الاثنين، 27 يونيو 2022

تفسير القرطبي23.و24.

 

23. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)

قوله تعالى:" وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ" أي يخذله" فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ" هذا فيمن أعرض عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما دعاه إليه من الايمان بالله والمودة في القربى، ولم يصدقه في البعث وأن متاع الدنيا قليل. أي من أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد. قوله تعالى:" وَتَرَى الظَّالِمِينَ" أي الكافرين." لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ" يعني جهنم. وقيل رأوا العذاب عند الموت." يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ" يطلبون أن يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك.

[سورة الشورى (42): آية 45]
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45)
قوله تعالى:" وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها" أي على النار لأنها عذابهم، فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث، لان ذلك العذاب هو النار، وإن شئت جهنم، ولو راعى اللفظ لقال عليه. ثم قيل: هم المشركون جميعا يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها، قاله الأكثرون. وقيل: آل فرعون خصوصا، تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح، فهو عرضهم عليها، قاله ابن مسعود. وقيل: إنهم عامة المشركين، تعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم، ويعرضون على العذاب في قبورهم، وهذا معنى قول أبي الحجاج." خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ" ذهب بعض القراء إلى الوقف على" خاشِعِينَ". وقوله:" مِنَ الذُّلِّ" متعلق ب" يَنْظُرُونَ". وقيل: متعلق ب" خاشِعِينَ". والخشوع الانكسار والتواضع. ومعنى" يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ" أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما، لأنهم ناكسو الرؤوس. والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة. وقال مجاهد:" مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ" أي ذليل، قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا، وعين القلب طرف خفي. وقال قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدة الخوف. وقيل: المعنى ينظرون من

وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)

عين ضعيفة النظر. وقال يونس:" من" بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف خفي، أي ضعيف من الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش. وقال ابن عباس: بطرف ذابل ذليل. وقيل: أي يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب." وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ" أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلد، وخسروا أهليهم لان الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم. وقيل: خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل في الجنة من الحور العين. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات «1» فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى:" أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ" [المؤمنون: 10]. وقد تقدم «2». وفي مسند الدارمي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار وما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني (. قال هشام ابن خالد:) من ميراثه من أهل النار) يعني رجالا أدخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون." أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ" أي دائم لا ينقطع. ثم يجوز أن يكون هذا من قول المؤمنين، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى

[سورة الشورى (42): آية 46]
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)
قوله تعالى:" وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ" أي أعوانا ونصراء" يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ" أي من عذابه" وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ" أي طريق يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة، لأنه قد سدت عليه طريق النجاة.
__________
(1). في ز ل: فإذا مات الرجل ودخل النار.
(2). راجع ج 12 ص 108 [.....]

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)

[سورة الشورى (42): آية 47]
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)
قوله تعالى:" اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ" أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الايمان به والطاعة. استجاب وأجاب بمعنى، وقد تقدم." مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ" يريد يوم القيامة، أي لا يرده أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا." ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ" أي من ملجأ ينجيكم من العذاب." وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ" أي من ناصر ينصركم، قاله مجاهد. وقيل: النكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب، حكاه ابن أبى حاتم، وقاله الكلبي. الزجاج: معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها. وقيل:" مِنْ نَكِيرٍ" أي إنكار ما ينزل بكم من العذاب، والنكير والإنكار تغيير المنكر.

[سورة الشورى (42): آية 48]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48)
قوله تعالى:" فَإِنْ أَعْرَضُوا" أي عن الايمان" فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" أي حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل: موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا، أي ليس لك إكراههم على الايمان." إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ" وقيل: نسخ هذا بآية القتال." وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ" الكافر." مِنَّا رَحْمَةً" رخاء وصحة." فَرِحَ بِها" بطر بها." وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ" بلاء وشدة." بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ" أي لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب وينسى النعم.

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)

[سورة الشورى (42): الآيات 49 الى 50]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)
قوله تعالى:" لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ" فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى:" لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" ابتداء وخبر." يَخْلُقُ ما يَشاءُ" من الخلق." يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" قال أبو عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك: يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناثا معهم، وأدخل الالف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. وقال واثلة بن الأسقع: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله تعالى قال:" يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" فبدأ بالإناث." أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد جارية، ثم تلد غلاما ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأما، غلاما وجارية، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا. قال القتبي: التزويج ها هنا هو الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب: زوجت إبلي إذا جمعت بين الكبار والصغار." وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" أي لا يولد له، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم. وعقمت المرأة تعقم عقما، مثل حمد يحمد. وعقمت تعقم، مثل عظم يعظم. وأصله القطع، ومنه الملك العقيم، أي تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم، أي لا تلقح سحابا ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم، لأنه لا يوم بعده. ويقال: نساء عقم وعقم، قال الشاعر «1»:
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
__________
(1). في لسان العرب:" قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي. وقيل هو للحزين الليثي".

وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصا وإن عم حكمها. وهب للوط الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين، ونحوه عن ابن عباس وإسحاق بن بشر. قال إسحاق: نزلت في الأنبياء، ثم عمت." يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يعني لوطا عليه السلام، لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان." وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور." أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يعني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولد له أربعة بنين وأربع بنات." وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام، لم يذكر عيسى. ابن العربي: قال علماؤنا" يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يعني لوطا كان له بنات ولم يكن له ابن." وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يعني إبراهيم، كان له بنون ولم يكن له بنت. وقوله" أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يعني آدم، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ذكرا وأنثى، ويزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له ذكور وإناث من الأولاد: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله «1» وزينب وام كلثوم ورقية وفاطمة، وكلهم من خديجة رضي الله عنها، وإبراهيم وهو من مارية القبطية. وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا، إلى أن تقوم الساعة، على هذا التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة، ليبقى النسل، ويتمادى الخلق، وينفذ الوعد، ويحق الامر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ويبقى. ففي الحديث: (إن النار لن تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه «2»، فتقول قط قط «3». وأما الجنة فيبقى منها فينشئ الله لها خلقا آخر.) الثانية- قال ابن العربي: إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوته يخلق الخلق ابتداء من غير شي، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شيء لا عن حاجة، فانه قدوس
__________
(1). القول الأصح أن الذكور ثلاثة: القاسم وعبد الله (ويسمى بالطيب والطاهر) وابراهيم. راجع شرح المواهب اللدنية.
(2). قال القسطلاني:" أي يذللها تذليل من يوضع تحت الرجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها كقولها للنادم: سقط في يده".
(3). قوله:" قط قط" بكسر الطاء وسكونها فيهما، ويجوز التنوين مع الكسر والمعنى: حسبي حسبي قد اكتفيت.

عن الحاجات سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام، فخلق آدم من الأرض وخلق حواء من آدم وخلق النشأة من بينهما منهما مرتبا على الوطي كائنا عن الحمل موجودا في الجنين بالوضع، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة اذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثى «1»). وكذلك في الصحيح أيضا (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله (. قلت: وهذا معنى حديث عائشة لا لفظه خرجه مسلم من حديث عروة بن الزبير عنها أن امرأة قالت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: (نعم) فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت «2»، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه (. قال علماؤنا: فعلى مقتضى هذا الحديث أن العلو يقتضي الشبه، وقد جاء في حديث ثوبان خرجه مسلم أيضا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لليهودي: (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة اذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثى بإذن الله ... (الحديث. فجعل في هذا الحديث أيضا العلو يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إن علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة، لأنهما معلولا علة واحدة، وليس الامر كذلك بل الوجود بخلاف ذلك، لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة والشبه للأعمام والأنوثة فتعين تأويل أحد الحديثين. والذي يتعين تأويله الذي في حديث ثوبان فيقال: إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان معناه الغلبة من قولهم سابقني فلان فسبقته أي غلبته، ومنه قوله تعالى:
__________
(1). روى بالمد وتخفيف النون وبالقصر وتشديد النون.
(2). قوله:" تربت يداك". معناه: ما أصبت! وهو في الأصل بمعنى صار في يدك التراب ولا أصبت خيرا أي افتقرت، لكن لا يريدون به الدعاء على المخاطب، كما يقولون: قاتله الله، إلى غير ذلك. قوله" وألت": أي صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام. وروى بضم الهمزة مع التشديد، أي طعنت بالأدلة وهي الحربة. قال ابن الأثير: وفية بعد، لأنه لا يلائم لفظ الحديث.

" وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ" [الواقعة: 60] أي بمغلوبين قيل «1» عليه: علا. ويؤيد هذا التأويل قوله في الحديث: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة اذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثى). وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على هذه الأحاديث بناء فقال: إن للماءين أربعة أحوال: الأول أن يخرج ماء الرجل أولا، الثاني أن يخرج ماء المرأة أولا، الثالث أن يخرج ماء الرجل أولا ويكون أكثر، الرابع أن يخرج ماء المرأة أولا ويكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أولا ثم يخرج ماء المرأة بعده ويكون أكثر أو بالعكس، فإذا خرج ماء الرجل أولا وكان أكثر جاء الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة. وإن خرج ماء المرأة أولا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم الغلبة. وإن خرج ماء الرجل أولا لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر كان الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة. وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل كان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. قال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن الأحاديث، فسبحان الخالق العليم. الثالثة- قال علماؤنا: كانت الخلقة مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الاولى الخنثى فأتي به فريض العرب ومعمرها «2» عامر بن الظرب فلم يدر ما يقول فيه وأرجأهم عنه، فلما جن عليه الليل تنكر موضعه، وأقض عليه مضجعه، وجعل يتقلى ويتقلب، وتجيء به الأفكار وتذهب، إلى أن أنكرت خادمه حاله فقالت: ما بك؟ قال لها: سهرت لأمر قصدت به فلم أدر ما أقول فيه؟ فقالت ما هو؟ قال لها: رجل له ذكر وفرج كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الامة: ورثه من حيث يبول، فعقلها وأصبح فعرضها عليهم وانقلبوا بها راضين. وجاء الإسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد علي رضي الله عنه فقضى فيها. وقد روى الفرضيون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث؟ قال: من حيث يبول. وروي
__________
(1). في ل هـ: قيل غلبه.
(2). في ابن العربي:" ومعتمدها". ويقال أنه عاش ثلاثمائة عام.

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)

أنه أتى بخنثى من الأنصار فقال: (ورثوه من أول ما يبول). وكذا روى محمد بن الحنفية عن علي، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وحكاه المزني عن الشافعي. وقال قوم: لا دلالة في البول، فان خرج البول منهما جميعا قال أبو يوسف: يحكم بالأكثر. وأنكره أبو حنيفة وقال: أتكيله! ولم يجعل أصحاب الشافعي للكثرة حكما. وحكي عن علي والحسن أنهما قالا: تعد أضلاعه، فان المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد. وقد مضى ما للعلماء في هذا في آية المواريث في" النساء" «1» مجودا والحمد لله. الرابعة- قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد أنكر قوم من رءوس العوام وجود الخنثى، لان الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى. قلنا: هذا جهل باللغة، وغباوة عن مقطع الفصاحة، وقصور عن معرفة سعة القدرة. أما قدرة الله سبحانه فانه واسع عليم، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى، لان الله تعالى قال:" لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ". فهذا عموم مدح فلا يجوز تخصيصه، لان القدرة تقتضيه. وأما قوله" يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر «2» النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول، والوجود يشهد له والعيان يكذب منكره، وقد كان يقرأ معنا برباط أبي سعيد على الامام الشهيد من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله.

[سورة الشورى (42): آية 51]
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
__________
(1). راجع ج 5 ص 65 فما بعدها.
(2). لفظة ذكر ساقطة من ح ز ل.

فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى" وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً" سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن موسى لن ينظر إليه) فنزل قوله" وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً"، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي." وَحْياً" قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما، ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن روح القدس نفث في روعي «1» إن نفسا لن تموت حتى تستكمل، رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. خذوا ما حل ودعوا ما حرم)." أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كما كلم موسى." أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" كارساله جبريل عليه السلام. وقيل:" إِلَّا وَحْياً" رؤيا يراها في منامه، قاله محمد بن زهير." أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كما كلم موسى." أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" قال زهير هو جبريل عليه السلام." فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ" وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا. وهكذا كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل بالوحي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن عباس: نزل جبريل عليه السلام على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام. فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام. وقيل" إِلَّا وَحْياً" بإرسال جبريل" أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كما كلم موسى." أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" إلى الناس كافة. وقرا الزهري وشيبة ونافع" أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ" برفع الفعلين. الباقون بنصبهما. فالرفع على الاستئناف، أي وهو يرسل. وقيل:" يرسل" بالرفع في موضع الحال، والتقدير إلا موحيا أو مرسلا. ومن نصب عطفوه على محل الوحي، لان معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة. ويكون في موضع الحال، التقدير أو بأن يرسل رسولا. ولا يجوز أن يعطف" أَوْ يُرْسِلَ" بالنصب على" أَنْ يُكَلِّمَهُ" لفساد المعنى، لأنه يصير: ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم.
__________
(1). الروع (بالضم): القلب والعقل. والروع (بالفتح): الفزع.

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)

الثانية- احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث، لان المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال الثوري: الرسول ليس بكلام. وقال الشافعي: لا يبين أن يحنث. وقال النخعي: والحكم في الكتاب يحنث. وقال مالك: يحنث في الكتاب والرسول. وقال مرة: الرسول أسهل من الكتاب. وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط والإشارة. وقال أبو ثور: لا يحنث في الكتاب. قال ابن المنذر: لا يحنث في الكتاب والرسول. قلت: وهو قول مالك. قال أبو عمر: ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث. قلت: يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة، للآية، وهو قول مالك وابن الماجشون. وقد مضى في أول" سورة مريم" «1» هذا المعنى عن علمائنا مستوفى، والحمد لله.

[سورة الشورى (42): الآيات 52 الى 53]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ" أي وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك أوحينا إليك" رُوحاً" أي نبوة، قاله ابن عباس. الحسن وقتادة: رحمة من عندنا. السدي: وحيا. الكلبي: كتابا. الربيع: هو جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو قول
__________
(1). راجع ج 11 ص 86

مالك بن دينار. وسماه روحا لان فيه حياة من موت الجهل. وجعله من أمره بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب. ويمكن أن يحمل قوله" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ"»
[الاسراء: 85] على القرآن أيضا" قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" [الاسراء: 85] أي يسئلونك من أين لك هذا القرآن، قل إنه من أمر الله أنزله علي معجزا، ذكره القشيري. وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض. الثانية- قوله تعالى:" ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" أي لم تكن تعرف الطريق إلى الايمان. وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الإيحاء متصفا بالايمان. قال القشيري: وهو من مجوزات «2» العقول، والذي صار إليه المعظم ان الله ما بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة. وفية تحكم، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به. قال القاضي أبو الفضل عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن «3» قبل النبوة فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك. وقد تعاضدت الاخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والايمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك، كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام. قال الله تعالى" وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" «4» [مريم: 12] قال المفسرون: أعطي يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه. قال معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث، فقال له الصبيان: لم لا تلعب! فقال: اللعب خلقت! وقيل في قوله" مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ" «5» [آل عمران: 39] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه وقيل: صدقه وهو في بطن أمه، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له. وقد نص الله على كلام عيسى لامه عند ولادتها إياه بقوله" أَلَّا تَحْزَنِي" «6» [مريم: 24] على قراءة من قرأ"
__________
(1). راجع ج 10 ص 323.
(2). في ل: معجزات وفي ن: تجوزات [.....]
(3). كذا في الأصل
(4). راجع ج 11 ص 87 و94.
(5). راجع ج 4 ص 76.
(6). راجع ج 11 ص 87 و94.

مِنْ تَحْتِها"، وعلى قول من قال إن المنادى عيسى ونص على كلامه في مهده فقال" إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي «1» نَبِيًّا" [مريم: 30]. وقال:" فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً" «2» [الأنبياء: 79] وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المرجومة وفي قصة الصبي ما اقتدى به أبوه داود. وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما. وكذلك قصة موسى مع فرعون واخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله تعالى" وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ" «3» [الأنبياء: 51]: أي هديناه صغيرا، قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل إبداء خلقه. وقال بعضهم: لما ولد إبراهيم بعث الله إليه ملكا يأمره عن الله تعالى أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: قد فعلت، ولم يقل أفعل، فذلك رشده. وقيل: إن إلقاء إبراهيم في النار ومحنته كانت وهو ابن ست عشرة سنة. وإن ابتلاء إسحاق بالذبح وهو ابن سبع سنين. وإن استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمس عشرة سنة «4». وقيل أوحي إلى يوسف وهو صبي عند ما هم إخوته بإلقائه في الجب بقوله تعالى:" وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ «5» هذا" [يوسف: 15] الآية، إلى غير ذلك من أخبارهم. وقد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء، وقال في حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد (. ثم يتمكن الامر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة. قال الله تعالى:" وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً" «6» [يوسف: 22]. قال القاضي: ولم ينقل أحد من أهل الاخبار أن أحدا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل. وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله.
__________
(1). آية 79 سورة الأنبياء.
(2). آية 79 سورة الأنبياء.
(3). آية 79 سورة الأنبياء.
(4). في الأصول:" خمسة عشر شهرا" راجع ج 7 ص 25.
(5). آية 5 سورة يوسف.
(6). آية 14 سورة القصص.

قال القاضي: وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته، وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، ويتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الاعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا" ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها" «1» [البقرة: 142] كما حكاه الله عنهم. الثالثة- وتكلم العلماء في نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل كان متعبدا بدين قبل الوحي أم لا، فمنهم من منع ذلك مطلقا وأحاله عقلا. قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح. وقالت فرقة أخرى بالوقف في أمره عليه السلام وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك، إذ لم يحل الوجهين منهما العقل ولا استبان عندها «2» في أحدهما طريق النقل، وهذا مذهب أبي المعالي. وقالت فرقة ثالثة: إنه كان متعبدا بشرع من قبله وعاملا به، ثم اختلف هؤلاء في التعيين، فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل قبلها، فلا يجوز أن يكون النبي على دين منسوخ. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين إبراهيم، لأنه من ولده وهو أبو الأنبياء. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين موسى، لأنه أقدم الأديان. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون على دين ولكن عين الدين غير معلومة عندنا. وقد أبطل هذه الأقوال كلها أئمتنا، إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة، وإن كان العقل يجوز ذلك كله. والذي يقطع به أنه عليه السلام لم يكن منسوبا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته ومخاطبا بكل شريعته، بل شريعته مستقلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم عز وجل وأنه
__________
(1). راجع ج 2 ص 147
(2). في الأصول:" عندهما".

