : تسافر ورجعت ونجمعها وصَلُّوا ووُجُوباً قياساً في أربع صُوَر نحو ضَرْبِى زَيْداً قَائماً ) ونحو ( زَيْدٌ

أَبُوكَ عَطُوفاً وقد مَضَتَا والتي يُبَيَّنُ بها ازديادٌ أو نَقْصٌ بتدريج ك ( تَصَدَّق بِدِيَنارٍ فَصَاعِداً ) و ( اشْتَرِهِ بِدِينَارٍ فَسَافِلاً ) وما ذُكِرَ لتوبيخ نحو ( أَقَائِماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ ) و ( أَتَمِيمِيَّا مَرَّةً وَقَيْسِيَّا أُخْرَى ) أى أتُوجَدُ وأتَتَحَوَّل وسماعا في غير ذلك نحو هَنِيئاً لَكَ ) أى ثبت لك الخير هنيئاً أو أهْنَأَكَ هَنِيئاً
هذا باب التمييز التمييز اسمٌ نكرة مِنْ مُبَيِّنٌ لإبهام اسم أو نِسْبَةٍ

فخرج بالفصل الأول نحو ( زَيْدٌ حَسَنٌ وَجْهَهُ )
وقد مضى أن قوله
(
صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو ... ) محمولٌ علىزيادة ( أل )
وبالثانى الحالُ فإنه بمعنى في حال كذا لا بمعنى من وبالثالث نحو ( لاَ رَجُلَ ) ونحو :

(
أسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَةُ ... )

فإنهما وإن كانا على معنى ( مِنْ ) لكنها ليست للبيان بل هي في الأول للاستغراق وفي الثاني للابتداء
وحُكْمُ التمييز النصبُ والناصبُ لمبين الاسم هو ذلك الاسمُ المبهمُ

ك ( عِشْريِنَ دِرْهَماً ) والناصبُ لمبين النسبة المسندُ من فِعْلٍ أو شبهه ك ( طَابَ نَفْساً ) و ( هُوَ طَيِّبٌ أُبُوَّةً ) وعُلِمَ بذلك بُطْلاَنُ عموم قوله :

يُنْصَبُ تَمْيِيزاً بمِاَ قَدْ فَسَّرَهْ

فصل والاسمُ المبهمُ أربعةُ أنواعٍ
أحدها العدد ك ( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً )
والثاني المقدارُ وهو إما مساحَةٌ ك ( شِبْرٍ أَرْضاً ) أوكَيْلٌ ك ( قَفِيز بُرَّا ) أو وزن ك ( مَنَوَيْنِ عَسَلاً ) وهو تثنية مَناً كَعَصاً ويقال فيه مَنٌّ بالتشديد وتثنيته مَنَّانِ

