الاثنين، 27 يونيو 2022

تفسير القرطبي 13. و14.

 

13. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)

تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال:" وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً" «1» [المعارج: 10]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، وهو الصحيح لقوله تعالى:" وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ" إلى قوله" وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا" «2» [سبأ: 33- 31] وقوله:" كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها" «3» [الأعراف: 83] الآية، وقوله:" رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا" «4» [الأحزاب: 67] الآية. فأما قوله:" وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً" وقوله:" فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ" «5» [المؤمنون: 101] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى" يَتَعارَفُونَ" يتساءلون، أي يتساءلون كم لبثتم، كما قال:" وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ" «6» [الصافات: 27] وهذا حسن. وقال الضحاك: ذلك تعارف تعاطف المؤمنين، والكافرون لا تعاطف عليهم، كما قال:" فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ". والأول أظهر، والله أعلم. قوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ) أي بالعرض على الله. ثم قيل: يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور، أي خسروا ثواب الجنة. وقيل: خسروا في حال لقاء الله، لان الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم، يقولون هذا." وَما كانُوا مُهْتَدِينَ" بريد في علم الله.

[سورة يونس (10): آية 46]
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46)
قوله تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ) شرط. (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) أي من إظهار دينك في حياتك. وقال المفسرون: كان البعض الذي وعدهم قتل من قتل وأسر من أسر ببدر. (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) عطف على" نُرِيَنَّكَ" أي نتوفينك قبل ذلك. (فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) جواب
__________
(1). راجع ج 18 ص 284.
(2). راجع ج 14 ص. [.....]
(3). راجع ج 7 ص 204.
(4). راجع ج 14 ص.
(5). راجع ج 12 ص 151.
(6). راجع ج 15 ص 73.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)

" إِمَّا". والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا. (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ) أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد. (عَلى ما يَفْعَلُونَ) من محاربتك وتكذيبك. ولو قيل:" ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ" بمعنى هناك، جاز.

[سورة يونس (10): آية 47]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47)
قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) يكون المعنى: ولكل أمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم، مثل." فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ" «1» [النساء: 41]. وقال ابن عباس: تنكر الكفار غدا مجيء الرسل إليهم، فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة، فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. دليله قوله:" وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" «2». ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم، فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعذب. دليله قوله تعالى:" وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" «3» [الاسراء: 15]. والقسط: العدل. (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة.

[سورة يونس (10): آية 48]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48)
يريد كفار مكة لفرط إنكارهم واستعجالهم العذاب، أي متى العقاب أو متى القيامة التي يعدنا محمد. وقيل: هو عام في كل أمة كذبت رسولها.

[سورة يونس (10): آية 49]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49)
__________
(1). راجع ج 5 ص 197.
(2). راجع ج 2 ص 153.
(3). راجع ج 10 ص 230 فما بعد.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50)

قوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً) لما استعجلوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعذاب قال الله له: قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا، أي ليس ذلك لي ولا لغيري. (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا تستعجلوا. (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم في علمه سبحانه. (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) أي وقت انقضاء أجلهم. (فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي لا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدمون فيؤخرون.

[سورة يونس (10): آية 50]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50)
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً) ظرفان، وهو جواب لقولهم:" مَتى هذَا الْوَعْدُ" وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب، أي إن أتاكم العذاب فما نفعكم فيه، ولا ينفعكم الايمان حينئذ. (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي ما أعظم ما يستعجلون به، كما يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك! والضمير في" مِنْهُ" قيل: يعود على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى. قال النحاس: إن جعلت الهاء في" مِنْهُ" تعود على العذاب كان لك في" ماذا" تقديران: أحدهما أن يكون" ما" في موضع رفع بالابتداء، و" ذا": بمعنى الذي، وهو خبر" ما" والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون" ماذا" اسما واحدا في موضع بالابتداء، واخبر في الجملة، قاله الزجاج. وإن جعلت الهاء في" مِنْهُ" تعود على اسم الله تعالى جعلت" ما"، و" ذا" شيئا واحدا، وكانت في موضع نصب ب"- يَسْتَعْجِلُ"، والمعنى: أي شي يستعجل منه المجرمون من الله عز وجل.

[سورة يونس (10): آية 51]
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)

قوله تعالى: (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ) في الكلام حذف، والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: الآن آمنتم به؟ قيل: هو من قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول الله تعالى، ودخلت ألف الاستفهام على" ثُمَّ" والمعنى: التقرير والتوبيخ، وليدل على أن معنى الجملة الثانية بعد الاولى. وقيل: إن" ثُمَّ" ها هنا بمعنى:" ثُمَّ" بفتح الثاء، فتكون ظرفا، والمعنى: أهنالك، وهو مذهب الطبري، وحينئذ لا يكون فيه معنى الاستفهام. و" آلْآنَ" قيل: أصله فعل مبني مثل حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. الخليل: بنيت لالتقاء الساكنين، والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حد الزمانين. (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ) أي بالعذاب (تَسْتَعْجِلُونَ).

[سورة يونس (10): آية 52]
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)
قوله تعالى: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أي تقول لهم خزنة جهنم. (ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ) أي الذي لا ينقطع. (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) أي جزاء كفركم.

[سورة يونس (10): آية 53]
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)
قوله تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ) أي يستخبرونك يا محمد عن العذاب وقيام الساعة. (أَحَقٌّ) ابتداء. (هُوَ) سد مسد الخبر، وهذا قول سيبويه. ويجوز أن يكون" هُوَ" مبتدأ، و" أَحَقٌّ" خبره. (قُلْ إِي)" إِي" كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. (وَرَبِّي) قسم. (إِنَّهُ لَحَقٌّ) جوابه، أي كائن لا شك فيه. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي فائتين عن عذابه ومجازاته.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)

[سورة يونس (10): آية 54]
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54)
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ) أي أشركت وكفرت. (ما فِي الْأَرْضِ) أي ملكا. (لَافْتَدَتْ بِهِ) أي من عذاب الله، يعني ولا يقبل منها، كما قال:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ" [آل عمران: 91] وقد تقدم «1» قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ) أي أخفوها، يعني رؤساءهم، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم. (لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) وهذا قبل الإحراق بالنار فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع بدليل قولهم: (رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا) «2». فبين أنهم لا يكتمون ما بهم. وقيل:" أَسَرُّوا" أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر. وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم، لان الندامة لا يمكن إظهارها. قال كثير:
فأسررت الندامة يوم نادى ... بسرد جمال غاضرة المنادي
وذكر المبرد فيه وجها ثالثا: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سرار. والندامة: الحسرة لوقوع شي أو فوت شي، واصلها اللزوم، ومنه النديم لأنه يلازم المجالس. وفلان نادم سادم. والسدم اللهج بالشيء. وندم وتندم «3» بالشيء أي اهتم به. قال الجوهري: السدم (بالتحريك) الندم والحزن، وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم، وندمان سدمان، وقيل: هو إتباع. وما له هم ولا سدم إلا ذلك. وقيل: الندم مقلوب الدمن، والدمن اللزوم، ومنه فلان مدمن الخمر. والدمن: ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار، سمي به للزومه. والدمنة: الحقد الملازم للصدر، والجمع دمن. وقد دمنت قلوبهم بالكسر، يقال: دمنت على فلان أي ضغنت. (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي بين الرؤساء والسفل بالعدل. (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
__________
(1). راجع ج 4 ص 131.
(2). راجع ج 12 ص 153.
(3). في ع وهـ: سدم.

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55)

[سورة يونس (10): آية 55]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55)
(ألا) كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول الكلام، أي انتبهوا لما أقول لكم (إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق)،" له ملك السماوات والأرض" [الحديد: 2] فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده «1». (ولكن أكثر هم لا يعلمون) ذلك.

[سورة يونس (10): آية 56]
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)
بين المعنى. وقد تقدم.

[سورة يونس (10): آية 57]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) يعني قريشا. (قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) أي وعظ. (مِنْ رَبِّكُمْ) يعني القرآن، فيه مواعظ وحكم. (وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ) أي من الشك والنفاق والخلاف، والشقاق. (وَهُدىً) أي ورشدا لمن اتبعه. (وَرَحْمَةٌ) أي نعمة. (لِلْمُؤْمِنِينَ) خصهم لأنهم المنتفعون بالايمان، والكل صفات القرآن، والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم

[سورة يونس (10): آية 58]
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)
قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) قال أبو سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. وعنهما أيضا: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله. وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله الايمان، ورحمته القرآن، على العكس من القول الأول. وقيل: غير هذا. (فبذلك فليفرحوا) إشارة إلى الفضل والرحمة. والعرب تأتي" بذلك" للواحد والاثنين والجمع. وروي عن النبي صلى
__________
(1). في ع: حكمه.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)

الله عليه وسلم أنه قرأ" فبذلك فلتفرحوا" بالتاء، وهي قراءة يزيد بن القعقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث (لتأخذوا مصافكم). والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الفرح في مواضع، كقوله:" لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين" «1» [القصص: 76] وقوله:" إنه لفرح فخور" «2» [هود: 10] ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله:" فرحين بما آتاهم الله من فضله" «3» [آل عمران: 170] وها هنا قال تبارك وتعالى:" فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا، فقيد. قال هارون: وفي حرف أبي" فبذلك فافرحوا". قال النحاس: سبيل الامر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفا، إلا أنهم يحذفون، من الامر للمخاطب استغناء بمخاطبته، وربما جاءوا به على الأصل، منه" فبذلك فلتفرحوا". (هو خير مما يجمعون) يعني في الدنيا. وقراءة العامة بالياء في الفعلين، وروي عن ابن عامر أنه قرأ" فليفرحوا" بالياء" تجمعون" بالتاء خطابا للكافرين. وروي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأول، و" يجمعون" بالياء على العكس. وروى أبان عن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه- ثم تلا-" قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".

[سورة يونس (10): آية 59]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا). فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) يخاطب كفار مكة. (ما أنزل الله لكم من رزق)" ما" في موضع نصب" ب أرأيتم". وقال الزجاج: في موضع نصب ب" أنزل"." وأنزل" بمعنى خلق، كما قال:" وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج" «4» [الزمر: 6]." وأنزلنا الحديد فيه
__________
(1). راجع ج 13 ص 313.
(2). راجع ج 9 ص 10.
(3). راجع ج 15 ص 234. [.....]
(4). راجع ج 15 ص 234.

وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)

بأس شديد" «1» [الحديد: 25]. فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال، لان الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر. (فجعلتم منه حراما وحلالا) قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام «2». وقال الضحاك: هو قول الله تعالى:" وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً" «3» [الانعام: 136]. (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) أي في التحليل والتحريم. (أَمْ عَلَى اللَّهِ)" أَمْ" بمعنى بل. (تَفْتَرُونَ) هو قولهم إن الله أمرنا بها. الثانية: استدل بهذه الآية من نفي القياس، وهذا بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره.

[سورة يونس (10): آية 60]
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60)
قوله تعالى: (وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ)"" يَوْمَ" منصوب على الظرف، أو بالظن، نحو ما ظنك زيدا، والمعنى: أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به. (إن الله لذو فضل على الناس) أي في التأخير والامهال. وقيل: أراد أهل مكة حين جعلهم في حرم آمن. (ولكن أكثرهم) يعني الكفار. (لا يشكرون) الله على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم. وقيل:" لا يشكرون" لا يوحدون.

[سورة يونس (10): آية 61]
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61)
__________
(1). راجع ج 17 ص 260.
(2). راجع ج 6 ص 335.
(3). راجع ج 7 ص 89.

قوله تعالى: (وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ)" ما" للجحد، أي لست في شأن، يعني من عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك. والشأن الخطب، والامر، وجمعه شئون. قال الأخفش: تقول العرب ما شانت شأنه، أي ما عملت عمله. (وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) قال الفراء والزجاج: الهاء في" منه" تعود على الشأن، أي تحدث شأنا فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. وقال الطبري:" منه" أي من كتاب الله تعالى." مِنْ قُرْآنٍ" أعاد تفخيما، كقوله:" إني أنا الله" «1» [القصص: 30]. (ولا تعملون من عمل) يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والامة. وقوله:" وما تكون في شأن" خطاب له والمراد هو وأمته، وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه. وقيل: المراد كفار قريش. (إلا كنا عليكم شهودا) أي نعلمه، ونظيره" ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" «2» [المجادلة: 4] (إذ تفيضون فيه) أي تأخذون فيه، والهاء عائدة على العمل، يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. قال الراعي:
فأفضن بعد كظومهن بجرة ... من ذي الأباطح «3» إذ رعين حقيلا
ابن عباس:" تفيضون فيه" تفعلونه. الأخفش: تتكلمون. ابن زيد: تخوضون. ابن كيسان: تنشرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدة على القرآن، المعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. (وما يعزب عن ربك) قال ابن عباس: يغيب. وقال أبو روق: يبعد. وقال ابن كيسان: يذهب. وقرا الكسائي" يعزب" بكسر الزاي حيث وقع، وضم الباقون، وهما لغتان فصيحتان، نحو يعرش ويعرش. (من مثقال)" من" صلة، أي وما يعزب عن ربك مثقال (ذرة) أي وزن ذرة، أي نميلة حمراء صغيرة، وقد تقدم في (النساء) «4». (في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) عطف على لفظ مثقال، وإن شئت على ذرة. وقرا يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفا على موضع مثقال لان من زائدة للتأكيد. وقال الزجاج: ويجوز الرفع على الابتداء. وخبره
__________
(1). راجع ج 13 ص 283.
(2). راجع ج 17 ص 289.
(3). في اللسان: من ذى الابارق.
(4). راجع ج 5 ص 195.

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

(إلا في كتاب مبين) يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به. قال الجرجاني" إلا" بمعنى واو النسق، أي وهو في كتاب مبين، كقوله تعالى:" إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ" «1» [النمل: 11- 10] أي ومن ظلم. وقوله:" لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم" «2» [البقرة: 150 [أي والذين ظلموا منهم، ف"- إلا" بمعنى واو النسق، وأضمر هو بعده كقوله:" وقولوا حطة" «3» [البقرة: 58] أي هي حطة. وقوله:" ولا تقولوا ثلاثة" «4» [النساء: 171] أي هم ثلاثة. ونظير ما نحن فيه:" وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" «5» [الانعام: 59] وهو في كتاب مبين.

[سورة يونس (10): آية 62]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
قوله تعالى:" أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" أي في الآخرة." وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" لفقد الدنيا. وقيل:" لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن، قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها"- أي عن جهنم-" مُبْعَدُونَ"- إلى قوله" لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ" «6» [الأنبياء: 103- 101]. وروى سعيد بن جبير أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: من أولياء الله؟ فقال: (الذين يذكر الله برؤيتهم). وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى). قيل: يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. قال: (هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس- ثم قرأ-" أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ". وقال
__________
(1). راجع ج 13 ص 160 فما بعد.
(2). راجع ج 3 ص 168.
(3). راجع ج 1 ص 409.
(4). راجع ج 6 ص 20 فما بعد.
(5). راجع ج 7 ص 1 فما بعد.
(6). راجع ج 11 ص 345. [.....]

الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)

علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه من الذوي «1». وقيل:" لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" في ذريتهم، لان الله يتولاهم." وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأخراهم لأنه وليهم ومولاهم.

[سورة يونس (10): آية 63]
الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63)
هذه صفة أولياء الله تعالى، فيكون:" الَّذِينَ" في موضع نصب على البدل من اسم" إِنَّ" وهو" أَوْلِياءَ". وإن شئت على أعني. وقيل: هو ابتداء، وخبره."هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
" فيكون مقطوعا مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي.

[سورة يونس (10): آية 64]
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
قوله تعالى:َهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
عن أبي الدرداء قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها فقال: (ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) خرجه الترمذي في جامعه. وقال الزهري وعطاء وقتادة: هي البشارة التي تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت. وعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت «2» نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: (السلام عليك ولي الله الله يقرئك السلام). ثم نزع بهذه الآية:" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ" «3» [النحل: 32] ذكره ابن المبارك. وقال قتادة والضحاك: هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت. وقال الحسن: هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه، لقوله:
__________
(1). ذوي العود والعقل يذوي ذيا وذويا كلاهما ذبل فهو ذاو وهو ألا يصيبه ريه أو يضربه الحر فيذبل ويضعف.
(2). أي إذا اجتمعت فيه تريد الخروج كما يستنقع الماء في قراره وأراد بالنفس الروح. (ابن الأثير).
(3). راجع ج 10 ص 100 فما بعد.

وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65)

" يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ" «1» [التوبة: 21]، وقوله:" وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ" «2» [البقرة: 25]. وقوله:" وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" «3» [فصلت: 30] ولهذا قال:" تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
" أي لا خلف لمواعيده، وذلك لان مواعيده بكلماته. (في الآخرة) قيل: بالجنة إذا خرجوا من قبورهم. وقيل: إذا خرجت الروح بشرت برضوان الله. وذكر أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي «4» يقول: رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان وعمامة، فسلمت عليه وقلت له: أهلا بك، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، فقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى:"هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
" الثناء الحسن: وأشار بيده. تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ)
أي لا خلف لوعده. وقيل: لا تبديل لاخباره، أي لا ينسخها بشيء، ولا تكون إلا كما قال.لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم.

[سورة يونس (10): آية 65]
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65)
قوله تعالى: (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) ثم الكلام، أي لا يحزنك افتراؤهم وتكذيبهم لك، ثم ابتدأ فقال:" إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ" أي القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك ومعينك ومانعك. (جميعا) نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله:" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ «5» وَلِلْمُؤْمِنِينَ" [المنافقون: 8] فإن كل عزة بالله فهي كلها لله، قال الله سبحانه:" سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ" «6» [الصافات: 180]. (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) السميع لأقوالهم وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم.
__________
(1). راجع ص 93 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 1 ص 237 فما بعد.
(3). راجع ج 15 ص 357.
(4). هذه النسبة إلى جوزق (كجعفر) بلدة بنيسابور.
(5). راجع ج 18 ص 129.
(6). راجع ج 15 ص 140.

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)

[سورة يونس (10): آية 66]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66)
قوله تعالى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي يحكم فيهم بما يريد ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه!. قوله تعالى: (وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ)" ما" للنفي، أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع. وقيل:" ما" استفهام، أي أي شي يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحا لفعلهم، ثم أجاب فقال:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" أي يحدسون ويكذبون، وقد تقدم «1».

[سورة يونس (10): آية 67]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) بين أن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر على شي." لِتَسْكُنُوا فِيهِ" أي مع أزواجكم وأولاد كم ليزول التعب والكلال بكم. والسكون: الهدوء عن الاضطراب. قوله تعالى: (وَالنَّهارَ مُبْصِراً) أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم. والمبصر: الذي يبصر، والنهار يبصر فيه. وقال:" مُبْصِراً" تجوزا وتوسعا على عادة العرب في قولهم:" ليل قائم، ونهار صائم". وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
وقال قطرب: قال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر.
__________
(1). راجع ج 7 ص 71.

قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) أي علامات ودلالات. (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) أي سماع اعتبار.

[سورة يونس (10): آية 68]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68)
قوله تعالى: (قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) يعني الكفار. وقد تقدم «1». (سبحانه) نزه نفسه عن الصحابة والأولاد وعن الشركاء والأنداد. (هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ثم أخبر بغناه المطلق، وأن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا،" إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً" «2» [مريم: 93]. (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا) أي ما عندكم من حجة بهذا. (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانس شيئا ولا يشابه «3» شيئا.

[سورة يونس (10): الآيات 69 الى 70]
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ) أي يختلقون. (عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) أي لا يفوزون ولا يأمنون، وتم الكلام. (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا) أي ذلك متاع أو هو متاع في الدنيا، قاله الكسائي. وقال الأخفش: لهم متاع في الدنيا. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا. (ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) أي رجوعهم. (ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ) أي الغليظ. (بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) أي بكفرهم.
__________
(1). راجع ج 2 ص 85.
(2). راجع ج 11 ص 155.
(3). في ع وك: لا يشبه شي.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)

[سورة يونس (10): آية 71]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71)
قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ) أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين، ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم. وحذفت الواو من" اتْلُ" لأنه أمر، أي اقرأ عليهم خبر نوح. (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ)" إِذْ" في موضع نصب. (يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ) أي عظم وثقل عليكم. (مَقامِي) المقام (بفتح الميم): الموضع الذي يقوم فيه. والمقام (بالضم) الإقامة. ولم يقرأ به فيما علمت، أي إن طال عليكم لبثي فيكم. (وتذكيري) إياكم وتخويفي لكم. (بِآياتِ اللَّهِ) وعزمتم على قتلي وطردي. (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) أي اعتمدت. وهذا هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم، أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني. قوله تعالى:" (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ)" قراءة العامة «1»" فَأَجْمِعُوا" بقطع الالف" شُرَكاءَكُمْ" بالنصب. وقرا عاصم الجحدري" فاجمعوا" بوصل الالف وفتح الميم، من جمع يجمع." شُرَكاءَكُمْ" بالنصب. وقرا الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب" فأجمعوا" بقطع الالف" شركاؤكم" بالرفع. فأما القراءة الاولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعده. وقال المؤرج: أجمعت الامر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد:
يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع
__________
(1). في ع وك وهـ: الأئمة. [.....]

قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه، قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم، وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى، كما قال:
يا ليت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصر كم، كما يقال: التقى الماء والخشبة. والقراءة الثانية من الجمع، اعتبارا بقوله تعالى:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى " «1» [طه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد،" وَشُرَكاءَكُمْ" على هذه القراءة عطف على" أَمْرَكُمْ"، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لان الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد، لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو، ولم ير في المصاحف واو في قوله" وَشُرَكاءَكُمْ"، وأيضا فإن شركاء هم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع. قال المهدوي: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبد ها. قوله تعالى: (ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) اسم يكن وخبرها. وغمة وغم سواء، ومعناه التغطية، من قولهم: غم الهلال إذا استتر، أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم، لا كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد. قال طرفة:
لعمرك ما أمري علي بغمه ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد
__________
(1). راجع ج 11 ص 211 فما بعدها.

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)

الزجاج: غمة ذا غم، والغم والغمة كالكرب والكربة. وقيل: إن الغمة ضيق الامر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه. وفي الصحاح: والغمة الكربة. قال العجاج:
بل لو شهدت الناس إذ تكموا «1» ... بغمه لو لم تفرج غموا
يقال: أمر غمة، أي مبهم ملتبس، قال تعالى:" ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً". قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق. والغمة أيضا: قعر النحي «2» وغيره. قال غيره: واصل هذا كله مشتق من الغمامة. قوله تعالى: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) ألف" اقْضُوا" ألف وصل، من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي: وهو مثل:" وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ" «3» [الحجر: 66] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وروي عن ابن عباس" ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ" قال: امضوا إلي ولا تؤخرون. قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة، ومنه: قضى الميت أي مضى. وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوات. وحكى الفراء عن بعض القراء" ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ" بالفاء وقطع الالف، أي توجهوا، يقال: أفضت الخلافة إلى فلان، وأفضى إلي الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا، ومن كيدهم غير خائف، علما منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزية لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقوية لقلبه.

[سورة يونس (10): آية 72]
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)
__________
(1). تكموا: غطوا بالغم.
(2). النحي (بالكسر): زق للسمن.
(3). راجع ج 10 ص 38.

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)

قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لاني سألتكم أجرا فيثقل عليكم مكافاتي. (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) في تبليغ رسالته. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي الموحدين لله تعالى. فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء" أَجْرِيَ" حيث وقع، وأسكن الباقون.

[سورة يونس (10): آية 73]
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)
قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ) يعني نوحا. (فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ) أي من المؤمنين. (فِي الْفُلْكِ) أي السفينة، وسيأتي ذكرها. (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) أي سكان الأرض وخلفا ممن غرق. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) يعنى آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا.

[سورة يونس (10): آية 74]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد نوح. (رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ) كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغير هم. (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي بالمعجزات. (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)
التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل. وقيل:" بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ" أي من قبل يوم الذر، فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال الجميع: بلى. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم، مثل:" أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" «1» [البقرة: 6] (كَذلِكَ نَطْبَعُ) أي نختم. (عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا. وهذا يرد على القدرية قولهم كما تقدم.
__________
(1). راجع ج 1 ص 184.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75)

[سورة يونس (10): آية 75]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75)
قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد الرسل والأمم. (مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) أي أشراف قومه. (بِآياتِنا) يريد الآيات التسع، وقد تقدم ذكرها «1». (فَاسْتَكْبَرُوا) أي عن الحق. (وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) أي مشركين.

[سورة يونس (10): الآيات 76 الى 77]
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)
قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا) يريد فرعون وقومه (قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) حملوا المعجزات على السحر. قال لهم موسى: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا) قيل: في الكلام حذف، المعنى: أتقولون للحق هذا سحر. ف"- أَتَقُولُونَ" إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله فقال: أسحر هذا! فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، منكرا على فرعون وملئه. وقال الأخفش: هو من قولهم، ودخلت الالف حكاية لقولهم، لأنهم قالوا أسحر هذا. فقيل لهم: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا، وروي عن الحسن. (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) أي لا يفلح من أتى به.

[سورة يونس (10): آية 78]
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78)
__________
(1). راجع ج 2 ص 30، وج 7 ص 267.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79)

قوله تعالى: (قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا) أي تصرفنا وتلوينا، يقال: لفته يلفته لفتا إذا لواه وصرفه. قال الشاعر:
تلفت نحو الحي حتى رأيتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «1»
ومن هذا التفت «2» إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه. (عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) يريد من عبادة الأصنام. (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) أي العظمة والملك والسلطان. (فِي الْأَرْضِ) يريد أرض مصر. ويقال للملك: الكبرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا." وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ" وقرا ابن مسعود والحسن وغيرهما" ويكون" بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي اليوم امرأتان.

[سورة يونس (10): آية 79]
وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79)
إنما قاله لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر. وقرا حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش" سحار" وقد تقدم في الأعراف القول «3» فيهما.

[سورة يونس (10): آية 80]
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)
أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم. وقد تقدم في الأعراف القول في هذا مستوفى «4».

[سورة يونس (10): آية 81]
فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)
__________
(1). البيت للصمة القشيري. والإصغاء الميل. والليت (بالكسر). صفحة العنق. والأخدع: عرق في صفحة العنق.
(2). في ع: أي عدل.
(3). راجع ج 7 ص 257 فما بعد.
(4). راجع ج 7 ص 257 فما بعد.

قوله تعالى: (فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ) تكون" ما" في موضع رفع بالابتداء، والخبر" جِئْتُمْ بِهِ" والتقدير: أي شي جئتم به، على التوبيخ والتصغير لما جاءوا به من السحر. وقراءة أبي عمرو" السحر" على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير: السحر جئتم به. ولا تكون" ما" على قراءة من استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبر لها. وقرا الباقون" السِّحْرُ" على الخبر، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود:" ما جئتم به سحر". وقراءة أبي:" ما أتيتم به سحر"، ف"- ما" بمعنى الذي، و" جِئْتُمْ بِهِ" الصلة، وموضع" ما" رفع بالابتداء، والسحر خبر الابتداء. ولا تكون" ما" إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لان الصلة لا تعمل في الموصول. وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون ما للشرط، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة، التقدير: فإن الله سيبطله. ويجوز أن ينصب السحر على المصدر، أي ما جئتم به سحرا، ثم دخلت الالف واللام زائدتين، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر، كما قال:
من يفعل الحسنات الله يشكرها

بل «1» ربما قال بعضهم: إنه لا يجوز البتة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثني محمد ابن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول: غير النحويون هذا البيت، وإنما الرواية:
من يفعل الخير فالرحمن يشكره

وسمعت علي بن سليمان يقول: حذف الفاء في المجازاة جائز. قال: والدليل على ذلك" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" «2»." وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" قراءتان مشهورتان معروفتان. (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) يعني السحر. قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. (ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر.
__________
(1). في ع: وربما.
(2). راجع ج 16 ص 30.

وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)

[سورة يونس (10): آية 82]
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
قوله تعالى: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ) أي يبينه ويوضحه. (بِكَلِماتِهِ) أي بكلامه وحججه وبراهينه. وقيل: بعداته بالنصر. (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) من آل فرعون.

[سورة يونس (10): آية 83]
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
قوله تعالى: (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) الهاء عائدة على موسى. قال مجاهد: أي لم يؤمن منهم أحد، وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا، وهذا اختيار الطبري. والذرية أعقاب الإنسان وقد تكثر. وقيل: أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف، وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال ابن عباس أيضا:" مِنْ قَوْمِهِ" يعني من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه. وقيل: هم أقوام آباؤهم من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب الأبناء، لان أمهاتهم من غير جنس آبائهم، قاله الفراء. وعلى هذا فالكناية في" قَوْمِهِ" ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات، وإلى فرعون إذا كانوا من القبط. قوله تعالى: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ) لأنه كان مسلطا عليهم عاتبا. (وَمَلَائِهِمْ) ولم يقل وملئه، وعنه ستة أجوبة: أحدها- أن فرعون لما كان جبارا أخبر عنه بفعل الجميع. الثاني- أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيره، فعاد الضمير عليه وعليهم، وهذا أحد قولي الفراء. الثالث: أن تكون الجماعة سميت بفرعون مثل ثمود. الرابع: أن يكون التقدير: على خوف من آل فرعون، فيكون من باب حذف المضاف مثل:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «1» [يوسف: 82]
__________
(1). راجع ج 9 ص 245 فما بعد.

وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84)

وهو القول الثاني للفراء. وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ، لا يجوز عندهما قامت هند، وأنت تريد غلامها. الخامس: مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذرية، أي ملا الذرية، وهو اختيار الطبري. السادس: أن يكون الضمير يعود على قومه. قال النحاس: وهذا الجواب كأنه أبلغها. (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) وحد" يَفْتِنَهُمْ
" على الاخبار عن فرعون، أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب"- خَوْفٍ". ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة. (وإن فرعون لعال في الأرض) أي عات متكبر (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) أي المجاوزين الحد في الكفر، لأنه كان عبد ادعى الربوبية.

[سورة يونس (10): الآيات 84 الى 85]
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85)
قوله تعالى: (وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ) أي صدقتم. (بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) أي اعتمدوا. (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) كرر الشرط تأكيدا، وبين أن كمال الايمان بتفويض الامر إلى الله. (فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) أي أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقال أبو مجلز وأبو الضحا: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانا.

[سورة يونس (10): آية 86]
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86)
قوله تعالى: (وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ) أي خلصنا. (مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) أي من فرعون وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)

[سورة يونس (10): آية 87]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا" أي اتخذا." لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً" يقال: بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا. والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي ألزمه إياه وأسكنه، ومنه الحديث: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) قال الراجز:
نحن بنو عدنان ليس شك ... تبوأ المجد بنا والملك
ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية، في قول مجاهد. وقال الضحاك: إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر. الثانية- قوله تعالى: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) قال أكثر المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة. هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. والقول الأول أصح، أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة، قيل: بيت المقدس، وهي قبلة اليهود إلى اليوم، قاله ابن بحر. وقيل الكعبة. عن ابن عباس قال: وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة. وقيل: المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت،

والاقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله:" قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا" «1» الآية. وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم. قال ابن العربي: والأول أظهر القولين، لان الثاني دعوى. قلت: قوله:" دعوى" صحيح، فإن في الصحيح قوله عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وهذا مما خص به دون الأنبياء، فنحن بحمد الله نصلي في المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة، إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات وبعدها، إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما خلص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تطوعه قالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين .. (الحديث. وعن ابن عمر قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: (هذه صلاة البيوت). الثالثة- واختلف العلماء من «2» هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد
__________
(1). راجع ج 7 ص 261 فما بعد. [.....]
(2). في هـ: في هذا.

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)

لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة لمالك ومن قال بقوله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث زيد بن ثابت: (فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) خرجه البخاري. احتج المخالف بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد صلاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم: (فعليكم بالصلاة في بيوتكم). ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعا متفرقين، إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد فاستقر الامر على ذلك وثبت سنة. الرابعة- وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة. والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جور السلطان في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه، وقد فعل ذلك ابن عمر. الخامسة- قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) قيل: الخطاب لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل لموسى عليه السلام، وهو أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم.

[سورة يونس (10): آية 88]
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88)
قوله تعالى: (وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ)" آتَيْتَ" أي أعطيت. (زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي مال الدنيا، وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت.

قوله تعالى: (رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل فيها- وهو قول الخليل وسيبويه- أنها لام العاقبة والصيرورة، وفي الخبر (إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب). أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا. وقيل: هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا. وقيل: هي لام أجل، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم. وزعم قوم أن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا كما قال عز وجل: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) «1». والمعنى: لان لا تضلوا. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف" لا" إلا مع أن، فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل:" أَنْ تَضِلُّوا". وقيل: اللام للدعاء، أي ابتلهم بالضلال عن سبيلك، لان بعده:" اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ". وقيل: الفعل معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل:" لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ". قرأ الكوفيون:" ليضلوا" بضم الياء من الإضلال، وفتحها الباقون. قوله تعالى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ) أي عاقبهم عل كفرهم بإهلاك أموالهم. قال الزجاج: طمس الشيء إذهابه عن صورته. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد وعطية: أهلكها حتى لا ترى، يقال: عين مطموسة، وطمس الموضع إذا عفا ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانير هم ودراهمهم وفرشهم وكل شي لهم حجارة. محمد ابن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين، قال: وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة «2» أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال السدي: وكانت إحدى الآيات التسع. (وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) قال ابن عباس: أي امنعهم الايمان. وقيل: قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للايمان، والمعنى
__________
(1). راجع ج 6 ص 28 فما بعد.
(2). الخريطة: هنة مثل الكيس تكون من الخرق والأدم تشرج على ما فيها. اللسان.

قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)

واحد." فَلا يُؤْمِنُوا" قيل: هو عطف على قوله:" لِيُضِلُّوا" أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا، قاله الزجاج والمبرد. وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شي. وقوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ، وَاشْدُدْ) كلام معترض. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم، أي اللهم فلا يؤمنوا، أي فلا آمنوا. ومنه قول الأعشى:
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم
أي لا انبسط. ومن قال" لِيُضِلُّوا" دعاء- أي ابتلهم بالضلال- قال: عطف عليه" فَلا يُؤْمِنُوا". وقيل: هو في موضع نصب لأنه جواب الامر، أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضا، وأنشد الفراء:
يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا
فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب. (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) قال ابن عباس: هو الغرق. وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم، فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن، دليله قوله لنوح عليه السلام:" أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ" «1» [هود: 36] وعند ذلك قال:" رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً" «2» [الآية «3»] [نوح: 26]. والله أعلم.

[سورة يونس (10): آية 89]
قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89)
قوله تعالى: (قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) قال أبو العالية: دعا موسى وأمن هارون، [فسمي هارون «4»] وقد أمن على الدعاء داعيا. والتأمين على الدعاء أن يقول آمين، فقولك آمين
__________
(1). راجع ج 9 ص 29.
(2). راجع ج 18 ص 312.
(3). من ع.
(4). من ع وك وهـ.

دعاء، أي يا رب استجب لي. وقيل: دعا هارون مع موسى أيضا. وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين، قال الشاعر:
فقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله فاجتز شيحا
وهذا على أن آمين ليس بدعاء، وأن هارون لم يدع. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام" رَبَّنا" ولم يقل رب. وقرا علي والسلمى" دعواتكما" بالجمع. وقرا ابن السميقع" أجبت دعوتكما" خبرا عن الله تعالى، ونصب دعوة بعده. وتقدم القول في" آمين" في آخر الفاتحة «1» مستوفى. وهو مما خص به نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهارون وموسى عليهما السلام. روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقد تقدم في الفاتحة «2». قوله تعالى: (فَاسْتَقِيما) قال الفراء وغيره: أمر بالاستقامة. على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الايمان، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. قال محمد بن علي وابن جريج: مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل:" فَاسْتَقِيما" أي على الدعاء، والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. (وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) بتشديد النون في موضع جزم على النهي، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين. وقرا ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي. وقيل: هو حال من استقيما، أي استقيما غير متبعين، والمعنى: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.
__________
(1). راجع ج 1 ص 127.
(2). راجع ج 1 ص 127.

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)

[سورة يونس (10): آية 90]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
قوله تعالى: (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) تقدم القول فيه في" البقرة" في قوله:" وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ" «1». وقرا الحسن" وجوزنا" وهما لغتان. (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ) يقال: تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه وأدركه. وأتبع (بالتشديد) إذا سار خلفه. وقال الأصمعي: أتبعه (بقطع الالف) إذا لحقه وأدركه، وأتبعه (بوصل الالف) إذا أتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. وكذلك قال أبو زيد. وقرا قتادة" فاتبعهم" بوصل الالف. وقيل:" اتبعه" (بوصل الالف) في الامر اقتدى به. وأتبعه (بقطع الالف) خيرا أو شرا، هذا قول أبي عمرو. وقد قيل هما بمعنى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف. وقد تقدم «2». (بغيا) نصب على الحال. (وعدوا) معطوف عليه، أي في حال بغي واعتداء وظلم، يقال: عدا يعدو عدوا، مثل غزا يغزو غزوا. وقرا الحسن" وَعَدْواً" بضم العين والدال وتشديد الواو، مثل علا يعلو علوا. وقال المفسرون:" بَغْياً" طلبا للاستعلاء بغير حق في القول،" وَعَدْواً" في الفعل، فهما نصب على المفعول له. (حتى إذا أدركه الغرق) أي ناله ووصله. (قال آمنت) أي صدقت. (أنه) أي بأنه. (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب. وقرى بالكسر، أي صرت مؤمنا ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوف، أي آمنت فقلت إنه، والايمان لا ينفع حينئذ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ما تقدم في" النساء" «3» بيانه. ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل على فرس وديق
__________
(1). راجع ج 1 ص 387.
(2). راجع ج 1 ص 389.
(3). راجع ج 5 ص 90.

- أي شهي- «1» في صورة هامان وقال له: تقدم، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدس جبريل في فمه حال البحر. وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة (. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه، قاله أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ذكر: (أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه (. قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عون بن عبد الله: بلغني أن جبريل قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال:" آمَنْتُ" الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل: إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه. فقالت له القبط: إن كنت ربنا فأجر لنا الماء، فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز «2» حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند «3» له غيره، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في البحر، فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه. وقد مضى هذا في" البقرة" «4» عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا، وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في" البقرة" أيضا فلا معنى للإعادة.
__________
(1). أي تشتهي الفحل.
(2). في ع وك وهـ: قعد. [.....]
(3). في ع: لا سيد له.
(4). راجع ج 1 ص 381 فما بعد.

آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)

قوله تعالى: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة.

[سورة يونس (10): آية 91]
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، صلوات عليهما، أو غيرهما من الملائكة [له «1»] صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثم قول اللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة، ونظيره." إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ" «2» [الإنسان: 9] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقي كلام القلب.

[سورة يونس (10): آية 92]
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92)
قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) أي نلقيك على نجوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا: هو أعظم شأنا من ذلك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه. قال أوس بن حجر يصف مطرا:
فمن بعقوته كمن بنجوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح «3»
وقرا اليزيدي وابن السميقع" ننحيك" بالحاء من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود، أي تكون على ناحية من البحر. قال ابن جريج: فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور. وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ" بندائك" من النداء. قال أبو بكر الأنباري: وليس بمخالف لهجاء مصحفنا، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال، لان الالف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسموات، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول، وفي معناها نقص عن
__________
(1). من ع وهـ.
(2). راجع ج 19 ص 125 فما بعد.
(3). العقوة والعقاة: الساحة وما حول الدار والمحلة وجمعها عقاء. والقرواح: الأرض البارزة للشمس.

تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدرع ذكر، الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون، وسألوا الله تعالى أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: وكانت درعه من لؤلؤ منظوم. وقيل: من الذهب وكان يعرف بها. وقيل: من حديد، قاله أبو صخر: والبدن الدرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى:
وبيضاء كالنهي موضونة ... لها قونس فوق جيب البدن «1»
وأنشد أيضا لعمرو بن معد يكرب:
ومضى نساؤهم بكل مفاضة ... جدلاء سابغة وبالأبدان «2»
وقال كعب بن مالك:
ترى الأبدان فيها مسبغات ... على الابطال واليلب الحصينا
أراد بالأبدان الدروع واليلب الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض، وهو اسم جنس، الواحد يلبة. قال عمرو بن كلثوم:
علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
وقيل" بِبَدَنِكَ" بجسد لا روح فيه، قاله مجاهد. قال الأخفش: وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء. قال أبو بكر: لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روح فيه، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم! يا موسى هذا فرعون وقد غرق، فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان. فعلى هذا" نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ" احتمل معنيين: أحدهما- نلقيك على نجوة من الأرض. والثاني- نظهر جسدك الذي لا روح فيه. والقراءة الشاذة" بندائك" يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة، لان النداء يفسر تفسيرين، أحدهما- نلقيك بصياحك بكلمة التوبة، وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى
__________
(1). البيضاء: الدرع والنهى (بالفتح والكسر): الغدير وكل موضع يجتمع فيه الماء. والموضونة: الدرع المنسوجة. والقونس: أعلى بيضة في الحديد.
(2). في ع وهـ: مشى والمفاضة (بضم أوله): الدرع الواسعة. والجدلاء: الدرع المحكمة النسيج.

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)

وقت قبولها:" آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [يونس: 90] على موضع رفيع. والآخر- فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت أنا ربكم الأعلى، فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت، وادعى القدرة والامر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له. قال أبو بكر الأنباري: فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها. قوله تعالى: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر. (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها. وقرى" لمن خلفك" (بفتح اللام)، أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرا علي بن أبي طالب" لمن خلقك" بالقاف، أي تكون آية لخالقك.

[سورة يونس (10): آية 93]
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي منزل صدق محمود مختار، يعني مصر. وقيل: الأردن وفلسطين. وقال الضحاك: هي مصر والشام. (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي من الثمار وغير ها. وقال ابن عباس: يعني قريظة والنضير واهل عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بني إسرائيل، فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وينتظرون خروجه، ثم لما خرج حسدوه، ولهذا قال (فَمَا اخْتَلَفُوا) أي في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي القرآن، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعلم بمعنى المعلوم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، قاله ابن جرير الطبري. (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ) أي يحكم بينهم ويفصل. (يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)

[سورة يونس (10): الآيات 94 الى 95]
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95)
قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد غيره، أي لست في شك ولكن غيرك شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى" فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ" أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فأسأل من أسلم من اليهود، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، لان عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب، فدعاهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال القتبي: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل كان في شك. وقيل: المراد بالخطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا غيره، والمعنى: لو كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لا زالوا عنك الشك. وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء. وكذلك السفرة تمد «1» علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق. وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لما نزلت هذه الآية: (والله
__________
(1). كذا في الأصول. والظاهر أنها (تشك).

إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96)

لا أشك (- ثم استأنف الكلام فقال- لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي الشاكين المرتابين.) (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ) والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد غيره.

[سورة يونس (10): الآيات 96 الى 97]
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) تقدم القول فيه في هذه السورة «1». قال قتادة: أي الذين حق عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون. (وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) أنث" كلا" على المعنى، أي ولو جاءتهم الآيات. (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم.

[سورة يونس (10): آية 98]
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
قوله تعالى: (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) قال الأخفش والكسائي: أي فهلا. وفي مصحف أبي وابن مسعود" فهلا" واصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل، لان تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في" قَوْمَ" هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب مالا يكون إلا منصوبا). قال النحاس:" إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ" نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي لكن قوم يونس، هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز." إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ"
__________
(1). راجع ص 340 من هذا الجزء.

بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعد ها بإعراب غير، كما قال:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوج وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده، والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل. وروي على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الايمان. قلت: قول الزجاج حسن، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه السلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم. وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن ويونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)

أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد، وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسندا مبينا في سورة" والصافات" «1» إن شاء الله تعالى. ويكون معنى (كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ) أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول:" إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا". قال رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء. قوله تعالى: (وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) قيل: إلى أجلهم، قاله السدي. وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس.

[سورة يونس (10): آية 99]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)
قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)" أي لاضطرهم إليه." كُلُّهُمْ" تأكيد ل"- مَنْ"." جَمِيعاً" عند سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله جميعا بعد كل تأكيدا، كقوله:" لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ" «2» [النحل: 51] قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول. وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب، وهو عن ابن عباس أيضا.

[سورة يونس (10): آية 100]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100)
__________
(1). راجع ج 15 ص 121.
(2). راجع ج 10 ص 113.

قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)

قوله تعالى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)" ما" نفي، أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) وقرا الحسن وأبو بكر والمفضل" ونجعل" بالنون على التعظيم. والرجس: العذاب، بضم الراء وكسرها لغتان. (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) أمر الله عز وجل ونهيه.

[سورة يونس (10): آية 101]
قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101)
قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال. وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى «1». (وَما تُغْنِي)" ما" نفي، أي ولن تغني. وقيل: استفهامية، التقدير أي شي تغني. (الْآياتُ) أي الدلالات. (وَالنُّذُرُ) أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن.

[سورة يونس (10): آية 102]
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102)
قوله تعالى: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) الأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغير هم. والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما، كقوله تعالى:" وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ" «2». وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. (فَانْتَظِرُوا) أي تربصوا، وهذا تهديد ووعيد. (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) أي المتربصين لموعد وربي.
__________
(1). راجع ج 7 ص 330.
(2). راجع ج 9 ص 341.

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)

[سورة يونس (10): آية 103]
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
قوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و" ثُمَّ" معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا. (كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا) أي واجبا علينا، لأنه أخبر ولا خلف في خبره. وقرا يعقوب." ثُمَّ نُنَجِّي" مخففا. وقرا الكسائي وحفص ويعقوب." ننجي المؤمنين" مخففا، وشدد الباقون، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد.

[سورة يونس (10): آية 104]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)
قوله تعالى: (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ) يريد كفار مكة. (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) من الأوثان التي لا تعقل. (وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) أي يميتكم ويقبض أرواحكم. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي المصدقين بآيات ربهم.

[سورة يونس (10): الآيات 105 الى 106]
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ)" أَنْ" عطف على" أَنْ أَكُونَ" أي قيل لي كن من المؤمنين واقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك، أي استقم بإقبالك على

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)

ما أمرت به من الدين. (حَنِيفاً) أي قويما به مائلا عن كل دين. قال حمزة بن عبد المطلب [رضي الله عنه «1»]:
حمدت الله حين هدى فؤادي ... من الاشراك للدين الحنيف
وقد مضى في" الانعام" «2» اشتقاقه والحمد لله. (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي وقيل لي ولا تشرك، والخطاب له والمراد غيره، وكذلك قوله: (وَلا تَدْعُ) أي لا تعبد. و(مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ) إن عبدته. (وَلا يَضُرُّكَ) إن عصيته. (فَإِنْ فَعَلْتَ) أي عبد ت غير الله. (فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أي الواضعين العبادة في غير موضعها.

[سورة يونس (10): آية 107]
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) أي يصبك به. (فَلا كاشِفَ) أي لا دافع (له إلا هو وإن يردك بخير) أي يصبك برخاء ونعمة. (فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ) أي بكل ما أراد من الخير والشر. (مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ) لذنوب عباده وخطايا هم (الرَّحِيمُ) بأوليائه في الآخرة.

[سورة يونس (10): آية 108]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
قوله تعالى: (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ) أي القرآن. وقيل: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى ) أي صدق محمدا وآمن بما جاء به. (فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ)
__________
(1). من ع. [.....]
(2). راجع ج 8 ص 28، وقد تكلم عنه المؤلف في البقرة مستوفى راجع ج 2 ص 129.

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)

أي لخلاص نفسه. (وَمَنْ ضَلَّ) أي ترك الرسول والقرآن واتبع الأصنام والأوثان. (فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) أي وبال ذلك على نفسه. (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أي بحفيظ أحفظ أعمالكم إنما أنا رسول. قال ابن عباس: نسختها آية السيف.

[سورة يونس (10): آية 109]
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109)
قوله تعالى: (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ) قيل: نسخ بآية القتال: وقيل: ليس منسوخا، ومعناه اصبر على الطاعة وعن المعصية. وقال ابن عباس: لما نزلت جمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم فقال: (إنكم ستجدون بعدي أثرة «1» فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). وعن أنس بمثل ذلك، ثم قال أنس: فلم يصبروا فأمرهم بالصبر كما أمره الله تعالى، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... أمير المؤمنين نثا «2» كلامي
بأنا صابرون ومنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام
(حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) ابتداء وخبر، لأنه عز وجل لا يحكم إلا بالحق.
تمت سورة يونس، والحمد لله وحده
محققه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش
تم الجزء الثامن من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع وأوله: (سورة هود)
__________
(1). أي يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء.
(2). النثا في الكلام يطلق على القبيح والحسن.

الجزء التاسع

تفسير سورة هود عليه السلام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية، وهي قوله تعالى:" وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ «1»" [هود: 114]. وأسند أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" اقرءوا سورة هود يوم الجمعة". وروى الترمذي عن ابن عباس قال قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت! قال:" شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". قال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي شي من هذا مرسلا. وأخرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في" نوادر الأصول": حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: قالوا يا رسول الله نراك قد شبت! قال:" شيبتني هود وأخواتها". قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد، وتحت كل شعرة منبع، ومنه يعرق، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض، كما ترى الزرع الأخضر بسقاية، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض، وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله، فتذبل، وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول «2» الذي جاء به، فمنه تشيب. وقال الله تعالى:" يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً «3»" [المزمل: 17] فإنما شابوا من الفزع. وأما سورة" هود" فلما ذكر الأمم، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع لحق لهم، ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف «4» بهم في تلك الأحايين حتى يقرءوا كلامه. وأما أخواتها فما أشبهها من السور، مثل" الحاقة" [الحاقة: 1] و" سَأَلَ سائِلٌ" [المعارج: 1] و" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" [التكوير: 1]
__________
(1). راجع ص 109 من هذا الجزء. وفى رواية عن ابن عباس أنها مكية كلها وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وابن زيد وقتادة.
(2). في و: خوف.
(3). راجع ج 19 ص 48.
(4). في ع وو: تلطف.

الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)

و" القارعة" [القارعة: 1 [، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس، وتشيب منه الرؤوس. [قلت «1»] وقد قيل: إن الذي شيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سورة" هود" قول:" فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ" «2» [هود: 112] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال يزيد بن أبان: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامي فقرأت عليه سورة" هود" فلما ختمتها قال: (يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء). قال علماؤنا: قال أبو جعفر النحاس: يقال هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة، لأنك لو سميت امرأة بزيد. لم تصرف، وهذا قول الخليل وسيبويه. وعيسى ابن عمر يقول: هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة، وكذا إن سمى امرأة بزيد، لأنه لما سكن وسطه خف فصرف، فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع، فقلت: هذه هود وأنت تريد سورة هود، قال سيبويه: والدليل على هذا أنك تقول هذه الرحمن، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن ما قلت هذه.

[سورة هود (11): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
قوله تعالى: (الر). تقدم القول فيه «3». (كِتابٌ) بمعنى هذا كتاب." (أُحْكِمَتْ آياتُهُ)" في موضع رفع نعت لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى" أُحْكِمَتْ آياتُهُ" قول قتادة، أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل. والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل. وقال ابن عباس: أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل. وعلى هذا المعنى، أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ. وقد تقدم القول فيه «4».
__________
(1). من ع.
(2). راجع ص 107 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 8 ص 304.
(4). راجع ج 4 ص 10.

وقد يقع اسم الجنس على النوع، فيقال: أكلت طعام زيد، أي بعض طعامه. وقال الحسن وأبو العالية:" أُحْكِمَتْ آياتُهُ" بالأمر والنهي. (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام. مجاهد: أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل. وقيل:" فصلت" أنزلت نجما نجما لتتدبر. وقرأ عكرمة" فصلت" مخففا أي حكمت بالحق." (مِنْ لَدُنْ)" أي من عند." (حَكِيمٍ)" أي محكم للأمور. (خَبِيرٍ) بكل كائن وغير كائن. قوله تعالى (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) قال الكسائي والفراء: أي بألا، أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله. قال الزجاج: لئلا، أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله. قيل: أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله. (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ) أي من الله. (نَذِيرٌ) أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه. (وَبَشِيرٌ) بالرضوان والجنة لمن أطاعه. وقيل: هو من قول الله أولا وآخرا، أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير، أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال:" وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ" «1» [آل عمران: 28]. قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) عطف على الأول. (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة. قال الفراء:" ثُمَّ" هنا بمعنى الواو، أي وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. وقيل: استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقد تقدم هذا المعنى في" آل عمران" «2» مستوفى. وفي" البقرة" «3» عند قوله:" وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً" [البقرة: 231]. وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر. (يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً)
__________
(1). راجع ج 4 ص 58 وص 210.
(2). راجع ج 4 ص 58 وص 210.
(3). راجع ج 3 ص 156 [.....]

أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)

هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم. وقيل: يمتعكم يعمركم، واصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع. وقال سهل بن عبد الله: المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق. وقيل: هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود. (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) قيل: هو الموت. وقيل: القيامة. وقيل: دخول الجنة. والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها، والأول أظهر، لقوله في هذه السورة:" وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ" «1» [هود: 52] وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى. والله أعلم. قال مقاتل: فأبوا فدعا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب. (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله. وقيل: ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته" فَضْلَهُ" أي الجنة، وهي فضل الله، فالكناية في قوله:" فَضْلَهُ" ترجع إلى الله تعالى. وقال مجاهد: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا. (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره: و" تَوَلَّوْا" يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى: وإن تولوا فقل لهم إنى أخاف عليكم. ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى: قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم. قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) أي بعد الموت. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من ثواب وعقاب.

[سورة هود (11): آية 5]
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5)
__________
(1). راجع ص 50 فما بعد من هذا الجزء.

قوله تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أخبر عن معاداة المشركين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين، ويظنون أنه تخفي على الله أحوالهم." يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ" أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، قال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة، ويظهرون خلافه. نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنطق، يلقى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يجب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقال مجاهد:" يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ" شكا وامتراء. وقال الحسن: يثنونها على ما فيها من الكفر. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه، لكيلا يراه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيدعوه إلى الإيمان، حكي معناه عن عبد الله بن شداد فالهاء في" مِنْهُ" تعود على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية. وقيل: إن قوما من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبين الله تعالى أن التنسك ما اشتملت قلوبهم قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وروى ابن جرير عن محمد ابن عباد بن جعفر قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول:" ألا أنهم تثنوي صدورهم ليستحفوا منه" «1» قال: كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يفضون إلى السماء، فنزلت هذه الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس:" ألا إنهم تثنوي صدورهم" بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي، ومعنى" تثنوي" والقراءتين الأخريين متقارب، لأنها لا تثنوي حتى يثنوها. وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض يساره في الطعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفي على الله تعالى:" لِيَسْتَخْفُوا" أي ليتواروا عنه، أي عن محمد أو عن الله." لِيَسْتَخْفُوا" أي ليتواروا عنه، أي عن محمد أو عن الله.
__________
(1). في الأصل:" تثنوى" بغير نون بعد الواو في وزن تنطوى، وهو يخالف ما في صحيح البخاري وتفسير الطبري عن محمد عن بن عباد، فلذا صوبناه عنهما، وأما رواية" تثنوى" المذكورة بالأصل فقد نسبها ابن عطية إلى ابن عينية، ويعضده ما في (إعراب القرآن للنحاس) حيث قال: وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس" ألا إنهم تثنوى صدورهم" بغير نون بعد الواو في وزن تنطوى ...... إلخ، وهى العبارة الآتية بالأصل. وتعقب بعض المفسرين هذه القراءة بأنها غلط في النقل لا تتجه. راجع المعاني والبحر وتفسير ابن عطية.

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)

(أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ) أي يغطون رؤسهم بثيابهم. قال قتادة: أخفى ما يكون العبد إذا حنى ظهره، واستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه همه.

[سورة هود (11): آية 6]
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6)
قوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها)" ما" نفي و" مِنْ" زائدة و" دَابَّةٍ" في موضع رفع، التقدير: وما دابة." إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها"" عَلَى" بمعنى" من"، أي من الله رزقها، يدل عليه قول، مجاهد: كل ما جاءها من رزق فمن الله. وقيل:" عَلَى اللَّهِ" أي فضلا لا وجوبا. وقيل: وعدا منه حقا. وقد تقدم بيان هذا المعنى في" النساء" «1» وأنه سبحانه لا يجب عليه شي." رِزْقُها" رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة، وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص، لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق. وقيل: هي عامة [في كل دابة «2»]: وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها، ووجه النظم به قبل: أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم؟! والدابة كل حيوان يدب. والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده. ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال: إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل. وقال تعالى:" وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ" «3» [الذاريات: 22] وليس لنا في السماء ملك، ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال، لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدم في" البقرة" «4» هذا المعنى والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ وقال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق.
__________
(1). راجع ج 5 ص 273.
(2). من ع.
(3). راجع ج 17 ص 41.
(4). راجع ج 1 ص 177 فما بعد.

وقيل لأبى أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحانه الله والله أكبر! إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد!. وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله، فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ماله إلا السماء! يا هذا الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض، وأنشد:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيداء والحوت في البحر
وذكر الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" بإسناده عن زيد بن أسلم: أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك وقد أرملوا «1» من الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعه يقرأ هذه الآية" وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ" فقال الرجل: ما الأشعريون بأهون الدواب على الله، فرجع ولم يدخل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوعده، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينها مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاءوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقضي به حاجته، فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به، قال:" ما أرسلت إليكم طعاما" فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ذلك شي رزقكموه الله".
__________
(1). أرملوا من الزاد: أي نفذ زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل للفقير الترب.

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها) أي من الأرض حيث تأوي إليه. (وَمُسْتَوْدَعَها) أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن، قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس:" مُسْتَقَرَّها" أيام حياتها." وَمُسْتَوْدَعَها" حيث تموت وحيث تبعث. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس:" مُسْتَقَرَّها" في الرحم" وَمُسْتَوْدَعَها" في الصلب. وقيل:" يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها" في الجنة أو النار." وَمُسْتَوْدَعَها" في القبر، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة واهل النار:" حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً" [الفرقان: 76]" ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً" «1» [الفرقان: 66]. (كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) أي في اللوح المحفوظ.

[سورة هود (11): آية 7]
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) تقدم في" الأعراف" «2» بيانه والحمد لله (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء. قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى، فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إنه سئل عن قوله عز وجل:" وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ" فقال: على أي شي كان الماء؟ قال: على متن الريح. وروى البخاري عن عمران بن حصين. قال: كنت عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال:" أقبلوا البشرى بابني تميم" قالوا: بشرتنا فأعطنا [مرتين «3»] فدخل ناس من أهل اليمن فقال:" أقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا، جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ «4» قال:" كان الله ولم يكن شي غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب
__________
(1). راجع ج 13 ص 72 وص 82.
(2). راجع ج 7 ص 218 فما بعد.
(3). الزيادة عن صحيح البخاري.
(4). في ع: نسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر.