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مؤمنا بالله عز وجل، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر «1» ولا حضر حلف المطر «2» ولا حلف المطيبين «3»، بل نزهه الله وصانه عن ذلك. فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثا بسنده عن جابر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ فالجواب أن هذا حديث أنكره الامام أحمد بن حنبل جدا وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع. وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلافه عند أهل العلم من قوله: (بغضت إلي الأصنام) وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باللات والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي، وراي فيه علامات النبوة فاختبره بذلك، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما) فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: (سل عما بدا لك). وكذلك المعروف من سيرته عليه السلام وتوفيق الله إياه له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف هو بعرفة، لأنه كان
__________
(1). الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه.
(2). كذا في الأصول. [.....]
(3). في الأصول:" المطيب". قال ابن الأثير:" أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلوات الله عليه: (لا حلف في الإسلام). وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام. والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام". ويلاحظ أنه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين). اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ من المظلوم للظالم، فسموا المطيبين. وقال عليه السلام: (شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت). قال ابن الأثير: يعني حلف الفضول. (راجع نهاية ابن الأثير مادة حلف. طيب. فضل).

موقف إبراهيم عليه السلام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى:" قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ" «1» [البقرة: 135] وقال:" أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ" «2» [النحل: 12] وقال:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ" «3» [الشورى: 13] الآية. وهذا يقتضي أن يكون متعبدا بشرع. فالجواب أن ذلك فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين، على ما تقدم بيانه في غير موضع وفي هذه السورة عند قوله" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ" [الشورى: 13] والحمد لله. الرابعة- إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى:" ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ". فقال جماعة: معنى الايمان في هذه الآية شرائع الايمان ومعالمه، ذكره الثعلبي. وقيل: تفاصيل هذا الشرع، أي كنت غافلا عن هذه التفاصيل. ويجوز إطلاق لفظ الايمان على تفاصيل الشرع، ذكره القشيري: وقيل: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الايمان، ونحوه عن أبي العالية. وقال بكر القاضي: ولا الايمان الذي هو الفرائض والأحكام. قال: وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل، فزاد بالتكليف إيمانا. وهذه الأقوال الاربعة متقاربة. وقال ابن خزيمة: عنى بالايمان الصلاة، لقوله تعالى" وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ" «4» [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عاما والمراد الخصوص. وقال الحسين بن الفضل: أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الايمان. وهو من باب حذف المضاف، أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما. وقيل: ما كنت تدري شيئا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ. وحكى الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ولا الايمان لولا البلوغ. وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا أنعامنا عليك، ولا الايمان لولا هدايتنا لك، وهو محتمل. وفي هذا الايمان وجهان: أحدهما أنه الايمان بالله، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته. والثاني- أنه دين الإسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة.
__________
(1). آية 135 سورة البقرة.
(2). آية 123 سورة النحل.
(3). آية 13 من هذه السورة.
(4). آية 135 سورة البقرة.

قلت: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مؤمنا بالله عز وجل من حين نشأ إلى حين بلوغه، على ما تقدم. وقيل:" ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" أي كنت من قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الايمان، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم، وهو كقوله تعالى:" وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ" «1» [العنكبوت: 48] روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما." وَلكِنْ جَعَلْناهُ" قال ابن عباس والضحاك: يعني الايمان. السدي: القرآن. وقيل الوحي، أي جعلنا هذا الوحي" نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ" أي من نختاره للنبوة، كقوله تعالى:" يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ" «2» [آل عمران: 74]. ووحد الكناية لان الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل في الاسم الواحد، ألا ترى أنك تقول: إقبالك وإدبارك يعجبني، فتوحد، وهما اثنان." وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أي تدعو وترشد" إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" دين قويم لا اعوجاج فيه. وقال علي: إلى كتاب مستقيم. وقرا عاصم الجحدري وحوشب" وإنك لتهدي" غير مسمى الفاعل، أي لتدعى. الباقون" لتهدي" مسمى الفاعل. وفي قراءة أبي" وإنك لتدعو". قال النحاس: وهذا لا يقرأ به، لأنه مخالف للسواد، وإنما يحمل ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير، كما قال" وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أي لتدعو. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى" وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" قال:" وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ" «3» [الرعد: 7 [." صِراطِ اللَّهِ" بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة. قال على: هو القرآن. وقيل الإسلام. ورواه النواس بن سمعان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ" ملكا وعبد اوخلقا." أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" وعيد بالبعث والجزاء. قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبق إلا قوله" ألا إلى الله تصير الأمور" وغرق مصحف فامحى كله إلا قوله" أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ". والحمد لله وحده.
__________
(1). آية 48 سورة العنكبوت.
(2). آية 105 سورة البقرة.
(3). راجع ج 9 ص 285.

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)

[تفسير سورة الزخرف ]
سورة الزخرف مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا" «1» [الزخرف: 45]. وهي تسع وثمانون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الزخرف (43): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)
قوله تعالى:" حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ". تقدم «2» الكلام فيه. وقيل:" حم" قسم." وَالْكِتابِ الْمُبِينِ" قسم ثان، ولله أن يقسم بما شاء. والجواب" إِنَّا جَعَلْناهُ". وقال ابن الأنباري: من جعل جواب" وَالْكِتابِ"" حم"- كما تقول نزل والله وجب والله- وقف على" الْكِتابِ الْمُبِينِ". ومن جعل جواب القسم" إِنَّا جَعَلْناهُ" لم يقف على" الْكِتابِ الْمُبِينِ". ومعنى" جَعَلْناهُ" أي سميناه ووصفناه، ولذلك تعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى:" ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ" «3» [المائدة: 103]. وقال السدي: أي أنزلناه قرآنا. مجاهد: قلناه. الزجاج وسفيان الثوري: بيناه." عَرَبِيًّا" أي أنزلناه بلسان العرب، لان كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، قاله سفيان الثوري وغيره. وقال مقاتل: لان لسان أهل السماء عربي. وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، لان الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا. والكناية في قوله" جَعَلْناهُ" ترجع إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة، كقوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" «4».] القدر: 1]." لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" أي تفهمون أحكامه ومعانيه. فعلى هذا القول يكون خاصا للعرب دون العجم، قاله ابن عيسى. وقال ابن زيد: المعنى لعلكم تتفكرون، فعلى هذا يكون خطابا عاما «5» للعرب والعجم. ونعت الكتاب بالمبين لان الله بين فيه أحكامه وفرائضه، على ما تقدم في غير موضع.
__________
(1). آية (45)
(2). راجع 15 ص (289)
(3). آية 103 سورة المائدة.]
(4). راجع ج 20 ص 129
(5). لفظة عاما ساقطة من ح ز ك هـ

وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)

[سورة الزخرف (43): آية 4]
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)
قوله تعالى:" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ" يعني القرآن في اللوح المحفوظ" لَدَيْنا" عندنا" لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ" أي رفيع محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، قال الله تعالى:" إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ" «1» [الواقعة: 78- 77] وقال تعالى:" بَلْ هُوَ قُرْآنٌ «2» مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" [البروج: 22- 21]. وقال ابن جريج: المراد بقوله تعالى" وَإِنَّهُ" أي «3» أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية." لَعَلِيٌّ" أي رفيع عن أن ينال فيبدل" حَكِيمٌ" أي محفوظ من نقص أو تغيير. وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ". وكسر الهمزة من" أُمِّ الْكِتابِ" حمزة والكسائي. وضم الباقون، وقد تقدم».

[سورة الزخرف (43): آية 5]
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5) قوله تعالى:" أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً" يعني: القرآن، عن الضحاك وغيره. وقيل: المراد بالذكر العذاب، أي أفنضرب عنكم العذاب «5» ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم، قاله مجاهد وأبو صالح والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال ابن عباس: المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم به. وعنه أيضا أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي أيضا: المعنى أفنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم. وقال قتادة: المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وعنه أيضا: أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم. وقاله ابن زيد. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الامة لهلكوا، ولكن الله ردده وكرره عليهم برحمته. وقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون. وقيل: الذكر التذكر، فكأنه قال أنترك تذكيركم لان كنتم قوما مسرفين، في قراءة من فتح. ومن كسر جعلها للشرط
__________
(1). آية 77 سورة الواقعة. [.....]
(2). آية 21 سورة البروج.
(3). لفظة أى ساقطة من جميع النسخ ما عدا أ
(4). راجع ج 5 ص 72
(5). ما بين المربعين ساقط من ل

وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)

وما قبلها جوابا لها، لأنها لم تعمل في اللفظ. ونظيره:" وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" «1» [البقرة: 278] وقيل: الجواب محذوف دل عليه ما تقدم، كما تقول: أنت ظالم إن فعلت. ومعنى الكسر عند الزجاج الحال، لان في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. ومعنى" صَفْحاً" إعراضا، يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته. والأصل فيه صفحة العنق، يقال: أعرضت عنه أي وليته صفحة عنقي. قال الشاعر «2»:
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
وانتصب" صَفْحاً" على المصدر لان معنى" أَفَنَضْرِبُ" أفنصفح. وقيل: التقدير أفنضرب عنكم الذكر صافحين، كما يقال: جاء فلان مشيا. ومعنى" مُسْرِفِينَ" مشركين. واختار أبو عبيدة الفتح في" أَنْ" وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، قال: لان الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم.

[سورة الزخرف (43): الآيات 6 الى 8]
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)
قوله تعالى:" وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ" كم" هنا خبرية والمراد بها التكثير، والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء. كما قال" كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" «3» [الدخان: 25] أي ما أكثر ما تركوا." وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ" أي لم يكن يأتيهم نبي" إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" كاستهزاء قومك بك. يعزي نبيه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويسليه." فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً" أي قوما أشد منهم قوة. والكناية في" مِنْهُمْ" ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله" أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً" فكنى عنهم بعد أن خاطبهم. و" أَشَدَّ" نصب على الحال. وقيل هو مفعول، أي فقد أهلكنا
__________
(1). آية 278 سورة البقرة.
(2). هو كثير عزة.
(3). آية 25 سورة الدخان.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)

أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم." وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ" أي عقوبتهم، عن قتادة. وقيل: صفة الأولين، فخبرهم بأنهم أهلكوا على كفرهم، حكاه النقاش والمهدوي. والمثل: الوصف والخبر.

[سورة الزخرف (43): آية 9]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)
قوله تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ" يعني المشركين." مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ" فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم. وقد مضى في غير «1» موضع.

[سورة الزخرف (43): آية 10]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)
قوله تعالى:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً" وصف نفسه سبحانه بكمال القدرة. وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار لقال الذي جعل لنا الأرض." مِهاداً" فراشا وبساطا. وقد تقدم «2» .. وقرا الكوفيون" مَهْداً"" جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا" أي معايش. وقيل طرقا، لتسلكوا منها إلى حيث أردتم." لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" في أسفاركم، قاله ابن عيسى. وقيل: لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم، قاله سعيد بن جبير. وقيل: تهتدون إلى معايشكم.

[سورة الزخرف (43): آية 11]
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11)
قوله تعالى:" وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ" قال ابن عباس: أي لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم، بل هو بقدر لا طوفان مغرق ولا قاصر عن الحاجة، حتى
__________
(1). راجع ج 6 ص 384 وما بعدها.
(2). راجع ج 11 ص 209

وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)

يكون معاشا لكم ولأنعامكم." فَأَنْشَرْنا" أي أحيينا." بِهِ" أي بالماء." بَلْدَةً مَيْتاً" أي مقفرة من النبات." كَذلِكَ تُخْرَجُونَ" أي من قبوركم، لان من قدر على هذا قدر على ذلك. وقد مضى في" الأعراف" مجودا. «1» وقرا يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر" يخرجون" بفتح الياء وضم الراء. الباقون على الفعل المجهول.

[سورة الزخرف (43): الآيات 12 الى 14]
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14)
فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ" أي والله الذي خلق الأزواج. قال سعيد بن جبير: أي الأصناف كلها. وقال الحسن: الشتاء والصيف والليل والنهار والسموات والأرض والشمس والقمر والجنة والنار. وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، قاله ابن عيسى. وقيل: أراد أزواج النبات، كما قال تعالى:" وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" «2» [ق: 7] و" مِنْ كُلِّ زَوْجٍ «3» كَرِيمٍ" [لقمان: 10]. وقيل ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم. قلت: وهذا القول يعم الأقوال كلها ويجمعها بعمومه." وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ" السفن" والْأَنْعامِ" الإبل" ما تَرْكَبُونَ" في البر والبحر." لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ" ذكر الكناية لأنه رده إلى ما في قوله" ما تَرْكَبُونَ"، قاله أبو عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد لان المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند، فلذلك ذكر، وجمع الظهور، أي على ظهور هذا الجنس.
__________
(1). راجع ج 7 ص (230)
(2). آية 7 سورة ق.
(3). آية 7 سورة الشعراء.

الثانية- قال سعيد بن جبير: الانعام هنا الإبل والبقر. وقال أبو معاذ: الإبل وحدها، وهو الصحيح لقوله عليه السلام: (بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث) فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر [. وما هما «1» في القوم. وقد مضى هذا في أول سورة" النحل" «2» مستوفى والحمد لله. الثالثة- قوله تعالى:" لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ" يعني به الإبل خاصة بدليل ما ذكرنا. ولان الفلك إنما تركب بطونها، ولكنه ذكرهما جميعا في أول الآية وعطف أخرها على أحدهما. ويحتمل أن يجعل ظاهرهما باطنهما، لان الماء غمره وستره وباطنهما ظاهرا، لأنه انكشف للظاهرين وظهر للمبصرين. الرابعة- قوله تعالى:" ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ" أي ركبتم عليه وذكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر والبحر." وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا" أي ذلل لنا هذا المركب. وفي قراءة علي بن أبي طالب" سبحان من سخر لنا هذا"." وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" أي مطيقين، في قول ابن عباس والكلبي. وقال الأخفش وأبو عبيدة:" مُقْرِنِينَ" ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد والقوة، من قولهم: هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة. ويقال: فلان مقرن لفلان أي ضابط له. وأقرنت كذا أي أطقته. وأقرن له أي أطاقه وقوى عليه، كأنه صار له قرنا. قال الله تعالى:" وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" أي مطيقين. وأنشد قطرب قول عمرو بن معد يكرب:
لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا
وقال آخر:
ركبتم صعبتي أشرا وحيفا ... ولستم للصعاب بمقرنينا
والمقرن أيضا: الذي غلبته ضيعته، يكون له إبل أو غنم ولا معين له عليها، أو يكون يسقي إبله ولا ذائد له يذودها. قال ابن السكيت: وفي أصله قولان: أحدهما- أنه مأخوذ من الاقران، يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا إذا أطقته وحكمته، كأنه جعله
__________
(1). أي أبو بكر وعمر لم يكونا حاضرين.
(2). راجع ج 10 ص 72 [.....]

في قرن- وهو الحبل- فأوثقه به وشده. والثاني- أنه مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير، يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به وجعلته قرينه. الخامسة- علمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى:" وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" «1» [هود: 41] فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت «2» أو طاح من ظهرها فهلك «3». وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا. فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر ألا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله عز وجل غير منفلت من قضائه. ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله بإصلاحه من نفسه. والحذر من أن يكون وركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه. حكى سليمان بن يسار أن قوما كانوا في سفر فكانوا إذا ركبوا قالوا:" سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" وكان فيهم رجل على ناقة له رازم- وهي التي لا تتحرك هزالا «4»- فقال: أما أنا فإني لهذه لمقرن، قال: فقمصت به فدقت عنقه. وروي أن أعرابيا ركب قعودا له وقال إني لمقرن له فركضت به القعود «5» حتى صرعته فاندقت عنقه. ذكر الأول الماوردي والثاني ابن العربي. قال: وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا وليس بواجب ذكره باللسان، فيقول متى ركب وخاصة في السفر إذا تذكر:" سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ" اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والجور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال، يعني ب" الجور بعد الكور" تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه. وقال عمرو بن دينار: ركبت مع أبي جعفر إلى أرض له نحو حائط يقال لها مدركة، فركب
__________
(1). آية 41 سورة هود.
(2). تقحم الفرس براكبه ألقاء على وجهه.
(3). في الأصول:" فهلكت".
(4). وجد على هامش نسخة من الأصل بخط ناسخه:" الرازم من الإبل: الثابت على الأرض الذي لا يقوم من الهزال. وقد رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما قامت من الإعياء والهزال فلم يتحرك فهي رازم. قاله الجوهري في "الصحاح".
(5). هذه عبارة ابن العربي والأصول: ويلاحظ أن القعود مذكر

على جمل صعب فقلت له: أبا جعفر! أما تخاف أن يصرعك؟ فقال إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (على سنام كل بعير شيطان إذا ركبتموها فاذكروا اسم الله كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله (. وقال علي بن ربيعة: شهدت علي بن أبي طالب ركب دابة يوما فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على الدابة قال الحمد لله، ثم قال" سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ" ثم قال: الحمد لله والله أكبر- ثلاثا- اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت له: ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صنع كما صنعت، وقال كما قلت، ثم ضحك فقلت له ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (العبد- أو قال- عجبا لعبد أن يقول اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب «1» غيره (. خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو عبد الله محمد بن خويز منداد في أحكامه. وذكر الثعلبي نحوه مختصرا عن علي رضي الله عنه، ولفظه عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا وضع رجله في الركاب قال: (باسم الله- فإذا استوى قال- الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون وإذا نزلتم من الفلك والانعام فقولوا اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: من ركب ولم يقل" سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" قال له الشيطان تغنه، فإن لم يحسن قال له تمنه، ذكره النحاس. ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يستقون حتى تمل طلاهم «2» وهم على ظهور الدواب أو في بطون السفن وهي تجري بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. الزمخشري: ولقد بلغني أن بعض السلاطين ركب وهو يشرب الخمر من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمر الله به في هذه الآية!؟
__________
(1). في ح ن هـ: الذنب
(2). الطلاء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه. وبعض العرب يسمى الخمر الطلاه، يريد بذلك تحسين اسمها.