والثالث ما يُشْبه المقدار نحو ( مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً ) و ( نِحْىٌ سَمْناً ) ( وَلَوْ جِئْنَا بِمْثِلِهِ مَدَداً ) وحُمل على هذا ( إنَّ لَنَا غَيْرَهَا إبِلاً )
والرابع ما كان فرعاً للتمييز نحو ( خَاتَمٌ حَدِيداً ) فإن الخاتم فرعُ الحديدِ ومثله ( بَابٌ سَاجاً ) و ( جُبَّةٌ خَزًّا ) وقيل إنه حال والنسبة المبهمة نوعان نسبة الفعل للفاعل نحو ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) ونسبته للمفعول نحو ( وَفَجَّرنَا الأرْضَ عُيُوناً )
ولك في تمييز الاسم أن تجره بإضافة الاسم ك ( شِبْرِ أَرْضٍ ) و ( قَفِيزِ بُرٍّ ) و ( مَنَوَىْ عَسَلٍ ) إلا إذا كان الاسمُ عدداً ك ( عِشْرِينَ دِرْهَماً ) أو مضافاً نحو ( بِمِثْلِه مَدَداً ) و ( مِلْءُ الأرْضِ ذَهَباً )
فصل مِنْ مُمَيِّز النسبة الواقعُ بعد ما يُفِيد التعجب نحو ( أكْرِمْ بِهِ أَباً و ( مَا أشْجَعَهُ رَجُلاً ) و ( للهِ دَرُّهُ فَارِساً ) والواقعُ بعد اسم التفضيل وَشَرْطُ نصب هذا كونُهُ فاعلا معنىً نحو ( زَيْدٌ أكْثَرُ مَالاً ) بخلاف ( مَالُ زَيْدٍ أكْثَرُ مَالٍ ) وإنما جاز ( هُوَ أكْرَمُ النَّاسِ رَجُلاً ) لتعذر إضافة أفْعَلَ مرتين
فصل
ويجوز جر التمييز بِمِنْ ك ( رِطْلٍ مِنْ زَيْتٍ ) إلا في ثلاث مسائل إحداها تمييز العدد ك ( عِشْرِينَ دِرْهَماً )
الثانية التمييز المحوَّل عن المفعول ك ( غَرَسْتُ الأرْضَ شَجَراً ) ومنه ( مَا أَحْسَنَ زَيْداً أَدَباً ) بخلاف ( مَا أحْسَنَهُ رَجُلاً )
الثالثة ما كان فاعلا في المعنى إن كان مُحَوَّلا عن الفاعل صناعةً ك ( طَابَ زَيْدٌ نَفْساً ) أو عن مضاف غيره نحو ( زَيْدٌ أكْثَرُ مَالاً ) إذ أصله ( مَالُ زَيْدٍ أكْثَرُ ) بخلاف ( للهِ دَرُّهُ فَارِساً ) . - و
(
أَبْرَحْتِ جَارَا ... )

فإنهما وإن كانا فاعلين معنى إذ المعنى عَظُمْت فارسا وَعَظُمْتِ جاراً إلا أنهما غير مُحَوَّلَيْنِ فيجوز دخول مِنْ عليهما ومن ذلك ( نِعْمَ رَجُلاً زَيْدٌ ) يجوز ( نِعْمَ مِنْ رَجُلٍ ) قال : -
(
فَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تَهَامِ ... )

فصل
لا يتقدَّمُ التمييزُ على عامله إذا كان اُسْماً ك ( رِطْلٍ زَيْتاً )

أو فِعْلاً جامداً نحو ( مَا أَحْسَنَهُ رَجُلاً ) وَنَدَرَ تَقَدُّمه على المتصرف كقوله : -
(
أَنَفْساً تَطِيبُ بِنَيْلِ المُنَى ... ) وقاس على ذلك المازنيُّ والمبردُ والكسائىُّ

تم بحمد الله

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا باب حروف الجر وهي عشرون حرفاً ثلاثة مَضَتْ في الاستثناء وهي خَلاَ وعَدَا وحَاشَا - وثلاثة شاذَّةٌ :

أحدها : ( مَتَى ) في لُغة هُذَيل وهي بمعنى مِنْ الابتدائية سُمِعَ من بعضهم ( أخْرَجَهَاَ مَتَى كُمِّهِ ) وقال :
(
مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيِجُ ... )

والثانى ( لَعَلَّ ) في لُغة عُقَيْل قال : -
(
لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْناَ ... )

ولهم في لامها الأولى الإثباتُ والحذفُ وفي االثانية الفتحُ والكسرُ

والثالث : ( كَىْ ) وإنما تجر ثلاثةً :
أحَدُها : ( ما ) الاستفهامية يقولون إذا سألوا عن عِلّةِ الشىء ( كَيْمَهْ ) والأكثر أن يقولوا ( لَمِهْ )
الثانى : ( ما ) المصدرية وَصِلَتُهَا كقوله :

-
(
يُرَادُ الفَتَى كَيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ ... )
أى : للضر والنفع قاله الأخفش وقيل : ( ما ) كافَّةٌ