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)

في الذكر كل شي" ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطع دونها السراب، وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم. قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي خلق ذلك ليبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث. وقال قتادة: معنى" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [أيكم «1»] أتم عقلا. وقال الحسن وسفيان الثوري: أيكم أزهد في الدنيا. وذكر أن عيسى عليه السلام مر برجل نائم فقال: يا نائم قم فتعبد، فقال: يا روح الله قد تعبدت، فقال" وبم تعبدت"؟ قال: قد تركت الدنيا لأهلها، قال: نم فقد فقت العابدين. الضحاك: أيكم أكثر شكرا. مقاتل: أيكم أتقى لله. ابن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل. وروي عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا:" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" قال:" أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله" فجمع الأقاويل كلها، وسيأتي في" الكهف" «2» هذا أيضا إن شاء الله تعالى. وقد تقدم معنى الابتلاء. (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ) أي دللت يا محمد على البعث. (مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ) وذكرت ذلك للمشركين لقالوا: هذا سحر. وكسرت" إن" لأنها بعد القول مبتدأة. وحكى سيبويه الفتح. (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فتحت اللام لأنه فعل متقدم لا ضمير فيه، وبعده" لَيَقُولَنَّ" لأن فيه ضميرا. و(سِحْرٌ) أي غرور باطل، لبطلان السحر عندهم. وقرا حمزة والكسائي" إن هذا إلا ساحر عليم" كناية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[سورة هود (11): آية 8]
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8)
قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) اللام في" لَئِنْ" للقسم، والجواب" لَيَقُولُنَّ". ومعنى" إِلى أُمَّةٍ" إلى أجل معدود وحين معلوم، فالأمة هنا المدة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين. واصل الأمة الجماعة، فعبر عن
__________
(1). من ع وو.
(2). راجع ج 10 ص 303.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

الحين والسنين بالأمة لأن الأمة تكون فيها. وقيل: هو على حذف المضاف، والمعنى إلى مجيء أمة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك. أو إلى انقراض أمة فيها من يؤمن فلا يبقى بعد انقراضها من يؤمن. والأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمة تكون الجماعة، كقوله تعالى:" وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ" «1» [القصص: 23]. والأمة أيضا اتباع الأنبياء عليهم السلام. والأمة الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كقوله تعالى:" إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً" «2» [النحل: 120]. والأمة الدين والملة، كقوله تعالى:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ" «3» [الزخرف: 22]. والأمة الحين والزمان، كقوله تعالى:" وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ" وكذلك قوله تعالى:" وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ" «4» [يوسف: 45] والأمة القامة، وهو طول الإنسان وارتفاعه، يقال من ذلك: فلان حسن الأمة أي القامة. والأمة الرجل المنفرد بدينه وحده لا يشركه فيه أحد، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده" «5». والأمة الأم، يقال: هذه أمة زيد، يعني أم زيد. (لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ) يعني العذاب، وقالوا هذا إما تكذيبا للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالا واستهزاء، أي ما الذي يحبسه عنا. (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) قيل: هو قتل المشركين ببدر، وقتل جبريل المستهزئين على ما يأتي «6». (وَحاقَ بِهِمْ) أي نزل وأحاط. (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي جزاء ما كانوا به يستهزئون، والمضاف محذوف.

[سورة هود (11): الآيات 9 الى 11]
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً) الإنسان اسم شائع «7» للجنس في جميع الكفار. ويقال: إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفية نزلت. وقيل: في عبد الله بن
__________
(1). راجع ج 13 ص 267. [.....]
(2). راجع ج 10 ص 197 وص 62.
(3). راجع ج 16 ص 74.
(4). راجع ص 201 من هذا الجزء.
(5). (يبعث زيد أمة) لأنه كان تبرأ من أديان المشركين، وآمن بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل مبعثه.
(6). راجع ج 10 ص 197 وص 62.
(7). في ع: جامع.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

أبي أمية المخزومي." رَحْمَةً" أي نعمة. (ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) أي سلبناه إياها. (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) أي يائس من الرحمة. (كَفُورٌ) للنعم جاحد لها، قال ابن الأعرابي. النحاس:" لَيَؤُسٌ" من يئس ييأس، وحكى سيبويه يئس ييئس على فعل يفعل، ونظير حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييئس «1»، وبعضهم يقول: يئس ييئس، ولا يعرف في الكلام [العربي «2»] إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فعل يفعل، وفي واحد منها اختلاف. وهو يئس و" يئوس" على التكثير كفخور للمبالغة. قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ) أي صحة ورخاء وسعة في الرزق. (بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أي بعد ضر وفقر وشدة. (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضر والفقر. (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) أي يفرح ويفخر بما ناله من السعة وينسى شكر الله عليه، يقال: رجل فاخر إذا افتخر- وفخور للمبالغة- قال يعقوب القارئ: وقرا بعض أهل المدينة" لفرح" بضم الراء كما يقال: رجل فطن وحذر وندس. ويجوز في كلتا اللغتين «3» الإسكان لثقل الضمة والكسرة. قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد. وهو في موضع نصب. قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأول، أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء هو استثناء من" وَلَئِنْ أَذَقْناهُ" أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن، فهو استثناء متصل وهو حسن. (أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) ابتداء وخبر. (وَأَجْرٌ) معطوف. (كَبِيرٌ) صفة.

[سورة هود (11): الآيات 12 الى 13]
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13)
__________
(1). كذا في الأصول. ولعل الصواب: يبس ييبس: بالموحدة بعد الياء. وهو الحرف الرابع
(2). من ع.
(3). في ع: اللفظين.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ) أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعما أنت عليه. وقيل: إنهم لما قالوا:" لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ" هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذه الآية، فالكلام معناه الاستفهام، أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك؟ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ، كقوله:" يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ" «1» [المائدة: 67]. وقيل: معنى الكلام النفي استبعاد، أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك، وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدع سب آلهتهم، فنزلت. قوله تعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) عطف على" تارِكٌ" و" صَدْرُكَ" مرفوع به، والهاء في" بِهِ" تعود على" ما" أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب. وقال:" ضائِقٌ" ولم يقل ضيق ليشاكل" تارِكٌ" الذي قبله، ولأن الضائق عارض، والضيق ألزم منه." (أَنْ يَقُولُوا)" في موضع نصب، أي كراهية أن يقولوا، [أو لئلا يقولوا «2»] كقوله:" يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا" «3» [النساء: 176] أي لئلا تضلوا. أو لأن يقولوا. (ذَلُولًا) أي هلا (أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) يصدقه، قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال الله تعالى: يا محمد (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات. (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أي حافظ وشهيد. قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ)" أَمْ" بمعنى بل، وقد تقدم في" يونس" «4» أي قد أزحت علتهم وأشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم به، فإن قالوا: افتريته- أي اختلقته- فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم. (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي من الكهنة والأعوان.

[سورة هود (11): آية 14]
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
__________
(1). راجع ج 6 ص 242.
(2). من و.
(3). راجع ج 6 ض 28 فما بعد.
(4). راجع ج 8 ص 344

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

قوله تعالى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة، إذ هم اللسن البلغاء، وأصحاب الألسن الفصحاء. (فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) واعلموا صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (وَ) اعلموا (أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) استفهام معناه الأمر. وقد تقدم القول في معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز فى مقدمة الكتاب. والحمد لله. وقال:" قُلْ فَأْتُوا" وبعده." فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ" ولم يقل لك، فقيل: هو على تحويل المخاطبة «1» من الإفراد، إلى الجمع تعظيما وتفخيما، وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة. وقيل: الضمير في" لَكُمْ" وفي" فَاعْلَمُوا" للجميع، أي فليعلم للجميع" أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ"، قاله مجاهد. وقيل: الضمير في" لَكُمْ" وفي" فَاعْلَمُوا" للمشركين، والمعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة، ولا تهيأت لكم المعارضة" فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ". وقيل: الضمير في" لَكُمْ" للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وللمؤمنين، وفي" فَاعْلَمُوا" للمشركين.

[سورة هود (11): آية 15]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: (مَنْ كانَ) كان زائدة «2»، ولهذا جزم بالجواب فقال: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) قاله الفراء. وقال الزجاج:" مَنْ كانَ" في موضع جزم بالشرط، وجوابه" نُوَفِّ إِلَيْهِمْ" أي من يكن يريد، والأول في اللفظ ماضي والثاني مستقبل، كما قال زهير:
ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار، قال الضحاك، واختاره النحاس، بدليل الآية التي بعدها" أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ" [هود: 16] أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافيه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة
__________
(1). في ع: المخاطب. [.....]
(2). قال في البحر: ولعله لا يصلح إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط" يُرِيدُ" وكان يكون مجزوما.

له في الآخرة. وقد تقدم هذا المعنى في" براءة" «1» مستوفى. وقيل: المراد بالآية المؤمنون، أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنما الأعمال بالنيات" فالعبد إنما يعطي على وجه قصده، وبحكم ضميره، وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة. وقيل: هو لأهل الرياء، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء:" صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك" ثم قال:" إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار". رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديدا وقال: صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها" وقرا الآيتين،. خرجه مسلم [في صحيحه «2»] بمعناه والترمذي أيضا. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن، قال مجاهد وميمون بن مهران، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها، فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفي الدنيا. وقيل: من كان يريد [الدنيا] بغزوة مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيها، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها، وهذا خصوص والصحيح العموم. الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه السلام:" إنما الأعمال بالنيات" وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه. الثالثة- ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة، وكذلك الآية. التي في" الشورى"" مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «3» [الشورى: 20] الآية. وكذلك" وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «4» [آل عمران: 145] قيدها وفسرها التي في" سبحان"" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ" «5» [الإسراء: 18] إلى قوله:" مَحْظُوراً" [الإسراء: 20] فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما"
__________
(1). راجع ج 8 ص 161.
(2). من ع وو.
(3). راجع ج 16 ص 18.
(4). راجع ج 4 ص 226 فما بعد.
(5). راجع ج 10 ص 235 فما بعد

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

أي قوله:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا" أنها منسوخة بقوله:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ" [الإسراء: 18]. والصحيح ما ذكرناه، وأنه من باب الإطلاق والتقييد، ومثله قوله:" وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ" «1» [البقرة: 186] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك، لقوله تعالى:" فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ" «2» [الأنعام: 41] والنسخ في الأخبار لا يجوز، لاستحالة تبدل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو مذكور في الأصول، ويأتي في" النحل" «3» بيانه إن شاء الله تعالى.

[سورة هود (11): آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16)
قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) إشارة إلى التخليد، والمؤمن لا يخلد، لقوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ" «4» [النساء: 48] الآية. فهو محمول على ما لو كانت. موافاة هذا المرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج، إما بالشفاعة، وإما بالقبضة. والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان، وفي الحديث [الماضي «5»] يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك على ما تقدم بيانه في" النساء" «6» ويأتي في آخر" الكهف" «7». (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ابتداء وخبر، قال أبو حاتم: وحذف الهاء، قال النحاس: هذا لا يحتاج إلى حذف، لأنه بمعنى المصدر، أي وباطل عمله. وفي حرف أبي وعبد الله" وباطلا ما كانوا يعملون" وتكون" ما" زائدة، أي وكانوا يعملون باطلا.
__________
(1). راجع ج 2 ص 308.
(2). راجع ج 6 ص 422.
(3). راجع ج 10 ص 127.
(4). راجع ج 5 ص 245 وص 422.
(5). في الأصل (المعاصي) وهو تحريف، والمراد بالحديث الماضي حديث أبى هريرة المتقدم في عمل المرائى" صمتم وصليتم ...".
(6). راجع ج 5 ص 245 وص 422.
(7). راجع ج 11 ص 69

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

[سورة هود (11): آية 17]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)
قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ابتداء والخبر محذوف، أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه من الفضل ما يتبين به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟! عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. وكذلك قال ابن زيد: إن الذي على بينة هو «1» من اتبع النبي محمد «2» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) من الله، وهو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل المراد بقوله" أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ" النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والكلام راجع إلى قوله:" وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ" [هود: 12]، أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل- على ما يأتي- وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يسلمه. والهاء في" رَبِّهِ" تعود عليه، وقوله:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وروى عكرمة عن ابن عباس أنه جبريل، وهو قول مجاهد والنخعي. والهاء في" مِنْهُ" لله عز وجل، أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عز وجل. وقال مجاهد: الشاهد ملك من الله عز وجل يحفظه ويسدده. وقال الحسن البصري وقتادة: الشاهد لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال محمد بن علي بن الحنفية: قلت لأبي أنت الشاهد؟ فقال: وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: هو علي بن أبي طالب، روي عن ابن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب، وروي عن علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: أي شي نزل فيك؟ فقال علي:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وقيل: الشاهد صورة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجهه ومخائله، لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى
__________
(1). من ع. [.....]
(2). من ع.

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم أنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالهاء على هذا ترجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على قول ابن زيد وغيره. وقيل: الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد، قال الحسين بن الفضل، فالهاء في" مِنْهُ" للقرآن. وقال الفراء قال بعضهم:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في" مِنْهُ" لله عز وجل. وقيل: البينة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره (وَمِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل الإنجيل. (كِتابُ مُوسى ) رفع بالابتداء، قال أبو إسحاق الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موصوف في كتاب موسى" يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ" «1» [الأعراف: 157] وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ" وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى " بالنصب، وحكاها المهدوي عن الكلبي، يكون معطوفا على الهاء في" يَتْلُوهُ" والمعنى: ويتلو كتاب موسى جبريل عليه السلام، وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما، المعنى من قبله تلا جبريل كتاب موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضا من هذا القول أن يرفع" كِتابُ" على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك، أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد. (إِماماً) نصب على الحال. (وَرَحْمَةً) معطوف. (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) إشارة إلى بني إسرائيل، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك، وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار، حكاه القشيري. والهاء في" رَبِّهِ" يجوز أن تكون للقرآن، ويجوز أن تكون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي بالقرآن أو بالنبي أعليه السلام. (مِنَ الْأَحْزابِ) يعني من الملل كلها، عن قتادة، وكذا قال سعيد بن جبير:" الْأَحْزابِ" أهل الأديان كلها، لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش وحلفاؤهم. (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) أي هو من أهل النار، وأنشد حسان:
أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لاقيها
__________
(1). راجع ج 7 ص 297

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني [ثم يموت «1»] ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) أي في شك. (مِنْهُ) أي من القرآن. (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي القرآن من الله، قاله مقاتل. وقال الكلبي: المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار. إِنَّهُ الْحَقُّ أي القول الحق الكائن، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد جميع المكلفين.

[سورة هود (11): الآيات 18 الى 19]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19)
قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله. (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) أي يحاسبهم على أعمالهم. (وَيَقُولُ الْأَشْهادُ) يعني الملائكة الحفظة، عن مجاهد وغيره، وقال سفيان سألت الأعمش عن" الْأَشْهادُ" فقال: الملائكة. الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون، دليله قوله:" فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً" «2» [النساء: 41]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا الرسالات. وقال قتادة: عن الخلائق أجمع. وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن محرز عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفية قال:" وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله". (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.
__________
(1). زيادة عن صحيح مسلم.
(2). راجع ج 5 ص 197.

أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يجوز أن تكون" الَّذِينَ" في موضع خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع، أي هم الذين. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى، أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) أعاد لفظ" هُمْ" تأكيدا.

[سورة هود (11): آية 20]
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (20)
قوله تعالى: (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي فائتين من عذاب الله. وقال ابن عباس: لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم. (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) يعني أنصارا، و" مِنْ" زائدة. وقيل:" ما" بمعنى الذي تقديره: أولئك لم يكونوا معجزين، لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء دون الله، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) أي على قدر كفرهم ومعاصيهم. (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ)" ما" في موضع نصب على أن يكون المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع. (وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره. والعرب تقول: جزيته ما فعل وبما فعل، فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى، وأنشد سيبويه «1»:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
ويجوز أن تكون" ما" ظرفا، والمعنى: يضاعف لهم أبدا، أي وقت استطاعتهم السمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبدا. ويجوز أن تكون" ما" نافية لا موضع لها، إذ الكلام قد تم قبلها، والوقف على العذاب كاف، والمعنى: ما كانوا
__________
(1). البيت لعمرو بن معدى كرب الزبيدي. أراد (بالخير) فحذف ووصل الفعل ونصب. والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها. وقيل: النشب جميع المال، فيكون عطفه على الأول مبالغة وتأكيدا. (شواهد سيبويه)

أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به، ولا أن يبصروا إبصار مهتد. قال الفراء: ما كانوا يستطيعون السمع، لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا «1» عنه. قال النحاس: وهذا معروف في كلام العرب، يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه.

[سورة هود (11): الآيات 21 الى 22]
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)
قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)
ابتداء وخبر. (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)
أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف. قوله تعالى: (لا جَرَمَ) للعلماء فيها أقوال، فقال الخليل وسيبويه:" لا جَرَمَ" بمعنى حق، ف" لا" و" جَرَمَ" عندهما كلمة واحدة، و" أن" عندهما في موضع رفع، وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد، حكاه النحاس. قال المهدوي: وعن الخليل أيضا أن معناها لأبد ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا، ذكره الثعلبي. وقال الزجاج:" لا" ها هنا نفي وهو رد لقولهم: إن الأصنام تنفعهم، كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كسب، أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و" أن" منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك، وقال الشاعر:
نصبنا رأسه في جذع نخل «2» ... بما جرمت يداه وما اعتدينا
أي بما كسبت. وقال الكسائي: معنى" لا جَرَمَ" لا صد ولا منع عن أنهم. وقيل: المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله، والجرم القطع، وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، وقوم وجرم وجرام وهذا زمن الجرام والجرام، وجرمت صوف الشاة أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه، مثل جلمت الشيء جلما أي قطعت،
__________
(1). في ع: يفهموا.
(2). في ع وووى: في رأس جذع.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجلمته- ساكنة اللام- إذا أخذته أجمع، وهذه جملة الجزور- بالتحريك- أي لحمها أجمع، قاله الجوهري. قال النحاس: وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات: لا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن ذا جرم، قال: وناس من فزارة يقولون: لا جر أنهم بغير ميم. وحكى الفراء فيه «1» لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون لا ذا جرم، قال: وناس من العرب. يقولون: لا جرم بضم الجيم.

[سورة هود (11): آية 23]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)" الَّذِينَ" اسم" إِنَّ" و" آمَنُوا" صلة، أي صدقوا. (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ) عطف على الصلة. قال ابن عباس: أخبتوا أنابوا. مجاهد: أطاعوا. قتادة: خشعوا وخضعوا. مقاتل: أخلصوا. الحسن: الإخبات الخشوع للمخافة الثابتة في القلب، واصل الإخبات الاستواء، من الخبت وهو الأرض المستوية الواسعة: فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة إلى الله عز وجل المستمرة ذلك على استواء." إِلى رَبِّهِمْ" قال الفراء: إلى ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى: وجهوا إخباتهم إلى ربهم." (أُولئِكَ)" خبر" إِنَّ".

[سورة هود (11): آية 24]
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24)
قوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) ابتداء، والخبر (كَالْأَعْمى ) «2» وما بعده. قال الأخفش: أي كمثل الأعمى. النحاس: التقدير مثل فريق الكافر [كالأعمى ] والأصم، ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير، ولهذا قال: (هَلْ يَسْتَوِيانِ) فرد إلى الفريقين وهما اثنان،
__________
(1). في ع: فيها.
(2). الزيادة عن النحاس.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)

روى معناه عن قتادة وغيره. قال الضحاك: الأعمى والأصم مثل للكافر، والسميع والبصير مثل للمؤمن. وقيل: المعنى هل يستوي الأعمى والبصير، وهل يستوي الأصم والسميع. (مَثَلًا) منصوب على التمييز «1». (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) في الوصفين وتنظرون.

[سورة هود (11): الآيات 25 الى 26]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) ذكر سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنبيها له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم. (إِنِّي) أي فقال: إني، لأن في الإرسال معنى القول. وقرا ابن كثير وأبو عمرو والكسائي" أني" بفتح الهمزة، أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين. ولم يقل" إنه" لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه «2»، كما قال:" وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" [الأعراف: 145] ثم قال:" فَخُذْها بِقُوَّةٍ" «3» [الأعراف 145]. قوله تعالى: (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أي اتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده. ومن قرأ" إِنِّي" بالكسر جعله معترضا في الكلام، والمعنى أرسلناه بألا تعبدوا [إلا الله ]. (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ).

[سورة هود (11): آية 27]
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (فَقالَ الْمَلَأُ) قال أبو إسحاق الزجاج: الملأ الرؤساء، أي هم مليئون بما يقولون. وقد تقدم هذا في" البقرة" «4» وغيرها. (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً)
__________
(1). في ع، ى: على التفسير.
(2). قال ابن عطية: وفى هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبة لقومه، وليس هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام أن أنذرهم أو نحوه لصح ذلك.
(3). راجع ج 7 ص 280.
(4). راجع ج 3 ص 243

أي آدميا. (مِثْلَنا) نصب على الحال. و" مِثْلَنا" مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر فيه التنوين، كما قال الشاعر «1»:
يا رب مثلك في النساء غريرة

الثانية- قوله تعالى: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) أراذل جمع أرذل وأرذل جمع رذل، مثل كلب وأكلب وأكالب. وقيل: والأراذل جمع الأرذل، كأساود جمع الأسود من الحيات. والرذل النذل، أرادوا اتبعك أخساؤنا وسقطنا وسفلتنا. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة، ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لأحسب لهم، والخسيسو الصناعات. وفي الحديث" أنهم كانوا حاكة وحجامين". وكان هذا جهلا منهم، لأنهم عابوا نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لا عيب فيه، لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى الناس جميعا، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان، لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم. قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء، كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا. الثالثة- اختلف العلماء في تعيين السفلة على أقوال، فذكر ابن المبارك عن سفيان أن السفلة هم الذين يتقلسون «2»، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات.
__________
(1). هو أبو محجن الثقفي وتمام البيت:
بيضاء قد متعتها بطلاق

الغريرة: المغترة بلين العيش. ومتعها: أعطاها ما تستمتع به عند طلاقها. [.....]
(2). التقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بأصناف اللهو.

وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم «1»، قيل له: فمن سفلة السفلة؟ قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. وسيل علي رضي الله عنه عن السفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقيل لمالك بن أنس رضي الله عنه: من السفلة؟ قال: الذي يسب الصحابة. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأرذلون الحاكة والحجامون. يحيى بن أكثم: الدباغ والكناس إذا كان من غير العرب. الرابعة- إذا قالت المرأة لزوجها: يا سفلة، فقال: إن كنت منهم فأنت طالق، فحكى النقاش أن رجلا جاء إلى الترمذي فقال: إن امرأتي قالت لي يا سفلة، فقلت: إن كنت سفلة فأنت طالق، قال الترمذي: ما صناعتك؟ قال: سماك، قال: سفلة والله، سفلة والله [سفلة «2»]. قلت: وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان لا تطلق، وكذلك على قول مالك، وابن الأعرابي لا يلزمه شي. قوله تعالى: (بادِيَ الرَّأْيِ). أي الرأى، وباطنهم على خلاف ذلك. يقال: بدا يبدو إذا ظهر، كما قال:
فاليوم حين بدون للنظار

ويقال للبرية بادية لظهورها. وبدا لي أن أفعل كذا، أي ظهر لي رأى غير الأول. وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكون" بادِيَ الرَّأْيِ" من بدأ يبدأ وحذف الهمزة. وحقق أبو عمرو الهمزة فقرأ:" بادئ الرأي" أي أول الرأي، أي اتبعوك حين ابتدءوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك، ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وترك الهمز. وانتصب على حذف" في" كما قال عز وجل:" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ" «3» [الأعراف: 155]. (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) أي في اتباعه، وهذا جحد منهم لنبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) الخطاب لنوح ومن آمن معه «4».
__________
(1). كذا في ع، والذي في غيره بالإفراد.
(2). من ى.
(3). راجع ج 7 ص 294.
(4). في ع وي: به.

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

[سورة هود (11): الآيات 28 الى 31]
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)
قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي على يقين، قاله أبو عمران الجوني. وقيل: على معجزة، وقد تقدم في" الأنعام" «1» هذا المعنى. (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أي نبوة ورسالة، عن ابن عباس، وهي رحمة على الخلق. وقيل: الهداية إلى الله بالبراهين. وقيل: بالإيمان والإسلام. (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) «2» أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها. يقال: عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه. والمعنى: فعميت الرحمة، فقيل: هو مقلوب، لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها، فهو كقولك: أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي. وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي" فَعُمِّيَتْ" بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله عليكم، وكذا في قراءة أبي" فعماها" ذكرها الماوردي. (أَنُلْزِمُكُمُوها) قيل: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الهاء ترجع إلى الرحمة. وقيل: إلى البينة، أي أنلزمكم قبولها، وأوجبها عليكم؟! وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يمكنني أن اضطركم إلى المعرفة بها، وإنما قصد نوح عليه السلام
__________ (1). راجع ج 6 ص 438.
(2). قراءة نافع.

بهذا القول أن يرد عليهم. وحكى الكسائي والفراء" أنلزمكموها" بإسكان الميم الأولى تخفيفا، وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد «1»:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
وقال النحاس: ويجوز على قول يونس [في غير القرآن «2» [أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر، كما تقول: أنلزمكم ذلك. (وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها. قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك. (وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به ] أجرا «3» أي [ (مالًا) فيثقل عليكم. (إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أي ثوابي في تبليغ الرسالة. (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم في" الأنعام" «4» بيانه، فأجابهم بقوله: (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام، أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم. (وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) قال الفراء: أي يمنعني من عذابه. (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) أي لأجل إيمانهم. (أَفَلا تَذَكَّرُونَ «5») أدغمت التاء في الذال. ويجوز حذفها فتقول: تذكرون. قوله تعالى: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أخبر بتذلله وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء
__________
(1). البيت لامرئ القيس، والشاهد فيه تسكين الباء من قوله (أشرب) في حال الرفع والوصل. احتقب الإثم واستحقبه احتمله. والواغل الداخل على الشراب ولم يدع له. يقول: حلت لي فلا آثم بشربها إذ قد وفيت بنذري فيها. وكان قد نذر ألا يشربها حتى يدرك ثأر أبيه.
(2). الزيادة عن النحاس.
(3). من ع وك وى.
(4). راجع ج 6 ص 431 وما بعدها.
(5). قراءة نافع.

قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)

من عباده، وأنه لا يعلم الغيب، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل. (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة. وقد قالت العلماء: الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين. وقد تقدم هذا المعنى في" البقرة" «1». (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أي تستثقل وتحتقر أعينكم، والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم. والدال مبدلة من تاء، لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا، لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها. ويقال: أزريت عليه إذا عبته. وزريت عليه إذا حقرته. وأنشد الفراء:
يباعده الصديق وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
(لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً) أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. (اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ) فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. (إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره. و" إِذاً" ملغاة، لأنها متوسطة.

[سورة هود (11): الآيات 32 الى 35]
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِي ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)
قوله تعالى: (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة، مشتق من الجدل
__________
(1). راجع ج 1 ص 189 وما بعدها.

وهو شدة الفتل، ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير، وقد مضى هذا المعنى في" الأنعام" «1» بأشبع من هذا. وقرا ابن عباس" فأكثرت جدلنا" ذكره النحاس. والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر. وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم. (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) أي من العذاب. (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في قولك. قوله تعالى: (قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ)
أي إن أراد إهلاككم عذبكم. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي بفائتين. وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك، كانوا ملئوا الأرض سهلا وجبلا على ما يأتي. قوله تعالى: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي) أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم. (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ) أي لأنكم لا تقبلون نصحا، وقد تقدم في" براءة" «2» معنى النصح لغة. (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) أي يضلكم. وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما، إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأن يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك، فرد الله عليهم بقوله:" إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ". وقد مضى هذا المعنى في" الفاتحة" «3» وغيرها. وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في" الأعراف" في إغواء الله تعالى إياه حيث قال:" فَبِما أَغْوَيْتَنِي" [الأعراف: 16] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام:" إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ" فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى، إذ هو الهادي والمضل، سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا. وقيل:" أَنْ يُغْوِيَكُمْ" يهلككم، لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك. الطبري:" يُغْوِيَكُمْ" يهلككم بعذابه، حكي عن طئ أصبح فلان غاويا أي مريضا، وأغويته أهلكته، ومنه" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" «4» [مريم: 59]. (هُوَ رَبُّكُمْ) فإليه الإغواء، وإليه الهداية. (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تهديد ووعيد.
__________
(1). راجع ج 7 ص 77 وص 174. [.....]
(2). راجع ج 8 ص 226 فما بعد.
(3). راجع ج 1 ص 149. وج 4 ص 20.
(4). راجع ج 11 ص 125.

وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)

قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) يعنون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. افترى أفتعل، أي اختلق القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه، قال مقاتل. وقال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ) أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة. (فَعَلَيَّ إِجْرامِي) أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي. والأجرام مصدر أجرم، وهو اقتراف السيئة. وقيل [المعنى «1»]: أي جزاء جرمي وكسبي. وجرم وأجرم بمعنى، عن النحاس وغيره. قال «2»:
طريد عشيرة ورهين جرم ... بما جرمت يدي وجنى لساني
ومن قرأ" أجرامي" بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم، وذكره النحاس أيضا. (وَأَنَا بَرِي ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) أي من الكفر والتكذيب.