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)

[سورة الزخرف (43): آية 15]
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)
قوله تعالى:" وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً" أي عدلا، عن قتادة. يعني ما عبد من دون الله عز وجل. الزجاج والمبرد: الجزء ها هنا البنات، عجب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله ثم جعلوا له شريكا «1» أو ولدا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السموات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به، لان هذا من صفات النقص. قال الماوردي: والجزء عند أهل العربية البنات، يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، قال الشاعر:
إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا
الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث متحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا، وبيتا:
إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... زوجتها من بنات الأوس مجزئة «2»
وإنما قوله" وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً" متصل بقوله" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ" أي ولين سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى" مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً" أن قالوا الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءا له وبعضا «3»، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءا له. وقرى" جزوا" بضمتين." إِنَّ الْإِنْسانَ" يعني الكافر." لَكَفُورٌ مُبِينٌ" قال الحسن: يعد المصائب وينسى النعم." مبين" مظهر الكفر.
__________
(1). في ل: شركاء.
(2). وتمامه كما في اللسان مادة جزأ:
للعوسج اللدن في أبياتها زجل

(3). في ز: بضعا.

أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)

[سورة الزخرف (43): آية 16]
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)
قوله تعالى:" أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ" الميم صلة، تقديره اتخذ مما يخلق بنات كما زعمتم أن الملائكة بنات الله، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه التوبيخ." وأصفاكم بالبنين أي اختصكم وأخلصكم بالبنين، يقال: أصفيته بكذا، أي آثرته به. وأصفيته الود أخلصته له. وصافيته وتصافينا تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى الله اختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدس عن أن يكون له ولد إن توهم جاهل أنه اتخذ لنفسه ولدا فهلا أضاف إليه أرفع الجنسين! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين وله الأخس؟ وهذا كما قال تعالى:" أَلَكُمُ الذَّكَرُ «1» وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى " [النجم: 22- 21].

[سورة الزخرف (43): آية 17]
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)
قوله تعالى:" وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا" أي بأنه ولدت له بنت" ظَلَّ وَجْهُهُ" أي صار وجهه" مُسْوَدًّا" قيل ببطلان مثله الذي ضربه. وقيل: بما بشر به من الأنثى، دليله في سورة النحل" وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى " «2» [النحل: 58]. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت له أنثى «3» اغتم واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت:
ما لابي حمزة «4» لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... وإنما نأخذ ما أعطينا
وقرى" مسودا، ومسواد". وعلى قراءة الجماعة يكون وجهه اسم" ظل" و" مسودا" خبر" ظل". ويجوز أن يكون في" ظل" ضمير عائد على أحد وهو اسمها، و" وجهه"
__________
(1). آية 21 سورة النجم.
(2). راجع ج 10 ص 116.
(3). في ك: ولدت لك
(4). في رواية" جمرة" بالجيم. وفي بلوغ الارب للآلوسي:" لابي والذلقاء". [.....]

أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)

بدل من الضمير. و" مسودا" خبر" ظل". ويجوز أن يكون رفع" وَجْهُهُ" بالابتداء، ويرفع" مُسْوَدًّا" على أنه خبره، وفي" ظل" اسمها والجملة خبرها." وَهُوَ كَظِيمٌ" أي حزين، قاله قتادة. وقيل مكروب، قاله عكرمة. وقيل ساكت، قاله ابن أبي حاتم، وذلك لفساد مثله وبطلان حجته. ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شبها لله، لان الولد من جنس الوالد وشبهه. ومن اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسود وجهه بإضافة مثل ذلك إلى من هو أجل منه، فكيف إلى الله عز وجل! وقد مضى في" النحل" في معنى هذه الآية ما فيه كفاية «1».

[سورة الزخرف (43): الآيات 18 الى 19]
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19)
قوله تعالى:" أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ" فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا" أي يربى ويشب. والنشوء: التربية، يقال: نشأت في بني فلان نشأ ونشوءا إذا شببت فيهم. ونشئ وأنشئ بمعنى. وقرا ابن عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف" يُنَشَّؤُا" بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، أي يربى ويكبر في الحلية. واختاره أبو عبيد، لان الاسناد فيها أعلى. وقرا الباقون" يُنَشَّؤُا" بفتح الياء وإسكان النون، واختاره أبو حاتم، أي يرسخ وينبت، وأصله من نشأ أي ارتفع، قاله الهروي. ف" ينشأ" متعد، و" ينشأ" لازم. الثانية- قوله تعالى:" فِي الْحِلْيَةِ" أي في الزينة. قال ابن عباس وغيره: هن الجواري زيهن غير زي الرجال. قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير، وقرا هذه الآية. قال الكيا: فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والاخبار فيه لا تحصى.
__________
(1). راجع ج 10 ص 116

قلت- روي عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته: يا بنية، إياك والتحلي بالذهب! فإني أخاف عليك اللهب. قوله تعالى:" وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ" أي في المجادلة والأدلاء بالحجة. قال قتادة: ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها. وفي مصحف عبد الله" وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ". ومعنى الآية: أيضاف إلى الله من هذا وصفه! أي لا يجوز ذلك. وقيل: المنشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلوها، قاله ابن زيد والضحاك. ويكون معنى" وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ" على هذا القول: أي ساكت عن الجواب. و" مَنْ" في محل نصب، أي اتخذوا لله من ينشأ في الحلية. ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء والخبر مضمر، قاله الفراء. وتقديره: أو من كان على هذه الحالة يستحق العبادة. وإن شئت قلت خفض ردا إلى أول الكلام وهو قوله" بِما ضَرَبَ"، أو على" مِمَّا" في قوله" مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ". وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف الاستفهام حائله بين البدل والمبدل منه." وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً" قرأ الكوفيون" عِبادُ" بالجمع. واختاره أبو عبيد، لان الاسناد فيها أعلى، ولان الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته. وعن ابن عباس أنه قرأ" عِبادُ الرَّحْمنِ"، فقال سعيد بن جبير: إن في مصحفي" عبد الرحمن" فقال: امحها واكتبها" عِبادُ الرَّحْمنِ". وتصديق هذه القراءة قوله تعالى:" بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ" «1» [الأنبياء: 26]. وقوله تعالى:" أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ" «2» [الكهف: 102]. وقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ" «3» [الأعراف: 194]. وقرا الباقون" عند الرحمن" بنون ساكنة، واختاره أبو حاتم. وتصديق هذه القراءة قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ" «4» وقوله" وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ" «5» [الأنبياء: 19]. والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم
__________
(1). آية 26 سورة الأنبياء.
(2). آية 102 سورة الكهف.
(3). آية 194 سورة الأعراف.
(4). آخرة سورة الأعراف.
(5). آية 19 سورة الأنبياء.

وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)

في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله. وذكر العباد مدح لهم، أي كيف عبدوا من هو في نهاية العبادة، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. والجعل هنا بمعنى القول والحكم، تقول: جعلت زيدا أعلم الناس، أي حكمت له بذلك." أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ" أي أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث. وقيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألهم وقال:] فما يدريكم أنهم إناث [؟ فقالوا: سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث، فقال الله تعالى:" سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ" أي يسئلون عنها في الآخرة. وقرا نافع" أوشهدوا"»
بهمزة استفهام داخلة على همزة مضمومة مسهلة، ولا يمد سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد. وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق الهمزتين. والباقون" أَشَهِدُوا" بهمزة واحدة للاستفهام. وروي عن الزهري" أشهدوا خلقهم" على الخبر،" ستكتب" قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول" شَهادَتُهُمْ" رفعا. وقرا السلمى وابن السميقع وهبيرة عن حفص" سنكتب" بنون،" شَهادَتُهُمْ" نصبا بتسمية الفاعل. وعن أبي رجاء" ستكتب شهاداتهم" بالجمع.

[سورة الزخرف (43): آية 20]
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (20)
قوله تعالى:" وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ" يعني قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل. وكل شيء بإرادة الله، وإرادته تجب وكذا علمه فلا يمكن الاحتجاج بها، وخلاف المعلوم والمراد مقدور وإن لم يقع. ولو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ما حصل منهم. وقد مضى هذا المعنى في الانعام عند قوله" سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا" «2» [الانعام: 148] وفي يس:" أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" «3» [يس: 47]. وقوله" ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ" مردود إلى
__________
(1). رسمنا هكذا تصويرا للنطق.
(2). راجع ج 7 ص 3 (128)
(3). راجع ج 15 ص 37

أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)

قوله" وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً" [الزخرف: 19] أي ما لهم بقولهم: الملائكة بنات الله، من علم، قاله قتادة ومقاتل والكلبي. وقال مجاهد وابن جريج: يعني الأوثان، أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم." مِنْ" صلة." إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" أي يحدسون ويكذبون، فلا عذر لهم في عبادة غير الله عز وجل. وكان في ضمن كلامهم أن الله أمرنا بهذا أو أرضى ذلك منا، ولهذا لم ينهنا ولم يعاجلنا بالعقوبة.

[سورة الزخرف (43): آية 21]
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)
هذا معادل لقوله" أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ". والمعنى: أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتابا من قبله، أي من قبل القرآن بما ادعوه، فهم به متمسكون يعملون بما فيه.

[سورة الزخرف (43): الآيات 22 الى 23]
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" عَلى أُمَّةٍ" أي على طريقة ومذهب، قاله عمر بن عبد العزيز. وكان يقرأ هو ومجاهد وقتادة" على إمة" بكسر الالف. والامة الطريقة. وقال الجوهري: والامة (بالكسر): النعمة. والامة أيضا لغة في الامة، وهي الطريقة والدين، عن أبي عبيدة. قال عدي بن زيد في النعمة:
ثم بعد الفلاح والملك والا ... مه وارتهم هناك القبور
عن غير الجوهري. وقال قتادة وعطية:" على أمة" على دين، ومنه فول قيس بن الخطيم:
كنا على أمة ءابائنا ... ويقتدي الآخر بالأول

قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)

قال الجوهري: والامة الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له، أي لا دين له ولا نحلة. قال الشاعر:
وهل يستوي ذو أمة وكفور

وقال مجاهد وقطرب: على دين على ملة. وفي بعض المصاحف" قالوا إنا وجدنا آباءنا على ملة" وهذه الأقوال متقاربة. وحكي عن الفراء على ملة على قبلة الأخفش: على استقامة، وأنشد قول النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
الثانية-" وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ" أي نهتدي بهم. وفي الآية الأخرى" مُقْتَدُونَ" أي نقتدي بهم، والمعنى واحد. قال قتادة: مقتدون متبعون. وفي هذا دليل على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد مضى القول في هذا في" البقرة" مستوفى «1». وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش، أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضا. يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونظيره:" ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك" «2» [فصلت: 43]. والمترف: المنعم، والمراد هنا الملوك والجبابرة.

[سورة الزخرف (43): آية 24]
قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24)
قوله تعالى:" قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى " أي قل يا محمد لقومك: أو ليس قد جئتكم من عند الله بأهدى، يريد بأرشد." مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ" يعني بكل ما أرسل به الرسل. فالخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولفظه لفظ الجمع، لان تكذيبه تكذيب لمن سواه. وقرى" قل وقال وجئتكم وجئناكم" يعني أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وان جئتنا بما هو أهدى. وقد مضى في" البقرة" «3» القول في التقليد وذمة فلا معنى لإعادته.
__________
(1). راجع ج 2 ص 211 فما بعدها، طبعه ثانية.
(2). آية 43 سورة فصلت.
(3). آية 43 سورة فصلت.

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)

[سورة الزخرف (43): آية 25]
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)
قوله تعالى:" فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ" بالقحط والقتل والسبي" فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" آخر أمر من كذب الرسل.] وقراءة العامة «1»" قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ". وقرا ابن عامر وحفص" قال أولو" على الخبر عن النذير أنه قال لهم هذه المقالة. وقرا أبو جعفر" قل أولو جئناكم" بنون وألف، على أن المخاطبة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جميع الرسل. [

[سورة الزخرف (43): الآيات 26 الى 27]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)
قوله تعالى:" وَإِذْ قالَ" أي ذكرهم إذ قال." إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ" البراء يستعمل للواحد فما فوقه فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأنه مصدر وضع موضع النعت، لا يقال: البراءان والبراءون، لان المعنى ذو البراء وذوو البراء. قال الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء منه، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل، مثل: سمع سماعا. فإذا قلت: أنا برئ منه وخلي ثنيت وجمعت وأنثت، وقلت في الجمع: نحن منه برآء مثل فقيه وفقهاء، وبراء أيضا مثل كريم وكرام، وإبراء مثل شريف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وبريئون. وامرأة بريئة وهما بريئتان وهن بريئات وبرايا. ورجل برئ وبراء مثل عجيب وعجاب. والبراء (بالفتح) أول ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس." إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي" استثناء متصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا، مع عبادة الأوثان. ويجوز أن يكون منقطعا، أي لكن الذي فطرني فهو يهدين. قال ذلك ثقة بالله وتنبيها لقومه أن الهداية من ربه.

[سورة الزخرف (43): آية 28]
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)
__________
(1). ما بين المربعين من الآية السابقة.

فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً" الضمير في" جَعَلَها" عائد على قوله" إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي". وضمير الفاعل في" جَعَلَها" لله عز وجل، أي وجعل الله هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده، أي إنهم توارثوا البراءة عن عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك. والعقب من يأتي بعده. وقال السدي: هم آل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن عباس: قوله" فِي عَقِبِهِ" أي في خلفه. وفي الكلام تقديم وتأخير، المعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه. أي قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. قال مجاهد وقتادة: الكلمة لا إله إلا الله. قال قتادة: لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال الضحاك: الكلمة أن لا تعبدوا إلا الله. عكرمة: الإسلام، لقوله تعالى" هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" «1» [الحج: 78]. القرظي: وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه وهو قوله" يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى ، لَكُمُ الدِّينَ".] البقرة: 132]- الآية المذكورة في البقرة «2»- كلمة باقية في ذريته وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله" أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ" [البقرة: 131] وقرا" هو سماكم المسلمين من قبل". وقيل: الكلمة النبوة. قال ابن العربي: ولم تزل النبوة باقية في ذرية إبراهيم. والتوحيد هم أصله وغيرهم فيه تبع لهم. الثانية- قال ابن العربي: إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالاحقاب بدعوتيه المجابتين، إحداهما في قوله" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" «3» [البقرة: 124] فقد قال نعم إلا من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله" وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ" «4» [إبراهيم: 35]. وقيل: بل الاولى قوله" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" «5» [الشعراء: 84] فكل أمة تعظمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو نوح. الثالثة- قال ابن العربي: جرى ذكر العقب ها هنا موصولا في المعنى، وذلك مما يدخل في الأحكام وترتب عليه عقود العمرى «6» والتحبيس. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
__________
(1). آخر سورة الحج. [.....]
(2). آية (132)
(3). آية 124 سورة البقرة.
(4). آية 35 سورة إبراهيم.
(5). آية 84 سورة الشعراء.
(6). العمرى (كحبلى): تمليك الشيء مدة العمر.

(أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). وهي ترد على أحد عشر لفظا: اللفظ الأول- الولد، وهو عند الإطلاق عبارة عمن وجد من الرجل وامرأته في الإناث والذكور. وعن ولد الذكور دون الإناث لغة وشرعا، ولذلك وقع الميراث على الولد المعين وأولاد الذكور من المعين دون ولد الإناث لأنه من قوم آخرين، ولذلك لم يدخلوا في الحبس بهذا اللفظ، قاله مالك في المجموعة وغيرها. قلت: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه المتقدمين، ومن حجتهم على ذلك الإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله تعالى" يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ" «1» [النساء: 11]. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس، يقول المحبس: حبست على ولدي أو على عقبي. وهذا اختيار أبي عمر بن عبد البر وغيره، واحتجوا بقول الله عز وجل:" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ" «2» [النساء: 23]. قالوا: فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع علم أنها بنت ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه. وقد مضى هذا المعنى في" الانعام" «3» مستوفى. اللفظ الثاني- البنون، فإن قال: هذا حبس على ابني، فلا يتعدى الولد المعين ولا يتعدد. ولو قال ولدي، لتعدى وتعدد في كل من ولد. وإن قال على بني، دخل فيه الذكور والإناث. قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بناته يدخلن في ذلك. روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنته يدخلن في ذلك مع بنات صلبه. والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنات لا يدخلون في البنين. فإن قيل فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحسن ابن ابنته: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه،
__________
(1). آية 11 سورة النساء.
(2). آية 23 سورة النساء.
(3). راجع ج 7 ص 31

لان الحقائق لا تنفى عن منتسباتها «1». ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية. قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة لوجود معنى الولادة فيه، ولان أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ" [النساء: 23]. وقال تعالى" وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ- إلى قوله- مِنَ الصَّالِحِينَ" «2» [الانعام: 85- 84] فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك. فان قيل فقد قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
قيل لهم: هذا لا دليل فيه، لان معنى قوله إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، إذ ينتسبون إلى غيره فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد لأنه ابن، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا، من أجل أن معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى، لان ولد الابنة هو ولدها بحقيقة الولادة، وولد الابن انما هو ولده بماله مما كان سببا للولادة. ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة. وقد مضى هذا في" الانعام" «3» والحمد لله. اللفظ الثالث- الذرية، وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق، فيدخل فيه ولد البنات لقوله" وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ- إلى أن قال- وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى " [الانعام: 85- 84]. وإنما كان من ذريته من قبل أمه. وقد مضى في" البقرة" «4» اشتقاق الذرية وفي" الانعام" الكلام على" وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ" [الانعام: 84] الآية، فلا معنى للإعادة.
__________
(1). في نسخة من الأصل:" مشبهاتها". وفي ابن العربي" مسمياتها".
(2). آية 84 سورة الانعام.
(3). راجع ج 7 ص 31.
(4). راجع ج 2 ص 107 طبعه ثانية.