الثالث : ( أن ) المصدرية وَصِلَتُهَا نحو ( جِئْتُ كَىْ تُكْرِمَنِي ) إذا قدرت ( أنْ ) بعدها بدليل ظهورها في الضرورة كقوله : -
(
لِسَانَكَ كَيْماَ أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا ... )

وَالأوْلىَ أن تقدر ( كى ) مصدرية فقدر اللام قبلها بدليل كثرة ظهورها معها نحو ( لِكَيْلاَ تَأْسَوْا )

والأرْبَعَةَ عَشَرَ الباقية قسمان : سبعة تجر الظاهر والمضمر وهي : مِنْ وإلى وعَنْ وَعَلى وفى والباء واللام نحو ( وَمِنْكَ ومِنْ نُوحٍ ) ( إِلى الله مَرْجِعُكُمْ ) ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ( طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) ( وَفي الأرْضِ آيَات ) ( وفِيهَا ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ ) ( آمنُوا بِاللهِ ) ( وآمِنُوا بِهِ ) ( للهِ مَا في السَّمواتِ ) ( لَهُ مَا فيِ السَّموَاتِ )
وسبعة تختص بالظاهر وتنقسم أَرْبَعَةَ أقْسَام
مالا يختصُّ بظاهِرٍ بعينه وهو : حَتَّى والكافُ والواوُ وقد تدخل الكاف في الضرورة على الضمير كقول العجاج :

-
وَأمَّ أَوْ عَالٍ كَهَا أَوْ أَقْرَبَا ... )

وقول الآخر :
-
(
كَهُ وَلاَ كَهُنَّ إِلاّ حَاظِلاَ ... )

وما يختصُّ بالزمان وهو : مُذْ ومُنْذُ فأما قولهم ( مَا رَأَيْتُهُ مُذْ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ ) فتقديره : مُذْ زَمَنِ أن الله خَلَقَهُ أى مُذْ زَمَنِ خَلْقِ الله إياه
وما يختصُّ بالنكرات وهو رُبَّ وقد تدخل في الكلام على ضميِر غَيْبَةٍ مُلازِمٍ للإفراد والتذكبر والتفسير بتمييز بعده مُطَابِقٍ للمعنى قال : -
(
رُبَّهُ فِتْيَةً دَعَوْتُ إلَى مَا ... )

وما يختصُّ بالله ورَبِّ مضافاً للكعبة أو لياء المتكلم وهو التاء نحو ( وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ ) و ( تَرَبِّ ا لكَعْبَة ) و ( تَرَبِّى لأفْعَلَنَّ ) وَنَدَز ( تَالرَّحمْنِ ) و ( تَحَيَاتِكَ )
فصل : في ذكر معانى الحروف
(
مِنْ ) سبعةُ مَعَانٍ :
أحدها : التبعيض نحو ( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحُبُّونَ ) ولهذا قرىء : ( بَعْضَ مَا تُحِبُّونَ )
والثانى بيان الجنس نحو ( مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ )
والثالث : ابتداءُ الغَايَةِ المكانية باتفاقٍ نحو ( مِنَ المَسْجِد الْحَرَام ) والزمانية خلافاً لأكثر البصريين ولنا قولُه تعالى : ( مِنْ أَوَّلِ

يَوْمٍ ) والحديثُ ( فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إلىَ الْجُمُعَةِ ) وقول الشاعر :
(
تُخُيِّرْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَليِمَةٍ ... )

والرابع : التنصيص على العموم أو تأكيد التنصيص عليه وهي

الزائدة ولها ثلاثة شروط : أن يسبقها نَفْىٌ أو نَهْىٌ أو استفهام

بِهَلْ وأن يكون مجرورُها نكرة وأن يكون إما فاعلا نحو ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ ) أو مفعولا نحو ( هَلْ تحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) أو مبتدأ