[سورة هود (11): الآيات 36 الى 37]
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)" أَنَّهُ" في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله. ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون التقدير: ب" أَنَّهُ". و" آمَنَ" في موضع نصب ب" يُؤْمِنَ" ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال:" رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً" «3» [نوح: 26] الآيتين. وقيل: إن رجلا من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا قال لأبيه: أعطني حجرا، فأعطاه حجرا، ورمى به نوحا عليه السلام فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه
__________
(1). من ع وى.
(2). البيت للهيردان السعدي أحد لصوص بنى سعد. (اللسان).
(3). راجع ج 18 ص 312.

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

" أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أي فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائسا، أي حزينا. والبؤس الحزن، ومنه قول الشاعر:
وكم من خليل أو حميم رزئته ... فلم أبتئس والرزء فيه جليل
يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شي يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة. قوله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك." بِأَعْيُنِنا" أي بمرأى منا وحيث نراك. وقال الربيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يراك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (بحراستنا)، والمعنى واحد، فعبر عن الرؤية بالأعين، لأن الرؤية تكون بها. ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير، كما قال تعالى:" فَنِعْمَ الْقادِرُونَ" «1» [المرسلات: 23]" فَنِعْمَ الْماهِدُونَ"" وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" «2» [الذاريات: 47]. وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين، كما قال:" وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" «3» وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف، لا رب غيره. وقيل: المعنى" بِأَعْيُنِنا" أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه. وقيل:" بِأَعْيُنِنا" أي بعلمنا، قاله مقاتل: وقال الضحاك وسفيان:" بِأَعْيُنِنا" بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: بمعونتنا لك على صنعها." وَوَحْيِنا" أي على ما أوحينا إليك، من صنعتها. (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم.

[سورة هود (11): الآيات 38 الى 40]
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
__________
(1). راجع ج 19 ص 175.
(2). راجع ج 17 ص 52.
(3). راجع ج 11 ص 195.

قوله تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أي وطفق يصنع. قال زيد بن أسلم: مكث نوح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها. وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم نوح ملوا الأرض، حتى ملوا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون، وذلك لما رأوه يصنع من ذلك، حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان. وروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان. وقال، القاضي أبو بكر بن العرابي: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه." أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ"" وَاصْنَعِ الْفُلْكَ" قال: يا رب ما أنا بنجار، قال:" بلى فإن ذلك بعيني" فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا، فعملها في أربعين سنة. وحكى الثعلبي وأبو نصر القشيري عن ابن عباس قال: اتخذ نوح السفينة في سنتين. زاد الثعلبي: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن اصنعها كجؤجؤ الطائر. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، والله أعلم. المهدوي: وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها. واختلفوا في طولها وعرضها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج. وكذا قال الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلاثمائة ذراع، والذراع إلى المنكب. قال سلمان الفارسي. وقال الحسن البصري: إن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثعلبي في كتاب العرائس. وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال أتدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: [هذا كعب «1» حام بن نوح [قال فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب «2» من رأسه، وقد شاب «3»، فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا بل مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها السا فمن ثم شبت. قال: أخبرنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. وذكر باقي الخبر «4» على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال الكلبي فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب، باب فيه السباع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء. ابن عباس جعلها ثلاث بطون، البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام والشراب وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد أدم عليه السلام معترضا بين الرجال والنساء، ثم دفنه بعد ببيت المقدس، وكان إبليس معهم في الكوثل «5». وقيل: جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا أحملكما، لأنكما سبب الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما" سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ" «6» [الصافات: 79] لم تضراه، ذكره القشيري وغيره. وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة". قوله تعالى: (وَكُلَّما) ظرف. (مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ). قال الأخفش والكسائي يقال: سخرت به ومنه. وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما- أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر، فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا. الثاني- لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا: يا نوح
__________
(1). كذا في الطبري والدر المنثور والكشاف، وفى الأصل (قبر سام بن نوح).
(2). في ع: عن.
(3). في ع وى: شاخ.
(4). جاء في البحر: واختلفوا في هيئتها من التربيع والطول، وفى مقدار مدة عملها، وفى المكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها وعرضها على أقوال متعارضة لم يصح منها شي. وقال الفخر الرازي: اعلم أن هذه المباحث لا تعجبني، لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا.
(5). الكوثل: مؤخر السفينة وفية يكون الملاحون ومتاعهم. وقيل: هو السكان. [.....]
(6). راجع ج 15 ص 90.

ما تصنع؟ قال: أبني بيتا يمشي على الماء، فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر، فلذلك سخروا منه، ومياه البحار هي بقية الطوفان. (قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا) أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة. (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) غدا عند الغرق. والمراد بالسخرية هنا الاستجهال، ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا. قوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) تهديد، و" مَنْ" متصلة ب" فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" و" تَعْلَمُونَ" هنا من باب التعدية إلى مفعول، أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب. ويجوز أن تكون" مَنْ" استفهامية، أي أينا يأتيه العذاب؟. وقيل:" مَنْ" في موضع رفع بالابتداء و" يَأْتِيهِ" الخبر، و" يُخْزِيهِ" صفة ل" عَذابٌ". وحكى الكسائي: أن أناسا من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون، وقال من قال:" ستعلمون" أسقط الواو والفاء جميعا. وحكى الكوفيون: سف «1» تعلمون، ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) أي يجب عليه وينزل به. (عَذابٌ مُقِيمٌ) أي دائم، يريد عذاب الآخرة. قوله تعالى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ) اختلف في التنور على أقوال سبعة: الأول- أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا، قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة، وذلك أنه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني- أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه، وكان تنورا من حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به امرأته فقالت: يا نوح فار الماء من التنور، فقال: جاء وعد ربي حقا. وهذا قول الحسن، وقال مجاهد وعطية عن ابن عباس. الثالث- أنه
__________
(1). ورد في اللسان: قد قالوا سو يكون فحذفوا اللام، وسا يكون فحذفوا اللام وأبدلوا العين طلب الخفة، وسف يكون فحذفوا العين.

موضع اجتماع الماء في السفينة، عن الحسن أيضا. الرابع- أنه طلوع الفجر، ونور الصبح، من قولهم: نور الفجر تنويرا، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الخامس- أنه مسجد الكوفة، قاله علي بن أبي طالب أيضا، وقال مجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة. وكان فوران الماء منه علما لنوح، ودليلا على هلاك قومه. قال الشاعر وهو أمية:
فار تنورهم وجاش بماء ... صار فوق الجبال حتى علاها
السادس أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة منها، قاله قتادة. السابع- أنه العين التي بالجزيرة" عين الوردة" رواه عكرمة. وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له:" عين وردة" وقال ابن عباس أيضا: فار تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض، قال:" فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً" «1» [القمر: 12- 11]. فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفوران الغليان. والتنور أسم أعجمي عربته العرب، وهو على بناء فعل، لأن أصل بنائه تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء «2». وقيل: معنى" فارَ التَّنُّورُ" «3» التمثيل لحضور العذاب، كقولهم: حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب. والوطيس التنور. ويقال: فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم، قال شاعرهم:
تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
قوله تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يعني ذكرا وأنثى، لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. وقرا حفص" من كل زوجين اثنين" بتنوين" كل" أي من كل شي زوجين. والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد: [شيء] «4» معه آخر لا يستغني عنه. ويقال للاثنين: هما زوجان، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال: له زوجا نعل إذا كان له نعلان. وكذلك عنده زوجا حمام، وعليه زوجا
__________
(1). راجع ج 17 ص 131.
(2). قلت: ورد زنره: ملأه، وتزنر: دق: والسنر محركة: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(3). قلت: ورد زنره: ملأه، وتزنر: دق: والسنر محركة: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(4). من ع.

قيود، قال الله تعالى:" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى " «1» [النجم: 45]. ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها. وقد يقال للاثنين هما زوج، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين، والصنفين، وكل ضرب يدعى زوجا، قال الله تعالى:" وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" «2» [الحج: 5] أي من كل لون وصنف. وقال الأعشى:
وكل زوج من الديباج يلبسه ... أبو قدامة محبوّ بذاك معا
أراد كل ضرب ولون. و" مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ" في موضع نصب ب" احْمِلْ"." اثْنَيْنِ" تأكيد. (وَأَهْلَكَ) أي وأحمل أهلك. (إِلَّا مَنْ سَبَقَ)" مِنْ" في موضع نصب بالاستثناء. (عَلَيْهِ الْقَوْلُ)
منهم أي بالهلاك، وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين. (وَمَنْ آمَنَ) قال الضحاك وابن جريج: أي احمل من آمن بي، أي من صدقك، ف" مِنْ" في موضع نصب ب" احْمِلْ". (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: آمن من قومه ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه، سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له «3». ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس، نوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم، وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب، فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان. قال عطاء: ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث. وقال الأعمش: كانوا سبعة، نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين، وأسقط امرأة نوح. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان آمن به، وأزواجهم جميعا. و" قَلِيلٌ" رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء، لأن الكلام قبله لم يتم، إلا أن الفائدة في دخول" إِلَّا" و" ما" لأنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد أمن، فإذا جئت بما وإلا، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم.
__________
(1). راجع ج 17 ص 116 وج 12 ص 14.
(2). راجع ج 17 ص 116 وج 12 ص 14.
(3). الكنه (بالفتح): امرأة الابن أو الأخ.

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

[سورة هود (11): الآيات 41 الى 44]
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
قوله تعالى: (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها) أمر بالركوب، ويحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. والركوب العلو على ظهر الشيء. ويقال: ركبه الدين. وفي الكلام حذف، أي اركبوا الماء في السفينة. وقيل: المعنى اركبوها. و" في" للتأكيد كقوله تعالى:" إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ" «1» [يوسف: 43] وفائدة" في" أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. قال عكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم، فذلك ستة أشهر، وقال قتادة وزاد، وهو يوم عاشوراء، فقال لمن كان معه: من كان صائما فليتم صومه، ومن لم يكن صائما فليصمه. وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر. أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه. وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، ومرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي فاستوت عليه. قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) قراءة أهل الحرمين واهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فمجراها ومرساها في موضع رفع
__________
(1). راجع ص 198 فما بعد من هذا الجزء.

بالابتداء، ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم" مَجْراها" مقامه. وقرا الأعمش وحمزة والكسائي:" بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها" بفتح الميم و" مُرْساها" بضم الميم. وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب" بسم الله مجراها ومرساها" بفتح الميم فيهما، على المصدر من جرت تجري جريا ومجرى، ورست رسوا ومرسي إذا ثبتت. وقرا مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي:" بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها" نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هو مجريها ومرسيها. ويجوز النصب على الحال. وقال الضحاك. كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مجراها جرت، وإذا قال بسم الله مرساها رست. وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم" وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ" «1» [الزمر: 67]" بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ". وفي هذه الآية دليل، على ذكر البسملة عند ابتداء كل «2» فعل، كما بيناه في البسملة «3»، والحمد لله. (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس قال: (لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فقال نوح: لو غمزت ذنب هذا الخنزير! ففعل، فخرج منه فأر وفارة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا عل حبال السفينة، فأوحى الله إلى نوح أن امسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سنوران فأكلا الفئرة. ولما حمل الأسد في السفينة قال: يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته الحمى، فهو الدهر محموم. قال ابن عباس: وأول ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزة، وآخر ما حمل حمل الحمار، قال: وتعلق إبليس بذنبه، ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة بعد فجعل الحمار يضطرب
__________
(1). راجع ج 15 ص 277.
(2). في ع وو: على ما.
(3). راجع ج 1 ص 97.

ولا يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ادخل ويلك فجعل يضطرب، فقال: ادخل ويلك! وإن كان معك الشيطان، كلمة زلت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. ثم إن نوحا رآه يغني في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟! قال: أنت أذنت لي، فذكر له، فقال له: قم فأخرج. قال: مالك بد في أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض النهار، والأخرى سوداء كسواد الليل، فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة، فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه، على قدر الساعات. قوله تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) الموج جمع موجة، وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شي بخمسة عشر ذراعا. (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) قيل: كان كافرا واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه:" وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ" بحذف الواو من" ابْنَهُ" في اللفظ، وأنشد «1»:
له زجل كأنه صوت حاد

فأما" وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ «2» وَكانَ" فقراءة شاذة، وهي مروية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد" ابنها" فحذف الألف كما تقول:" ابْنَهُ"، فتحذف الواو. وقال النحاس: وهذا الذي قال أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه، لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. (وَكانَ فِي مَعْزِلٍ) أي من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحا لم يعلم أن ابنه كان كافرا، وأنه
__________
(1). البيت للشماخ، والشاهد في (كأنه) حذف الواو ضرورة. وتمامه:
إذا طلب الوسيقة أو زمير

يصف حمار وحش هائجا يطلب وسيقته، وهى أنثاه التي يضمها ويجمعها، من وسقت الشيء أي جمعته. (شواهد سيبويه). [.....]
(2). كذا في الشواذ، ويدل عليه ما يأتي عن أبى حاتم، وأما رسم ابنه بالواو فليس بشاذ.

ظن أنه مؤمن، ولذلك قال له: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) وسيأتي. وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق، وقبل رؤية اليأس، بل كان في أول ما فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرا عاصم:" يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا" بفتح الياء، والباقون بكسرها. واصل" يا بُنَيَّ" أن تكون بثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة، فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإضافة لوقوعها موقع التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع، هذا أصل قراءة من كسر الياء، وهو أيضا أصل قراءة من فتح، لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف، ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف، أو لسكونها وسكون الراء. قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة، قال أبو حاتم: يريد يا بنياه ثم يحذف، قال النحاس: رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز، لأن الألف خفيفة. قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحدا من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق، فإنه زعم أن الفتح من جهتين، والكسر من جهتين، فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا، قال الله عز وجل إخبارا:" يا وَيْلَتى " «1» [هود: 72] وكما قال الشاعر:
فيا عجبا من رحلها المتحمل

فيريد يا بنيا، ثم تحذف الألف، لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف الألف، لأن النداء موضع حذف. والكسر على أن تحذف الياء للنداء. والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين. قوله تعالى: (قالَ سَآوِي) أي ارجع وانضم. (إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي) أي يمنعني (مِنَ الْماءِ) فلا أغرق. (قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي لا مانع، فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار. وانتصب" عاصِمَ" على التبرئة ويجوز" لا عاصِمَ الْيَوْمَ" تكون لا بمعني ليس. (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) في موضع نصب استثناء ليس من الأول، أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه، قال الزجاج. ويجوز أن يكون في موضع رفع، على أن عاصما بمعنى معصوم، مثل:" ماءٍ دافِقٍ" «2» [الطارق: 6] أي مدفوق، فالاستثناء. على هذا متصل، قال الشاعر:
__________
(1). راجع ص 69 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 20 ص 4.

بطيء القيام رخيم الكلا ... م أمسى فؤادي به فاتنا
أي مفتونا. وقال آخر «1»:
دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي المطعوم المكسو. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون" مِنَ" في موضع رفع، بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم، أي إلا الله. وهذا اختيار الطبري. ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا" إنه" بمعنى" لكن". (وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) يعنى بين نوح وابنه. (فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) قيل: إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها، فلما رأى الماء جاء قال: يا أبت فار التنور، فقال له أبوه:" يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا" فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله «2» عليه من داخل، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك. وقيل: إن الجبل الذي أوى إليه" طُورِ سَيْناءَ". قوله تعالى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) هذا مجاز لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تميز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفها، واشتمال المعاني فيها. وفي الأثر: إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك. وذلك قوله تعالى:" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ" «3» [الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر، فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. ويقال: بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد ويحمد، لغتان حكاهما الكسائي والفراء. والبالوعة
__________
(1). البيت للحطيئة يهجو الزبرقان.
(2). في ع: أغلقه.
(3). راجع ج 18 ص 262.

الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتص الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى:" وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ" وقيل: ميز الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته «1»، وصار ماء السماء بحارا. قوله تعالى: (وَغِيضَ الْماءُ) أي نقص «2»، يقال: غاض الشيء وغضته أنا، كما يقال: نقص بنفسه ونقصه غيره، ويجوز" غِيضَ" بضم الغين «3». (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي أحكم وفرغ منه، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك صغير. والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان، كما هلكت الطير والسباع. ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم. وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي. قوله تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم. الجودي جبل بقرب الموصل، استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، شكرا لله تعالى، وقد تقدم هذا المعنى. وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا لله، فاستوت السفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لقد بقي منها شي أدركه أوائل هذه الأمة". وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها
__________
(1). في ع: فابتلعته.
(2). في المصباح: غاض: نضب أي ذهب في الأرض.
(3). أي بإشمام الكسرة الضم.

الغرق، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا، وتطامن الجودي، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه. وقد قيل: إن الجودي اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل «1»:
سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد
ويقال: إن الجودي من جبال الجنة، فلهذا استوت عليه. ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. مسألة: لما تواضع الجودي وخضع عز، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل، وهذه سنة الله في خلقه، يرفع من تخشع، ويضع من ترفع، ولقد أحسن القائل:
وإذا تذللت الرقاب تخشعا ... منا إليك فعزها في ذلها

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسمى العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه". وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد". خرجه البخاري. مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى [أهل «2»] الأرض، فذلك قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً" «3» [النكبوت: 14] وكان قد كثرت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وعلانية، وكان صبورا حليما، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح، فكانوا يدخلون عليه
__________
(1). نسبه اللسان لأمية بن أبى الصلت وفى (معجم الياقوت): هو لزيد بن عمرو، وقيل: لورقة بن نوفل. وفى ع: الجمد، كخدم جمع خادم، ولعله الأشبه.
(2). من ع
(3). راجع ج 13 ص 332.

فيخنقونه حتى يترك وقيذا، ويضربونه في المجالس ويطرد، وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول:" رب اغفر قومي انهم لا يعلمون" فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ويجعل إصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه، فذلك قوله تعالى:" وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ" «1» [نوح: 7]. وقال مجاهد وعبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال:" رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون". وقال ابن عباس: إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم، حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل معه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني أنظر هذا الشيخ لا يغرنك، قال: يا أبت أمكني من العصا، [فأمكنه «2»] فأخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة موضحة في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح:" رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين" فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، قال:" وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ"، أي لا تحزن عليهم." وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا" قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر. قال: فغرس الساج عشرين سنه، وكف عن الدعاء، وكفوا عن الاستهزاء. وكانوا يسخرون منه، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها: فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثة صور، رأسه كرأس الديك، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها، وشدها بدسر، يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده لا تخطئ. قال ابن عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأول، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق عليهما
__________
(1). راجع ج 18 ص 300.
(2). من ع. [.....]

وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم، وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب. قال الزهري: إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين، من السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى، فيدخله السفينة. وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها بيده في ذنبها، فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبدا حياؤها. ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها، قال إسحاق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحا حمل أهل السفينة، وجعل فيها من كل زوجين اثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض. فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكانا، فلم يجد طينا ولا ترابا، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبرا فدفنها فيه، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر، فلذلك نتأت أقفية الهداهد. وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة". وذكر صاحب كتاب" العروس" وغيره: أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الدجاج: أنا، فأخذها وختم على جناحها وقال لها: أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا، أنت ينتفع بك أمتي، فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في [الحل «1»] والحرم ودعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على شجرة بأرض سيناء «2» فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت: بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي، والخضاب في رجلي، وأسكن الحرم، فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبي أنه بعث
__________
(1). من و.
(2). كذا في و، وفى ع وا وج: سبإ.

وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

بعد الغراب التدرج «1» وكان من جنس الدجاج، وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع، واخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة.

[سورة هود (11): الآيات 45 الى 47]
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47)
فيه خمس مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ) أي دعاه. (فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق، ففي الكلام حذف. (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) يعني الصدق. وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله:" وَأَهْلَكَ" وترك قوله:" إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ" [هود: 40] فلما كان عنده من أهله قال:" رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي" يدل على ذلك قوله:" وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ" أي لا تكن ممن لست منهم، لأنه كان عنده مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي" إلا وذلك عنده كذلك إذ محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحا بما هو منفرد به من علم الغيوب، أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقا، ولذلك استحل نوح أن يناديه. وعنه أيضا: كان ابن امرأته، دليله قراءة علي" ونادى نوح ابنها". (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) ابتداء وخبر. أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق.
__________
(1). التدرج كحبرج: طائر يغرد في البساتين بأصوات طيبه، وموطنه بلاد فارس. (حياة الحيوان)

الثانية- قوله تعالى: (قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [أي ليس من أهلك ] الذين وعدتهم أن أنجيهم، قاله سعيد بن جبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، فهو على حذف مضاف، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من [حكم «1»] النسب. (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) قرأ ابن عباس وعروة وعكرمة ويعقوب والكسائي" إنه عمل غير صالح" أي من الكفر والتكذيب، واختاره أبو عبيد. وقرا الباقون" عَمَلٌ" ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف، قاله الزجاج وغيره. قال «2»:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز أن تكون الهاء للسؤال، أي إن سؤالك إياي أن أنجيه. عمل غير صالح. قاله قتادة. وقال الحسن: معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه. وكان لغير رشدة، وقال أيضا مجاهد. قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه، قلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي" فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ابن امرأته من زوج آخر، فقلت له: إن الله حكى عنه أنه قال:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي"" وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ" ولا يختلف أهل الكتابين أنه ابنه، فقال الحسن: ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب! إنهم يكذبون. وقرا:" فَخانَتاهُما" [التحريم: 10]. وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنة، وكان ولد على فراشه، وكانت امرأته خانته فيه، ولهذا قال:" فَخانَتاهُما" «3». وقال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وأنه كان ابنه لصلبه. وكذلك قال الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم، وأنه كان ابنه لصلبه. وقيل لسعيد بن جبير يقول نوح:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي" أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح الله طويلا ثم قال: لا اله إلا الله! يحدث الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه! نعم كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال الله تعالى:" إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ"، وهذا
__________
(1). من ع.
(2). البيت للخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها، وهو من قصيدة ترثى بها أخاها صخرا.
(3). راجع ج 18 ص 201.

هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله:" إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" ليس مما ينفي عنه أنه ابنه. وقوله:" فَخانَتاهُما" [التحريم: 10] يعني في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم. قالت: فمتى؟ قال: إذا فار التنور، فخرجت تقول لقومها: يا قوم والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، فهذه خيانتها. وخيانة الأخرى أنها كانت تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم. وقيل: الولد قد يسمى عملا كما يسمى كسبا، كما في الخبر" أولادكم من كسبكم". ذكره القشيري. الثالثة- في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه، قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس، فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا، ومن أهل البيت، فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله، وهو في عياله. وقال تعالى في آية أخرى:" وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" «1» [الصافات: 75] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله. الرابعة- ودلت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش، ولذلك قال نوح ما قال آخذا بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نرى رسول الله صلى عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل ابن نوح عليه السلام، ذكره أبو عمر في كتاب" التمهيد". وفي الحديث الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" الولد للفراش وللعاهر الحجر" يريد الخيبة. وقيل: الرجم بالحجارة. وقرا عروة بن الزبير." ونادى نوح ابنها" يريد ابن امرأته، وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه، وعن علي رضي الله عنه، وهي حجة للحسن ومجاهد، إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها لها. والله أعلم.
__________
(1). راجع ج 15 ص 89.

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

الخامسة- قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين، أي الآثمين. ومنه قوله تعالى:" يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً" «1» [النور: 17] أي يحذركم الله وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين، ف (قالَ) نوح: (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) [الآية «2»] وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله وتواضعه. (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط من السؤال. (وَتَرْحَمْنِي) أي بالتوبة. (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أي أعمالا. فقال:" يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا".

[سورة هود (11): آية 48]
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48)
قوله تعالى: (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا) أي قالت [له «3»] الملائكة، أو قال الله تعالى له: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض، فقد ابتلعت الماء وجفت." بِسَلامٍ مِنَّا" أي بسلامة وأمن. وقيل: بتحية. (وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) أي نعم ثابتة، مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته. ومنه البركة لثبوت الماء فيها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته، على قول قتادة وغيره، حسب ما تقدم، وفي التنزيل" وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ" «4» [الصافات: 77]. (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة. ودخل في قوله (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) كل كافر إلى يوم القيامة، روي ذلك عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم. وقيل:" من" للتبعيض، وتكون لبيان الجنس." وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ" ارتفع و" أُمَمٍ" على معنى وتكون أمم. قال الأخفش سعيد كما تقول: كلمت زيدا وعمرو جالس. وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما، وتقديره: ونمتع أمما. وأعيدت" عَلى " مع
__________
(1). راجع ج 12 ص 205.
(2). من ع وو.
(3). من ع وو.
(4). راجع ج 15 ص 89.

تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

" أُمَمٍ" لأنه معطوف على الكاف من" عَلَيْكَ" وهي ضمير المجرور، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره. وقد تقدم في" النساء" «1» بيان هذا مستوفى في قوله تعالى:" وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ" [النساء: 1] بالخفض. والباء في قوله:" بِسَلامٍ" متعلقة بمحذوف، لأنها في موضع الحال، أي اهبط مسلما عليك. و" مِنَّا" في موضع جر متعلق بمحذوف، لأنه نعت للبركات." وَعَلى أُمَمٍ" متعلق بما تعلق به" عَلَيْكَ"، لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف. و" من" في قوله:" مِمَّنْ مَعَكَ" متعلق بمحذوف، لأنه في موضع جر نعت للأمم. و" مَعَكَ" متعلق بفعل محذوف، لأنه صلة" لمن" أي ممن استقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك.

[سورة هود (11): آية 49]
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
قوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) أي تلك الأنباء، وفي موضع آخر" ذلِكَ" أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك. (نُوحِيها إِلَيْكَ) أي لتقف عليها. (ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان، والمجوس الآن ينكرونه. [ (مِنْ قَبْلِ هذا) خبر أي مجهولة عندك وعند قومك. (فَاصْبِرْ) على مشاق الرسالة وأذائه القوم كما صبر نوح «2» [. وقيل: أراد جهلهم بقصة ابن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان [فإنه ] «3» على الجملة." فَاصْبِرْ" أي اصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى العرب الكفار، كما صبر نوح على [أذى ] «4» قومه. (إِنَّ الْعاقِبَةَ) في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز. (لِلْمُتَّقِينَ) عن الشرك والمعاصي.

[سورة هود (11): الآيات 50 الى 60]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)
مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
__________
(1). راجع ج 5 ص 2 فما بعد.
(2). من ك.
(3). من و. [.....]
(4). من ك.

قوله تعالى: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أي وأرسلنا، فهو معطوف على" أَرْسَلْنا نُوحاً". وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم، كما تقول: يا أخا تميم. وقيل: إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم، وقد تقدم هذا في" الأعراف" «1» وكانوا عبدة الأوثان. وقيل: هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى، وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى:" إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ" «2» [الفجر: 7]. وعاد اسم
__________
(1). راجع ج 7 ص 235 فما بعد.
(2). راجع ج 20 ص 44.

رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) بالخفض على اللفظ، و" غَيْرُهُ" بالرفع على الموضع، و" غَيْرُهُ" بالنصب على الاستثناء. (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز. قوله تعالى: (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) تقدم معناه. والفطرة ابتداء الخلق. (أَفَلا تَعْقِلُونَ) ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) تقدم في أول السورة. (يُرْسِلِ السَّماءَ) جزم لأنه جواب وفية معنى المجازاة." (عَلَيْكُمْ مِدْراراً)" نصب على الحال، وفية معنى التكثير، أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا، والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب، وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد جاء هاهنا من فعل، لأنه من درت السماء تدر وتدر فهي مدرار. وكان قوم هود- أعني عادا- أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدم في" الأعراف" «1». (وَيَزِدْكُمْ) عطف على يرسل. (قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) قال مجاهد: شدة على شدتكم. الضحاك: خصبا إلى خصبكم. علي بن عيسى: عزا على عزكم. عكرمة: ولدا إلى ولدكم. وقيل: إن الله حبس عنهم المطر [وأعقم الأرحام «2»] ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد، فتلك القوة. وقال الزجاج: المعنى يزدكم قوة في النعم. (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر. قوله تعالى: (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) أي حجة واضحة. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) إصرارا منهم على الكفر. قوله تعالى: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ) أي أصابك. (بَعْضُ آلِهَتِنا) أي أصنامنا. (بِسُوءٍ) أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره. يقال: عراه الأمر واعتراه إذا ألم به. ومنه" وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ" «3» [الحج: 36]. (قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) أي على نفسي. (وَاشْهَدُوا)
__________ (1). راجع ج 7 ص 236.
(2). من ع وو.
(3). راجع ج 12 ص 47.

أي وأشهدكم، لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير، أي لتعرفوا (أَنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا) أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها. (فَكِيدُونِي جَمِيعاً) أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضرى. (ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) أي لا تؤخرون. وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى. وهو من أعلام النبوة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه:" فَكِيدُونِي جَمِيعاً". وكذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقريش. وقال نوح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ" «1» [يونس: 71] الآية. قوله تعالى: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. (ما مِنْ دَابَّةٍ) أي نفس تدب على الأرض، وهو في موضع رفع بالابتداء. (إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء، أي فلا تصلون إلى ضري. وكل ما فيه روح يقال له داب ودابه، والهاء للمبالغة. وقال الفراء: مالكها، والقادر عليها. وقال القتبي: قاهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته. وقال الضحاك: يحييها ثم يميتها، والمعنى متقارب. والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس. ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته. قال ابن جريج: إنما خص الناصية، لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع، فيقولون. ما ناصية فلان إلا بيد فلان، ألا إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. وقال، الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" قوله تعالى:" ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها" وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقدر نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير. وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". ولهذا
__________
(1). راجع ج 8 ص 362.

قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قال:" فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها". وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية، لأنها تنص حركات العباد بما قدر، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها. ووصف ناصية أبي جهل فقال:" ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ" «1» [العلق: 16] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة، فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ. [والله أعلم «2»]. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال النحاس: الصراط في اللغة المنهاج الواضح، والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شي فإنه لا يأخذهم إلا بالحق. وقيل: معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه. (قوله تعالى:) فَإِنْ تَوَلَّوْا) في موضع جزم، فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين. (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) بمعنى قد بينت لكم. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ) أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه." وَيَسْتَخْلِفُ" مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع، أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله:" فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ". وروي عن حفص عن عاصم" ويستخلف" بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها، مثل:" وَيَذَرُهُمْ «3» فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ" [الأعراف: 186]. قوله تعالى: (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) أي بتوليكم وإعراضكم. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي لكل شي حافظ." عَلى " بمعنى اللام، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء.
__________
(1). راجع ج 20 ص 124.
(2). من ع.
(3). بالباء وسكون الراء قراءة. راجع ج 7 ص 334.

(قوله تعالى:) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا بهلاك عاد. (نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة. وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لن ينجي أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه". وقيل: معنى" بِرَحْمَةٍ مِنَّا" بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة. وكانوا أربعة آلاف. وقيل: ثلاثة آلاف. (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) أي عذاب يوم القيامة. وقيل: هو الريح العقيم كما ذكر الله في" الذاريات" «1» وغيرها وسيأتي. قال القشيري أبو نصر: والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه، نعم! لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به. (قوله تعالى:) وَتِلْكَ عادٌ) ابتداء وخبر. وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف" عادا" فيجعله اسما للقبيلة. (جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها. (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) يعني هودا وحده، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه. ونظيره قوله تعالى:" يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ" «2» [المؤمنون: 51] يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هاهنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل. وقيل: عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) أي اتبع سقاطهم رؤساءهم. والجبار المتكبر. والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له «3». قال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند. وقال الراجز:
إني كبير لا أطيق العندا «4»

قوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً) أي ألحقوها. (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك، فالتمام على قوله:" وَيَوْمَ الْقِيامَةِ". (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ)
__________
(1). راجع ج 17 ص 50.
(2). راجع ج 12 ص 127.
(3). في ع: ينقاد.
(4). صدر البيت:
إذا رحلت فاجعلوني وسطا

. [.....]

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)

قال الفراء: أي كفروا نعمة ربهم، قال: ويقال كفرته وكفرت به، مثل شكرته وشكرت له. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله. والبعد الهلاك. والبعد التباعد من الخير. يقال: بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد. وبعد يبعد بعدا إذا هلك، قال:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر «1»
وقال النابغة:
فلا تبعدن إن المنية منهل ... وكل امرئ يوما به الحال زائل

[سورة هود (11): آية 61]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)
فيها خمس مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَإِلى ثَمُودَ) أي أرسلنا إلى ثمود (أَخاهُمْ) أي في النسب. (صالِحاً). وقرا يحيي بن وثاب" وإلى ثمود" بالتنوين في كل القرآن، وكذلك روي عن الحسن. واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع. وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف، إذ كان الأغلب عليه التأنيث. قال النحاس: الذي قال أبو عبيدة- رحمه الله- من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود، لأن ثمودا يقال له حي، ويقال له قبيلة، وليس الغالب عليه القبيلة، بل الأمر على ضد ما قال عند سيبويه. والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف، نحو قريش وثقيف وما أشبههما، وكذلك ثمود، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى. والتأنيث جيد بالغ حسن. وأنشد سيبويه «2» في التأنيث:
غلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها
__________
(1). تقدم شرح البيت في هامش ج 6 ص 14.
(2). البيت لعدي بن الرقاع يمدح الوليد بن عبد الملك، والشاهد فيه ترك صرف قريش حملا على معنى القبيلة، والصرف فيها أكثر وأعرف لأنهم قصدوا بها قصد الحي، وغلب ذلك عليها. (شواهد سيبويه).

الثانية- قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تقدم. (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدم في" البقرة" «1» و" الأنعام" «2» وهم منه، وقيل:" أنشأكم في الأرض". ولا يجوز إدغام الهاء من" غَيْرُهُ" في الهاء من" هُوَ" إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج. (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) أي جعلكم عمارها وسكانها. قال مجاهد: ومعنى" اسْتَعْمَرَكُمْ" أعمركم من قوله: أعمر فلان فلانا داره، فهي له عمرى. وقال قتادة: أسكنكم فيها، وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى أفعل، مثل استجاب بمعنى أجاب. وقال الضحاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف. ابن عباس: أعاشكم فيها. زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها. الثالثة- قال ابن عربي قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب، قال القاضي أبو بكر: تأتى كلمة استفعل في لسان العرب على معان: منها، استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله: استحملته أي طلبت منه حملانا، وبمعنى اعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا، أو وجدته سهلا، واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته، ومنه استفعلت بمعنى أصبت، كقولهم: استجدته أي أصبته «3» جيدا: ومنها بمعنى فعل: كقوله: قر في المكان واستقر، وقالوا وقوله:" يَسْتَهْزِؤُنَ" و" يَسْتَسْخِرُونَ" منه، فقوله تعالى:" اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها" خلقكم لعمارتها"، لا معنى استجدته واستسهلته، أي أصبته جيدا وسهلا، وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع إلى أنه خلق، لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازا، ولا يصح ان يقال إنه طلب من الله لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه، أما أنه يصح أن يقال: أنه استدعى
__________
(1). راجع ج 1 ص 279 فما بعد.
(2). راجع ج 6 ص 287 فما بعد.
(3). في و: وجدته.

عمارتها فأنه جاء بلفظ استفعل، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه أذا كان أمرا، وطلب للفعل أذا كان من الأدنى ألى الأعلى [رغبة «1»]. قلت: لم يذكر استفعل بمعنى أفعل، مثل قوله: استوقد بمعنى أوقد، وقد ذكرناه، «2» وهى: الرابعة- ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في" البقرة" «3» في السكنى والرقبى. وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: أحدهما- أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره، فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته، هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، واحد أقوال الشافعي، وقد تقدم في" البقرة" حجة هذا القول. الثاني أنها تمليك الرقبة ومنافعا وهى هبة مبتولة «4» وهو قول أبى حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن ابن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبى عبيد، قالوا من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته، لأنه قد ملك رقبتها، وشرط المعطى الحياة والعمر باطل، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" العمرى جائزة"" والعمرى لمن وهبت له" الثالث- إن قال عمرك وليم يذكر العقب كان كالقول الأول: وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني، وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمه بن عبد الرحمن وابن أبى ذئب، وقد روى عن مالك، وهو ظاهر قوله في الموطأ. والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع الى المعمر، إذا انقرض عقب المعمر، إذا كان المعمر حيا، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته، وأولى الناس بميراثه. ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك في الحبس أيضا: إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه. وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه، وكذلك العمرى قياسا، وهو ظاهر الموطأ. وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله
__________
(1). الزيادة عن ابن العربي.
(2). راجع ج 1 ص 212 وص 299.
(3). راجع ج 1 ص 212 وص 299.
(4). مبتولة: ماضيه غير راجعة إلى الواهب، من بتلة، قطعه وأبانه.

قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

عليه وسلم قال" أيما رجل أعمر رجل عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" وعنه قال: إن العمرى التي أجاز رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها، قال معمر: وبذلك كان الزهري يفتي. قلت: معنى القرآن يجرى مع أهل القول الثاني، لأن الله سبحانه قال:" وَاسْتَعْمَرَكُمْ" بمعنى أعمركم، فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن، وبالعكس الرجل الفاجر، فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا. وقد يقال: إن الثناء الحسن يجرى مجرى العقب. وفى التنزيل:" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" «1» أي ثناء حسنا. وقيل: هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال:" وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ" «2» وقال:" وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ" «3». الخامسة- قوله تعالى: (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي سلوه المغفره من عبادة الأصنام. (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي ارجعوا إلى عبادته. (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي قريب الإجابة لمن دعاه. قد مضى في" البقرة" «4» عند قوله:" فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ" القول فيه.

[سورة هود (11): الآيات 62 الى 68]
قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68)
__________
(1). راجع ج 13 ص 112.
(2). راجع ج 15 ص 89 وص 112.
(3). راجع ج 15 ص 89 وص 112.
(4). راجع ج 2 ص 308 فما بعد.

قوله تعالى: (قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: انقطع رجاؤنا منك. (أَتَنْهانا) استفهام معناه الإنكار. (أَنْ نَعْبُدَ) أي عن أن نعبد. (ما يَعْبُدُ آباؤُنا) فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة" إبراهيم"" وَإِنَّا" والأصل وإننا، فاستثقل ثلاث نونات فأسقط الثالثة. (مِمَّا تَدْعُونا) الخطاب لصالح، وفى سورة" إبراهيم"" تَدْعُونَنا" «1» لأن الخطاب للرسل [صلوات الله وسلامه عليهم «2»] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة. قال الهذلي»
:
كنت إذا أتوته من غيب ... يشم عطفي ويبز ثوبي

«4» كأنما أربته بريب

قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً) تقدم معناه في قول نوح. (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) استفهام معنا هـ النفي، أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أي تضليل وأبعاد من الخير، قاله الفراء.
__________
(1). راجع ص 344 من هذا الجزء. [.....]
(2). من ع.
(3). هو خالد بن زهير الهذلي كما في اللسان، وصدر البيت الأول:
يا قوم ما لي وأنا ذؤيب

(4). (يبز ثوبي): يجذبه إليه.

والتخسير لهم لا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم، عن ابن عباس. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ) ابتداء وخبر. (لَكُمْ آيَةً) نصب على الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في" هذه 11. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها من جبل- على ما طلبوا- على أنهم يؤمنون. وقيل: أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة «1»، فلما خرجت الناقة- على ما طلبوا- قال لهم [نبى الله «2»] صالح:" هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً". (فَذَرُوها تَأْكُلْ)" أمر وجوابه، وحذفت النون من" فَذَرُوها". لأنه أمر. ولا يقال: وذر ولا وأذر إلا شاذا. وللنحويين فيه قولان، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وقال غيره: لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فعل بمعناه لا واو فيه ألغوه، قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع" تَأْكُلْ" على الحال والاستئناف. (وَلا تَمَسُّوها) جزم بالنهي. (بِسُوءٍ) قال الفراء: بعقر. (فَيَأْخُذَكُمْ) جواب النهى. (عَذابٌ قَرِيبٌ) أي قريب من عقرها. قوله تعالى: (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (فَعَقَرُوها) إنما عقرها بعضهم، وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين. وقد تقدم الكلام في عقرها في" الأعراف" «3». ويأتي أيضا. (فَقالَ تَمَتَّعُوا) أي قال لهم صالح تمتعوا، أي بنعم الله عز وجل قبل العذاب. (فِي دارِكُمْ) أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم. وقيل: أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه، كقوله:" يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" «4» أي كل واحد طفلا. وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميت لا يتلذذ ولا يتمتع بشيء، فعقرت يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. وإنما أقاموا ثلاثة أيام، لأن الفصيل رغا ثلاثا على ما تقدم في" الأعراف" فاصفرت ألوانهم في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، وهلكوا في الرابع، وقد تقدم في" الأعراف".
__________
(1). كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.
(2). من ع.
(3). راجع ج 7 ص 240 فما بعدها.
(4). راجع ج 12 ص 11 وص 330 ج 15.

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر، لأن الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة. وقد تقدم في" النساء" «1» ما للعلماء في هذا. قوله تعالى: (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) أي غير كذب. وقيل: غير مكذوب فيه. قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا. (نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم. (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أي ونجيناهم من خزي يومئذ، أي من فضيحته وذلته. وقيل الواو زائدة، أي نجيناهم من خزي يومئذ. ولا يجوز زيادتها عند سيبويه واهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع" لما"" وحتى" لا غير. وقرا نافع والكسائي" يومئذ" بالنصب. الباقون بالكسر على إضافة" يوم" إلى" إذ". وقال أبو حاتم: حدثنا أبو زيد عن أبى عمر أنه قرأ" وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أدغم الياء في الياء، وأضاف، وكسر الميم في" يَوْمِئِذٍ". قال النحاس: الذي يرويه النحويون- مثل سيبويه ومن قاربه عن أبى عمرو في مثل هذا- الإخفاء، فأما الإدغام فلا يجوز، لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي. قوله تعالى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا، وذكر لأن الصيحة والصياح واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شي في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. وقال هنا:" وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وقال في" الأعراف"" فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وقد تقدم بيانه هناك «2» وفى التفسير: أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة؟! قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال اثنى عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، زعموا يلاقون العذاب، فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها،
__________
(1). راجع ج 5 ص 357.
(2). راجع ج 7 ص 242.

وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم. وجعل الماء يتفور «1» من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شي إلا أهلكه من شده حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس، فصيح بهم فأهلكوا. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير إذ جثمت. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

[سورة هود (11): الآيات 69 الى 71]
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ) هذه قصة لوط عليه السلام، وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام لحا «2»، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهى م ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط ومروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن قراه، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافا. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليم السلام، قاله ابن عباس. الضحاك: كانوا تسعة. السدى: أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو وضاءة وجمال بارع." بِالْبُشْرى " قيل: بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. وقيل: بشروه بأنهم رسل الله عز وجل، وأنه لا خوف عليه. (قالُوا سَلاماً) نصب بوقوع الفعل عليه، كما تقول: قالوا خيرا. وهذا اختيار الطبري. وأما قوله" سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ" «3» فالثلاثة اسم غير [قول ] «4» مقول. ولو رفعا جميعا
__________
(1). في ع: يفور.
(2). أي لازق النسب به.
(3). راجع ج 10 ص 382.
(4). من ع.

أو نصبا جميعا" قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ" جاز في العربية. وقيل: انتصب على المصدر. وقيل:" قالُوا سَلاماً" أي فاتحوه بصواب من القول، كما قال:" وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً «1»" أي صو أبا، فسلاما معنى قولهم لا لفظه، قال معناه ابن العربي واختاره. قال ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبرا عن الملائكة:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ «2»"" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ «3»". وقيل دعوا له، والمعنى سلمت سلاما. (قالَ سَلامٌ) في رفعه وجهان: أحدهما- على إضمار مبتدأ أي هو سلام، وأمري سلام. والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية، فأضمر الخبر. وجاز سلام على التنكير لكثرة استعماله، فحذف الألف والام كما حذفت من لا هم في قولك اللهم. وقرى" سلم" قال الفراء: السلم والسلام بمعنى، مثل الحل والحلال. قوله تعالى: (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) فيه أربع عشرة مسألة «4»: الأولى- قوله تعالى: (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ)" أَنْ" بمعنى حتى، قاله كبراء «5» النحويين، حكاه ابن العربي. التقدير: فما لبث حتى جاء. وقيل:" أَنْ" في موضع نصب بسقوط حرف الجر، التقدير: فما لبث عن أن جاء، أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما حذف حرف الجر بقي" أَنْ" في محل النصب. وفى" لَبِثَ" ضمير اسم إبراهيم. و" سَلاماً" نافيه، قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه، فإن في موضع رفع، ولا ضمير في" لَبِثَ" و" سَلاماً" نافية، ويصح أن تكون" سَلاماً" بمعنى الذي، وفي" لَبِثَ" ضمير إبراهيم و" أَنْ جاءَ" خبر" سَلاماً" أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ. و(حَنِيذٍ) مشوي. وقيل هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار. يقال حنذت الشاة أحنذها حنذا أي اشويها، وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ. وحنذت الفرس أحنذه حنذا، وهو أن تحضره شوطا أو شوطين ثم تظاهر عليه الجلال في الشمس ليعرق، فهو محنوذ وحنيذ. فإن لم يعرق قيل: كبا. وحنذ موضع قريب
__________
(1). راجع ج 13 ص 67. [.....]
(2). راجع ص 312 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 15 ص 284 فما بعد.
(4). كذا في الأصل والمسائل المذكورة هي في آيه 70 و71 أيضا لأفي هذه الآية فحسب.
(5). في ع: أكثر.

من المدينة «1». وقيل: الحنيذ السميط. ابن عباس وغيره: حنيذ نضيج. وحنيذ بمعنى محنوذ، وأنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله. الثانية- في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أول من أضاف على ما تقدم في" البقرة" «2» وليست بواجبة عند عامة أهل العلم لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة". والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". وإكرام الجار ليس بواجب إجماعا، فالضيافه مثله. والله أعلم. وذهب الليث إلى وجوبها تمسكا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ليله الضيف حق" إلى غير ذلك من الأحاديث. وفيما أشرنا إليه كفاية، والله الموفق للهداية. قال ابن العربي: وقد قال قوم: إن وجوب الضيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهذا ضعيف، فأن الوجوب لم يثبت، والناسخ لم يرد وذكر حديث أبى سعيد الخدري خرجه الأئمة، وفية:" فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا فلدغ سيد ذلك الحي" الحديث. وقال: هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقا للأم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القوم الذين أبوا، ولبين لهم ذلك. الثالثة- اختلف العلماء فيمن يخاطب بها، فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر [حكى اللغتين «3» صاحب العين وغيره ]. واحتجوا بحديث ابن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر". وهذا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخى
__________
(1). وحنيذ موضع قريب من مكة أيضا.
(2). راجع ج 2 ص 98.
(3). من و، فليتأمل.

عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب، وهذا مما انفرد به، ونسب إلى وضعه، قاله أبو عمر بن عبد البر. قال ابن العربي: الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأواة والأقوات، ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة، فإن كان غريبا فهي فريضة. الرابعة- قال ابن العربي قال بعض علمائنا: كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، وبالقياس في موضع النقل، من أبن علم أنه قليل؟! بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة، جبريل وميكائيل وإسرافيل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعجل لثلاثة عظيم، فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأى؟! هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه. الخامسة- السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل، فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم، لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. وروى أنهم كانوا ينكتون بقداح «1» كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم. (نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أي أضمر. وقيل: أحس، والوجوس الدخول، قال الشاعر:
جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه جزعا
" خِيفَةً" خوفا، أي فزعا. وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا، فقالت الملائكة (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ). السادسة- من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا؟ وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة «2» لا بتحديد النظر. روى أن أعرابيا أكل مع
__________
(1). قداح (جمع قدح بالكسر) السهم قبل أن ينصل ويراش.
(2). في ع: أو مسارقة.

سليمان ابن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الإعرابي شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك، فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي؟! والله لا أكلت معك. قلت وقد ذكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول:
وللموت خير من [زيارة] «1» باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
السابعة- قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) يقول: أنكرهم، تقول: نكرتك [وأنكرتك ] «2» واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته، قال الشاعر «3»:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فجمع بين اللغتين. ويقال: نكرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك. الثامنة- قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) ابتداء وخبر، أي قائمة بحيث ترى الملائكة. قيل: كانت من وراء الستر. وقيل كانت تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد ابن اسحق: قائمة تصلى. وفي قراءة عبد الله بن مسعود" وامرأته قائمة وهو قاعد". التاسعة قوله تعالى: (فَضَحِكَتْ) قال مجاهد وعكرمة: حاضت، وكانت آيسة، تحقيقا للبشارة، وأنشد على ذلك اللغويون:
وإني لآتي العرس عند طهورها ... وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا
وقال آخر:
وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الجوف يوم اللقا
والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما وعكرمة، أخذ من قولهم: ضحكت الكافورة- وهى قشرة الطلعة- إذا انشقت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلفوا فيه، فقيل: هو ضحك التعجب، قال أبو ذؤيب:
__________
(1). كذا في ع وى وفى الفريد، وفى ك: ضيافة.
(2). من اوع وك وو.
(3). البيت للأعشى.

فجاء بمزج لم يرى الناس مثله ... هو الضحك «1» إلا أنه عمل النحل
وقال مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في حشمه وخدمه، وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل. قال وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم. وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك، قال الفراء: لم أسمعه من ثقة، وإنما هو كناية. وروى أن الملائكة مسحت العجل، فقام من موضعه فلحق بأمه، فضحكت سارة عند ذلك فبشروها بإسحاق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم، فذلك قوله:" وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ" أي قائمة في خدمتهم. ويقال:" قائِمَةٌ" لروع إبراهيم" فَضَحِكَتْ" لقولهم:" لا تَخَفْ" سرورا بالأمن. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، المعنى: فبشرناها بإسحاق فضحكت، أي ضحكت سرورا بالولد، وقد هرمت، والله أعلم أي ذلك كان. قال النحاس فيه أقوال: أحسنها- أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم، فلما قالوا لا تخف، وأخبروه أنهم رسل [الله «2» [، فرح بذلك، فضحكت امرأته سرورا بفرحة. وقيل: أنها كانت قالت له: أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك، فلما جاءت الرسل بما قالته سرت به فضحكت، قال النحاس: وهذا إن صح إسناده فهو حسن. والضحك انكشاف الأسنان. ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه، تقول رأيت فلانا ضاحكا، أي مشرقا. وأتيت على روضة تضحك، أي مشرقة، وفى الحديث" إن الله سبحانه «3» يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك". جعل انجلاءه عن البرق ضحكا، وهذا كلام مستعار. وروى عن رجل من قراء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي." ضحكت" بفتح الحاء، قال المهدوي: وفتح" الحاء" من" فضحكت" غير معروف. وضحك يضحك ضحكا وضحكا وضحكا [وضحكا] «4» أربع لغات. والضحكة المرة الواحدة، ومنه قول كثير:
غلقت لضحكته رقاب المال «5»

قاله الجوهري:
__________
(1). وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك).
(2). من ع. [.....]
(3). من ع.
(4). من ع.
(5). صدر البيت:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا

العاشرة- روى مسلم عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهى العروس. قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور «1»، فلما أكل سقته إياه. وأخرجه البخاري وترجم له" باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس". قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها. وفية أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه، ويستخدمهن «2» لهم. ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب والله أعلم الحادية عشرة- ذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا: لا نأكل طعاما إلا بثمن، فقال لهم:" ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في آخره" فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا. قال علماؤنا: ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل. وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام، إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم عليه السلام الضيافة [حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة «3»] الثانية عشرة- ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا، وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم كان لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقى يوما رجلا، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سم الله، قال الرجل لا أدرى ما الله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة، فخرج إبراهيم فزعا يجر رداءه، وقال: ارجع، فقال: لا أرجع حتى تخبرني لم تردني لغير معنى؟ فأخبره بالأمر، فقال هذا رب كريم، آمنت، ودخل وسمي الله واكل مؤمنا «4»
__________
(1). التور: إناء تشرب فيه العرب، ويتوضأ منه، ويصنع من صفرا وحجارة.
(2). في ع: يستخدمها.
(3). الزيادة عن ابن العربي.
(4). في ع: متمتعا.

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

الثالثة عشرة- قوله تعالى: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ) لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست لكبر سنها، فبشرت بولد يكون نبيا ويلد نبيا، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. الرابعة عشرة- قوله تعالى: (وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) قرأ حمزة وعبد الله ابن عامر" يَعْقُوبَ" بالنصب. ورفع الباقون، فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحاق يعقوب. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في" مِنْ" كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال، أي بشروها بإسحاق مقابلا له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب. وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون" يَعْقُوبَ" في موضع جر على معنى: وبشرناها من وراء إسحاق يعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض، قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أول من أمس وأمس عمرو «1» كان قبيحا [خبيثا] «2»، لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور، لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

[سورة هود (11): آية 72]
قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عَجِيبٌ (72)
فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (يا وَيْلَتى ) قال الزجاج: أصلها يا ويلتى، فأبدل من الياء ألف، لأنها أخف من الياء والكسرة، ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجن منه، وعجبت من ولادتها [ومن ] «3» كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. و(أَأَلِدُ)" استفهام معناه التعجب. (وَأَنَا عَجُوزٌ)" أي شيخة. ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت تعجيزا، أي طعنت في السن.
__________
(1). والوجه عنده (وأمس بعمرو).
(2). كذا في اوك ع وووى.
(3). من ع.

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

وقد يقال: عجوزة أيضا. وعجزت المرأة بكسر الجيم، عظمت عجيزتها عجزا وعجزا بضم العين وفتحها. قال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة. وقال ابن إسحاق: كانت بنت تسعين [سنة «1»]. وقيل غير هذا. الثانية- قوله تعالى: (وَهذا بَعْلِي) أي زوجي. (شَيْخاً) نصب على الحال، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة." وَهذا بَعْلِي" ابتداء وخبر. وقال الأخفش: وفى قراءة ابن مسعود وأبى" وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" قال النحاس: كما تقول هذا زيد قائم، فزيد بدل من هذا، وقائم خبر الابتداء. ويجوز أن يكون" هذا" مبتدأ" وزيد قائم" خبرين، وحكى سيبويه: هذا حلو حامض. وقيل كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: ابن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة. وقيل: أنها عرضت بقولها:" وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" أي عن ترك غشيانه لها. وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت هاران بن ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهى بنت عم إبراهيم. (إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عَجِيبٌ) أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب.

[سورة هود (11): آية 73]
قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) لما قالت:" وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله، أي من قضائه وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق. وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل، وأنه أسن من إسحاق، لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا، وبيانه في" الصافات" «2» إن شاء الله تعالى.
__________
(1). من ع.
(2). راجع ج 15 ص 98 فما بعد.

الثانية- قوله تعالى: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ) مبتدأ، والخبر (عَلَيْكُمْ). وحكى سيبويه" عَلَيْكُمْ" بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه إخبارا أشرف، لأن ذلك يقتضى حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضى أنه أمر يترجى ولم يحصل بعد. ونصب (أَهْلَ الْبَيْتِ) على الاختصاص، وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على النداء. الثالثة- هذه الآية تعطى أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ممن قال الله فيهم:" وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" وسيأتي «1». الرابعة- ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام" وَبَرَكاتُهُ" كما أخبر الله عن صالحي عباده" رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ". والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة. وروى مالك عن وهب بن كيسان أبى نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئا مع ذلك، فقال ابن عباس- وهو يومئذ قد ذهب بصره- من هذا؟ فقالوا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، فقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وروى عن على رضى الله عنه أنه قال: دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عصبة من أصحابه، فقلت: السلام عليكم، فقال:" وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشره لك". قال: ودخلت الثانية، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك". فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال:" وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء. (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي محمود ماجد. وقد بيناهما في" الْأَسْماءُ الْحُسْنى ".
__________
(1). راجع ج 14 ص 178.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

[سورة هود (11): الآيات 74 الى 76]
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)
قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ) أي الخوف، يقال: ارتاع من كذا إذا خاف، قال النابغة:
فارتاع من صوت كلاب «1» فبات له ... طوع الشوامت من خوف ومن صرد
(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى ) أي بإسحاق ويعقوب. وقال قتادة: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف. (يُجادِلُنا) أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة، وذلك أنهم لما قالوا:" إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ «2»" قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال فإن كان فيها عشرة- أو خمسة شك حميد- قالوا: لا. قال قتادة: نحوا منه، قال فقال يعنى إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك:" إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ". وقال عبد الرحمن بن سمرة: كانوا أربعمائة ألف. ابن جريج. وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائي أن" يُجادِلُنا" في موضع" جادلنا". قال النحاس: لما كان جواب" فَلَمَّا" يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه، كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه. وفية جواب آخر- أن يكون" يُجادِلُنا" في موضع الحال، أي أقبل يجادلنا، وهذا قول الفراء. (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)
__________
(1). الكلاب: صاحب الكلاب. يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي أدركه، والبرد الذي أصابه مبيت سوء، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه. [.....]
(2). راجع ج 13 ص 341 فما بعد.

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

تقدم في" براءة" «1» معنى" لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ". والمنيب الراجع، يقال: أناب إذا رجع. وإبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان راجعا إلى الله في أموره كلها. وقيل: الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان. قوله تعالى: (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي دع عنك الجدال في قوم لوط. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي عذابه لهم. (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ) أي نازل بهم. (عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

[سورة هود (11): الآيات 77 الى 83]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
قوله تعالى: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي ءَ بِهِمْ) لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة
__________
(1). راجع ج 8 ص 274.

ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش، فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. (سِي ءَ بِهِمْ) أي ساءه مجيئهم، يقال: ساء يسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا، وإن شئت ضممت السين، لأن أصلها الضم، والأصل سوئ بهم من السوء، قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت:" سي بهم" مخففا، ولغة شاذة بالتشديد. (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذ حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل: هو من ذرعه القيء أي غلبه، أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أي شديد في الشر. وقال الشاعر:
وإنك إلا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال آخر:
يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
ويقال: عصيب وعصبصب على التكثير، أي مكروه مجتمع الشر وقد. عصب، أي عصب بالشر عصابة، ومنه قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الكلمة، أي مجتمعون في أنفسهم. وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب، وتعصبت لفلان صرت كعصبته، ورجل معصوب «1»، أي مجتمع الخلق. (قوله تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) في موضع الحال." يُهْرَعُونَ" أي يسرعون. قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة، يقال: أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، وهو مهرع، قال مهلهل:
__________
(1). في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)

فجاءوا يهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف
وقال آخر:
بمعجلات نحوه مهارع

وهذا مثل: أولع فلان بالأمر، وأرعد زيد. وزهي فلان وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه. وقيل: أهرع أي أهرعه حرصه، وعلى هذا" يُهْرَعُونَ" أي يستحثون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع، على لفظ ما لم يسم فاعله. قال ابن القوطية: هرع الإنسان هرعا، وأهرع: سيق واستعجل. وقال الهروي يقال: هرع الرجل وأهرع أي استحث. قال ابن عباس وقتادة والسدي:" يُهْرَعُونَ" يهرولون. الضحاك: يسعون. ابن عيينة: كأنهم يدفعون. وقال شمر بن عطية: هو مشي بين الهرولة والجمزى. وقال الحسن: مشي بين مشيين، والمعنى متقارب. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا، وكذا وكذا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه. ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم، فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أومأ سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض- وقد كان الله عز وجل، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات- فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلُ) أي ومن قبل مجيء الرسل. وقيل: من قبل لوط. (كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاءوا إلى لوط وقصدوا

أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابتداء وخبر. وقد اختلف في قوله:" هؤُلاءِ بَناتِي" فقيل: كان له ثلاث بنات من صلبه. وقيل: بنتان، زيتا «1» وزعوراء، فقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه. وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ، فزوج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنتا له من عتبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقالت فرقة- منهم مجاهد وسعيد بن جبير- أشار بقوله:" بَناتِي" إلى النساء جملة، إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود." النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم [الأحزاب: 6]. وقالت طائفة: إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه، روي هذا القول عن أبي عبيدة، كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال عكرمة: لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا. قوله تعالى: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) ابتداء وخبر، أي أزوجكموهن، فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحل. والتطهر التنزه عما لا يحل. وقال ابن عباس: كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته. وليس ألف" أَطْهَرُ" للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح [الرجال «2»] طهارة، بل هو كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل، وهذا جائز شائع «3» في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد: اعل هبل «4» اعل هبل، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر:" قل الله أعلى وأجل". وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا. وقرا العامة برفع الراء. وقرا الحسن وعيسى بن عمرو" هن أطهر" بالنصب على الحال. و" هُنَّ" عماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون" هُنَّ" هاهنا عمادا، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت.
__________
(1). كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.
(2). في الأصل (النساء) وهو تحريف.
(3). في ع: سائغ.
(4). أي أظهر دينك.

قال الزجاج: ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها. قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) أي لا تهينوني ولا تذلوني. ومنه قول حسان:
فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنبي تعمدا ... ودميت فاه قطعت بالبوارق
ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل، قال ذو الرمة:
خزاية «1» أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
وقال آخر:
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحلي جيدها
وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد، لأنه في الأصل مصدر، قال الشاعر:
لا تعدمي الدهر شفار الجازر ... للضيف والضيف أحق زائر
ويجوز فيه التثنية والجمع، والأول أكثر كقولك: رجال صوم وفطر وزور. وخزي الرجل خزاية، أي استحيا مثل ذل وهان. وخزي خزيا إذا افتضح، يخزى فيهما جميعا. ثم وبخهم بقوله:" (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ)" أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل:" رَشِيدٌ" أي ذو رشد. أو بمعنى راشد أو مرشد، أي صالح أو مصلح ابن عباس: مؤمن. أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرشد، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة. ويجوز أي يكون بمعنى المرشد، كالحكيم بمعنى المحكم. قوله تعالى: (قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ) روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى:
__________
(1). (خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:
حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.

" قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وبعد ألا تكون هذه الخاصية. فوجه الكلام أنه ليس، لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) إشارة إلى الأضياف. قوله تعالى: (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم، فقال على جهة التفجع والاستكانة.:" لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أي أنصارا وأعوانا. وقال ابن عباس: أراد الولد. و" أَنَّ" في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو اتفق أو وقع. وهذا يطرد في" أَنَّ" التابعة ل" لَوْ". وجواب" لَوْ" محذوف، أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. (أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أي ألجأ وانضوى. وقرى" أو آوي" بالنصب عطفا على" قُوَّةً" كأنه قال:" لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أو إيواء إلى ركن شديد، أي وأن آوي، فهو منصوب بإضمار" أن". ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" الحديث، وقد تقدم في" البقرة" «1». وخرجه الترمذي وزاد" ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه". قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة، حديث حسن. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء، قال الله تعالى:" وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ" «2» [القمر: 37]. وقال ابن عباس واهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود،
__________
(1). راجع ج 3 ص 298.
(2). راجع ج 17 ص 143.

وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى، يتوعدونه. (قوله تعالى:) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت. (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أي بمكروه (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قرئ" فَأَسْرِ" بوصل الألف وقطعها، لغتان فصيحتان. قال الله تعالى:" وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ" «1» [الفجر: 4] وقال:" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى " «2» [الإسراء: 1] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين:
أسرت «3» عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
وقال آخر:
حي النضيرة ربة الخدر ... أسرت إليك ولم تكن تسري
وقد قيل:" فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره، ولا يقال في النهار إلا سار. وقال لبيد:
إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل
وقال عبد الله بن رواحة:
عند الصباح يحمد القوم السرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قال ابن عباس: بطائفة من الليل. الضحاك: ببقية من الليل. قتادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: بعد جنح من الليل. ابن الأعرابي: بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدء من الليل. وقيل: هزيع
__________
(1). راجع ج 20 ص 42.
(2). راجع ج 10 ص 204.
(3). ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.

من الليل. وكلها متقاربة، وقيل: إنه نصف الليل، مأخوذ من قطعه نصفين، ومنه قول الشاعر «1»:
ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بقارعة الصعيد
فإن قيل: السرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى" بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فالجواب: أنه لو لم يقل:" بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جاز أن يكون أوله. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أي لا ينظر وراءه منكم أحد، قال مجاهد. ابن عباس: لا يتخلف منكم أحد. علي بن عيسى: لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب، وهي القراءة الواضحة البينة المعنى، أي فأسر بأهلك إلا امرأتك. وكذا في قراءة ابن مسعود" فأسر بأهلك إلا امرأتك" فهو استثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل:" كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ" «2» [الأعراف: 83] أي من الباقين. وقرا أبو عمرو وابن كثير:" إلا امرأتك" بالرفع على البدل من" أَحَدٌ". وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد، وقال: لا يصح ذلك إلا برفع" يَلْتَفِتْ" ويكون نعتا، لأن المعنى يصير- إذا أبدلت وجزمت- أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون، والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان، فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب، أي لا تدعه يخرج، ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد، يكون معناه: أنههم عن القيام إلا زيدا، وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره، كأنه قال: أنههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النهي عن الالتفات لأنه كلام تام، أي لا يلتفت، منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها. (إِنَّهُ مُصِيبُها)
__________
(1). هو مالك بن كنانه. [.....]
(2). راجع ج 13 ص 241.

أي من العذاب، والكناية في" إِنَّهُ" ترجع إلى الأمر والشأن، فإن الأمر والشأن والقصة. (مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لما قالت الملائكة:" إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ" [العنكبوت: 31] قال لوط: الآن الآن. استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه، فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وقرا عيسى بن عمر" أليس الصبح" بضم الباء وهي لغة. ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه، وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى. فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم. (قوله تعالى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا. (جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس: سدوم- وهي القرية العظمى،- وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم «1»، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما في فيها، حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر «2» لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل. أهلكت أربعة، ونجت ضعوه. وقيل: غير هذا، والله أعلم. قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم، وقد تقدم في" الأعراف" «3». وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في" سِجِّيلٍ" فقال النحاس «4»: السجيل الشديد الكثير، وسجيل وسجين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد، وأنشد «5»
ضربا تواصى به الأبطال سجينا
__________
(1). وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.
(2). في ى: ينكشف.
(3). راجع ج 7 ص 243.
(4). كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).
(5). سيأتي البيت بتمامه في ص 83.

قال النحاس: ورد عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به؟! قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى، وقول أبي عبيدة يرد من جهة أخرى، وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا، لأنه لا يقال: حجارة من شديد، لأن شديدا نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها سنج وجيل. ويقال: سنك وكيل، بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا. وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين بدليل قوله" لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
" «1» [الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت. والسجيل عند العرب كل شديد صلب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ابن زيد: طين طبخ حتى كان كالأجر، وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا، ذكره المهدوي، وحكاه الثعلبي عن أبي العالية، وقال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه ب" مَنْضُودٍ". وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله:" وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ" «2» [النور: 43]. وقيل: هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم، فهو في معنى سجين، قال الله تعالى:" وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ" «3» [المطففين: 8] قاله الزجاج واختاره. وقيل: هو فعيل من أسجلته أي أرسلته، فكأنها مرسلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيته، فكأنه عذاب أعطوه، قال «4»:
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
__________
(1). راجع ج 17 ص 47.
(2). راجع ج 12 ص 289.
(3). راجع ج 19 ص 254.
(4). البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.

وقال أهل المعاني: السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب، قال ابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية «1» ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
(مَنْضُودٍ) قال ابن عباس: متتابع. وقال قتادة: نضد بعضها فوق بعض. وقال الربيع: نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا. وقال عكرمة: مصفوف. وقال بعضهم مرصوص، والمعنى متقارب. يقال: نضدت المتاع واللبن إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد ونضد، قال:
ورفعته إلى السجفين فالنضد

وقال أبو بكر الهذلي: معد، أي هو مما أعده الله لأعدائه الظلمة. (مُسَوَّمَةً) أي معلمة، من السيما وهي العلامة، أي كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر «2»:
غلام رماه الله بالحسن يافعا ... له سيمياء لا تشق على البصر
و" مُسَوَّمَةً" من نعت حجارة. و" مَنْضُودٍ" من نعت" سِجِّيلٍ". وفى قوله: (عِنْدَ رَبِّكَ)" دليل على أنها ليست من حجارة الأرض، قاله الحسن. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يعني قوم لوط، أي لم تكن تخطئهم. وقال مجاهد: يرهب قريشا، المعنى: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ظالما بعد. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل" ثم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".
__________
(1). وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).
(2). البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر
وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

وفي رواية عنه عليه السلام" لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك". وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد، وهي بين الشام والمدينة. وجاء" بِبَعِيدٍ" مذكرا على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما- أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني- أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها.

[سورة هود (11): الآيات 84 الى 95]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ

وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
قوله تعالى: (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما- أنهم بنو مدين بن إبراهيم، فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني- أنه أسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه أسم مدينة، وقد تقدم في" الأعراف" «1» هذا المعنى وزيادة. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تقدم. (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون [عليه «2»] وظلموا، وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا له بغاية ما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. (إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم. وقال الحسن: كان سعرهم رخيصا. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم، فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد، أي شديد حره. واختلف في ذلك العذاب، فقيل: هو عذاب النار في الآخرة.
__________
(1). راجع ج 7 ص 257.
(2). من ع. [.....]

وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: غلاء السعر، روي معناه عن ابن عباس. وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء". وقد تقدم. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا. والإيفاء الإتمام." بِالْقِسْطِ" أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه، وليس يريد إيفاء المكيال والموزون لأنه لم يقل: أوفوا بالمكيال وبالميزان، بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا. (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في" الأعراف" «1» زيادة لهذا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم، قال معناه الطبري، وغيره. وقال مجاهد:" بقية الله خير لكم" يريد طاعته. وقال الربيع: وصية الله. وقال الفراء: مراقبة الله. ابن زيد: رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن عباس: رزق الله خير لكم. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا. (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم، أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم. (قوله تعالى:) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى" أصلاتك" من غير جمع. (تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا)" أَنْ" في موضع نصب، قال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء.
__________
(1). راجع ج 7 ص 248.

وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونفلها ويقول: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن الصلاة هنا بمعنى القراءة، قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك، ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زعم الفراء أن التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرا السلمي والضحاك بن قيس" أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء" بالتاء في الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس:" أَوْ أَنْ" على هذه القراءة معطوفة على" أَنْ" الأولى. وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم «1». وقيل: معنى." أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه؟!. (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يعنون عند نفسك بزعمك. ومثله في صفة أبي جهل:" ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" «2» [الدخان: 49] أي عند نفسك بزعمك. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قال قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض أبو الجون «3»، ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل:" ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وقال سفيان بن عيينة: العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل، كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة. وقيل: هو تعريض أرادوا به السب، وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته، أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا! ويدل عليه." أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
" أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه." قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟! وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال لهم: يا إخوة القردة" «4» فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.
__________
(1). حذف الشيء قطعه من أطرافه.
(2). راجع ج 16 ص 151.
(3). الجون هنا الأسود.
(4). في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج 6 ص 236 أنه أيضا من قول المسلمين لهم.

مسألة- قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم، كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما، وكسرهما ذنب عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها، وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة، فأضر ذلك، بالناس، ولذلك حرم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى:" وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ" «1» [النمل: 48] أنهم كانوا يكسرون الدراهم، قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي. مسألة: قال اصبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر، قال ابن العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر، وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك. مسألة: إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير والدراهم، قال ابن المسيب: هذا من الفساد في الأرض، ولم ينكر جلده، ونحوه عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة «2» فأتى برجل [يقطع الدراهم ] «3» وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع
__________
(1). راجع ج 13 ص 215.
(2). في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.
(3). من ع وز وك وووى.

الدراهم، ثم أمر أن يرد إليه، فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر، وقد كنت أيام الحكم [بين الناس ] «1» أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة، وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء، فإن قيل: أليس الحرز أصلا في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شي على قدر حاله، وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه، ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة. قال ابن العربي: وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن «2» بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى. قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: أراد به. الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه، أي أفلا أنهاكم عن الضلال! وقيل: المعنى" أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أتبع الضلال؟ وقيل: المعنى" أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أتأمرونني «3» بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله [عنه ] «4». (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) في موضع نصب ب" أُرِيدُ". (إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أي ليس أنهاكم عن شي وارتكبه كما لا أترك ما أمرتكم به. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)
__________
(1). من ع وى.
(2). من ع وفي ز وو وى: أحب.
(3). في ع: أفتأمرونني.
(4). من ع وى.

أي ما أريد إلا فعل الصلاح، أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة، وقال:" مَا اسْتَطَعْتُ" لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و" ما" مصدرية، أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي." (وَما تَوْفِيقِي)" أي رشدي، والتوفيق الرشد." (إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)" أي اعتمدت." (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)" أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو. قوله تعالى:" (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ)" وقرا يحيى بن وثاب" يجرمنكم". (شِقاقِي) في موضع رفع. (أَنْ يُصِيبَكُمْ) في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الأيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار [قبلكم «1»] قاله الحسن وقتادة. وقيل لا: يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. وقد تقدم معنى" يَجْرِمَنَّكُمْ" في" المائدة" «2» و" الشقاق" في" البقرة" «3» وهو بمعنى العداوة، قاله السدى، ومنه قول الأخطل:
ألا من مبلغ عني «4» رسولا ... فكيف وجدتم طعم الشقاق
وقال الحسن [البصري ] «5»: إضراري. وقال قتادة: فراقي. (وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد. قال الكسائي: أي دورهم في دوركم. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) تقدم (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب" الأسنى في شرح الأسماء الحسنى". قال الجوهري: وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا ذكر شعيبا قال:" ذاك خطيب الأنبياء".
__________
(1). من ع وووى.
(2). راجع ج 6 ص 44 وما بعدها. [.....]
(3). راجع ج 2 ص 143.
(4). الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.
(5). من ع.

قوله تعالى: (قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) أي ما نفهم، لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه، يقال: فقه يفقه إذا فهم فقها، وحكى الكسائي: فقه فقها وفقها إذا صار فقيها «1». (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قيل: إنه كان مصابا ببصره «2»، قاله سعيد ابن جبير وقتادة. وقيل: كان ضعيف البصر، قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا، أي قد ضعف بذهاب بصره، كما يقال، له ضرير، أي قد ضر بذهاب بصره، كما يقال له: مكفوف، أي قد كف عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: المعنى ضعيف البدن، حكاه علي بن عيسى. وقال السدي: وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و" ضَعِيفاً" نصب على الحال. (وَلَوْ لا رَهْطُكَ) رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم، ومنه الراهطاء لجحر اليربوع، لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده. ومعنى" (لَرَجَمْناكَ)" لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: معنى" لَرَجَمْناكَ" لشتمناك، ومنه قول الجعدي:
تراجمنا بمر القول حتى ... نصير كأننا فرسا رهان
والرجم أيضا اللعن، ومنه الشيطان الرجيم. (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي)" أَرَهْطِي" رفع بالابتداء، والمعنى أرهطي في قلوبكم (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وأعظم وأجل وهو يملككم. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا، أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي،
__________
(1). عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.
(2). ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.

يقال: جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في" البقرة" «1»، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أي من الكفر والمعصية. (مُحِيطٌ) أي عليم وقيل حفيظ. قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) تهديد ووعيد، وقد تقدم في" الأنعام" «2». (مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أي يهلكه. و" مَنْ" في موضع نصب، مثل" يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ" «3» [البقرة: 220]. (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عطف عليها. وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل: في محل رفع، تقديره: ويخزي من هو كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفراء أنهم إنما جاءوا ب" هُوَ" في" وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لأنهم لا يقولون من قائم، إنما يقولون: من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا" هُوَ" ليكون جملة تقوم مقام فعل يفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله «4»:
من رسولي إلى الثريا بأني ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أي انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة. قوله تعالى: (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أي صيحة جبريل. وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح:" وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فذكر على معنى الصياح. قال ابن عباس: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة، غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تقدم معناه. وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ" كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعد
__________
(1). راجع ج 2 ص 40.
(2). راجع ج 7 ص 89.
(3). راجع ج 3 ص 62.
(4). هو عمرو بن أبى ربيعة.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

يبعد بعدا وبعدا إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من" بَعِدَتْ" فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد، وبعدت تستعمل في الشر خاصة، يقال: بعد يبعد بعدا، فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى، فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني.

[سورة هود (11): الآيات 96 الى 99]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا) بين أنه أتبع النبي النبي لإقامة الحجة، وإزاحة كل علة" بِآياتِنا" أي بالتوراة. وقيل: بالمعجزات. (وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي حجة بينة، يعني العصا. وقد مضى في" آل عمران" «1» معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أي شأنه وحاله، حتى اتخذوه إلها، وخالفوا أمر الله تعالى. (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي بسديد يؤدي إلى صواب: وقيل:" بِرَشِيدٍ" أي بمرشد إلى خير. قوله تعالى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو رئيسهم. يقال: قدمهم يقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمهم. (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أي أدخلهم فيها. ذكر بلفظ الماضي، والمعنى فيوردهم النار، وما تحقق وجوده فكأنه كائن، فلهذا يعبر عن المستقبل بالماضي. (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أي بئس المدخل المدخول، ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود، وهو كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك والمورود الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.
__________
(1). راجع ج 4 ص 233.

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)

قوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً) أي في الدنيا. (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أي ولعنة يوم القيامة، وقد تقدم هذا المعنى. (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حكى الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفدا، أي أعنته وأعطيته. واسم العطية الرفد، أي بئس العطاء والإعانة. والرفد أيضا القدح الضخم، قاله الجوهري، والتقدير: بئس الرفد رفد المرفود. وذكر الماوردي: أن الرفد بفتح الراء القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب، حكى ذلك عن الأصمعي، فكأنه ذم بذلك ما يسقونه في النار. وقيل: إن الرفد الزيادة، أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

[سورة هود (11): الآيات 100 الى 109]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)

قوله تعالى: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ)" ذلِكَ" رفع على إضمار مبتدأ، أي الأمر ذلك. وإن شئت بالابتداء، والمعنى: ذلك النبأ المتقدم من أنباء القرى نقصه عليك. (مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قال قتادة: القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا أثر له. وقيل: القائم العامر، والحصيد الخراب، قاله ابن عباس: وقال مجاهد: قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل، يعني محصودا كالزرع إذا حصد، قال الشاعر:
والناس في قسم المنية بينهم ... كالزرع منه قائم وحصيد
وقال آخر «1»:
إنما نحن مثل خامة زرع ... فمتى يأن يأت محتصده
قال الأخفش سعيد: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض، قال: يكون فيمن يعقل حصدى، مثل قتيل وقتلى. (وَما ظَلَمْناهُمْ) أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم في" البقرة" «2» مستوفى. (وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والمعاصي. وحكى سيبويه أنه يقال: ظلم إياه (فَما أَغْنَتْ) أي دفعت. (عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) في الكلام حذف، أي التي كانوا يعبدون، أي يدعون. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أي غير تخسير، قاله مجاهد وقتادة. وقال لبيد:
فلقد بليت وكل صاحب جده ... لبلى يعود وذاكم التتبيب
والتباب الهلاك والخسران، وفيه إضمار، أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف، أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة. (قوله تعالى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى ) أي كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة. وقرا عاصم الجحدري وطلحة بن مصرف" وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى" وعن الجحدري أيضا" وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة" إذ أخذ القرى".
__________
(1). البيت للطرماح كما في اللسان.
(2). راجع ج 1 ص 309 وما بعدها.

قال المهدوي من قرأ:" وكذلك أخذ ربك إذ أخذ" فهو إخبار عما جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم، والمعنى: وكذلك أخذ ربك من أخذه من الأمم المهلكة إذ أخذهم. وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه، فإذ لما مضى، أي حين أخذ القرى، وإذا للمستقبل (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أي وأهلها ظالمون، فحذف المضاف مثل:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" [يوسف: 82]. (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. وفي صحيح مسلم والترمذي حديث أبي موسى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ" وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. قوله تعالى: (إن في ذلك لآية) أي لعبرة وموعظة. (لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ). (ذلِكَ يَوْمٌ) ابتداء وخبر. (مَجْمُوعٌ) من نعته. (لَهُ النَّاسُ) اسم ما لم يسم فاعله، ولهذا لم يقل مجموعون، فإن قدرت ارتفاع" النَّاسُ" بالابتداء، والخبر" مَجْمُوعٌ لَهُ" فإنما لم يقل: مجموعون على هذا التقدير، لأن" لَهُ" يقوم مقام الفاعل. والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم. (وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أي يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من أسماء القيامة في كتاب" التذكرة" وبينا هما والحمد الله. قوله تعالى: (وَما نُؤَخِّرُهُ) أي ما نؤخر ذلك اليوم. (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أي لأجل سبق به قضاؤنا، وهو معدود عندنا. (يَوْمَ يَأْتِ) وقرى" يَوْمَ يَأْتِ" لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة، تقول: لا أدر، ذكره القشيري. قال النحاس: قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج، وحذفها في الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا" يوم يأتي" بالياء في الوقف والوصل. وقرا الأعمش وحمزة" يَوْمَ يَأْتِ" بغير ياء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس: الوجه في هذا ألا يوقف عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين قالوا: لا تحذف الياء، ولا يجزم الشيء بغير جازم، فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي، قال: لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما

تحذف الضمة. وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما- أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء. والحجة الأخرى- أنه حكى أنها لغة هذيل، تقول: ما أدر، قال النحاس: أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشى يرده عليه أكثر العلماء، قال مالك بن أنس رحمه الله: سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب، وأما حجته بقولهم:" ما أدر" فلا حجة فيه، لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء، وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه. وأنشد الفراء في حذف الياء:
كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
أي تعطي. وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. قال الزجاج: والأجود في النحو إثبات الياء، قال: والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء، لأن القراءة سنة، وقد جاء مثله في كلام العرب. (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الأصل تتكلم، حذفت إحدى التاءين تخفيفا. وفية إضمار، أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام، لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه. وقيل: إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين. فيقول لم قال:" لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" و" هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»
[المرسلات: 36]. وقال في موضع من ذكر القيامة:" وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ" «2» [الصافات: 27]. وقال:" يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها" «3» [النحل: 111]. وقال:" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ" «4» [الصافات: 24]. وقال:" فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ" «5» [الرحمن: 39]. والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض، فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا، وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا، وخطابه فارغ عن
__________
(1). راجع ج 19 ص 164.
(2). راجع ج 15 ص 73 فما بعد، في الأصول" يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا. [.....]
(3). راجع ج 10 ص 193.
(4). راجع ج 15 ص 73 فما بعد، في الأصول" يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.
(5). راجع ج 17 ص 173.

الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم. وقال: قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام، فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أي من الأنفس، أو من الناس، وقد ذكرهم قوله:" يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة. والسعيد الذي كتبت عليه السعادة، قال لبيد:
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقي بالمعيشة قانع
وروى الترمذي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية" فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل؟ على شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال:" بل على شي قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له". قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر، وقد تقدم في" الأعراف" «1». قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) ابتداء. (فَفِي النَّارِ) في موضع الخبر، وكذا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قال أبو العالية: الزفير من الصدر. والشهيق من الحلق، وعنه أيضا ضد ذلك. وقال الزجاج: الزفير من شدة الأنين، والشهيق من الأنين المرتفع جدا، قال: وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق، والشهيق بمنزلة [آخر] صوت الحمار في النهيق. وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه، قال: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته، قال الشاعر «2»:
حشرج في الجوف سحيلا «3» أو شهق ... حتى يقال ناهق وما نهق
وقيل: الزفير إخراج النفس، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس وقيل: الزفير ترديد النفس من شدة الحزن، مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته،
__________
(1). راجع ج 7 ص 314.
(2). هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:
قاتم الأعماق خاوى المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق

(3). في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.

والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي طويل «1». والزفير والشهيق من أصوات المحزونين. قوله تعالى: (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ)" ما دامَتِ" في موضع نصب على الظرف، أي دوام السموات والأرض، والتقدير: وقت ذلك. واختلف في تأويل هذا، فقالت. طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك، وفي التنزيل:" وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
" «2» [الزمر: 74]. وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار. عن دوام الشيء وتأبيده، كقولهم: لا آتيك ما جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السموات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية، فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات والأرض. وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان أبدا في نور العرش. قوله تعالى: (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) في موضع نصب، لأنه استثناء ليس من الأول، وقد اختلف فيه على أقوال عشرة: الأولى- أنه استثناء من قوله:" فَفِي النَّارِ" كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما. وإنما لم يقل من شاء، لأن المراد العدد لا الأشخاص، كقوله:" ما طابَ لَكُمْ" «3» [النساء: 3]. وعن أبي نضرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية". الثاني- أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله:" فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من" خالِدِينَ"، قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم. وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يدخل ناس
__________
(1). قال في النهاية: شاهق عال.
(2). راجع ج 15 ص 274.
(3). راجع ج 5 ص 12.

جهنم حتى إذا صاروا كالحممة «1» أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون" وقد تقدم هذا المعنى في" النساء" «2» وغيرها. الثالث- أن الاستثناء من الزفير والشهيق، أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر. حكاه ابن الأنباري. الرابع- قال ابن مسعود:" خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها" إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم. قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق. الخامس- أن" إِلَّا" بمعنى" سوى" كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلا زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك «3». قيل: فالمعنى ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس- أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين:" خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول الآخر- وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره:" خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم. قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي «4» الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه:" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ" «5» [إبراهيم: 48] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم
__________
(1). الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.
(2). راجع ج 5 ص 332.
(3). وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.
(4). يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.
(5). راجع ص 382 من هذا الجزء [.....]

وأموالهم الجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفى بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السموات والأرض، فإنما دامتا للمعاملة، وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك، فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله، قال الله تعالى:" وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ" «1» [الدخان: 39] فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة، ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية، فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا، فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال:" إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها، فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد قيل: إن" إِلَّا" بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهوالثامن- والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السموات والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى:" إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا" «2» [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر «3»:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي والفرقدان. وقال أبو محمد مكي: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون" إِلَّا" بمعنى الواو، وقد مضى في" البقرة" «4» بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك، كقوله تعالى:" وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ" «5» [النساء: 22] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، العاشر- وهو أن قوله تعالى:" إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على حد قوله تعالى:" لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" «6» [الفتح: 27] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك، كأنه قال: إن شاء ربك، فليس يوصف بمتصل ولا منقطع، ويؤيده ويقويه قوله تعالى:" عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود
__________
(1). راجع ج 16 ص 147 وص 289.
(2). راجع ج 2 ص 128.
(3). البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون" إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت" كلا" بها.
(4). راجع ج 2 ص 128.
(5). راجع ج 5 ص 103.
(6). راجع ج 16 ص 147 وص 289.

الفريقين في الدارين، فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى:" لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" [الفتح: 27 [وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا، إذ المشيئة قد تقدمة، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام، ونحوه عن الفراء. وقول: حادي عشر- وهو أن الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم، وبيانه أن" ما" بمعنى" من" استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة. وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني، كأنه قال تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ" ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإيمانهم وبشفاعة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء، كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة. وقرا الأعمش وحفص وحمزة والكسائي" وأما الذين سعدوا" بضم السين. وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي" سعدوا" مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحنا لا يجوز، لأنه إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أمرض، وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه، لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به. قال المهدوي: ومن ضم السين من" سُعِدُوا" فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل، لأنه لا يقال: سعده الله، إنما يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي:" سعدوا" بضم السين أي رزقوا السعادة، يقال: سعد وأسعد بمعنى واحد وقرا الباقون" سُعِدُوا" بفتح

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)

السين قياسا على" شَقُوا" واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشقاوة، تقول: منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود، ولا يقال فيه: مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود. وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم: وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد، فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان، لأنه مما لا يتعدى. (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مقطوع، من جذه يجذه أي قطعه، قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب «1»
قوله تعالى: (فَلا تَكُ) جزم بالنهي، وحذفت النون لكثرة الاستعمال. (فِي مِرْيَةٍ) أي في شك. (مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) من الآلهة أنها باطل. وأحسن من هذا: أي قل يا محمد لكل من شك" فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فيه ثلاثة أقوال: أحدها- نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابن زيد. الثالث- ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

[سورة هود (11): آية 110]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)
قوله تعالى: (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) الكلمة: أن الله عز وجل حكم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح، ولولا ذلك لقضى بينهم أجلهم بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر. قيل: المراد بين المختلفين في كتاب موسى، فإنهم كانوا بين مصدق [به «2»] ومكذب. وقيل: بين هؤلاء المختلفين فيك يا محمد بتعجيل العقاب، ولكن
__________
(1). البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.
(2). من اوووى.

وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)

سبق الحكم بتأخير العقاب هذه الأمة إلى يوم القيامة. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) إن حملت على قوم موسى، أي لفي شك من كتاب موسى فهم في شك من القرآن.

[سورة هود (11): آية 111]
وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)
قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) أي إن كلا من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم، فكذلك قومك يا محمد. واختلف القراء في قراءة" وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" فقرأ أهل الحرمين- نافع وابن كثير وأبو بكر معهم-" وإن كلا لما" بالتخفيف، على أنها" إن" المخففة من الثقيلة معملة، وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيدا لمنطلق، وأنشد قول الشاعر «1»:
كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم

أراد كأنها ظبية فخفف ونصب ما بعدها، والبصريون يجوزون تخفيف" إن" المشددة مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي وقال: ما أدري على أي شي قرئ" وإن كلا"! وزعم الفراء أنه نصب كلا" في قراءة من خفف بقوله:" لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" أي وإن ليوفينهم كلا، وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط، لا يجوز عند أحد زيدا لأضربنه «2». وشدد الباقون" إِنَّ" ونصبوا بها" كُلًّا" على أصلها. وقرا عاصم وحمزة وابن عامر" لَمَّا" بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا" ما" صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما ب" ما". وقال الزجاج: لام" لَمَّا" لام" إن" و" ما" زائدة مؤكدة، تقول: إن زيدا لمنطلق، فإن
__________
(1). هو: ابن صريم اليشكري، وصدر البيت: ويوما توافينا بوجه مقسم يجوز نصب الظبية بكان تشبيها بالفعل إذا حذف وعمل، والخبر محذوف لعلم السامع. ويجوز جر الظبية على تقدير: كظبية، وأن زائدة مؤكدة.
(2). قال الطبري: وذلك أن العرب لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسما قبلها.

تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك: إن الله لغفور رحيم، وقوله:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى «1»". واللام في" لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" هي التي يتلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة، ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما ب" ما" و" ما" زائدة مؤكدة، وقال الفراء:" ما" بمعنى" من" كقوله:" وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ" [النساء: 72] أي وإن كلا لمن ليوفينهم، واللام في" لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" للقسم، وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن" ما" عند الزجاج زائدة وعند الفراء اسم بمعنى" من". وقيل: ليست بزائدة، بل هي اسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر" إِنَّ" و" لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" جواب القسم، التقدير: وإن كلا خلق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل:" ما" بمعنى" من" كقوله:" فَانْكِحُوا «2» ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ" [النساء: 3] أي من، وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدد" لما" وقرا" وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" بالتشديد فيهما- وهو حمزة ومن وافقه- فقيل: إنه لحن، حكي عن محمد بن زيد أن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه، ولا لما لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجها. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول- أن أصلها" لمن ما" فقلبت النون ميما، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت" لما" و" ما" على هذا القول بمعنى" من" تقديره: وإن كلا لمن الذين، كقولهم:
وإني لما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
وزيف الزجاج هذا القول، وقال:" من" اسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني- أن الأصل. لمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. وقيل:" لما" مصدر" لم" وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على الوقف، فهي على هذا كقوله:" وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا" «3» [الفجر: 19] أي جامعا للمال المأكول، فالتقدير على هذا: وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لما، أي جامعة لأعمالهم جمعا، فهو كقولك: قياما لأقومن. وقد قرأ الزهري" لما" بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث-
__________ (1). راجع ج 15 ص 245.
(2). راجع ج 5 ص 225 وص 12.
(3). راجع ج 20 ص 52.)

أن" لَمَّا" بمعنى" إلا" حكى أهل اللغة: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، ومثله قوله تعالى:" إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ" «1» [الطارق: 4] أي إلا عليها، فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم، قال القشيري: وزيف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله:" وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" حتى تقدر" إلا" ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع- قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلا لما بتخفيف" لما" ثم ثقلت كقوله «2»:
لقد خشيت أن أرى جدبا ... في عامنا ذا بعد ما أخصبا
وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأ، إنما يخفف المثقل، ولا يثقل المخفف. الخامس- قال أبو عبيد القاسم بن سلام: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لممت الشيء ألمه لما إذا جمعته، ثم بني منه فعلى، كما قرئ" ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا" «3» [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحا الإمالة، قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى" ما" مثل:" إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ" [الطارق: 4] وكذا أيضا تشدد على أصلها، وتكون بمعنى" ما" و" لما" بمعنى" إلا" حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين، وأن" لما" يستعمل بمعنى" إلا" قلت: هذا القول [الذي «4»] ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره، وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «5»" إن" فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا «6» وبقيت قراءتان، قال أبو حاتم: وفي حرف أبي:" وإن كلا إلا ليوفينهم" «7» [هود: 111] وروي عن الأعمش" وإن كل لما" بتخفيف" إن" ورفع" كل" وبتشديد" لَمَّا". قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها" إن" بمعنى" ما" لا غير، وتكون على التفسير، لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) تهديد ووعيد.
__________
(1). راجع ج 20 ص 3. [.....]
(2). البيت لرؤبة.
(3). راجع ج 12 ص 124.
(4). من ووى.
(5). من اوج وو.
(6). وردت العبارة الآتية بإحدى النسخ تصويبا لعبارة القرطبي، ومذيلة بكلمة. (حاشية): (صواب ما ذكره الشيخ رحمه الله أن يقول: إلا أن هذا القول" إن" فيه نافيه والقول المتقدم" إن" فيه مخففة من الثقيلة فافترقا).
(7). في ى: وإن كلا إلا ليوفينهم. وفي الشواذ: وإن كل بفتح الكاف وتخفيف اللام لما.)

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

[سورة هود (11): آية 112]
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)
قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولغيره. وقيل: له والمراد أمته، قاله السدى. وقيل:" استقم" اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك. فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر الله أطلب الغفران [منه ] «1». والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال:" قل آمنت بالله ثم استقم". وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته. قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال:" شيبتني هود وأخواتها". وقد تقدم في أول السورة. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري «2» يقول: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت:" شيبتني هود". فقال:" نعم" فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال:" لا ولكن قوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ" «3». (وَلا تَطْغَوْا) نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد، ومنه" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ". وقيل: أي لا تتجبروا على أحد.

[سورة هود (11): آية 113]
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113)
__________
(1). من ا.
(2). في الأصل (الشتوي) وصوب عن (الدر المنثور).
(3). راجع ج 18 ص 262.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا) الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى، الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدهان «1» وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم. الثانية- قرأ الجمهور:" تَرْكَنُوا" بفتح الكاف، قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز. وقرا طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما: تركنوا" بضم الكاف، قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس. وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع «2». الثالثة- قوله تعالى: (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى:" وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا" «3» [الأنعام: 68] الآية. وقد تقدم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم «4»:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في" آل عمران" «5» و" المائدة" «6». وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. والله أعلم. الرابعة- قوله تعالى: (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) أي تحرقكم. بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم «7» وموافقتهم في أمورهم.

[سورة هود (11): آية 114]
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114)
__________
(1). الأدهان: المصانعة.
(2). والآية من باب تعب.
(3). راجع ج 6 ص 12 وج 5 ص 417، وص 217.
(4). هو طرفة بن العبد.
(5). راجع ج 4 ص 57. [.....]
(6). راجع ج 6 ص 12 وج 5 ص 417، وص 217.
(7). في ى: أغراضهم ومرافقهم.

فيه ست مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ) لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة، وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان، واليها يفزع في النوائب، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حزبه «1» أمر فزع إلى الصلاة. وقال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ونفلا «2»، قال ابن العربي: وهذا ضعيف، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجبا لا نفلا، فإن الأوراد معلومة، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم، وليس ذلك في قوة بشر. الثانية- قوله تعالى: (طَرَفَيِ النَّهارِ) قال مجاهد: الطرف الأول، صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، واختاره ابن عطية. وقيل: الطرفان الصبح والمغرب، قال ابن عباس والحسن. وعن الحسن أيضا: الطرف الثاني العصر وحده، وقال قتادة والضحاك. وقيل: الطرفان الظهر والعصر. والزلف المغرب والعشاء والصبح، كأن هذا القائل راعى جهر القراءة. وحكى الماوردي أن الطرف الأول صلاة الصبح باتفاق. قلت: وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وأنه ظاهر، قال ابن عطية: ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل. قال ابن العربي: والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب، وهما طرفا الليل! فقلب القوس ركوة «3»، وحاد عن البرجاس «4» غلوة، قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك أحد.
__________
(1). (حزبه): نزل به مهم، أو أصابه غم.
(2). كذا في ع وو. والذي في ابن العربي: لم يتناول ذلك لا واجبا فإنها خمس صلوات ولا نفلا.
(3). لفظ المثل كما في الصحاح وغيره (صارت القوس ركوة) ويضرب في الإدبار وانقلاب الأمور.
(4). البرجاس (بالضم): غرض على رأس رمح أو نحوه مولد. والغلوة: قدر رمية سهم.

قلت: هذا تحامل من ابن العربي في الرد، وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد، وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح، وقد وقع الاتفاق- إلا من شذ بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر، وعليه القضاء والكفارة، وما ذلك إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار، فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم. والله أعلم. الثالثة- قوله تعالى: (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) أي في زلف من الليل، والزلف الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة. وقرا ابن القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما" وزلفا" بضم اللام جمع زليف، لأنه قد نطق بزليف، ويجوز أن يكون واحده" زلفة" لغة، كبسرة وبسر، في لغة من ضم السين. وقرأ ابن محيصن" وزلفا" من الليل بإسكان اللام، والواحدة زلفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر. وقرا مجاهد وابن محيصن أيضا" زلفى" مثل قربى. وقرا الباقون" وَزُلَفاً" بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف الساعات، واحدها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس، فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة، قاله ابن عباس. وقال الحسن: المغرب والعشاء. وقيل: المغرب والعشاء والصبح، وقد تقدم. وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم يعين. الرابعة- قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) ذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين [رضي الله عنهم أجمعين «1»] إلى أن الحسنات هاهنا هي الصلوات الخمس وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قال ابن عطية: وهذا على جهة المثال في الحسنات، والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما اجتنبت الكبائر". قلت: سبب النزول يعضد قول الجمهور، نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليسر بن عمرو. وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الفرج. روى
__________
(1). من ك

الترمذي عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها وأنا هذا فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك، فلم يرد عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا فدعاه، فتلا عليه:" أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ" إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال:" [لا] «1» بل للناس كافة". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن كفارتها فنزلت:" أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ" فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ فقال:" لك ولمن عمل بها من أمتي". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت: إن في البيت تمرا أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له فقال:" أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا"؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أوحى الله إليه" أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ". قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أصحابه: يا رسول الله! ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال:" بل للناس عامة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب «2»، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره، وقد روى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعرض عنه، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية فدعاه فقال له:" أشهدت معنا
__________
(1). الزيادة عن الترمذي.
(2). الذي في صحيح الترمذي (صحيح) بدل (غريب)

الصلاة"؟ قال نعم، قال:" اذهب فإنها كفارة لما فعلت". وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تلا عليه هذه الآية قال له:" قم فصل أربع ركعات". والله أعلم. وخرج الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" من حديث ابن عباس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم،" إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ". الخامسة- دلت الآية مع هذه الأحاديث على أن القبلة الحرام واللمس الحرام لا يجب فيهما الحد، وقد يستدل به على أن لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر، لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى أنه لا يجب عليهما شي، وسيأتي ما للعلماء في هذا في" النور" «1» إن شاء الله تعالى. السادسة- ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال:" أَقِمِ الصَّلاةَ" الآية. وقال:" أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ" «2» [الإسراء: 78] الآية. وقال:" فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ" «3» [الروم: 18- 17]. وقال:" وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها" «4» [طه: 130]. وقال:" ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" [الحج: 77]. وقال:" وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ" «5» [البقرة: 238]. وقال:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" «6» [الأعراف: 204] على ما تقدم. وقال:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها" «7» [الإسراء: 110] أي بقراءتك، وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على نبيه في بيانه، فقال جل ذكره:" وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" «8» [النحل: 44] فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفه جميع الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح [الصلاة] «9» إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل، فقال في صحيح البخاري:" صلوا كما رأيتموني أصلي". ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة، على ما هو معلوم، ولم
__________
(1). راجع ج 12 ص 161 وص 98.
(2). راجع ج 10 ص 303 وص 343 وص 108.
(3). راجع ج 14 ص 14.
(4). راجع ج 11 ص 260.
(5). راجع ج 3 ص 213. [.....]
(6). راجع ج 7 ص 353.
(7). راجع ج 10 ص 303 وص 343 وص 108.
(8). راجع ج 10 ص 303 وص 343 وص 108.
(9). من اوع.

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)

يمت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه، فكمل الدين، وأوضح السبيل، قال الله تعالى:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً" «1» [المائدة: 3]. قوله تعالى: (ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر، وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى. والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث.

[سورة هود (11): الآيات 115 الى 116]
وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (116)
قوله تعالى: (وَاصْبِرْ) أي على الصلاة، كقوله:" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها" «2» [طه: 132]. وقيل: المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى. (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يعني المصلين. قوله تعالى" (فَلَوْ لا كانَ)" أي فهلا كان. (مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من الأمم التي قبلكم. (أُولُوا بَقِيَّةٍ) أي أصحاب طاعة ودين وعقل وبصر. (يَنْهَوْنَ) قومهم. (عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) لما أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات، وهذا توبيخ للكفار. وقيل: ولولا هاهنا للنفي، أي ما كان من قبلكم، كقوله:" فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ" «3» [يونس: 98] أي ما كانت. (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منقطع، أي لكن قليلا. (مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) نهوا عن الفساد في الأرض. قيل: هم قوم يونس، لقوله:" إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ". وقيل: هم أتباع الأنبياء واهل الحق. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي أشركوا وعصوا. (ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أي من الاشتغال بالمال واللذات، وإيثار ذلك على الآخرة. (وَكانُوا مُجْرِمِينَ). (هامش
__________
(1). راجع ج 6 ص 61.
(2). راجع ج 11 ص 263.
(3). راجع ج 8 ص 383.

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

[سورة هود (11): الآيات 117 الى 119]
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)
قوله تعالى: (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى ) أي أهل القرى. (بِظُلْمٍ) أي بشرك وكفر. (وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده". وقد تقدم «1». وقيل: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مسلمون، فإنه يكون ذلك ظلما لهم ونقصا من حقهم، أي ما أهلك قوما إلا بعد إعذار وإنذار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح، لأنه تصرف في ملكه، دليله قوله:" إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً" «2» [يونس: 44]. وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون، أي مخلصون في الإيمان. فالظلم المعاصي على هذا. قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) قال سعيد بن جبير: على ملة الإسلام وحدها. وقال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أي على أديان شتى، قاله مجاهد وقتادة. (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا
__________
(1). راجع ج 6 ص 342 فما بعدها.
(2). راجع ج 8 ص 346.

غني وهذا فقير." إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" بالقناعة، قاله الحسن. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قال الحسن ومقاتل، وعطاء [ويمان «1»]: الإشارة للاختلاف، أي وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ولرحمته خلقهم، وإنما قال:" وَلِذلِكَ" ولم يقل ولتلك، والرحمة مؤنثة لأنه مصدر، وأيضا فإن تأنيث الرحمة غير حقيقي، فحملت على معنى الفضل. وقيل. الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة، وقد يشار ب" لِذلِكَ" إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى:" لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ" «2» [البقرة: 68] ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال:" وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً" «3» [الفرقان: 67] وقال:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا" «4» [الإسراء: 110] وكذلك قوله:" قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" «5» [يونس: 58] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى، لأنه يعم، أي ولما ذكر خلقهم، وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فيما روى عنه أشهب، قال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنه وفريق في السعير، أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، واهل الرحمة للرحمة. وروي عن ابن عباس أيضا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه. قال المهدوي: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير، المعنى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم. وقيل: هو. متعلق بقوله" ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ" [هود: 103] والمعنى: ولشهود ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله:" فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" [هود: 105] أي للسعادة والشقاوة خلقهم. قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) معنى" تَمَّتْ" ثبت ذلك كما أخبر وقدر في أزله، وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)" مَنْ" لبيان الجنس، أي من جنس الجنة وجنس الناس." أَجْمَعِينَ" تأكيد، وكما أخبر أنه يملأ ناره كذلك أخبر على لسان نبيه [صلى الله «6» عليه وسلم ] أنه يملأ جنته بقوله:" ولكل واحدة منكما ملؤها". خرجه البخاري من حديث أبى هريرة وقد تقدم.
__________
(1). من ع، ا، و، ى.
(2). راجع ج 1 ص 448.
(3). راجع ج 13 ص 72.
(4). راجع ج 10 ص 343.
(5). راجع ج 8 ص 353. [.....]
(6). من ع.

وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

[سورة هود (11): آية 120]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)
قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ)" كُلًّا" نصب ب" نَقُصُّ" معناه وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. وقال الأخفش:" كُلًّا" حال مقدمة، كقولك: كلا ضربت القوم. (مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم. (ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) أي على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك فيها من الأذى. وقيل: نزيدك به تثبيتا ويقينا. وقال ابن عباس: ما نشد به قلبك. وقال ابن جريج: نصبر به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نطيب، والمعنى متقارب. و" ما" بدل من" كُلًّا" المعنى: نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ) أي في هذه السورة، عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما، وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار. وقيل: خصها بالذكر تأكيدا وإن كان الحق في كل القرآن. وقال قتادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوة. (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة، وهذا تشريف لهذه السورة، لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة «1» والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص." وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ" أي يتذكرون ما نزل بمن هلك فيتوبون، وخص المؤمنين لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء.

[سورة هود (11): الآيات 121 الى 123]
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)
__________
(1). في ع: المواعظ.

قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) تهديد ووعيد. (إِنَّا عامِلُونَ. وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) تهديد آخر، وقد تقدم معناه. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي غيبهما وشهادتهما، فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن عباس: خزائن السموات والأرض وقال الضحاك: جميع ما غاب عن العباد فيهما. وقال الباقون: غيب السموات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض. وقال أبو علي الفارسي:" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي علم ما غاب فيهما، أضاف الغيب وهو مضاف إلى المفعول توسعا، لأنه حذف حرف الجر، تقول: غبت في الأرض وغبت ببلد كذا. (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) أي يوم القيامة، إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. وقرا نافع وحفص" يرجع" بضم الياء وبفتح الجيم، أي يرد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) أي الجأ إليه وثق به. (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي يجازي كلا بعمله. وقرا أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة. الباقون بياء على الخبر. قال الأخفش سعيد:" يعملون" إذا لم يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معهم، قال: بعضهم وقال:" تَعْمَلُونَ" بالتاء لأنه خاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: قل لهم" وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ". وقال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة" هود" من قول:" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" إلى آخر السورة. تمت سورة" هود" ويتلوها سورة" يوسف" عليه السلام.

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1)

سورة يوسف عليه السلام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة يوسف عليه السلام وهي مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها. وروي أن اليهود سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قصة يوسف فنزلت السورة، وسيأتي. وقال سعد ابن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتلاه عليهم زمانا فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل:" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ" [يوسف: 3] فتلاه عليهم زمانا فقالوا: لو حدثتنا، فأنزل:" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ" «1» [الزمر: 23]. قال العلماء: وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل.

[سورة يوسف (12): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1)
قوله تعالى: (الر) «2» تقدم القول فيه، والتقدير هنا: تلك آيات الكتاب، على الابتداء والخبر. وقيل:" الر" اسم السورة، أي هذه السورة المسماة" الر" (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) يعني [بالكتاب «3» المبين ] القرآن المبين، أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه وهداه وبركته. وقيل: أي هذه تلك الآيات التي كنتم توعدون بها في التوراة.

[سورة يوسف (12): آية 2]
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) يجوز أن يكون المعنى: إنا أنزلنا القرآن عربيا، نصب" قُرْآناً" على الحال، أي مجموعا. و" عَرَبِيًّا" نعت لقوله" قُرْآناً". ويجوز أن يكون توطئة للحال، كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، و" عَرَبِيًّا" على الحال،
__________
(1). راجع ج 15 ص 248.
(2). راجع ج 1 ص 154 فما بعد.
(3). من ع.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)

أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب. أعرب بين، ومنه الثيب تعرب عن نفسها. (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. وبعض العرب يأتي بأن مع" لعل" تشبيها بعسى. واللام في" لعل" زائدة للتوكيد، كما قال الشاعر «1»:
يا أبتا علك أو عساكا

وقيل:" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" أي لتكونوا على رجاء من تدبره، فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عز وجل. وقيل: معنى" أَنْزَلْناهُ" أي أنزلنا خبر يوسف، قال النحاس: وهذا أشبه بالمعنى، لأنه يروى أن اليهود قالوا: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن خبر يوسف، فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفية زيادة ليست عندهم. فكان هذا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ كتابا [قط] «2» ولا هو في موضع كتاب- بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ما يأتي فيه.

[سورة يوسف (12): آية 3]
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3)
قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ) ابتداء وخبره. (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) بمعنى المصدر، والتقدير: قصصنا أحسن القصص. واصل القصص تتبع الشيء، ومنه قول تعالى:" وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ" «3» [القصص: 11] أي تتبعي أثره، فالقاص يتبع الآثار فيخبر بها. والحسن يعود إلى القصص لا إلى القصة. يقال: فلان حسن الاقتصاص للحديث أي جيد السياقة له. وقيل: القصص ليس مصدرا، بل هو في معنى الاسم، كما يقال: الله رجاؤنا، أي مرجونا فالمعنى على هذا: نحن نخبرك بأحسن الأخبار. (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) أي بوحينا ف" بِما" مع الفعل بمنزلة المصدر. (هذَا الْقُرْآنَ) نصب القرآن على أنه نعت لهذا، أو بدل منه، أو عطف بيان. وأجاز الفراء الخفض، قال: على التكرير، وهو عند البصريين على البدل من" ما".
__________
(1). الرجز للعجاج، وصدر البيت:
تقول بنتي قد أنى أناكا

(2). من ع.
(3). راجع ج 13 ص 254.

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ، كان سائلا سأله عن الوحى فقيل له: هو [هذا] «1» القرآن. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) أي من الغافلين عما عرفناكه «2». مسألة:- وأختلف العلماء لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة، وبيانه قوله في آخرها:" لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ" «3» [يوسف: 111]. وقيل: سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه عنهم- بعد الالتقاء بهم- عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم، حتى قال:" لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" «4» [يوسف: 92]. وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما. وقيل:" أَحْسَنَ" هنا بمعنى أعجب. وقال بعض أهل المعاني: إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز، قيل: والملك أيضا أسلم بيوسف وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال: فما كان أمر الجميع إلا إلى خير.

[سورة يوسف (12): آية 4]
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4)
قوله تعالى: (إِذْ قالَ يُوسُفُ)" إِذْ" في موضع نصب على الظرف، أي اذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرا طلحة بن مصرف" يؤسف" بالهمز وكسر السين. وحكى أبو زيد:" يؤسف" بالهمزة وفتح السين. ولم ينصرف لأنه أعجمي، وقيل: هو عربي. وسيل أبو الحسن الأقطع- وكان حكيما- عن" يوسف" فقال: الأسف في اللغة
__________
(1). من ع وى.
(2). من ع وى.
(3). راجع ص 277 وص 255 من هذا الجزء.
(4). راجع ص 277 وص 255 من هذا الجزء.

الحزن، والأسيف العبد، وقد اجتمعا في يوسف، فلذلك سمي يوسف. (لِأَبِيهِ يا أَبَتِ) بكسر التاء قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند البصريين علامة التأنيث أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلا من ياء الإضافة، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال: رجل نكحة وهزأة، قال النحاس: إذا قلت" يا أَبَتِ" بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ياء الإضافة، ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل: منها- أن قولك:" يا أبه" يؤدي عن معنى" يا أبي"، وأنه لا يقال:" يا أبت" إلا في المعرفة، ولا يقال: جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة، ولا يقال:" يا أبتي" لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما. وزعم الفراء أنه إذا قال:" يا أَبَتِ" فكسر دل على الياء لا غير، لأن الياء في النية. وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال، كيف تكون الياء في النية وليس يقال:" يا أبتي"؟ وقرا أبو جعفر والأعرج وعبد الله بن عامر" يا أبت" بفتح التاء، قال البصريون: أرادوا" يا أبتي" بالياء، ثم أبدلت الياء ألفا فصارت" يا أبتا" فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء. وقيل: الأصل الكسر، ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف فيقال: يا غلاما أقبل. وأجاز الفراء" يا أبت" بضم التاء. (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال: جاءني أحد عشر، ورأيت ومررت بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما، جعلوا الاسمين اسما واحدا وأعربوهما بأخف الحركات. قال السهيلي: أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسندا، رواه الحارث بن أبي أسامة قال: جاء بستانه- وهو رجل من أهل الكتاب- فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الأحد عشر كوكبا الذي رأى يوسف فقال:" الحرثان «1» والطارق والذيال وقابس والمصبح «2» والضروح «3» وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان، رآها يوسف عليه السلام تسجد له". قال ابن عباس وقتادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. وقال قتادة أيضا: الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت
__________
(1). في حاشية الجمل: جريان- بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية منقول من اسم طوق القميص. وقابس مقتبس النار وعمودان تثنية عمود والفليق نجم منفرد والمصبح ما يطلع قبل الفجر والفرع بفاء وراء مهملة ساكنة وعين: نجم عند الدلو. ووثاب بتشديد المثلة سريع الحركة وذو الكتفين تثنية كتف نجم كبير. وهذه نجوم غير مرصودة.
(2). كذا في" عقد الجمان" للعينى، وفى الأصل" النطح". [.....]
(3). وفى الجمل" الصروخ".

قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)

أبيه. (رَأَيْتُهُمْ) توكيد. وقال:" رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ" فجاء مذكرا، فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة السجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل. وقد تقدم هذا المعنى في قوله:" وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ «1»". والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزله، وإن كان خارجا عن الأصل.

[سورة يوسف (12): آية 5]
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)
وفيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً) أي يحتالون في هلاكك، لأن تأويلها ظاهر، فربما يحملهم الشيطان على قصدك بسوء حينئذ. واللام في" لَكَ" تأكيد، كقوله:" إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ". الثانية- الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل الصالح أو ترى له". وقال: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا". وحكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وروى" من سبعين جزءا من النبوة". وروى من حديث ابن عباس رضى الله عنهما" جزءا من أربعين جزءا من النبوة". ومن حديث ابن عمر" جزء من تسعة وأربعين جزءا". ومن حديث العباس" جزء من خمسين جزءا من النبوة". ومن حديث أنس" من ستة وعشرين" وعن عبادة بن الصامت" من أربعة وأربعين من النبوة". والصحيح منها حديث الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة حديث السبعين، ولم يخرج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين، أما سائرها فمن أحاديث الشيوخ، قاله ابن بطال. قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث" من ستة وأربعين". قال الطبري: والصواب أن
__________
(1). راجع ج 7 ص 344.

يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرج معقول، فأما قوله:" إنها جزء من سبعين جزءا من النبوة" فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة، ولكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان، وأما قوله:" إنها من أربعين- أوستة وأربعين" فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ذكرت عن الصديق- رضى الله عنه- أنه كان بها، فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السبرات «1»، والصبر في الله على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فرؤياه صالحة- إن شاء الله- جزء من أربعين جزءا من النبوة، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين جزءين، ما بين الأربعين إلى الستين، ولا تنقص عن سبعين، وتزيد على الأربعين، وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر ابن عبد البر فقال: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف متضاد متدافع- والله أعلم- لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفناه تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب: كما أن الأنبياء يتفاضلون، قال الله تعالى:" وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ «2»". قلت: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون البعض وطرحه، ذكره أبو سعيد الأسفاقسى «3» عن بعض أهل العلم قال: معنى قوله:" جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" فإن الله تعالى أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النبوة ثلاثة وعشرين عاما- فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما- فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عاما وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين جزءا، وإلى هذا القول أشار المازري في كتابه" المعلم" واختاره القونوى «4» في تفسيره من سورة" يونس" عند قوله تعالى:"هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
" «5». وهو فاسد من وجهين:
__________ (1). السبرات (جمع سبرة) بسكون الباء: شدة البرد.
(2). راجع ج 10 ص 278.
(3). كذا في الأصول وصوابه: الصفاقسى.
(4). في ع: الغزنوي.
(5). راجع ج 8 ص 458.

أحدهما- ما رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدة الوحى كانت عشرين سنة، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشر سنين، وهو قول عروة والشعبي وابن شهاب والحسن وعطاء والخراساني وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه، وهى رواية ربيعة وأبى غالب عن أنس، وإذا ثبت هذا الحديث «1» بطل ذلك التأويل- الثاني: أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. الثالثة- إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة، لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، والاطلاع على شي من علم الغيب، كما قال عليه السلام:" إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم" الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" وأن التصديق بها حق، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل، وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه، ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأى والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشر ذمة من المعتزلة. الرابعة- إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحه صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ورؤيا بخت نصر، التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمره وهى كافرة، وقد ترجم البخاري" باب رؤيا أهل السجن"- فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحى ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديثه عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد تقدم في" الأنعام" «2» أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال المهلب: إنما ترجم البخاري
__________
(1). في ع وى: هذا الخلاف.
(2). راجع ج 7 ص 3 فما بعدها.

بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. الخامسة- الرؤيا المضافة إلى الله تعالى التي خلصت من الأضغاث والأوهام، وكان تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر «1» الأضغاث هي الحلم، وهى المضافة إلى الشيطان، وإنما سميت ضغثا، لأن فيها أشياء متضادة، قال معناه المهلب. وقد قسم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرؤيا أقساما تغنى عن قول كل قائل، روى عوف ابن مالك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة،. قال قلت: سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال نعم! سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. السادسة- قوله تعالى: (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) الآية. الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى، والفة للتأنيث ولذلك لم ينصرف. وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا، فقيل: هي إدراك في أجزاء لم تحلها آفة، كالنوم المستغرق وغيره، ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر الليل لقلة غلبة النوم، فيخلق الله تعالى للرائي علما ناشئا، ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ابن العربي: ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا يرى في المنام شخصا قائما قاعدا بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات. وقيل إن لله ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورا محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفى الحالتين تكون مشرة أو منذرة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحيح مسلم وغيره:" رأيت سوداء «2» ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة «3» فأولتها الحمى".
__________
(1).: ع حيز.
(2). أي امرأة سوداء، كما في رواية النسائي.
(3). المهيعة: هي الجحفة، ميقات أهل الشام.

و" رأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر فأولتها رجل من أهل بيتي يقتل والبقر نفر من أصحابي يقتلون". و" رأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة". و" رأيت في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي". إلى غير ذلك مما ضربت له الأمثال، ومنها ما يظهر معناه أولا [فأول «1»]، ومنها ما لا يظهر الأبعد التفكر، وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام بقرا فأولها يوسف السنين، وراي أحد عشر كوكبا فأولها بإخوته وأبويه. السابعة- إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيرا حين رؤياه، والصغير لأحكم لفعله، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه:" لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ"؟ فالجواب- أن الرؤيا إدراك حقيقة على ما قدمناه، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام، وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض، ورى أن يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عشرة سنة. الثامنة- هذه الآية أصل في ألا نقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها، روى أبو رزين العقيلي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" الرؤيا جزء من أربعين جزءا من النبوة". و" الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت فلا تحدثوا بها إلا عاقلا أو محبا أو ناصحا" أخرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح، وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر. وقيل لمالك: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهى عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت عليه؟ فقال: لا! ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. التاسعة- وفى هذه الآية دليل على أن مباحا أن يحذر المسلم «2» أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلا في معنى الغيبة، لأن يعقوب- عليه السلام- قد حذر يوسف أن
__________
(1). من ع وووى.
(2). في ع: الرجل. [.....]

يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له، وفيها ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" استعينوا على [إنجاح ] «1» حوائجكم بالكتمان فإن كل ذى نعمة محسود". وفيها دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا، فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم، ولم يبال بذلك من نفسه، فإن الرجل يود أن يكون ولده خير منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه. ويدل أيضا على أن يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قصص «2» الرؤيا عليهم خوفا أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتآمر في قتله، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبى، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ويأتي. العاشرة- روى البخاري عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال:" الرؤيا الصالحة" وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأولها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك. وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك، وقد تقدم في" يونس" في تفسير قوله تعالى:"هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
" «3» [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة. وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم.
__________
(1). الزيادة عن" الجامع الصغير".
(2). في ع: قص.
(3). راجع ج 8 ص 458.

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

الحادية عشر- روى البخاري عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ثلاث مرات ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره". قال علماؤنا: فجعل الله الاستعاذة منها مما يرفع أذاها، ألا ترى قول أبي قتادة: إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا أعدها شيئا. وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه". وفي حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل". قال علماؤنا: وهذا كله ليس بمتعارض، وإنما هذا الأمر بالتحول، والصلاة زيادة، فعلى الرائي أن يفعل الجميع، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع، لأنه إذا صلى تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور، لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول عن جنبه، وإذا تمضمض تفل وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع لله تعالى في أن يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة، وذلك السحر من الليل.

[سورة يوسف (12): آية 6]
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
قوله تعالى: (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) الكاف في موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، وكذلك الكاف في قوله:" كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ" و" ما" كافة. وقيل:" وَكَذلِكَ" أي كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا. قال مقاتل: بالسجود لك. الحسن: بالنبوة. والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من جبيت

لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

الشيء أي حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض، قال النحاس. وهذا ثناء من الله تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي آتاه الله تعالى، من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا. قال عبد الله بن شداد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أربعين سنة، وذلك منتهى الرؤيا. وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ. وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم، والطبع والإحسان، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا. وقد قيل في تأويل قوله: (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) أي أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد، فهو إشارة إلى النبوة، وهو المقصود بقوله: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي بالنبوة. وقيل: بإخراج إخوتك، إليك، وقيل: بإنجائك من كل مكروه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ) بالخلة، وإنجائه من النار. (وَإِسْحاقَ) بالنبوة. وقيل: من الذبح «1»، قاله عكرمة. بما يعطيك. وأعلمه الله تعالى بقوله:" وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ" أنه سيعطى بنى يعقوب كلهم النبوة، قاله جماعة من المفسرين. (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) بما يعطيك. (حَكِيمٌ) في فعله بك.

[سورة يوسف (12): الآيات 7 الى 9]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9)
قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) يعني، من سأل عن حديثهم. وقرا أهل مكة" آية" على التوحيد، واختار أبو عبيد" آياتٌ" على الجمع، قال: لأنها خير كثير. قال النحاس: و" آية" هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر
__________
(1). تقدم أن الذبيح هو إسماعيل وهو الحق وسيأتي في" والصافات" أيضا، وفى ع: والفدا من الذبح.

يوسف آية فيما خبروا به، لأنهم سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بمكة فقالوا: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي؟- ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء، وإنما وجه اليهود [إليهم ] «1» من المدينة يسألونه عن هذا- فأنزل الله عز وجل سورة" يوسف" جملة واحدة، فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة، فكان ذلك آية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم عليه السلام الميت." آياتٌ" «2» موعظة، وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض المصاحف" عبرة". وقيل: بصيرة. وقيل: عجب، تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال الثعلبي في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه، وقال ابن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! فبغوه بالعداوة، وقد تقدم رد هذا القول. قال الله تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، وشمعون ولاوى ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة نفر، دان ونفتالى وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا. قال السهيلي: وام يعقوب اسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. وقيل: في اسم الأمتين ليا وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ليا، وكانتا قد وهبناهما ليعقوب، وكان يعقوب قد جمع بينهما، ولم يحل لأحد بعده، لقول الله تعالى:" وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ" «3» [النساء: 23]. وقد تقدم الرد على ما قاله ابن زيد، والحمد لله. قوله تعالى: (إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ)" لَيُوسُفُ" رفع بالابتداء، واللام للتأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم، أي والله ليوسف. (وَأَخُوهُ) عطف عليه. (أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل، وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي جماعة، وكانوا عشرة. والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين الأربعين إلى العشرة، ولا واحد لها من لفظها كالنفر
__________
(1). من ع وز ك وى.
(2). في ع: آية. بالتوحيد وهو المطابق للتفسير.
(3). راجع ج 5 ص 116.

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)

والرهط. (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفارا، بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه. وقيل: لفي خطأ بين بإيثاره يوسف واخاه علينا. قوله تعالى: (اقْتُلُوا يُوسُفَ) في الكلام حذف، أي قال قائل منهم:" اقْتُلُوا يُوسُفَ" ليكون أحسم لمادة الأمر. (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً) أي في أرض، فأسقط الخافض وانتصب الأرض، وأنشد سيبويه فيما حذف منه" في":
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب «1»
قال النحاس: إلا أنه في الآية حسن كثير، لأنه يتعدى إلى مفعولين، أحدهما بحرف، فإذا حذفت الحرف تعدى الفعل إليه. والقائل قيل: هو شمعون، قال وهب بن منبه. وقال كعب الأحبار، دان. وقال مقاتل: روبيل، والله أعلم. والمعنى أرضا تبعد عن أبيه، فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض «2». (يَخْلُ) جزم لأنه جواب الأمر، معناه: يخلص ويصفو. (لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) فيقبل عليكم بكليته. (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف. (قَوْماً صالِحِينَ) أي تائبين، أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم، وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. وقيل:" صالِحِينَ" أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل.

[سورة يوسف (12): آية 10]
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10)
__________
(1). البيت لساعدة بن جوية وقد وصف فيه رمحا لين الهز، فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره، والعسلان: سير سريع في اضطراب. واللدن الناعم اللين. ويروى: لذ أي مستلذ عند الهز للينه. (شواهد سيبويه).
(2). في ع: أرضه.

فيه ثلاث عشر مسألة: الأولى- قوله تعالى: (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) القائل هو يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب، قاله ابن عباس. وقيل: روبيل، وهو ابن خالته، وهو الذي قال:" فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ" [يوسف: 80] [الآية «1»]. وقيل: شمعون. (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قرأ أهل مكة واهل البصرة واهل الكوفة" فِي غَيابَتِ الْجُبِّ". وقرا أهل المدينة" في غيابات الجب" واختار أبو عبيد التوحيد، لأنه على موضع واحد ألقوه فيه، وأنكر الجمح لهذا. قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة،" وغيابات" على الجمع يجوز [من وجهين ] «2»: حكى سيبويه سير عليه عشيانات وأصيلانات، يريد عشية وأصيلا، فجعل كل وقت منها عشية وأصيلا، فكذا جعل كل موضع مما يغيب غيابة. [والآخر- أن يكون في الجب غيابات (جماعة). ويقال: غاب يغيب [غيبا وغيابة وغيابا، كما قال الشاعر:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... أنا ذاكما قد غيبتني غيابيا
قال الهروي: والغيابة شبه لجف «3» أو طاق في البئر فويق الماء، يغيب الشيء عن العين. وقال ابن عزيز: كل شي غيب عنك شيئا فهو غيابة. قلت: ومنه قيل للقبر غيابة، قال الشاعر:
فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
والجب الركية التي لم تطو، فإذا طويت فهي بئر، قال الأعشى:
لئن كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم «4»
وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا، وجمع الجب جببة وجباب وأجباب، وجمع بين الغيابة والجب لأنه أراد القوة في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين. قيل:
__________
(1). من ع.
(2). الزيادة عن النحاس.
(3). اللجف: الناحية من الحوض أو البئر يأكله الماء فيصير كالكهف.
(4). بعده كما في الديوان:
ليستدرجنك القول حتى تهره ... وتعلم أنى عنك لست بمجرم
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم

هو بئر بيت المقدس، وقيل: هو بالأردن، قال وهب بن منبه. مقاتل: وهو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. الثانية- قوله تعالى: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) جزم على جواب الأمر. وقرا مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة:" تلتقطه" بالتاء، وهذا محمول على المعنى، لأن بعض السيارة سيارة، وقال سيبويه: سقطت بعض أصابعه، وأنشد «1»:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
وقال آخر:
أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار «2» من الهلال

ولم يقل شرق ولا أخذت. والسيارة الجمع الذي يسيرون في الطريق للسفر، وإنما قال القائل هذا حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد ويحصل المقصود، فإن من التقطه من السيارة يحمله إلى موضع بعيد، وكان هذا وجها في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى الحركة بأنفسهم، فربما لا يأذن لهم أبوهم، وربما يطلع على قصدهم. الثالثة- وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا، لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه، والله أعلم. الرابعة- قال ابن وهب قال مالك: طرح يوسف في الجب وهو غلام، وكذلك روى ابن القاسم عنه، يعني أنه كان صغيرا، والدليل عليه قوله تعالى:" لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"
__________
(1). البيت للأعشى، وهو يخاطب يزيد بن مسهر الشيباني، وكانت بينهما مباينة ومهاجات، فيقول له: يعود عليك مكروه ما أذعت عنى من القول ونسبته إلى من القبيح، فلا تجد منه مخلصا. والشرق بالماء كالغصص بالطعام. [.....]
(2). سرار الشهر (بفتح السين المهملة وكسرها) وسرره: آخر ليلة منه.

قال: ولا يلتقط إلا الصغير، وقوله:" وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ" [يوسف: 13] وذلك [أمر «1»] يختص بالصغار، وقولهم:" أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ" [يوسف: 12]. الخامسة- الالتقاط تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقيط واللقطة، ونحن نذكر من أحكامها ما دلت عليه الآية والسنة، وما قال في ذلك أهل العلم واللغة، قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غير طلب، ومنه قوله تعالى:" يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ" أي يجده من غير أن يحتسبه. وقد اختلف العلماء في اللقيط، فقيل: أصله الحرية لغلبة الأحرار على العبيد، وروي عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط حر، وتلا" وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ" [يوسف: 20] وإلى هذا ذهب أشهب صاحب مالك، وهو قول عمر بن الخطاب، وكذلك روي عن علي وجماعة. وقال إبراهيم النخعي: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى الحسبة فهو حر. وقال مالك في موطئة: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، هم يرثونه ويعقلون عنه، وبه قال الشافعي، واحتج بقوله عليه السلام:" وإنما الولاء لمن أعتق" قال: فنفى الولاء عن غير المعتق. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن اللقيط لا يوالي أحدا، ولا يرثه أحد بالولاء. وقال أبو حنيفة وأصحابه وأكثر الكوفيين: اللقيط يوالي من شاء، فمن ولاه فهو يرثه ويعقل عنه، وعند أبي حنيفة له أن ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقل عنه الذي والاه، فإن عقل عنه جناية لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبدا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه: المنبوذ حر، فان أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن يوالي غيره والاه، ونحوه عن عطاء، وهو قول ابن شهاب وطائفة من أهل المدينة، وهو حر. قال ابن العربي: إنما كان أصل اللقيط الحرية لغلبة الأحرار على العبيد، فقضى بالغالب، كما حكم أنه مسلم أخذا بالغالب، فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون قال ابن القاسم: يحكم بالأغلب، فإن وجد عليه زي اليهود فهو يهودي، وإن وجد عليه زي النصارى فهو نصراني، وإلا فهو مسلم، إلا أن يكون أكثر أهل القرية
__________
(1). من ع وك وى.

على غير الإسلام. وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي للقيط بالإسلام تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه، وهو مقتضى قول أشهب، قال أشهب: هو مسلم أبدا، لأني أجعله مسلما على كل حال، كما أجعله حرا على كل حال. واختلف الفقهاء في المنبوذ تدل «1» البينة على أنه عبد، فقالت طائفة من أهل المدينة: لا يقبل قولها «2» في ذلك، وإلى هذا ذهب أشهب لقول عمر: هو حر، ومن قضى بحريته لم تقبل البينة في أنه عبد. وقال ابن القاسم: تقبل البينة في ذلك وهو قول الشافعي والكوفي. السادسة- قال مالك في اللقيط: إذا أنفق عليه الملتقط ثم أقام رجل البينة أنه ابنه فإن الملتقط يرجع على الأب إن كان طرحه متعمدا، وإن لم يكن طرحه ولكنه ضل منه فلا شي على الأب، والملتقط متطوع بالنفقة. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللقيط فهو متطوع، إلا أن يأمره الحاكم. وقال الأوزاعي: كل من أنفق علي من لا تجب عليه نفقة رجع بما أنفق. وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما- يستقرض له في ذمته. والثاني- يقسط على المسلمين من غير عوض. السابعة- وأما اللقطة والضوال فقد اختلف العلماء في حكمهما، فقالت طائفة من أهل العلم: اللقطة والضوال سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء، وإلى هذا ذهب أبو جعفر الطحاوي «3»، وأنكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام- أن الضالة لا تكون إلا في الحيوان واللقطة غير الحيوان- وقال هذا غلط، واحتج بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث الإفك للمسلمين:" إن أمكم ضلت قلادتها" فأطلق ذلك على القلادة. الثامنة- أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافها يسيرا أو شيئا لا بقاء لها فإنها تعرف حولا كاملا، وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخير كان
__________
(1). في ع وك وووى: تشهد.
(2). كذا في الأصول.
(3). في ع: الطبري.

ذلك له بإجماع، ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة، ولا تصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها. التاسعة- واختلف الفقهاء في الأفضل من تركها أو أخذها، فمن ذلك أن في الحديث دليلا على إباحة التقاط اللقطة واخذ الضالة ما لم تكن إبلا. وقال في الشاة:" لك أو لأخيك أو للذئب" يحضه على أخذها، ولم يقل في شي دعوه حتى يضيع أو يأتيه ربه. ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال في ضالة الإبل، والله أعلم. وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في سعة، إن شاء أخذها وإن شاء تركها، هذا قول إسماعيل بن إسحاق رحمه الله. وقال المزني عن الشافعي: لا أحب لأحد ترك اللقطة إن وجدها إذا كان أمينا عليها، قال: وسواء قليل اللقطة وكثيرها. العاشرة- روى الأئمة مالك وغيره عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن اللقطة فقال:" اعرف عفاصها «1» ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" قال: فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال:" لك أو لأخيك أو للذئب" قال: فضالة الإبل؟ قال:" ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها". وفي حديث أبي قال:" احفظ عددها ووعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها" ففي هذا الحديث زيادة العدد، خرجه مسلم وغيره. وأجمع العلماء أن عفاص اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلها عليها، فإذا أتى صاحب اللقطة بجميع أوصافها دفعت له، قال ابن القاسم: يجبر على دفعها، فإن جاء مستحق يستحقها ببينة أنها كانت له لم يضمن الملتقط شيئا، وهل يحلف مع الأوصاف أو لا؟ قولان: الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم، ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له، وهو بخلاف نص الحديث،
__________
(1). العفاص: الوعاء الذي سكون به النفقة، جلدا كان أو غيره. والوكاء هو الخيط الذي يشد به الوعاء. والمراد بالعفاص والوكاء أن يعلم الملتقط صدق واصفها من كذبه، وبالحذاء خفها، فهي تقوى بأخفافها على السير وورود الماء والشجر.

ولو كانت البينة شرطا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء والعدد معنى، فإنه يستحقها بالبينة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، فإنه تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم. الحادية عشرة- نص الحديث على الإبل والغنم وبين حكمهما، وسكت عما عداهما من الحيوان. وقد اختلف علماؤنا في البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم؟ قولان، وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط، وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط، وقول ابن القاسم أصح، لقوله عليه السلام:" احفظ على أخيك المؤمن ضالته". الثانية عشرة- واختلف العلماء في النفقة على الضوال، فقال مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم: إن أنفق الملتقط على الدواب والإبل وغيرها فله أن يرجع على صاحبها بالنفقة، وسواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره، قال: وله أن يحبس بالنفقة ما أنفق عليه ويكون أحق به كالرهن. وقال الشافعي: إذا أنفق على الضوال من أخذها فهو متطوع، حكاه عنه الربيع. وقال المزني عنه: إذا أمره الحاكم بالنفقة كانت دينا، وما ادعى قبل منه إذا كان مثله قصدا. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللقطة والإبل بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن أنفق بأمر القاضي فذلك دين على صاحبها إذا جاء، وله أن يحبسها إذا حضر صاحبها، والنفقة عليها ثلاثة أيام ونحوها، حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما أشبهها ويقضي بالنفقة. الثالثة عشرة- ليس في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اللقطة بعد التعريف:" فاستمتع بها" أو" فشأنك بها" أو" فهي لك" أو" فاستنفقها" أو" ثم كلها" أو" فهو مال الله يؤتيه من يشاء" على ما في صحيح مسلم وغيره، ما يدل على التمليك، وسقوط الضمان عن الملتقط إذا جاء ربها، فان في حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فإن لم تعرف «1»
__________
(1). (إن لم تعرف): أي لم تعرف صاحبها.

قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)

فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه" في رواية" ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه" خرجه البخاري ومسلم. وأجمع العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها، إلا ما ذهب إليه داود من أن الملتقط يملك اللقطة بعد التعريف، لتلك الظواهر، ولا التفات لقوله، لمخالفة الناس، ولقوله عليه السلام:" فأدها إليه".

[سورة يوسف (12): الآيات 11 الى 12]
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12)
قوله تعالى: (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك ببني يعقوب! ولهذا قيل: الأب جلاب والأخ سلاب، فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين ولده بضرب من الاحتيال. وقالوا ليعقوب:" يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ" وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلم الثاني عادوا إلى يعقوب عليه السلام وقالوا هذا القول. وفية دليل على أنهم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبي علي ما يأتي. قرأ يزيد بن القعقاع وعمرو بن عبيد والزهري" لا تَأْمَنَّا" بالإدغام، وبغير إشمام وهو القياس، لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكنا. وقرا طلحة بن مصرف" لا تأمننا" بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرا يحيى بن وثاب وأبو رزين- وروي عن الأعمش-" ولا تيمنا" بكسر التاء، وهي لغة تميم، يقولون: أنت تضرب، وقد تقدم. وقرا سائر الناس بالإدغام والإشمام ليدل على حال الحرف قبل إدغامه. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) أي في حفظه [وحيطته «1»] حتى نرده إليك. قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم:" أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً" الآية، فحينئذ قال أبوهم:" إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ" [يوسف: 13] فقالوا حينئذ جوابا لقول:" ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ" الآية. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً) إلى الصحراء. (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)" غَداً" ظرف، والأصل عند سيبويه غدو، وقد نطق به على الأصل، قال النضر بن شميل: ما بين الفجر وصلاة الصبح يقال له غدوة،
__________
(1). من ع وى. وفى اوو: وغفلته.

وكذا بكرة." نرتع ونلعب" بالنون وإسكان العين قراءة أهل البصرة. والمعروف من قراءة أهل مكة." نرتع" بالنون وكسر العين. وقراءة أهل الكوفة." يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ" بالياء وإسكان العين. وقراءة أهل المدينة بالياء وكسر العين، القراءة الأولى من قول العرب رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف شاءا، والمعنى: نتسع في الخصب، وكل مخصب راتع، قال:
فارعي فزارة لا هناك المرتع

وقال آخر «1»:
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وقال آخر «2»:
أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا
أي الراتعة لكثرة المرعى. وروى معمر عن قتادة" ترتع" تسعى، قال النحاس: أخذه من قوله:" إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ" لأن المعنى: نستبق في العدو إلى غاية بعينها، وكذا" يَرْتَعْ" بإسكان العين، إلا أنه ليوسف وحده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. و" يرتع" بكسر العين من رعي الغنم، أي ليتدرب بذلك ويترجل، فمرة يرتع، ومرة يلعب لصغره. وقال القتبي" نرتع" نتحارس ونتحافظ، ويرعى بعضنا بعضا، من قولك: رعاك الله، أي حفظك." ونلعب" من اللعب وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا" ونلعب" وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء. وقيل: المراد باللعب المباح من الانبساط، لا اللعب المحظور الذي هو ضد الحق، ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم" ونلعب". ومنه قوله عليه السلام:" فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك" «3».
__________
(1). البيت للخنساء ترثى بها أخاها صخرا. ومعنى: (ترتع) ترعى. تصف ناقة أو بقرة فقدت ولدها، فكلما غفلت عنه رتعت، فإذا ادكرته حنت إليه فأقبلت وأدبرت، فضربتها مثلا لفقدها أخاها صخرا.
(2). هو القطامي.
(3). الخطاب لجابر بن عبد الله، وذكر ملا على عن القرطبي: أن الملاعبة عبارة عن الألفة التامة، فأن الثيب قد تكون معلقة القلب بالزوج الأول، فلم تكن محبتها كاملة، بخلاف البكر. ويروى: تداعبها وتداعبك. والدعابة الممازجة.

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)

وقرا مجاهد وقتادة:" يَرْتَعْ" «1» على معنى يرتع مطيته، فحذف المفعول،" ويلعب" بالرفع على الاستئناف، والمعنى: هو ممن يلعب. (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) من كل ما تخاف عليه. ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركبانا، ويحتمل أنهم كانوا رجالة. وقد نقل أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام يعقوب يراهم، ثم لما غابوا عن عينه طرحوه ليعدو معهم إضرارا به.

[سورة يوسف (12): الآيات 13 الى 14]
قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14)
قوله تعالى: (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) في موضع رفع، أي ذهابكم به. أخبر عن حزنه لغيبته. (وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شد على يوسف، فلذلك خافه عليه، قاله الكلبي. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل، وكان يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام، فكانت العشرة إخوته، لما تمالئوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب، فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم، قال ابن عباس: فسماهم ذئابا. وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب، لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى. والذئب مأخوذ من تذاءبت «2» الريح إذا جاءت من كل وجه، كذا قال أحمد بن يحيى، قال: والذئب مهموز
__________
(1). (يرتع)، والذي في تفسير ابن عطية والآلوسى وأبى حيان عن مجاهد وقتادة هو (بالنون) وجزم (نلعب) قال ابن عطية: (وقراءة مجاهد وقتادة" نرتع" بضم النون وكسر التاء،" ونلعب" بالنون والجزم).
(2). في ع: البراري، ورد في روح المعاني أن هذا الاشتقاق عند الزمخشري، وقال الأصمعي: إن تذاءبت مشتق من الذئب، لأن الذئب يفعله في عدوه، وتعقب بأن أخذ الفعل من الأسماء الجامدة قليل مخالف للقياس.

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)

لأنه يجئ من كل وجه. وروى ورش عن نافع" الذيب" بغير همز، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء. (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) أي مشغلون بالرعي. قوله تعالى: (قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه. (إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) أي في حفظنا أغنامنا، أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل:" لَخاسِرُونَ" لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون.

[سورة يوسف (12): آية 15]
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15)
قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ)" أَنْ" في موضع نصب، أي على أن يجعلوه في غيابة الجب. قيل في القصة: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه، وسلمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بني شفقتي عليه، فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا «1» فاحمله ثم عجل برده إلي. قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يشيعهم ميلا ثم رجع، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف، فاستغاث بروبيل وقال:" أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي علي، وأقرب الإخوة إلي، فارحمني وارحم ضعفي" فلطمه لطمة شديدة وقال: لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشر كوكبا فلتنجك منا، فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب، فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده، فرق قلب يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا، ثم قال: يا إخوتاه! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبي إلى أبيه، ونعاهده
__________
(1). أعيا الرجل في المشي: كل. [.....]

ألا يحدث والده بشيء مما جرى أبدا، فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه، قال: فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجب الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه فيه، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد، فأجمع رأيهم على ذلك، فهو قول الله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) وجواب" فَلَمَّا" محذوف، أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: جواب" فَلَمَّا" قولهم:" قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ" [يوسف: 17]. وقيل: التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها، هذا على مذهب البصريين، وأما على قول الكوفيين فالجواب." أَوْحَيْنا" والواو مقحمة، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى، قال الله تعالى:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" «1» [الزمر: 73] أي فتحت وقوله:" حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ" «2» [هود: 40] أي فار. قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى «3»

أي انتحى، ومنه قوله تعالى:" فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ" [الصافات: 104- 103] أي ناديناه «4». وفى قوله: (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) دليل على نبوته في ذلك الوقت. قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة: أعطاه الله النبوة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء. وقال الكلبي: ألقى في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيرا، ومن قال كان صغيرا فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه. وقيل: كان وحى إلهام كقوله:" وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ" «5». وقيل: كان مناما، والأول أظهر- والله أعلم- وأن جبريل جاءه بالوحي. قوله تعالى: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) فيه وجهان: أحدهما- أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا، فعلى هذا يكون الوحى بعد إلقائه في الجب تقوية لقلبه، وتبشير له بالسلامة. الثاني- أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به، فعلى هذا [يكون ] «6» الوحى قبل إلقائه
__________
(1). الصحيح أن الواو في هذه الآية ليس زائدا وإنما هو للحال مع تقدير قد وذلك لإفادة أن أهل الجنة هيأ الله لهم ما يزيد سرورهم بخلاف أهل النار فتحت لهم عند حضورهم زيادة في حسرتهم. راجع ج 15 ص 284 وص 104.
(2). راجع ج 9 ص 30.
(3). تمام البيت:
بنا بطن خبت ذى قفاف عقنقل.
(4). الصحيح أن الواو في هذه الآية ليس زائدا وإنما هو للحال مع تقدير قد وذلك لإفادة أن أهل الجنة هيأ الله لهم ما يزيد سرورهم بخلاف أهل النار فتحت لهم عند حضورهم زيادة في حسرتهم. راجع ج 15 ص 284 وص 104.
(5). راجع ج 10 ص 133.
(6). من ع.

في الجب إنذار له. (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أنك يوسف، وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه. وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل:" الهاء" ليعقوب، أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه، والله أعلم. ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجب- ما ذكره السدي وغيره- أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه! ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا الجب، فان مت كان كفني، وإن عشت أواري «1» به عورتي، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك وتكسك، فقال: إني لم أر شيئا، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها. وقيل: إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، وكان جبريل تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي، قال جبريل: فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالما. وكان ذلك الجب مأوى الهوام، فقام على الصخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام، فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه، وكان إبراهيم حين ألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ثم ورثه إسحاق، ثم ورثه يعقوب، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذه وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه، فلما ألقي في الجب عريانا أخرج جبريل دلك القميص فألبسه إياه. قال وهب: فلما قام على الصخرة قال: يا إخوتاه إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي، فقال له جبريل: يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله
__________
(1). في ع: أتوارى به وأستر عورتي.

وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16)

بمكان، ثم علمه فقال: قل اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ملجأ كل خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حي يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنك على كل شي قدير، فقالت الملائكة: إله