اللفظ الرابع- العقب، وهو في اللغة عبارة عن شيء بعد شيء كان من جنسه أو من غير جنسه، يقال: أعقب الله بخير، أي جاء بعد الشدة بالرخاء. وأعقب الشيب السواد. وعقب يعقب عقوبا وعقبا إذا جاء شيئا بعد شي، ولهذا قيل لولد الرجل: عقبه. والمعقاب من النساء: التي تلد ذكرا بعد أنثى، هكذا أبدا. وعقب الرجل: ولده وولد ولده الباقون بعده. والعاقبة الولد، قال يعقوب: في القرآن" وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ". وقيل: بل الورثة كلهم عقب. والعاقبة الولد، ولذلك فسره مجاهد هنا. وقال ابن زيد: ها هنا هم الذرية. وقال ابن شهاب: هم الولد وولد الولد. وقيل غيره على ما تقدم عن السدي. وفي الصحاح والعقب (بكسر القاف) مؤخر القدم وهي مؤنثة. وعقب الرجل أيضا ولده وولد ولده. وفية لغتان: عقب وعقب (بالتسكين) وهي أيضا مؤنثة، عن الأخفش. وعقب فلان مكان أبيه عاقبة أي خلفه، وهو اسم جاء بمعنى المصدر كقوله تعالى" لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ" «1» [الواقعة: 2]. ولا فرق عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى. واختلف في الذرية والنسل فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب، لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيهما. وقد مضى الكلام في الذرية هنا وفي" الانعام" «2». اللفظ الخامس- نسلي، وهو عند علمائنا كقوله ولدي وولد ولدي، فانه يدخل فيه ولد البنات. ويجب أن يدخلوا، لان نسل به بمعنى خرج، وولد البنات قد خرجوا منه بوجه، ولم يقترن به ما يخصه كما اقترن بقوله عقبي ما تناسلوا. وقال بعض علمائنا: إن النسل بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات، إلا أن يقول المحبس نسلي ونسل نسلي، كما إذا قال عقبي وعقب عقبي، وأما إذا قال ولدي أو عقبي مفردا فلا يدخل فيه البنات. اللفظ السادس- الآل، وهم الأهل، وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما سواء، وهم العصبة والاخوة والبنات والعمات، ولا يدخل فيه الخالات. واصل أهل الاجتماع،
__________
(1). آية 2 سورة الواقعة.
(2). راجع ج 7 ص 31. [.....]

يقال: مكان آهل إذا كان فيه جماعة، وذلك بالعصبة ومن دخل في القعدد «1» من النساء، والعصبة مشتقة منه وهي أخص به. وفي حديث الافك: يا رسول الله، أهلك! ولا نعلم إلا خيرا، يعني عائشة. ولكن لا تدخل فيه الزوجة بإجماع وإن كانت أصل التأهل، لان ثبوتها ليس بيقين إذ قد يتبدل ربطها وينحل بالطلاق. وقد قال مالك: آل محمد كل تقي، وليس من هذا الباب. وإنما أراد أن الايمان أخص من القرابة فاشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة. وقد قال أبو إسحاق التونسي: يدخل في الأهل كل من كان من جهة الأبوين، فوفى الاشتقاق حقه وغفل عن العرف ومطلق الاستعمال. وهذه المعاني إنما تبنى على الحقيقة أو على العرف المستعمل عند الإطلاق، فهذان لفظان. اللفظ الثامن- قرابة، فيه أربعة أقوال: الأول- قال مالك في كتاب محمد بن عبدوس: إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد، ولا يدخل فيه ولد البنات ولا ولد الخالات. الثاني- يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه، قاله علي بن زياد. الثالث- قال أشهب: يدخل فيه كل رحم من الرجال والنساء. الرابع- قال ابن كنانة: يدخل فيه الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخت. وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " «2» [الشورى: 23] قال: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. وقال: لم يكن بطن من قريش إلا كان بينه وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرابة، فهذا يضبطه والله أعلم. اللفظ التاسع- العشيرة، ويضبطه الحديث الصحيح: إن الله تعالى لما أنزل" وأنذر عشيرتك الأقربين" «3» [الشعراء: 214] دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطون قريش وسماهم- كما تقدم ذكره- وهم العشيرة الأقربون، وسواهم عشيرة في الإطلاق. واللفظ يحمل على الأخص الأقرب بالاجتهاد، كما تقدم من قول علمائنا.
__________
(1). في الأصول:" ومن دخل في العقد". وفي ابن العربي:" ومن دخل في العقدة" وقد أثبتناه كما ترى استئناسا بما في شرح الباجي على الوطء، وعبارته:" ... ولا يدخل في ذلك الخالات. ومعنى ذلك عندي العصبة أو من كان في قعددهن من النساء". والقعدد (بضم أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه وفتحه): القربى.
(2). آية 23 سورة الشورى.
(3). آية 214 سورة الشعراء. راجع ج 13 ص 143

بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)

اللفظ العاشر- القوم، يحمل ذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء. والقوم يشمل الرجال والنساء، وإن كان الشاعر قد قال:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
ولكنه أراد أن الرجل إذا دعا قومه للنصرة عنى الرجال، وإذا دعاهم للحرمة دخل فيهم الرجال والنساء، فتعممه الصفة وتخصصه القرينة «1». اللفظ الحادي عشر- الموالي، قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع مواليه. وقال ابن وهب: يدخل فيه أولاد مواليه. قال ابن العربي: والذي يتحصل منه أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء، قال: وهذه فصول الكلام وأصوله المرتبطة بظاهر القرآن والسنة المبينة له، والتفريع والتتميم في كتاب المسائل، والله أعلم.

[سورة الزخرف (43): الآيات 29 الى 32]
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
قوله تعالى:" بَلْ مَتَّعْتُ" وقرى" بل متعنا"." هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ" أي في الدنيا بالامهال." حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ" أي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم، وهو الكلمة التي بقاها الله في عقبه." وَرَسُولٌ مُبِينٌ" أي يبين لهم ما بهم إليه حاجة." وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ" يعني القرآن." قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ" جاحدون." وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ" أي هلا نزل" هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ"
__________
(1). في ح ز ى: فتعمه الصفة وتخصه القرينة وفي ك ... أو تخصه ...

وقرى" على رجل" بسكون الجيم." مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" أي من إحدى القريتين، كقوله تعالى:" يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ" «1» [الرحمن: 22] أي من أحدهما. أو على أحد رجلين من القريتين. القريتان: مكة والطائف. والرجلان: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل. والذي من الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، قاله قتادة. وقيل: عمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وعتبة بن ربيعة من مكة، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس: أن عظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي. وقال السدي: كنانة بن عبد بن عمرو. روي أن الوليد بن المغيرة- وكان يسمى ريحانة قريش- كان يقول: لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود، فقال الله تعالى:" أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ" يعني النبوة فيضعونها حيث شاءوا." نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" أي أفقرنا قوما وأغنينا قوما، فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم. قال قتادة: تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له، وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه «2». وقرا ابن عباس ومجاهد وابن محيصن في رواية عنه" معايشهم". وقيل: أي نحن أعطينا عظيم القريتين ما أعطينا لا لكرامتهما علي وأنا قادر على نزع النعمة عنهما، فأي فضل وقدر لهما." وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ" أي فاضلنا بينهم، فمن فاضل ومفضول ورئيس ومرءوس، قاله مقاتل. وقيل: بالحرية والرق، فبعضهم مالك وبعضهم مملوك. وقيل: بالغنى والفقر، فبعضهم غني وبعضهم فقير. وقيل: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر." لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا" قال السدي وابن زيد: خولا وخداما، يسخر الأغنياء الفقراء فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك: يعني ليملك بعضهم بعضا. وقيل: هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء، أي ليستهزئ الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وبه، كل يقال، والاسم السخرية (بالضم). والسخري والسخري (بالضم والكسر). وكل الناس ضموا" سُخْرِيًّا" إلا ابن محيصن ومجاهد فإنهما قرءا" سخريا"."
__________
(1). راجع ج 17 ص 163.
(2). في ح ز ل: مفتر عليه بالفاء.

وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)

وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" أي أفضل مما يجمعون من الدنيا. ثم قيل: الرحمة النبوة، وقيل الجنة. وقيل: تمام الفرائض خير من كثرة النوافل. وقيل: ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم.

[سورة الزخرف (43): آية 33]
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33)
فيه خمس مسائل: الاولى- قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر. قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لاعطيناهم في الدنيا ما وصفناه، لهوان الدنيا عند الله عز وجل. وعلى هذا أكثر المفسرين ابن عباس والسدي وغيرهم. وقال ابن زيد:" وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً" في طلب الدنيا واختيارها على الآخرة" لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ". وقال الكسائي: المعنى لولا أن يكون في الكفار غني وفقير وفي المسلمين مثل ذلك لاعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها. الثانية- قرأ ابن كثير وأبو عمرو" سقفا" بفتح السين وإسكان القاف على الواحد ومعناه الجمع، اعتبارا بقوله تعالى" فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ «1» مِنْ فَوْقِهِمْ" [النحل: 26]. وقرا الباقون بضم السين والقاف على الجمع، مثل رهن ورهن. قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف، مثل كثيب وكثب، ورغيف ورغف، قاله الفراء. وقيل: هو جمع سقوف، فيصير جمع الجمع: سقف وسقوف، نحو فلس وفلوس. ثم جعلوا فعولا كأنه اسم واحد فجمعوه على فعل. وروي عن مجاهد" سقفا" بإسكان القاف. وقيل: اللام في" لِبُيُوتِهِمْ" بمعنى على، أي على بيوتهم. وقيل: بدل، كما تقول فعلت هذا لزيد لكرامته، قال الله تعالى" وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ" «2» [النساء: 1 1] كذلك قال هنا" لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ".
__________
(1). راجع ج 10 ص 97.
(2). راجع ج 5 ص 54.

الثالثة- قوله تعالى:" وَمَعارِجَ" يعني الدرج، قاله ابن عباس وهو قول الجمهور. واحدها معراج، والمعراج السلم، ومنه ليلة المعراج. والجمع معارج ومعاريج، مثل مفاتح ومفاتيح، لغتان." ومعاريج" قرأ أبو رجاء العطاردي وطلحة بن مصرف، وهي المراقي والسلاليم. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد معرج ومعرج، مثل مرقاة ومرقاة." عَلَيْها يَظْهَرُونَ" أي على المعارج يرتقون ويصعدون، يقال: ظهرت على البيت أي علوت سطحه. وهذا لان من علا شيئا وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء أي علمته. وظهرت على العدو أي غلبته. وأنشد نابغة بني جعدة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله:
علونا السماء عزة ومهابة ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا «1»
أي مصعدا، فغضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال:] إلى أين [؟ قال إلى الجنة، قال:] أجل إن شاء الله [. قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك! فكيف لو فعل؟! الرابعة- استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن السقف لا حق فيه لرب العلو، لان الله تعالى جعل السقوف للبيوت كما جعل الأبواب لها. وهذا مذهب مالك رحمه الله. قال ابن العربي: وذلك لان البيت عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب، فمن له البيت فله أركانه. ولا خلاف أن العلو له إلى السماء. واختلفوا في السفل، فمنهم من قال هو له، ومنهم من قال ليس له في باطن الأرض شي. وفي مذهبنا القولان. وقد بين حديث الإسرائيلي الصحيح فيما تقدم: أن رجلا باع من رجل دارا فبناها فوجد فيها جرة من ذهب، فجاء بها إلى البائع فقال: إنما اشتريت الدار دون الجرة، وقال البائع: إنما بعت الدار بما فيها، وكلهم تدافعها فقضى بينهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يزوج أحدهما ولده من بنت
__________
(1). رواية البيت كما في كتاب الاغالي ج 5 ص 8 طبع دار الكتب المصرية:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وروايته كما في جمهرة أشعار العرب:
بلغنا السما مجدا وجودا وسؤددا

وروايته كما في اللسان مادة" ظهر"
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا

الآخر ويكون المال لهما. والصحيح أن العلو والسفل له إلا أن يخرج عنهما بالبيع، فإذا باع أحدهما أحد الموضعين فله منه ما ينتفع به وباقيه للمبتاع منه. الخامسة- من أحكام العلو والسفل. إذا كان العلو والسفل بين رجلين فيعتل السفل أو يريد صاحبه هدمه، فذكر سحنون عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن يهدم، أو أراد صاحب العلو أن يبني علوه فليس لصاحب السفل أن يهدم إلا من ضرورة، ويكون هدمه له أرفق لصاحب العلو، لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لرب العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل. ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل منها ويخاف ضررها على صاحب السفل. قال أشهب: وباب الدار على صاحب السفل. قال: ولو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبني السفل، فإن أبى صاحب السفل من البناء قيل له بع ممن يبني. وروى ابن القاسم عن مالك في السفل لرجل والعلو لآخر فاعتل السفل، فإن صلاحه على رب السفل وعليه تعليق العلو حتى يصلح سفله، لان عليه إما أن يحمله على بنيان أو على تعليق، وكذلك لو كان على العلو علو فتعليق العلو الثاني على صاحب الأوسط. وقد قيل: إن تعليق العلو الثاني على رب العلو حتى يبني الأسفل. وحديث النعمان بن بشير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نوذ من فوقنا فان يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا [- أصل في هذا الباب. وهو حجة لمالك وأشهب. وفية دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به، وأنه إن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر، لقوله عليه السلام:] فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا [ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم أو من هو ممنوع من إحداث

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)

ما لا يجوز له في السنة. وفية دليل على استحقاق العقوبة بترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد مضى في" الأنفال" «1». وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها، وقد مضى في" آل عمران"»
فتأمل كلا في موضعه تجده مبينا، والحمد لله.

[سورة الزخرف (43): الآيات 34 الى 35]
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)
قوله تعالى:" وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً" أي ولجعلنا لبيوتهم. وقيل:" لِبُيُوتِهِمْ" بدل اشتمال من قوله" لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ"." أَبْواباً" أي من فضة." وَسُرُراً" كذلك، وهو جمع السرير. وقيل: جمع الأسرة، والأسرة جمع السرير، فيكون جمع الجمع." يَتَّكِؤُنَ عليها" الاتكاء والتوكؤ: التحامل على الشيء، ومنه" أَتَوَكَّؤُا «3» عَلَيْها". ورجل تكأة، مثال همزة، كثير الاتكاء. والتكأة أيضا: ما يتكأ عليه. واتكأ على الشيء فهو متكئ، والموضع متكأ. وطعنه حتى أتكأه (على أفعله) أي ألقاه على هيئة المتكئ. وتوكأت على العصا. واصل التاء في جميع ذلك واو، ففعل به ما فعل باتزن واتعد." وَزُخْرُفاً" الزخرف هنا الذهب، عن ابن عباس وغيره. نظيره:" أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ" [الاسراء: 93] وقد تقدم «4». وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث. وقال الحسن: النقوش، وأصله الزينة. يقال: زخرفت الدار، أي زينتها. وتزخرف فلان، أي تزين. وانتصب" زُخْرُفاً" على معنى وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا. وقيل: ينزع الخافض، والمعنى فجعلنا لهم سقفا وأبوابا وسررا من فضة ومن ذهب، فلما حذف" مِنْ" قال" وَزُخْرُفاً" فنصب." وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا" قرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر" وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا" بالتشديد. الباقون بالتخفيف، وقد ذكر هذا. وروي عن أبي رجاء كسر اللام من" لَمَّا"، ف" ما" عنده بمنزلة الذي، والعائد عليها محذوف، والتقدير: وإن كل ذلك للذي
__________
(1). راجع ج 7 ص 391 فما بعدها.
(2). راجع ج 4 ص 86 فما بعدها.
(3). راجع ج 11 ص 176
(4). راجع ج 10 ص 331

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)

هو متاع الحياة الدنيا، وحذف الضمير ها هنا كحذفه في قراءة من قرأ" مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما «1» فَوْقَها" [البقرة: 26" تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ" «2» [الانعام: 154]. أبو الفتح: ينبغي أن يكون" كل" على هذه القراءة منصوبة، لان" إن" مخففة من الثقيلة، وهي إذا خففت وبطل عملها لزمتها اللام في آخر الكلام للفرق بينها وبين" إن" النافية التي بمعنى ما، نحو إن زيد لقائم، ولا لام هنا سوى الجارة." وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ" يريد الجنة لمن اتقى وخاف. وقال كعب: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر بالاكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر [. وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء [. وفي الباب عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. وأنشدوا:
فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن ... إذا لم يكن فيها معاش لظالم
لقد جاع فيها الأنبياء كرامة ... وقد شبعت فيها بطون البهائم
وقال آخر:
تمتع من الأيام إن كنت حازما ... فإنك فيها بين ناه وآمر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
فلا تزن الدنيا جناح بعوضة ... ولا وزن رق من جناح لطائر
فلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن ... ولا رضي الدنيا عقابا لكافر

[سورة الزخرف (43): الآيات 36 الى 38]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)
__________
(1). راجع ج 1 ص (243) [.....]
(2). راجع ج 7 ص 142

قوله تعالى:" وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً. فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" وقرا ابن عباس وعكرمة" ومن يعش" بفتح الشين، ومعناه يعمى، يقال منه عشي يعشى عشا إذا عمي. ورجل أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر، ومنه قول الأعشى:
رأت رجلا غائب الوافدين ... مختلف الخلق أعشى ضريرا «1»
وقوله:
أأن رأت رجلا أعشى أضر به ... ريب المنون ودهر مفند خبل
الباقون بالضم، من عشا يعشو إذا لحقه ما لحق الأعشى. وقال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف، وأنشد:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «2»
وقال آخر:
لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره ... إذا الريح هبت والمكان جديب
الجوهري: والعشا (مقصور) مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار. والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه الله فعشي (بالكسر) يعشى عشي، وهما يعشيان، ولم يقولوا يعشوان، لان الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تركت في التثنية على حالها. وتعاشى إذا أرى من نفسه أنه أعشى. والنسبة إلى أعشى أعشوي. وإلى العشية عشوى. والعشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شي. وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة. وفلان خابط خبط عشواء. وهذه الآية تتصل بقول أول السورة" أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً" «3» [الزخرف: 5] أي نواصل لكم الذكر، فمن يعش عن ذلك الذكر بالاعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم" نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً" أي نسبب له شيطانا جزاء له على كفره" فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" قيل في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس.
__________
(1). في اللسان مادة" وفد":" والوافدان اللذان في شعر الأعشى هما الناشزان من الخدين عند المضغ، فإذا هرم الإنسان غاب وافداه".
(2). البيت للحطيئة.
(3). آية 5