نحو ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ )
والخامس : معنى البَدَل نحو ( أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ )
والسادس : الظرفية نحو ( مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ) ( إذَا نُودِىَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمعَةِ )
والسابعُ : التعليلُ كقوله تعالى : ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ) وقال الفرزدق :
(
يُغْضِى حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ ... )

وللاَّمِ اثنا عَشَرَ مَعْنىً :
أحدها : الملك نحو ( للهِ مَا فىِ السَّموَاتِ )
والثانى : شِبْهُ الملك وَيُعَبَّر عنه بالاختصاص نحو ( السَّرْجُ للدَّابّةِ )
والثالث : التعدية نحو ( مَا أضْرَبَ زَيْداً لِعَمْرٍو )
والرابع : التعليلُ كقوله :
(
وَإنِّى لَتَعْرُونىِ لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... )
والخامس : التوكيد وهى الزائدة نحو قوله : -
(
مُلْكاً أَجَارَ لمُسْلِمٍ وَمَعُاهَدِ ... )

وأما ( رَدِفَ لَكُمْ ) فالظاهر أنه ضُمِّنَ معنى اقترب فهو مثل ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ )

والسادس : تقوية العامل الذى ضَعُفَ : إما بكونه فَرْعًا في العمل نحو ( مُصَدِّقاً لِماَ مَعَهُمْ ) ( فَعَّالٌ لمِاَ يُرِيدُ ) وَإمَّا بِتَأَخُّرِهِ عَنِ المَعْمُولِ نحو ( إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) وليست المقويةُ زائدةً محضة ولا مُعَدِّيةً محضة بل هي بينهما
والسابع : أنتهاءُ الغاية نحو ( كُلٌّ يَجْرِى لأجَلٍ مُسَمًّى )
والثامن : القَسَم نحو ( للهِ لاَ يُؤَخَّرُ الأجَلُ )
والتاسع : التَّعَجُّبُ نحو ( للهِ دَرُّكَ ! )
والعاشر : الصَّيْرُورَة نحو :

-
(
لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ... )

والحادى عشر : البَعْدِية نحو ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدلُوكِ الشَّمْسِ ) أى : بَعْدَهُ

والثانى عشر : الاستعلاءُ نحو ( وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ ) أي : عليها
وللباء اثنا عشر معنى أيضاً :
أحدها : الأستعانة نحو ( كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ )
والثانى : التَّعْدِية نحو ( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) أى : أذْهَبَهُ

والثالث : التعويض ك ( بِعْتُكَ هذَا بِهذَا )
والرابع : الإلْصَاقُ نحو ( أمْسَكْتُ بِزَيْدٍ )

والخامس : التبعيض نحو ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ ) أى : منها
والسادس : المُصَاحَبَة نحو ( وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ ) أي : معه
والسابع المُجَاوَزَة نحو ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيِرا ) : أي عنه
والثامن : الظَّرْفية نحو ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبِىِّ ) أى : فيه ونحو ( نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ )
والتاسع : البَدَلُ كقول بعضهم : ( مَا يَسُرُّنِى أَنِّى شَهِدْتُ بَدْرَا بِالعَقَبَةِ ) أى بَدَلهَا
والعاشر : الاستعلاء نحو ( مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ) أي على قنطار

والحادى عَشَرَ : السببية نحو ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ )
والثانى عشر : التأكيد وهي الزائدة نحو ( وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) ونحو ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ ) ونحو ( بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ ) ونحو ( زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِمٍ )
ول ( فى ) ستةُ مَعَانٍ :
الظرفية حقيقيةً مكانيَّةً أو زمانيةً نحو ( فِي أَدْنَى الأرْضِ ) ونحو ( في بِضْعِ سِنِينَ )
أ و مجازية نحو ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ )
والسبية نحو ( لَمَسَّكُمْ فيِمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )

والمصاحبة نحو ( قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ )
والاستعلاءُ نحو ( لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ )
والمُقَايَسَة نحو ( فَمَا مَتَاعُ الْحَياَةِ الدُّنْيَا فيِ الآخِرَةِ إلاّ قَليِلٌ )
وبمعنى الباء نحو : -
(
بَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الأبَاهِرِ وَالكُلَى ... )