وقيل في الآخرة إذا قام من قبره، قاله سعيد الجريري. وفي الخبر: أن الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار. وأن المؤمن يشفع بملك حتى يقضي الله بين خلقه، ذكره المهدوي. وقال القشيري: والصحيح فهو له قرين في الدنيا والآخرة. وقال أبو الهيثم والأزهري: عشوت إلى كذا أي قصدته. وعشوت عن كذا أي أعرضت عنه، فتفرق بين" إلى" و" عن"، مثل: ملت إليه وملت عنه. وكذا قال قتادة: يعش، يعرض، وهو قول الفراء. النحاس: وهو غير معروف في اللغة. وقال القرظي: يولي ظهره، والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة والأخفش: تظلم عينه. وأنكر العتبي عشوت بمعنى أعرضت، قال: وإنما الصواب تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم والأزهري. وكذلك قال جميع أهل المعرفة. وقرا السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن الأعمش" يقيض" (بالياء) لذكر" الرَّحْمنِ" أولا، أي يقيض له الرحمن شيطانا. الباقون بالنون. وعن ابن عباس" يقيض له شيطان فهو له قرين" أي ملازم ومصاحب. قيل:" فهو" كناية عن الشيطان، على ما تقدم. وقيل: عن الإعراض «1» عن القرآن، أي هو قرين للشيطان." وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" أي وإن الشيطان ليصدونهم عن سبيل الهدى، وذكر بلفظ الجمع لان" مَنْ" في قوله" وَمَنْ يَعْشُ" في معنى الجمع." وَيَحْسَبُونَ" أي ويحسب الكفار" أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم." حَتَّى إِذا جاءَنا" على التوحيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص، يعني الكافر يوم القيامة. الباقون" جاءانا" على التثنية، يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في سلسلة واحدة، فيقول الكافر" يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ" أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال تعالى:" رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" «2» [الرحمن: 17] ونحوه قول مقاتل. وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرها الافراد فالمعنى لهما جميعا، لأنه قد عرف ذلك بما بعده، كما قال:
وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيهما من أخر «3»
__________
(1). في الأصول:" عن التعرض".
(2). آية 17 سورة الرحمن.
(3). البيت لامرئ القيس: وحدرة: مكتنزة صلبة، وقيل الواسعة الجاحظة. وبدرة: تبدر بالنظر، وقيل تامة كالبدر.

وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)

قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة، ولذلك قال" بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ". وقال الفراء: أراد المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعمران لابي بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، والعصران للغداة والعصر. وقال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
وأنشد أبو عبيدة لجرير:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والعمران أبو بكر ولا عمر
وأنشد سيبويه:
قدني من نصر الخبيثين قدي

يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير، وإنما أبو خبيب عبد الله." فَبِئْسَ الْقَرِينُ" أي فبئس الصاحب أنت، لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينة من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار.

[سورة الزخرف (43): آية 39]
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39)
قوله تعالى:" وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ"" إذ" بدل من اليوم، أي يقول الله للكافر لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلام، وهو قول الكافر" يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ" أي لا تنفع الندامة اليوم." إِنَّكُمْ" بالكسر" فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ" وهي قراءة ابن عامر باختلاف عنه. الباقون بالفتح. وهي في موضع رفع تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، لان لكل واحد نصيبه الأوفر منه. أعلم الله تعالى أنه منع أهل النار التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي

أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)

فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي شيئا لشغلهم بالعذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، لان قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما اشتركتم في الكفر.

[سورة الزخرف (43): آية 40]
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40)
قوله تعالى:" أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ" يا محمد" وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا، ففيه تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفية رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خلق الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

[سورة الزخرف (43): الآيات 41 الى 42]
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)
قوله تعالى:" فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ" يريد نخرجنك من مكة من أذى قريش «1»." فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ" وهو الانتقام منهم في حياتك" فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ" قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر، وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الإسلام، يريد ما كان بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفتن. و" نَذْهَبَنَّ بِكَ" على هذا نتوفينك. وقد كان بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقمة شديدة فأكرم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذهب به فلم يره في أمته إلا التي تقر به عينه وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلا وقد أري النقمة في أمته. وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أري ما لقيت أمته من بعده، فما زال منقبضا، ما انبسط ضاحكا حتى لقي، الله عز وجل. وعن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا. و«2»- إذا أراد الله بأمة عذابا عذبها ونبيها حي لتقر عينه لما كذبوه وعصوا أمره [.
__________
(1). جملة: مت أذى قريش ساقطة من ن
(2). ما بين المربعين ساقط من هـ.

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)

[سورة الزخرف (43): الآيات 43 الى 44]
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)
قوله تعالى:" فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ" يريد القرآن، وإن كذب به من كذب، ف" إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" يوصلك إلى الله ورضاه وثوابه." وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش، إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، نظيره:" لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ" «1» [الأنبياء: 10] أي شرفكم. فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم كل من آمن بذلك فصاروا عيالا عليهم، لان أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم حتى يقفوا على المعنى الذي عنى به من الامر والنهي وجميع ما فيه من الانباء، فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات ولذلك سمي عربيا. وقيل: بيان لك ولأمتك فيما بكم إليه حاجة. وقيل: تذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به. وقيل:" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" يعني الخلافة فإنها في قريش لا تكون في غيرهم، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم [. وقال مالك: هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه، حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس فيما ذكر الماوردي والثعلبي وغيرهما. قال ابن العربي: ولم أجد في الإسلام هذه المرتبة لاحد إلا ببغداد فإن بني التميمي بها يقولون: حدثني أبي قال حدثني أبي، إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبذلك شرفت أقدارهم، وعظم الناس شأنهم، وتهممت الخلافة بهم. ورأيت بمدينة السلام ابني أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب أبي الفرج بن عبد العزيز بن الحارث بن الأسد بن الليث بن سليمان بن أسود بن سفيان بن يزيد ابن أكينة بن عبد الله التميمي وكانا يقولان: سمعنا أبانا رزق الله يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت علي بن أبي طالب
__________
(1). آية 10 سورة الأنبياء.

وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)

يقول وقد سئل عن الحنان المنان فقال: الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. والقائل سمعت عليا: أكينة بن عبد الله جدهم الأعلى. والأقوى أن يكون المراد بقوله" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" يعني القرآن، فعليه انبنى الكلام وإليه يرجع المصير، والله أعلم. قال الماوردي:" وَلِقَوْمِكَ" فيهم قولان: أحدهما- من اتبعك من أمتك، قاله قتادة وذكره الثعلبي عن الحسن. الثاني- لقومك من قريش، فيقال ممن هذا؟ فيقال من العرب، فيقال من أي العرب؟ فيقال من قريش، قاله مجاهد. قلت- والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم. روى ابن عباس قال: أقبل نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سرية أو غزاة فدعا فاطمة فقال:] يا فاطمة اشتري نفسك من الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا [وقال مثل ذلك لنسوته، وقال مثل ذلك لعترته،. ثم قال نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ولا قريش بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصار بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ولا الموالي بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون. إنما أنتم من رجل وامرأة وأنتم كجمام «1» الصاع ليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى [. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم أو يكونون شرا عند الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها كلكم بنو آدم وآدم من تراب، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء] الناس [مؤمن تقي وفاجر شقي [. خرجهما الطبري. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الحجرات إن شاء الله تعالى." وسوف تسألون" أي عن الشكر عليه، قاله مقاتل والفراء. وقال ابن جريج: أي تسألون أنت ومن معك على ما أتاك. وقيل تسألون عما عملتم فيه، والمعنى متقارب.

[سورة الزخرف (43): آية 45]
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
__________
(1). الجمام (بالتثليث): ما علا رأس المكيال من الطفاف.

قال ابن عباس وابن زيد: لما أسري برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- وهو مسجد بيت المقدس- بعث الله له آدم ومن ولد من المرسلين، وجبريل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأذن جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] لا أسأل قد اكتفيت [. قال ابن عباس: وكانوا سبعين نبيا منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم. في غير رواية ابن عباس: فصلوا خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعة صفوف، المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة، وكان يلي ظهر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبراهيم خليل الله، وعلى يمينه إسماعيل وعلى يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمهم ركعتين، فلما انفتل «1» قام فقال:] إن ربي أوحى إلي أن أسألكم هل أرسل أحد منكم يدعو إلى عبادة غير الله [؟ فقالوا: يا محمد، إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا، وأن لا نبي بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى بن مريم فإنه مأمور أن يتبع أثرك (. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى:" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا" قال: لقي الرسل ليلة أسري به. وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا" قال: سألت عن ذلك خليد بن دعلج فحدثني عن قتادة قال سألهم ليلة أسري به، لقي الأنبياء ولقي آدم ومالك خازن النار. قلت: هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. و" من" التي قبل" رُسُلِنا" على هذا القول غير زائدة. وقال المبرد وجماعة من العلماء: إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا. وروي أن في قراءة ابن مسعود" واسال الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا".
__________
(1). انفتل عن الصلاة: إذا انصرف عنها.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)

وهذه قراءة مفسرة، ف" من" على هذا زائدة، وهو قول مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن وابن عباس أيضا. أي واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل. وقيل: المعنى سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك، فحذفت" عن"، والوقف على" رسلنا" على هذا تام، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار. وقيل: المعنى واسأل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا، فحذف المضاف. والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد أمته." أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ" أخبر عن الآلهة كما أخبر عمن يعقل فقال" يُعْبَدُونَ" ولم يقل تعبد ولا يعبدن، لان الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فأجرى الخبر عنهم مجرى الخبر عمن يعقل. وسبب هذا الامر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك، فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير، لا لأنه كان في شك منه. واختلف أهل التأويل في سؤال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم على قولين: أحدهما- أنه سألهم فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد، قاله الواقدي. الثاني- أنه لم يسألهم ليقينه بالله عز وجل، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: (هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيمانا وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك (. وقد تقدم هذا المعنى في الروايتين حسبما ذكرناه.

[سورة الزخرف (43): الآيات 46 الى 52]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (52)

قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا" لما أعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه منتقم له من عدوه وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء واتفاق الكل على التوحيد أكد ذلك قصة موسى وفرعون، وما كان من فرعون من التكذيب، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتكذيب، أي أرسلنا موسى بالمعجزات وهي التسع الآيات فكذب، فجعلت العاقبة الجميلة له، فكذلك أنت. ومعنى" يَضْحَكُونَ" استهزاء وسخرية، يوهمون أتباعهم أن تلك الآيات سحر وتخييل، وأنهم قادرون عليها. وقوله:" وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها" أي كانت آيات موسى من كبار الآيات، وكانت كل واحدة أعظم مما قبلها. وقيل:" إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها" لان الاولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما، فتضم الثانية إلى الاولى فيزداد الوضوح. ومعنى الاخوة المشاكلة والمناسبة، كما يقال: هذه صاحبة هذه، أي هما قريبتان في المعنى." وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ" أي على تكذيبهم بتلك الآيات، وهو كقوله تعالى:" وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ" «1» [الأعراف: 130]. والطوفان والجراد والقمل والضفادع. وكانت هذه الآيات الأخيرة عذابا لهم وآيات لموسى." لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" من كفرهم." وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ" لما عاينوا العذاب قالوا يا أيها الساحر، نادوه بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم. وقيل: كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس:" يا أَيُّهَا السَّاحِرُ" يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه، ولم يكن السحر صفة ذم. وقيل: يا أيها الذي غلبنا بسحره، يقال: ساحرته فسحرته، أي غلبته بالسحر، كقول العرب: خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة، وفأضلته ففضلته، ونحوها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى الاستفهام، فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا. وقرا ابن عامر وأبو حيوة ويحيى بن وثاب" وايه الساحر" بغير ألف والهاء مضمومة، وعلتها أن الهاء خلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه النداء المفرد. وأنشد الفراء:
يا أيها القلب اللجوج النفس ... أفق عن البيض الحسان اللعس
__________
(1). آية 130 سورة الأعراف.

فضم الهاء حملا على ضم الياء، وقد مضى في" النور" «1» معنى هذا. ووقف أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويحيى والكسائي" أيها" بالألف على الأصل. الباقون بغير ألف، لأنها كذلك وقعت في المصحف." ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ" أي بما أخبرنا عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا، فسله يكشف عنا" إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ" أي فيما يستقبل." فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ" أي فدعا فكشفنا." إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ" أي ينقضون العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل: قولهم" إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ" إخبار منهم عن أنفسهم بالايمان، فلما كشف عنهم العذاب ارتدوا. قوله تعالى:" وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ" قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إليه فجمع قومه فقال، فنادى بمعنى قال، قاله أبو مالك. فيجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما بينهم ثم ينشر عنه في جموع القبط، وكأنه نودي بينهم. وقيل: إنه أمر من ينادي في قومه، قاله ابن جريج." قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ" أي لا ينازعني فيه أحد. قيل: إنه ملك منها أربعين فرسخا في مثلها، حكاه النقاش. وقيل: أراد بالملك هنا الإسكندرية." وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي" يعني أنهار النيل، ومعظمها أربعة «2»: نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس. قال قتادة: كانت جنانا وأنهارا تجري من تحت قصوره. وقيل: من تحت سريره. وقيل:" مِنْ تَحْتِي" أي تصرفي نافذ فيها من غير صانع. وقيل: كان إذا أمسك عنانه أمسك النيل عن الجري. قال القشيري: ويجوز ظهور خوارق العادة على مدعي الربوبية، إذ لا حاجة في تمييز الاله من غير الاله إلى فعل خارق للعادة. وقيل: معنى" وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي" أي القواد والرؤساء والجبابرة يسيرون تحت لوائي، قاله الضحاك. وقيل: أراد بالأنهار الأموال، وعبر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. وقوله" تَجْرِي مِنْ تَحْتِي" أي أفرقها على من يتبعني، لان الترغيب والقدرة في الأموال دون
__________
(1). راجع ج 12 ص (238) [.....]
(2). في كتاب روح المعاني للآلوسي:" والأنهار: الخلجان التي تخرج من النيل المبارك، كنهر الملك ونهر دمياط ونهر تنيس، ولعل نهر طولون كان منها إذ ذاك، لكنه اندرس فجدده أحمد بن طولون ملك مصر في الإسلام".

الأنهار." أَفَلا تُبْصِرُونَ" عظمتي وقوتي وضعف موسى. وقيل قدرتي على نفقتكم وعجز موسى. والواو في" وَهذِهِ" يجوز أن تكون عاطفة للأنهار على" مُلْكُ مِصْرَ" و" تَجْرِي" نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واو الحال، واسم الإشارة مبتدأ، و" الْأَنْهارُ" صفة لاسم الإشارة، و" تَجْرِي" خبر للمبتدإ. وفتح الياء من" تَحْتِي" أهل المدينة والبزي وأبو عمرو، وأسكن الباقون. وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لاولينها أحسن عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: أهذه القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال" أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ"؟! والله لهي عندي أقل من أن أدخلها! فثنى عنانه. ثم صرح بحاله فقال" أَمْ أَنَا خَيْرٌ" قال أبو عبيدة السدي:" أم" بمعنى" بل" وليست بحرف عطف، على قول أكثر المفسرين. والمعنى: قال فرعون لقومه بل أَنَا خَيْرٌ" مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ" أي لا عز له فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه" وَلا يَكادُ يُبِينُ" يعني ما كان في لسانه من العقدة، على ما تقدم في" طه" «1». وقال الفراء: في" أم" وجهان: إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت جعلتها نسقا على قوله" أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ". وقيل: هي زائدة. وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون" أم" زائدة، والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين. وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، كما قال:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أنت أم أم سالم «2»
أي أنت أحسن أم أم سالم. ثم ابتدأ فقال أنا خير. وقال الخليل وسيبويه: المعنى أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء، فعطف ب" أم" على" أَفَلا تُبْصِرُونَ" لان معنى" أَمْ أَنَا خَيْرٌ" أم أي تبصرون، وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء. وروي عن عيسى
__________
(1). راجع ج 11 ص 192.
(2). القائل هو ذو الرمة. وللوعساء: رملة لينة. وجلاجل: موضع بعينه. والنقاء: الكثيب من الرمل.

فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)

الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على" أم" على أن يكون التقدير أفلا تبصرون أم تبصرون، فحذف تبصرون الثاني. وقيل: من وقف على" أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على" تُبْصِرُونَ" من قوله" أَفَلا تُبْصِرُونَ". ولا يتم الكلام على" تُبْصِرُونَ" عند الخليل وسيبويه، لان" أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقال قوم: الوقف على قوله" أَفَلا تُبْصِرُونَ" ثم ابتدأ" أَمْ أَنَا خَيْرٌ" بمعنى بل أنا خير، وأنشد الفراء:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح
فمعناه: بل أنت أملح. وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ" أما أنا خير"، ومعنى هذا الست خيرا. وروي عن مجاهد أنه وقف على" أم" ثم يبتدئ" أَنَا خَيْرٌ" وقد ذكر.

[سورة الزخرف (43): آية 53]
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)
قوله تعالى:" فَلَوْ لا" أي هلا" أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ" إنما قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. وقرا حفص" أسورة" جمع سوار، كخمار وأخمرة. وقرا أبي" أساور" جمع إسوار. وابن مسعود" أساوير". الباقون" أَسْوِرَةٌ" جمع الأسورة، فهو جمع الجمع. ويجوز أن يكون" أساورة" جمع" إسوار" وألحقت الهاء في الجمع عوضا من الياء، فهو مثل زناديق وزنادقة، وبطاريق وبطارقة، وشبهه. وقال أبو عمرو ابن العلاء: واحد الأساورة والأساور والاساوير إسوار، وهي لغة في سوار. قال مجاهد: كانوا إذا سوروا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب علامة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقا!" أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ" يعني متتابعين، في قول قتادة. مجاهد: يمشون معا. ابن عباس: يعاونونه على من خالفه، والمعنى: هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه حتى يتكثر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في القلوب. فأوهم قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

كرسل الملوك في الشاهد، ولم يعلم أن رسل الله إنما أيدوا بالجنود السماوية، وكل عاقل يعلم أن حفظ الله موسى مع تفرده ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء كان أبلغ من أن يكون له أسورة أو ملائكة يكونون معه أعوانا- في قول مقاتل- أو دليلا على صدقه- في قول الكلبي- وليس يلزم هذا لان الاعجاز كاف، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما كذب مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى، لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم.

[سورة الزخرف (43): آية 54]
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54)
قوله تعالى:" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ" قال ابن الاعرابي: المعنى فاستجهل قومه" فَأَطاعُوهُ" لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، يقال: استخفه الفرح أي أزعجه، واستخفه أي حمله على الجهل، ومنه" وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ" «1» [الروم: 60]. وقيل: استفزهم بالقول فأطاعوه على، التكذيب. وقيل: استخف قومه «2» أي وجدهم خفاف العقول. وهذا لا يدل على أنه يجب أن يطيعوه، فلا بد من إضمار بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه. وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه، يقال استخفه خلاف استثقله، واستخف به أهانه." إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ" أي خارجين عن طاعة الله.

[سورة الزخرف (43): آية 55]
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55)
قوله تعالى:" فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ" روى الضحاك عن ابن عباس: أي غاظونا وأغضبونا. وروى عنه علي بن أبي طلحة: أي أسخطونا. قال الماوردي: ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام. القشيري: والأسف ها هنا بمعنى الغضب، والغضب من الله إما إرادة العقوبة فيكون من صفات الذات، وإما عين العقوبة فيكون من صفات الفعل، وهو معنى قول الماوردي.
__________
(1). آية 60 سورة الروم.
(2). في أز ل ... استخف بقومه ...

فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)

وقال عمر بن ذر: يأهل معاصي الله، لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه، فإنه قال" فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ". وقيل:" آسَفُونا" أي أغضبوا رسلنا وأولياءنا المؤمنين، نحو السحرة وبني إسرائيل. وهو كقوله تعالى:" يُؤْذُونَ اللَّهَ" «1» [الأحزاب: 57] و" يُحارِبُونَ اللَّهَ" «2» [المائدة: 33] أي أولياءه ورسله.

[سورة الزخرف (43): آية 56]
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (56)
قوله تعالى:" فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً" أي جعلنا قوم فرعون سلفا. قال أبو مجلز:" سَلَفاً" لمن عمل عملهم،" وَمَثَلًا" لمن يعمل عملهم. وقال مجاهد:" سَلَفاً" إخبارا لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،" وَمَثَلًا" أي عبرة لهم. وعنه أيضا" سَلَفاً" لكفار قومك يتقدمونهم إلى النار. قتادة:" سَلَفاً" إلى النار،" وَمَثَلًا" عظة لمن يأتي بعدهم. والسلف المتقدم، يقال: سلف يسلف «3» سلفا، مثل طلب طلبا، أي تقدم ومضى. وسلف له عمل صالح أي تقدم. والقوم السلاف المتقدمون. وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف. وقراءة العامة" سَلَفاً" (بفتح السين واللام) جمع سالف، كخادم وخدم، وراصد ورصد، وحارس وحرس. وقرا حمزة والكسائي" سلفا" (بضم السين واللام). قال الفراء: هو جمع سليف، نحو سرير وسرر. وقال أبو حاتم: هو جمع سلف، نحو خشب وخشب، وثمر وثمر، ومعناهما واحد. وقرا علي وابن مسعود وعلقمة وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس" سلفا" (بضم السين وفتح اللام) جمع سلفه، أي فرقة متقدمة. قال المؤرج والنضر بن شميل:" سَلَفاً" جمع سلفه، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وظلمة وظلم.

[سورة الزخرف (43): آية 57]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)
لما قال تعالى:" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ" [الزخرف: 45] تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم إلها، قاله قتادة. ونحوه عن مجاهد قال: إن قريشا قالت إن محمدا
__________
(1). آية 57 سورة الأحزاب.
(2). آية 33 سورة المائدة.
(3). لفظة يسلف ساقطة من ب ن ى.

يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعري مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأن عيسى، وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعري السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدا يتلو" إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ" «1» [الأنبياء: 98] الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا، أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، وذلك معنى قوله" يَصِدُّونَ". فأنزل الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ" «2» [الأنبياء: 101]. ولو تأمل ابن الزبعري الآية ما اعترض عليها، لأنه قال" وَما تَعْبُدُونَ" ولم يقل ومن تعبدون، وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإن كانوا معبودين. وقد مضى هذا في آخر سورة" الأنبياء" «3». وروى ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لقريش:] يا معشر قريش لا خير في أحد يعبد من دون الله [. قالوا: أليس تزعم أن عيسى كان عبد انبيا وعبد اصالحا، فإن كان كما تزعم فقد كان يعبد من دون الله!. فأنزل الله تعالى" وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ" أي يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. قرأ نافع وابن عامر والكسائي" يَصِدُّونَ" (بضم الصاد) ومعناه يعرضون، قاله النخعي، وكسر الباقون. قال الكسائي: هما لغتان، مثل يعرشون ويعرشون، وينمون وينمون، ومعناه يضجون. قال الجوهري: وصد يصد صديدا، أي ضج. وقيل: إنه بالضم من الصدود وهو الاعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لكانت: إذا قومك عنه يصدون. الفراء: هما سواء، منه وعنه. ابن المسيب: يصدون يضجون. الضحاك يعجون. ابن عباس: يضحكون. أبو عبيدة: من ضم فمعناه يعدلون، فيكون المعنى: من أجل الميل يعدلون. ولا يعدى" يَصِدُّونَ" بمن، ومن كسر فمعناه يضجون، ف" من" متصلة ب" يَصِدُّونَ" والمعنى يضجون منه.
__________
(1). آية 98 سورة الأنبياء.
(2). آية 101 سورة الأنبياء.
(3). راجع ج 11 ص 343 فما بعدها.

وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)

[سورة الزخرف (43): آية 58]
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)
قوله تعالى:" وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ" أي آلهتنا خير أم عيسى؟ قاله السدي. وقال: خاصموه وقالوا إن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل الله تعالى" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ" [الأنبياء: 1 0 1] الآية. وقال قتادة:" أَمْ هُوَ" يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي قراءة ابن مسعود" آلهتنا خير أم هذا". وهو يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير. وقرا الكوفيون ويعقوب" أَآلِهَتُنا" بتحقيق الهمزتين، ولين الباقون. وقد تقدم." ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا"" جدلا" حال، أي جدلين. يعني ما ضربوا لك هذا المثل إلا إرادة الجدل، لأنهم علموا أن المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من الموات" بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" مجادلون بالباطل. وفي صحيح الترمذي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل- ثم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية-" ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" [.

[سورة الزخرف (43): الآيات 59 الى 60]
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)
قوله تعالى:" إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ" أي ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة، وجعله مثلا لبني إسرائيل، أي آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإن عيسى كان من غير أب، ثم جعل إليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والاسقام كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق وأحبه إلى الله عز وجل، والناس دونهم، ليس أحد عند الله عز وجل مثلهم. وقيل: المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى الله عليه

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)

وسلم، والأول أظهر." وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ" أي بدلا منكم" مَلائِكَةً" يكونون خلفا عنكم، قاله السدي. ونحوه عن مجاهد قال: ملائكة يعمرون الأرض بدلا منكم. وقال الأزهري: إن" من" قد تكون للبدل، بدليل هذه الآية. قلت: قد تقدم هذا المعنى في" براءة" «1» وغيرها. وقيل: لو نشاء لجعلنا من الانس ملائكة وإن لم تجر العادة بذلك، والجواهر جنس واحد والاختلاف بالأوصاف، والمعنى: لو نشاء لاسكنا الأرض الملائكة، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم بنات الله. ومعنى" يَخْلُفُونَ" يخلف بعضهم بعضا، قاله ابن عباس.

[سورة الزخرف (43): الآيات 61 الى 62]
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)
قوله تعالى:" وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها" قال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: يريد القرآن، لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، أو به تعلم الساعة وأهوالها وأحوالها. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة أيضا: إنه خروج عيسى عليه السلام، وذلك من أعلام الساعة، لان الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة. وقرا ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك" وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" (بفتح العين واللام) أي أمارة. وقد روي عن عكرمة" وإنه للعلم" (بلامين) وذلك خلاف للمصاحف. وعن عبد الله بن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم، فرد الحديث إلى عيسى بن مريم قال: قد عهد إلي فيما دون وجبتها فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله عز وجل، فذكر خروج الدجال- قال: فأنزل فأقتله. وذكر الحديث، خرجه ابن ماجة في سننه. وفي صحيح مسلم ] فبينما هويعني المسيح الدجال- إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي
__________
(1). راجع ج 8 ص 141

دمشق بين مهرودتين «1» واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ] ينتهي [حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد «2» فيقتله ... [الحديث. وذكر الثعلبي والزمخشري وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] ينزل عيسى بن مريم عليه السلام من السماء على ثنية من الأرض المقدسة يقال لها أفيق»
بين ممصرتين «4» وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والامام يؤم بهم فيتأخر الامام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به [. وروى خالد عن الحسن قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم إنه ليس بيني وبينه نبي وإنه أول نازل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام [. قال الماوردي: وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم. وهذا قول مردود لثلاثة أمور، منها الحديث، ولان بقاء الدنيا يقتضي التكليف فيها، ولأنه ينزل آمرا بمعروف وناهيا عن منكر. وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى له مقصورا على تأييد الإسلام والامر به والدعاء إليه. قلت: ثبت في صحيح مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد [. وعنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [وفي رواية] فأمكم منكم [قال ابن أبي ذئب: تدري ] ما أمكم
__________
(1). أي شقتين أو حلتين.
(2). لد (بالضم والتشديد): قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين. [.....]
(3). في روح المعاني:" أفيق بفاء وقاف بوزن أمير، وهي هنا بالقدس الشريف نفسه ...".
(4). الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة.

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)

منكم [؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فهذا نص على أنه ينزل مجددا لدين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي درس منه، لا بشرع مبتدأ والتكليف باق، على ما بيناه هنا وفي كتاب التذكرة. وقيل:" وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" أي وإن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى، قاله ابن إسحاق. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى" وَإِنَّهُ" وإن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلم للساعة، بدليل قوله عليه السلام:] بعثت أنا والساعة كهاتين [وضم السبابة والوسطى، خرجه البخاري ومسلم. وقال الحسن: أول أشراطها محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." فَلا تَمْتَرُنَّ بِها" فلا تشكون فيها، يعني في الساعة، قاله يحيى بن سلام. وقال السدي: فلا تكذبون بها، ولا تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة." وَاتَّبِعُونِ" أي في التوحيد وفيما أبلغكم عن الله." هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ" أي طريق قويم إلى الله، أي إلى جنته. وأثبت الياء يعقوب في قوله" وَاتَّبِعُونِ" في الحالين، وكذلك" وَأَطِيعُونِ". وأبو عمرو وإسماعيل عن نافع في الوصل دون الوقف، وحذف الباقون في الحالين." وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ" أي لا تغتروا بوساوسه وشبه الكفار المجادلين، فان شرائع الأنبياء لم تختلف في التوحيد ولا فيما أخبروا به من علم الساعة وغيرها بما تضمنته من جنة أو نار." إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" تقدم في" البقرة" «1» وغيرها

[سورة الزخرف (43): الآيات 63 الى 64]
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)
قوله تعالى:" وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ" قال ابن عباس: يريد إحياء الموتى وإبراء الاسقام وخلق الطير والمائدة وغيرها، والاخبار بكثير من الغيوب. وقال قتادة: البينات
__________ (1). راجع ج 2 ص 209 طبعه ثانية.] [

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)

هنا الإنجيل." قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ" أي النبوة، قاله السدي. ابن عباس: علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح. وقيل الإنجيل، ذكره القشيري والماوردي." وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" قال مجاهد: من تبديل التوراة. الزجاج: المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. قال مجاهد: وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: بين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام «1» التوراة على قدر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها. وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء من أمر دنياهم فبين لهم أمر دينهم. ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل، ومنه قوله تعالى:" يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ" «2» [غافر: 28]. وأنشد الأخفش قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو تعتلق بعض النفوس حمامها
والموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض. ويقال للمنية: علوق وعلاقة. قال المفضل البكري:
وسائله بثعلبة بن سير «3» ... وقد علقت بثعلبة العلوق
وقال مقاتل: هو كقوله" وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" «4» [آل عمران: 50]. يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرما في التوراة، كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت." فَاتَّقُوا اللَّهَ" أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا الله وحده، وإذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون إلها أو ابن إله." وَأَطِيعُونِ" فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره." إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ" أي عبادة الله صراط مستقيم، وما سواه معوج لا يؤدي سالكه إلى الحق.

[سورة الزخرف (43): الآيات 65 الى 66]
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (66)
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من هـ
(2). آية 28 سورة غافر.
(3). يريد ثعلبة بن سيار.
(4). آية 50 سورة آل عمران.] [

الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)

قوله تعالى:" فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ" قال قتادة: يعني ما بينهم، وفيهم قولان: أحدهما- أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، خالف بعضهم بعضا، قاله مجاهد والسدي. الثاني- فرق النصارى من النسطورية والملكية واليعاقبة، اختلفوا في عيسى، فقال النسطورية: هو ابن الله. وقالت اليعاقبة: هو الله. وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم الله، قاله الكلبي ومقاتل، وقد مضى هذا في سورة" مريم" «1»." فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا" أي كفروا وأشركوا، كما في سورة" مريم" «2»." مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ" أي أليم عذابه، ومثله: ليل نائم، أي ينام فيه." هَلْ يَنْظُرُونَ" يريد الأحزاب لا ينتظرون." إِلَّا السَّاعَةَ" يريد القيامة." أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً" أي فجأة." وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" يفطنون. وقد مضى في غير موضع «3». وقيل: المعنى لا ينتظر مشركو العرب إلا الساعة. ويكون" الأحزاب" على هذا، الذين تحزبوا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذبوه من المشركين. ويتصل هذا بقوله تعالى:" ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا" «4» [الزخرف: 58].

[سورة الزخرف (43): آية 67]
الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67)
قوله تعالى:" الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ" يريد يوم القيامة." بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" أي أعداء، يعادي بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا." إِلَّا الْمُتَّقِينَ" فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، قال معناه ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط، كانا خليلين، وكان عقبة يجالس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتله فقتله يوم بدر صبرا «5»، وقتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت هذه الآية. وذكر الثعلبي رضي الله عنه في هذه الآية «6» قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب،
__________
(1). راجع ج 11 ص 106، 108.
(2). راجع ج 11 ص 106، 108.
(3). راجع ج 1 ص 197 طبعه ثانية أو ثالثة.
(4). آية 58 من هذه السورة.
(5). الصبر: نصب الإنسان للقتل.
(6). ما بين المربعين ساقط من هـ

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)

إن فلانا كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر. ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي، واهده كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني. فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول يا رب، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول الله تعالى: نعم الخليل ونعم الأخ ونعم الصاحب كان. قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك يا رب ألا تهده بعدي، وأن تضله كما أضللتني، وأن تهينه كما أهنتني، فإذا مات خليله الكافر قال الله تعالى لهما: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا رب، إنه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك أن تضاعف عليه العذاب، فيقول الله تعالى: بئس الصاحب والأخ والخليل كنت. فيلعن كل واحد منهما صاحبه. قلت: والآية عامة في كل مؤمن ومتق وكافر ومضل.

[سورة الزخرف (43): آية 68]
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)
قال مقاتل ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه: ينادي مناد في العرصات" يا عبادي لا خوف عليكم اليوم"، فيرفع أهل العرصة رؤوسهم، فيقول المنادي:" الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ" فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين. وذكر المحاسبي في الرعاية: وقد روي في هذا الحديث أن المنادي ينادي يوم القيامة:" يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" فيرفع الخلائق رؤوسهم، يقولون: نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية:" الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ" فينكس الكفار رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم. ثم ينادي الثالثة:" الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ" [يونس: 63] فينكس أهل الكبائر رؤوسهم، ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، لأنه أكرم الأكرمين، لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة. وقرى" يا عباد".

الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)

[سورة الزخرف (43): الآيات 69 الى 70]
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)
قال الزجاج:" الَّذِينَ" نصب على النعت ل" عِبادِي" لان" عِبادِي" منادي مضاف. وقيل:" الَّذِينَ آمَنُوا" [خبر لمبتدإ محذوف أو «1» [ابتداء وخبره محذوف، تقديره هم الذين آمنوا أو الذين آمنوا يقال لهم" ادخلوا الجنة". قرأ أبو بكر وزر بن حبيش" يا عبادي" بفتح الياء وإثباتها في الحالين، ولذلك أثبتها نافع وابن عامر وأبو عمرو ورويس ساكنة في الحالين. وحذفها الباقون في الحالين، لأنها وقعت مثبتة في مصاحف أهل الشام والمدينة لا غير." ادْخُلُوا الْجَنَّةَ". أي يقال لهم ادخلوا الجنة، أو يا عبادي الذين آمنوا ادخلوا الجنة." أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ" المسلمات في الدنيا. وقيل: قرناؤكم من المؤمنين. وقيل: زوجاتكم من الحور العين." تُحْبَرُونَ" تكرمون، قاله ابن عباس، والكرامة في المنزلة. الحسن: تفرحون، والفرح في القلب. قتادة: تنعمون، والنعيم في البدن. مجاهد: تسرون، والسرور في العين. ابن أبي نجيح: تعجبون، والعجب ها هنا درك ما يستطرف. يحيى بن أبي كثير: هو التلذذ بالسماع. وقد مضى هذا في" الروم" «2».