ول ( ) أربعةُ مَعَانٍ :
أحدها : الاستعلاء نحو ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ )
والثانى : الظَّرْفِية نحو ( عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ) : في حين غفلة
والثالث : الْمُجاوَزَة كقوله :

-
(
إذَا رَضِيَتْ عَلَىَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... ) أى : عنى

والرابع : المصاحبة نحو ( وَإِنَّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) أى : مَعَ ظلمهم

ول ( مَنْ ) أربعةُ معانٍ أيضاً :
أحدها : المجاوزة نحو ( سِرْتُ عَنِ البَلَدِ ) و ( رَمَيْتُه عَنِ القَوْسِ )
والثانى : البَعْديِة نحو ( طَبَقَاً عَنْ طَبَقٍ ) أى : حالا بعد حال
والثالث : الاسْتِعْلاَء كقوله تعالى : ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ) أى : عَلَى نفسه وكقول الشاعر : -
(
لاَهِ ابْنُ عَمِّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّى ) أى : عَلَىَّ

والرابع : التعليل نحو ( وَمَا نَحْنُ بِتَارِكى آلِهتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ) أى : لأجْلِهِ

وللكاف أربعةُ مَعَانٍ أيضاً :
أحدها : التّشْبِيه نحو ( وَرْدَةً كَالدِّهَانِ )
والثانى : التعليل نحو ( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ) أى : لهدايته إياكم
والثالث : الاستعلاءُ قيل لبعضهم : كيف أَصْبَحْتَ فقال : كخَيْرٍ أى : عليه وَجَعَلَ منه الأخفشُ قولَهُم : ( كُنْ كَمَا أَنْتَ ) أى : على ما أنت عليه

والرابع : التوكيد وهي الزائدة نحو ( لَيْسَ كمِثلِهِ شَيْءٌ ) أى : ليس شىء مثله
ومعنى إلى وحتى انتهاءُ الغايةِ مكانيةً أو زمانيةً نحو ( مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الَمسْجِدِ الأقْصَى ) ونحو ( أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلىَ الّليْلِ ) ونحو ( أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسِهَا ) ونحو ( سَلاَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ) وإنما يُجَرُّ بحتى في الغالب آخِرٌ أو مُتَّصِلٌ بآخِرٍ كما مثلنا فلا يقال : ( سَهِرْتُ الْبَارِحَةَ حَتَّى نِصْفِهاَ )

ومعنى كى التعليلُ ومعنى الواو والتاء القَسَمُ ومعنى مُذْ ومُنْذُ ابتداءُ الغاية إن كان الزمان ماضياً كقوله : -
(
أَقْوَيْنَ مُذْ حِجَجٍ وَمُذْ دَهْرِ ... )

وقوله : -
(
وَرَبْعٍ عَفَتْ آثَارُهُ مُنْذُ أَزْمَانِ ... )

والظرفيةُ إن كان حاضراً نحو ( مُنْذُ يَوْمِنَا ) وبمعنى مِنْ وإلَى معاً إن كان معدوداً نحو ( مُذْ يَوْمَيْنِ )

ورُبَّ للتكثير كثيرا وللتقليل قليلاً فالأولُ كقوله عليه الصلاة و السلام : ( يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقَيِامَةِ ) وقول بعض العرب عند انقضاء رمضان : ( يَا رُبَّ صَائِمِه لَنْ يَصُومَهُ وَقَائِمِه لَنْ يَقُومَهُ ) والثانى كقوله : -
(
أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِى وَلدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ ) يريد بذلك آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام
فصل : من هذه الحروف ما لَفْظُه مُشْتَرِكٌ بين الحرفية والاسمية وهو خمسة :
أحدها : الكاف والأصَحُّ أنَّ اسميتها مخصوصة بالشعر كقوله :