[سورة الزخرف (43): آية 71]
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى:" يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ" أي لهم في الجنة أطعمة وأشربة يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب وأكواب. ولم يذكر الأطعمة والأشربة، لأنه يعلم أنه لا معنى للاطافة بالصحاف والأكواب عليهم من غير أن يكون فيها شي. وذكر الذهب في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب، كقوله تعالى:
__________
(1). زيادة لا يستقيم المعنى إلا بها. [.....]
(2). راجع ج 14 ص 12

" وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ" «1» [الأحزاب: 35]. وفي الصحيحين عن حذيفة أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:] لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها «2» فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة [. وقد مضى في سورة" الحج" «3» أن من أكل فيهما في الدنيا أو لبس الحرير في الدنيا ولم يتب حرم ذلك في الآخرة تحريما مؤبدا. والله أعلم. وقال المفسرون: يطوف على أدناهم في الجنة منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا، ويراح عليه بمثلها. ويطوف على أرفعهم درجة كل يوم سبعمائة ألف غلام، مع كل غلام صحفة من ذهب، فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا." وَأَكْوابٍ" أي ويطاف عليهم بأكواب، كما قال تعالى:" وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ" «4» [الإنسان: 15] وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن رجل عن أبي قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك أوتوا بالشراب الطهور فتضمر لذلك بطونهم، ويفيض عرقا من جلودهم أطيب من ريح المسك، ثم قرأ" شَراباً طَهُوراً" [الإنسان: 21]. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:] إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ] ولا يمتخطون [قالوا فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير- في رواية- كما يلهمون النفس [. الثانية- روى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) وقال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها) وهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك.
__________
(1). آية 35 سورة الأحزاب. راجع ج 14 ص (185)
(2). قوله" في صحافها" على حد قوله تعالى:" وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها ... فالضمير" عائد على الفضة، ويلزم حكم الذهب بطريق الاولى.
(3). راجع ج 12 ص 29.
(4). آية 15 سورة الإنسان.

واختلف الناس في استعمالها في غير ذلك. قال ابن العربي: والصحيح أنه لا يجوز للرجال استعمالها في شي، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الذهب والحرير: (هذان حرام لذكور أمتي حل لإناثها). والنهي عن الأكل والشرب فيها يدل على تحريم استعمالها، لأنه نوع من المتاع فلم يجز. أصله الأكل والشرب، ولان العلة في ذلك استعجال أمر «1» الآخرة، وذلك يستوي فيه الأكل والشرب وسائر أجزاء الانتفاع، ولأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) فلم يجعل لنا فيها حظا في الدنيا. الثالثة- إذا كان الإناء مضببا بهما أو فيه حلقة منهما، فقال مالك: لا يعجبني أن يشرب فيه، وكذلك المرآة تكون فيها الحلقة من الفضة ولا يعجبني أن ينظر فيها وجهه. وقد كان عند أنس إناء مضبب بفضة وقال: لقد سقيت فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن سيرين: كانت فيه حلقة حديد فأراد أنس أن يجعل فيه حلقة فضة، فقال أبو طلحة: لا أغير شيئا مما صنعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتركه. الرابعة- إذا لم يجز استعمالها لم يجز اقتناؤها، لان ما لا يجوز استعماله لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطنبور «2». وفي كتب علمائنا أنه يلزم الغرم في قيمتها لمن كسرها، وهو معنى فاسد، فإن كسره واجب فلا ثمن لقيمتها. ولا يجوز تقويمها في الزكاة بحال. وغير هذا لا يلتفت إليه. قوله تعالى:" بِصِحافٍ" قال الجوهري: الصحفة كالقصعة والجمع صحاف. قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. قوله تعالى:" وَأَكْوابٍ" قال الجوهري: الكوب كوز لا عروة له، والجمع أكواب. قال الأعشى يصف الخمر:
__________
(1). في ابن العربي:" أجر".
(2). الطنبور: من آلات الطرب ذو عنق طويل وستة أوتار من نحاس، معرب.

صريفية طيب طعمها ... لها زبد بين كوب ودن «1»
وقال آخر «2»:
متكئا تصفق أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب
وقال قتادة: الكوب المدور القصير العنق القصير العروة. والإبريق المستطيل العنق الطويل العروة. وقال الأخفش: الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها. وقال قطرب: هي الأباريق التي ليست لها عرى. وقال مجاهد: إنها الآنية المدورة الأفواه. السدي: هي التي لا آذان لها. ابن عزيز:" أَكْوابٍ" أباريق لا عرى لها ولا خراطيم، واحدها كوب. قلت: وهو معنى قول مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة أنها التي لا آذان لها ولا عرى. قوله تعالى:" وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ" روى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال:] إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها «3» على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك ] في الجنة «4» [حيث شئت [. قال: وسأله رجلا فقال يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه قال:] إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك [. وقرا أهل المدينة، ابن عامر واهل الشام" وفيها ما تشتهيه الأنفس"، الباقون" تشتهي الأنفس" أي تشتهيه الأنفس، تقول الذي ضربت زيد، أي الذي ضربته زيد." وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ" تقول: لذ الشيء يلذ لذاذا، ولذاذة. ولذذت. بالشيء ألذ (بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل) لذاذا ولذاذة، أي وجدته لذيذا. والتذذت به وتلذذت به بمعنى. أي في الجنة ما تستلذه العين فكان حسن المنظر. وقال سعيد بن جبير:" وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ" النظر إلى الله عز وجل، كما في الخبر:] أسألك لذة النظر إلى وجهك [." وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ" باقون دائمون، لأنها لو انقطعت لتبغضت.
__________ (1). الصريفية: الخمر المنسوبة إلى صريفون، وهي قرية عند عكبراء، أو لأنها أخذت من الدن ساعتئذ كاللبن الصريف (الحليب الحار ساعة يصرف من الضرع).
(2). هو عدي بن زيد.
(3). من أح ز ن هـ
(4). زيادة عن سنن الترمذي.

وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)

[سورة الزخرف (43): آية 72]
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)
قوله تعالى:" وَتِلْكَ الْجَنَّةُ" أي يقال لهم هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا. وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بتلك وإلى جهنم بهذه، ليخوف بجهنم ويؤكد التحذير منها. وجعلها بالإشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها." الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" قال ابن عباس: خلق الله لكل نفس جنة ونارا، فالكافر يرث نار المسلم، والمسلم يرث جنة الكافر، وقد تقدم هذا مرفوعا في" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" «1» [المؤمنون: 1] من حديث أبي هريرة، وفي" الأعراف" «2» أيضا.

[سورة الزخرف (43): آية 73]
لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (73)
الفاكهة معروفة، وأجناسها الفواكه، والفاكهاني الذي يبيعها. وقال ابن عباس: هي الثمار كلها، رطبها ويابسها، أي لهم في الجنة سوى الطعام والشراب فاكهة كثيرة يأكلون منها.

[سورة الزخرف (43): الآيات 74 الى 76]
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
قوله تعالى:" إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ" لما ذكر أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل النار أيضا ليبين فضل المطيع على العاصي" لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ" أي لا يخفف عنهم ذلك العذاب." وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ" أي آيسون من الرحمة. وقيل: ساكتون سكوت يأس، وقد مضى في" الانعام" «3»" وَما ظَلَمْناهُمْ" بالعذاب" وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ" أنفسهم بالشرك. ويجوز" ولكن كانوا هم الظالمون" بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة خبر كان.

[سورة الزخرف (43): آية 77]
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77)
__________
(1). راجع ج 12 ص (108)
(2). راجع ج 7 ص (208)
(3). راجع ج 6 ص 426 [.....]

قوله تعالى:" وَنادَوْا يا مالِكُ" وهو خازن جهنم، خلقه لغضبه، إذا زجر النار زجرة أكل بعضها بعضا. وقرا علي وابن مسعود رضي الله عنهما" ونادوا يا مال" وذلك خلاف المصحف. وقال أبو الدرداء وابن مسعود: قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ونادوا يا مال" باللام خاصة، يعني رخم الاسم وحذف الكاف. والترخيم الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أن يحذف من آخره حرف أو أكثر، فتقول في مالك: يا مال، وفى حارث: يا حار، وفي فاطمة: يا فاطم، وفي عائشة: يا عائش وفي مروان: يا مرو، وهكذا. قال:
يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك «1»
وقال امرؤ القيس:
أحار ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل «2»
وقال أيضا:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل «3»
وقال آخر: «4»
يا مرو إن مطيتي محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم ييأس
وفي صحيح الحديث (أي فل، هلم). ولك في آخر الاسم المرخم وجهان: أحدهما- أن تبقيه على ما كان عليه قبل الحذف. والآخر- أن تبنيه على الضم، مثل: يا زيد، كأنك أنزلته منزلته ولم تراع المحذوف. وذكر أبو بكر الأنباري قال: حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد- وهو ابن سعدان- قال حدثنا حجاج عن شعبة عن الحكم بن
__________
(1). البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو من قصيدة يخاطب بها الحارث بن ورقاء الصيداوي وكان أغار على بني عبد الله ابن غطفان فغنم واخذ ابل زهير وراعيته يسارا، فطالبهم بذلك ليردوا عليه ما أخذوه وتوعدهم بالهجاء ... إلخ، راجع شرح ديوان زهير ص 164 المطبوع بدار الكتب المصرية.
(2). يروى" أصاح". والحبي: السحاب المعترض بالأفق. والمكلل: المتراكب.
(3). فاطمة هي ابنة عبيد بن ثعلبة بن عامر. والصرم (بالضم): القطيعة.
(4). هو الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم وكان واليا على المدينة فوفد عليه مادحا له، فأبطأ عليه جائزته ... والحباء (بكسر الحاء المهملة): العطاء. وجعل الرجل للناقة وهو يريد نفسه مجازا. (شرح الشواهد للشنتمري).

عيينة عن مجاهد قال: كنا لا ندري ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبد الله" بيت من ذهب"»
، وكنا لا ندري" وَنادَوْا يا مالِكُ" أو يا ملك «2» (بفتح اللام وكسرها) حتى وجدناه في قراءة عبد الله" ونادوا يا مال" على الترخيم. قال أبو بكر: لا يعمل على هذا الحديث لأنه مقطوع لا يقبل مثله في الرواية عن الرسول عليه السلام، وكتاب الله أحق بأن يحتاط له وينفى عنه الباطل. قلت: وفي صحيح البخاري عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ على المنبر" وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" بإثبات الكاف. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني- أو ذكر لي- أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ" «3» [غافر: 49] فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب، فردت عليهم" أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ" [غافر: 50] قال: فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكا، وهو عليهم وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا:" يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" قال: سألوا الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال: والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال:" إِنَّكُمْ ماكِثُونَ" وذكر الحديث، ذكره ابن المبارك. وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] فيقولون ادعوا مالكا فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون [. قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام، خرجه الترمذي. وقال ابن عباس: يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول إنكم ماكثون. وقال مجاهد ونوف البكالي: بين ندائهم وإجابته إياهم مائة سنة. وقال عبد الله بن عمرو: أربعون سنة، ذكره ابن المبارك.
__________
(1). في قوله تعالى:" أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ" آية 93 سورة الاسراء. راجع ج 10 ص (331)
(2). لفظة: أو يا ملك ساقطة من ن ز.
(3). آية 49 سورة غافر.

لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78)

[سورة الزخرف (43): آية 78]
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78)
يحتمل أن يكون هذا من قول مالك لهم، أي إنكم ماكثون في النار لأنا جئناكم في الدنيا بالحق فلم تقبلوا. ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم اليوم، أي بينا لكم الادلة وأرسلنا إليكم الرسل." وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ" قال ابن عباس:" وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ" أي ولكن كلكم. وقيل: أراد بالكثرة الرؤساء والقادة منهم، وأما الاتباع فما كان لهم أثر" لِلْحَقِّ" أي للإسلام ودين الله" كارِهُونَ".

[سورة الزخرف (43): آية 79]
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم بالمكر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار الندوة، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه، فنزلت هذه الآية، وقتل الله جميعهم ببدر." أَبْرَمُوا" أحكموا. والإبرام الأحكام. أبرمت الشيء أحكمته. وأبرم الفتال إذا أحكم الفتل، وهو الفتل الثاني، والأول سحيل، كما قال:
... من سحيل «1» ومبرم

فالمعنى أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا، قاله ابن زيد ومجاهد. قتادة: أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث. الكلبي: أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب. وام بمعنى بل. وقيل:" أَمْ أَبْرَمُوا" عطف على قوله" أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ" «2» [الزخرف: 45]. وقيل: أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا، أم سمعوا فأعرضوا لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب.

[سورة الزخرف (43): آية 80]
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)
__________
(1). هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى. والبيت كما في ديوانه:
يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
والسحيل، الغزل الذي لم يبرم.
(2). آية 45 من هذه السورة.

قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)

قوله تعالى:" أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ" أي ما يسرونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم." بَلى " نسمع ونعلم." وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم. وروي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم. قاله محمد بن كعب القرظي. وقد مضى هذا المعنى عن ابن مسعود في سورة" فصلت" «1».

[سورة الزخرف (43): الآيات 81 الى 82]
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)
قوله تعالى:" قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" اختلف في معناه، فقال ابن عباس والحسن والسدي: المعنى ما كان للرحمن ولد، ف" إن" بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدئ" فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. والوقف على" الْعابِدِينَ" تام. وقيل: المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام، كقوله:" وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" «2» [سبأ: 24]. والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك الولد، لان تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد: المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السدي أيضا: المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده، على أن له ولدا ولكن لا ينبغي ذلك. قال المهدوي: ف" إِنْ" على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو اختيار الطبري، لان كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى. وقيل: إن معنى" الْعابِدِينَ" الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان العبدين.
__________
(1). راجع ج 15 ص (351)
(2). آية 42 سورة سبأ. راجع ج 14 ص 298

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)

وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني" فأنا أول العبدين" بغير ألف، يقال، عبد يعبد عبد ا (بالتحريك) إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، عن أبي زيد. قال الفرزدق:
أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم ... وأعبد أن أهجو كليبا بدارم
وينشد أيضا:
أولئك ناس إن هجوني هجوتهم ... وأعبد أن يهجي كليب بدارم
قال الجوهري: وقال أبو عمرو وقوله تعالى" فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" من الأنف والغضب، وقال الكسائي والقتبي، حكاه الماوردي عنهما. وقال الهروي: وقوله تعالى" فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" قيل هو من عبد يعبد، أي من الآنفين. وقال ابن عرفة: إنما يقال عبد يعبد فهو عبد، وقلما يقال عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ، ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله عز وجل على أنه واحد لا ولد له. وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها، فقال له علي: قال الله تعالى" وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ «1» شَهْراً" [الأحقاف: 15] وقال في آية أخرى" وَفِصالُهُ فِي «2» عامَيْنِ" [لقمان: 14] فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب: يعني ما استنكف ولا أنف. وقال ابن الاعرابي:" فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" أي الغضاب الآنفين. وقيل:" فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ" أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم. أبو عبيدة: معناه الجاحدين، وحكى: عبدني حقي أي جحدني «3». وقرا أهل الكوفة إلا عاصما" ولد" بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم" وَلَدٌ" وقد تقدم «4»." سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي تنزيها له وتقديسا. نزه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتنزيه." عَمَّا يَصِفُونَ" أي عما يقولون من الكذب.

[سورة الزخرف (43): آية 83]
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)
__________ (1). راجع ص 193 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 14 ص 63.
(3). لفظة أى جحدنى ساقط من ل. [.....]
(4). راجع ج 11 ص 155

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)

قوله تعالى:" فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا" يعني كفار مكة حين كذبوا بعذاب الآخرة. أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم" حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" إما العذاب في الدنيا أو في الآخرة. وقيل: إن هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. وقرا ابن محيصن ومجاهد وحميد وابن القعقاع وابن السميقع" حتى يلقوا" بفتح الياء وإسكان اللام من غير ألف، وفتح القاف هنا وفي" الطور" «1» و" المعارج" «2». الباقون" يُلاقُوا".

[سورة الزخرف (43): آية 84]
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)
هذا تكذيب لهم في أن لله شريكا وولدا، أي هو المستحق للعبادة في السماء والأرض. وقال عمر رضي الله عنه وغيره: المعنى وهو الذي في السماء إله في الأرض «3»، وكذلك قرأ. والمعنى أنه يعبد فيهما. وروي أنه قرأ هو وابن مسعود وغيرهما" وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله" وهذا خلاف المصحف. و" إِلهٌ" رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي وهو الذي في السماء هو إله، قاله أبو علي. وحسن حذفه لطول الكلام. وقيل:" في" بمعنى على، كقوله تعالى:" وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ" [طه: 71] أي على جذوع النخل «4»، أي هو القادر على السماء والأرض." وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ" تقدم «5».

[سورة الزخرف (43): آية 85]
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)
" تَبارَكَ" تفاعل من البركة، وقد تقدم «6»." وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ" أي وقت قيامها." وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي" وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" بالياء. الباقون بالتاء. وكان ابن محيصن وحميد ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم. وضم الباقون.
__________
(1). آية (45)
(2). آية (42)
(3). في بعض نسخ الأصل:" ... في السماء اله وفي الأرض ..."
(4). راجع ج 11 ص 224.
(5). راجع ج 1 ص 287 طبعه ثانية أو ثالثة.
(6). راجع ج 7 ص 223

وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)

[سورة الزخرف (43): آية 86]
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ"" مِنْ" في موضع الخفض. وأراد ب" الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" عيسى وعزيرا والملائكة. والمعنى ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. قال: وشهادة الحق لا إله إلا الله. وقيل:" مَنْ" في محل رفع، أي ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة، يعني الآلهة- في قول قتادة- أي لا يشفعون لعابديها إلا من شهد بالحق، يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله." وَهُمْ يَعْلَمُونَ" حقيقة ما شهدوا به. وقيل: إنها نزلت بسبب أن النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه، فأنزل الله" وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ" أي اعتقدوا أن الملائكة أو الأصنام أو الجن أو الشياطين تشفع لهم ولا شفاعة لاحد يوم القيامة." إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ" يعني المؤمنين إذا أذن لهم. قال ابن عباس:" إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ" أي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: أي لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يشفع لهم أحد إلا من شهد بالحق، فإن من شهد بالحق يشفع له ولا يشفع لمشرك. و" إِلَّا" بمعنى لكن، أي لا ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق، فهو استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلا، لان في جملة" الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" الملائكة. ويقال: شفعته وشفعت له، مثل كلته وكلت له. وقد مضى في" البقرة" معنى الشفاعة واشتقاقها فلا معنى لإعادتها «1». وقيل:" إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ" إلا من تشهد له الملائكة بأنه كان على الحق في الدنيا، مع علمهم بذلك منه بأن يكون الله أخبرهم به، أو بأن شاهدوه على الايمان.
__________ (1). راجع ج 1 ص 378 طبعه ثانية أو ثالثة.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)

الثانية- قوله تعالى:" إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" يدل على معنيين: أحدهما- أن الشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، وأن التقيد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني- أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها. ونحوه ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع [. وقد مضى في" البقرة" «1».