-
(
يَضْحَكْنَ عَنْ كَالبَرَدِ الْمُنْهَمِّ ... )

والثانى الثالث : عَنْ وَعَلَى وذلك إذا دخلت عليهما ( مِنْ ) كقوله :

-
(
مَنْ عَنْ يَمِينِى مَرَّةً وَأَمَامِى ... )

وقوله :
-
(
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا ... )

والرابع والخامس : مُذْ ومُنْذُ وذلك في موضعين :
أحدهما : أن يَدْخُلاَ على اسمٍ مرفوعٍ نحو ( مَا رَأَيْتُهُ مُذْ يَوْمَانِ ) أو ( مُنْذُ يَوْمُ الْجُمُعَة ) وهما حينئِذٍ مبتدآن وما بعدهما خبر وقيل بالعكس وقيل : ظَرْفَان وما بعدهما فاعلٌ بكان تامة محذوفة

والثانى : أن يَدْخُلاَ على الجملة فعليةً كانت وهو الغالب كقوله : -
(
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ ... )

أو أسْمِيَّةً كقوله : - ( وَمَا زِلْتُ أَبْغِى المَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ... )

وهما حِينئذٍ ظرفان باتفاق

فصل
:
تُزَاد كلمة ( ما ) بعد ( مِنْ ) و ( عَنْ ) والباء فلا تَكُفُّهُنَّ عن عمل الجرِّ نحو ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) ( عَمَّا قَليِلٍ ) ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ ) وبعد ( رُبَّ ) والكافِ فيبقى العَمَلُ قليلا كقوله : -
(
رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ ... )

وقوله : -
(
كَمَا النَّاسٍ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وَجَارِمُ ... )

والغالبُ أن تَكُفَّهُمَا عن العمل فيدخلان حينئِذٍ على الجمل كقوله : -
(
كَمَا سَيْفُ عَمْرٍو لَمْ تَخُنْهُ مَضَارِبُهْ ... )

وقوله : -
(
رُبَّما أَوْفَيْتُ فيِ عَلَمٍ ... ) والغالِبُ على ( رُبَّ ) المكفوفَةِ أن تَدْخُلَ على فعلٍ ماضٍ كهذا البيت

وقد تدخل على مضارع مُنَزَّلٍ منزلَةَ الماضى لتحُّققِ وُقُوعه نحو ( رُبَمَا يَوَدُّ الّذيِنَ كَفَرُوا ) وَنَدَرَ دخولهُاَ على الجمل الا سمية كقوله : -
(
رُبَّمَا الْجامِلُ المُؤَبَّلُ فيِهِمْ ... )

حتى قال الفارسى : يجب أن تُقَدَّر ( ما ) اسْمًا مجروراً ب ( رُبَّ ) بمعنى شىء و ( الجامل ) خبراً لضميرٍ محذوفٍ والجملة صفة لما أى : رُبَّ شىء هو الجامِلُ المُؤَبّلُ
فصل : تُحْذَف ( رُبَّ ) ويبقى عَمَلُهَا بعد الفاء كثيراً كقوله : -
(
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِع ... )

وبعد الواو أكثر كقوله :

-
(
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ ... )

وبعد ( بَلْ ) قليلا كقوله : -
(
بَلْ مَهْمَةٍ قَطَعْتُ بَعْدَ مَهْمَهِ ... ) وبدونهنَّ أقَلَّ كقوله : -
(
رَسْمِ دَارٍ وَقَفْتُ فيِ طَلَلِهْ ... )

وقد يُحْذَفُ غيُر ( رُبَّ ) ويبقى عمله وهو ضربان : سَمَاعِىٌّ كقول رُؤبة : ( خَيْرٍ وَالحَمدُ للهِ ) جواباً لمن قال له : كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَقِياسىٌّ كقولك : ( بِكَمْ دِرْهَمٍ اشْتَرَيْتَ ثَوْبَكَ ) أى : بِكَمْ