[سورة الزخرف (43): آية 87]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
قوله تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا." فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون عنها حتى أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له. يقال: أفكه يأفكه إفكا، أي قلبه وصرفه عن الشيء. ومنه قوله تعالى:" قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا" «2» [الأحقاف: 22]. وقيل: أي ولين سألت الملائكة وعيسى" مَنْ خَلَقَهُمْ" لقالوا الله." فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" أي فأنى يؤفك هؤلاء في ادعائهم إياهم آلهة.

[سورة الزخرف (43): آية 88]
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88)
في" قِيلِهِ" ثلاث قراءات: النصب، والجر، والرفع. فأما الجر فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هرمز ومسلم بن جندب. فمن جر حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون" قِيلِهِ" عطفا على قوله" أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ" «3» [الزخرف: 80]. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس محمد ابن يزيد المبرد بأي شيء تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على" وعنده علم الساعة ويعلم قيله". فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على" تُرْجَعُونَ"، ولا على" يَعْلَمُونَ". ويحسن الوقف على" يَكْتُبُونَ" «4». وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى: لا نسمع سرهم ونجواهم
__________
(1). راجع ج 3 ص 389.
(2). آية 22 سورة الأحقاف.
(3). آية 80 من هذه السورة.
(4). في آية 80.

فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)

وقيله، كما ذكرنا عنهما فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على يَكْتُبُونَ. وأجاز الفراء والأخفش أيضا: أن ينصب على المصدر، كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى الله عز وجل، كما قال كعب بن زهير:
تمشي الوشاة جنابيها «1» وقيلهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول
أراد: ويقولون قيلهم. ومن رفع قِيلِهِ فالتقدير: وعنده قيله، أو قيله مسموع، أو قيله هذا القول «2». الزمخشري: والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. والرفع على قولهم: أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ولعمرك، ويكون قوله" إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ" جواب القسم، كأنه قال: وأقسم بقيله يا رب، أو قيله يا رب قسمي، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: ويجوز في العربية" وقيله" بالرفع، على أن ترفعه بإن هؤلاء قوم لا يؤمنون. المهدوي: أو يكون على تقدير وقيله قيله يا رب، فحذف قيله الثاني «3» الذي هو خبر، وموضع" يا رَبِّ" نصب بالخبر المضمر، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع حذف بعض الموصول وبقي بعضه، لان حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور. والهاء في" قِيلِهِ" لعيسى، وقيل لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد جرى ذكره إذ قال" قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ" [الزخرف: 81]. وقرا أبو قلابة" يا رب" بفتح الباء. والقيل مصدر كالقول، ومنه الخبر] نهى عن قيل وقال [. ويقال: قلت قولا وقيلا وقالا. وفي النساء وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا «4» [النساء: 122].

[سورة الزخرف (43): آية 89]
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
قال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح منسوخا بالسيف. ونحوه عن ابن عباس قال:" فَاصْفَحْ عَنْهُمْ" أي أعرض عنهم." وَقُلْ سَلامٌ" أي معروفا، أي قل لمشركي أهل مكة" فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" ثم نسخ هذا في سورة" براءة" بقوله تعالى:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" «5» [التوبة: 5] الآية. وقيل: هي محكمة لم تنسخ. وقراءة العامة" فسوف
__________ (1). أي ناحيتيها.
(2). أو قيله هذا القول ساقط من ح وفي ز ل وفيه هذا القول. [.....]
(3). في الأصول:" الأول".
(4). آية 122.
(5). آية 5.

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)

يعملون" (بالياء) على أنه خبر من الله تعالى لنبيه بالتهديد. وقرا نافع وابن عامر" تعلمون" (بالتاء) على أنه من خطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمشركين بالتهديد. و" سَلامٌ" رفع بإضمار عليكم، قاله الفراء. ومعناه الامر بتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم، حكاه النقاش. وروى شعيب بن الحبحاب أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم، والله أعلم.

[تفسير سورة الدخان ]
سورة الدخان مكية باتفاق، إلا قوله تعالى:" إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا" «1» [الدخان: 15]. وهي سبع وخمسون آية. وقيل تسع. وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال: (من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين) رفعه الثعلبي من حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له). وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك). وعن أبي أمامة قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الدخان (44): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)
إن جعلت" حم" جواب القسم تم الكلام عند قوله" الْمُبِينِ" ثم تبتدئ" إِنَّا أَنْزَلْناهُ". وإن جعلت" إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ" جواب القسم الذي هو" الْكِتابِ" وقفت على" مُنْذِرِينَ" وابتدأت" فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ". وقيل: الجواب" إِنَّا أَنْزَلْناهُ"، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم، والهاء في" أَنْزَلْناهُ"
__________
(1). آية 15

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)

للقرآن. ومن قال: أقسم بسائر الكتب فقوله" إِنَّا أَنْزَلْناهُ" كنى به عن غير القرآن، على ما تقدم بيانه في أول" الزخرف" «1» والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان (. ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل كان ابتداء الانزال في هذه الليلة. وقال عكرمة: الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" «2» [القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في" البقرة" «3» عند قوله تعالى" شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" [البقرة: 185]، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى.

[سورة الدخان (44): آية 4]
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)
قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران، قاله ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وروى عثمان «4» بن المغيرة قال قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تقطع الآجال من شعبان
__________
(1). راجع ص 61 من هذا الجزء.
(2). آية 185.
(3). راجع ج 2 ص 290 طبعه ثانية.)
(4). في أح ز: وروى عثمان أن المغيرة.

إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى (. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:) إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلى فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر) ذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب (. وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحجاج بن أرطاه عن يحيى بن أبي كثيرة عن عروة عن عائشة، وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاه لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. قلت: وقد ذكر حديث عائشة مطولا صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه. روى حماد ابن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: أي والله»
الذي لا إله إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج، يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، وهذه الإبانة لأحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، وهو باطل لان الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع:" شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" «2» [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عين من زمانه الليل ها هنا بقوله" فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ"،
__________
(1). من ح ل.
(2). راجع ج 2 ص 290.

أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)

فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها. الزمخشري:" وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق وال والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرى" نفرق" بالتشديد، و" يفرق" كل على بنائه للفاعل ونصب" كل"، والفارق الله عز وجل. وقرا زيد بن علي رضي الله عنه" نفرق" بالنون." كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" كل شأن ذي حكمة، أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة".

[سورة الدخان (44): الآيات 5 الى 6]
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)
قوله تعالى:" أَمْراً مِنْ عِنْدِنا" قال النقاش: الامر هو القرآن أنزله الله من عنده. وقال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده. وهو مصدر في موضع الحال. وكذلك" رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ" وهما عند الأخفش حالان، تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرد:" أَمْراً" في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالا. الفراء والزجاج:" أَمْراً" نصب ب" يُفْرَقُ"، مثل قولك: يفرق فرقا. فأمر بمعنى فرق فهو مصدر، مثل قولك: يضرب ضربا. وقيل:" يُفْرَقُ" يدل على يؤمر، فهو مصدر عمل فيه ما قبله." إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ" قال الفراء «1»:" رَحْمَةً" مفعول ب" مُرْسِلِينَ". والرحمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الزجاج:" رَحْمَةً" مفعول من أجله، أي أرسلناه للرحمة. وقيل: هي بدل من قوله" أَمْراً". وقيل: هي مصدر. الزمخشري:" أَمْراً" نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه
__________
(1). جملة قال الفراء: ساقطة من أح.

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)

فخامة بأن قال: أعنى بهذا الامر أمرا حاصلا من عندنا، كائنا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن علي" أمر من عندنا" على هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرا الحسن" رحمة" على تلك هي رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له.

[سورة الدخان (44): الآيات 7 الى 9]
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)
قوله تعالى:" رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" قرأ الكوفيون" رب" بالجر. الباقون بالرفع، ردا على قوله" إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". وإن شئت على الابتداء، والخبر لا إله إلا هو. أو يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو رب السموات والأرض. والجر على البدل من" رَبِّكَ" وكذلك" رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ" بالجر فيهما، رواه الشيزري «1» عن الكسائي. الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن الله خلق السموات والأرض، أي إن كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل الرسل، وينزل الكتب. ويجوز أن يكون الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق، أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق، وأنه الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقن ها هنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه، كما تقول: فلان ينجد، أي يريد نجدا. ويتهم، أي يريد تهامة." لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ" أي هو خالق العالم، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شي. و" هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ" أي يحيي الأموات ويميت الأحياء." رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ" أي مالككم ومالك من تقدم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب." بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ" أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الايمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم، وإنما
__________
(1). هو عيسى بن سليمان أبو موسى الحجازي، كان حجازيا ثم انتقل إلى شيزر (كحيدر، بلدة قرب حماة) وأقام بها إلى أن مات فنسب إليها، أخذ القراءة عرضا وسماعا من الكسائي، وله عنه انفرادات. (غاية النهاية).

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)

يقولونه لتقليد «1» آبائهم من غير علم فهم في شك. وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة. وقيل:" يَلْعَبُونَ" يضيفون إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الافتراء استهزاء. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب، وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته.

[سورة الدخان (44): الآيات 10 الى 11]
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11)
قوله تعالى:" فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ" ارتقب معناه انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين، قاله قتادة. وقيل: معناه احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين، ولذلك سمي الحافظ رقيبا. وفي الدخان أقوال ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم يجئ بعد، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعد: علي وابن عباس وابن عمرو وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة، يأخذ المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه، ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علينا ونحن نتذاكر فقال: (ما تذكرون)؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات- فذكر- الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم (. في رواية عن حذيفة (إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال
__________
(1). في أز ك ل هـ: لتقليد الآباء لهم. وفي ن: تقليدا لآبائهم.

ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس (. وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) أول الآيات خروجا الدجال ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا (. قلت: يا نبي الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية:" فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ" يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما والكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره (. فهذا قول. القول الثاني- أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا، قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم «1». والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي. قال البخاري: حدثني يحيي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبد الله: إنما كان هذا لان قريشا لما استعصت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط «2» وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى:" فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ". قال: فأتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: (لمضر! إنك لجرى) فاستسقى فسقوا، فنزلت:" إِنَّكُمْ عائِدُونَ" [الدخان: 15]. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عز وجل" يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ"
قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدخان الجدب. القتبي: سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث- إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة، قاله عبد الرحمن الأعرج." يَغْشَى النَّاسَ" في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ك. [.....]
(2). في ح ز ل: فأصابهم الجوع والقحط

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)

أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم." هذا عَذابٌ أَلِيمٌ" أي يقول الله لهم:" هذا عَذابٌ أَلِيمٌ". فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله:" هذا عَذابٌ أَلِيمٌ" حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا فهو حكاية حال آتية. وقيل:" هذا" بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان:" هذا عَذابٌ أَلِيمٌ". وقيل: هو إخبار عن دنو الامر، كما تقول: هذا الشتاء فأعد له.

[سورة الدخان (44): آية 12]
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)
أي يقولون ذلك، اكشف عنا العذاب ف" إِنَّا مُؤْمِنُونَ"، أي نؤمن بك إن كشفته عنا. قيل: إن قريشا أتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول. قال قتادة:" الْعَذابَ" هنا الدخان. وقيل: الجوع، حكاه النقاش. قلت: ولا تناقض، فإن الدخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم، على ما تقدم. وقد يقال للجوع والقحط: الدخان، ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة الأمطار، ولهذا يقال لسنة الجدب: الغبراء. وقيل: إن العذاب هنا الثلج. قال الماوردي وهذا لا وجه له، لان هذا إنما يكون في الآخرة أو في أهل مكة، ولم تكن مكة من بلاد الثلج، غير أنه مقول فحكيناه.

[سورة الدخان (44): الآيات 13 الى 14]
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)
قوله تعالى:" أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى " أي من أين يكون لهم التذكر والاتعاظ عند حلول العذاب." وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ" يبين لهم الحق، والذكرى والذكر واحد، قاله البخاري." ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ" أي أعرضوا. قال ابن عباس: أي متى يتعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتكذيبهم إياه. وقيل: أي أنى ينفعهم

إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)

قولهم:" إِنَّا مُؤْمِنُونَ" بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة، فقد صارت المعارف ضرورية. وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة." وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ" أي علمه بشر أو علمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول.

[سورة الدخان (44): آية 15]
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (15)
قوله تعالى:" إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا" أي وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا، أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه، قاله ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة. ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على كفره. ومن قال هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر. وقيل: معنى" إِنَّكُمْ عائِدُونَ" إلينا، أي مبعوثون بعد الموت. وقيل: المعنى" إِنَّكُمْ عائِدُونَ" إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا.

[سورة الدخان (44): آية 16]
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
يَوْمَ" محمول على ما دل عليه" مُنْتَقِمُونَ"، أي ننتقم منهم يوم نبطش. وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد" إن" لا يفسر ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه" مُنْتَقِمُونَ". وهو بعيد أيضا، لان ما بعد" إن" لا يعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلقه بقوله:" عائِدُونَ" ولا بقوله:" إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ"، إذ ليس المعنى عليه. ويجوز نصبه بإضمار فعل، كأنه قال: ذكرهم أو اذكر. ويجوز أن يكون المعنى إنكم عائدون، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا بقصة فرعون، فإنهم وعدوا موسى الايمان إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا. وقيل:" إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ" كلام تام. ثم ابتدأ" يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ" أي ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش، فحذف واو العطف،

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19)

كما تقول: اتق النار اتق العذاب. و" الْبَطْشَةَ الْكُبْرى " في قول ابن مسعود: يوم بدر. وهو قول ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا، واختاره الزجاج. وقيل: دخان يقع في الدنيا، أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة. الماوردي: ويحتمل أنها قيام الساعة، لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ويقال: انتقم الله منه، أي عاقبه. والاسم منه النقمة «1» والجمع النقمات. وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة، فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة. والنقمة قد تكون قبلها، قاله ابن عباس. وقيل: العقوبة ما تقدرت والانتقام غير مقدر.

[سورة الدخان (44): آية 17]
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)
أي ابتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الامر بالطاعة. والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا، فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتناهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم، أي أغرقناهم، لان الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا ترتب. ومعنى" كريم" أي كريم في قومه. وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال الفراء: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام.

[سورة الدخان (44): الآيات 18 الى 19]
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19)
قوله تعالى:" أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ" قال ابن عباس: المعنى جاءهم فقال اتبعوني. ف" عِبادَ اللَّهِ" منادى. وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب. ف" عِبادَ اللَّهِ" على هذا مفعول. وقيل: المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي." إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ" أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي. وقيل: أمين على ما أستأديه
__________
(1). في كتب اللغة:" النقمة بالكسر والفتح وكفرحة جمع نقم ككلم وعنب وكلمات".

وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)

منكم فلا أخون فيه." وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ" أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة: لا تبغوا على الله. ابن عباس: لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول. وقال ابن جريج: لا تعظموا على الله. يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر، ذكره الماوردي." إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ" قال قتادة: بعذر بين. وقال يحيى بن سلام: بحجة بينة. والمعنى واحد، أي برهان بين.

[سورة الدخان (44): آية 20]
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)
كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله. قال قتادة:" تَرْجُمُونِ" بالحجارة. وقال ابن عباس: تشتمون، فتقولوا ساحر كذاب. وأظهر الذال من" عُذْتُ" نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ويعقوب. وأدغم الباقون. والإدغام طلبا للتخفيف، والإظهار على الأصل. ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى، لان الله وعده فقال:" فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما" «1» [القصص: 35]. وقيل: إني أعوذ، كما تقول نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله، أي أقسم.

[سورة الدخان (44): آية 21]
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)
قوله تعالى:" وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي" أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فاللام في" لي" لام أجل. وقيل: أي وإن لم تؤمنوا بي، كقوله:" فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ" «2» [العنكبوت: 26] أي به." فاعتزلون" أي دعوني كفافا «3» لا لي ولا علي، قاله مقاتل. وقيل: أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا. وقيل: فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. والمعنى متقارب، والله أعلم.

[سورة الدخان (44): آية 22]
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
__________
(1). آية 35 سورة القصص.
(2). آية 26 سورة العنكبوت.
(3). أي مكفوفا عنى شركم.

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)

قوله تعالى:" فَدَعا رَبَّهُ" فيه حذف، أي فكفروا فدعا ربه." أَنَّ هؤُلاءِ" بفتح" أن" أي بأن هؤلاء." قَوْمٌ مُجْرِمُونَ" أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الايمان.

[سورة الدخان (44): آية 23]
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا" أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي، أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل." لَيْلًا" أي قبل الصباح." إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ" وقرا أهل الحجاز" فأسر" بوصل الالف. وكذلك ابن كثير، من سرى. الباقون" فَأَسْرِ" بالقطع، من أسرى. وقد تقدم «1». وتقدم خروج فرعون وراء موسى في" البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس" «2» وإغراقه وإنجاء موسى، فلا معنى للإعادة. الثانية- أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا. وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا، فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو جدب، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسري ويدلج «3» ويترفق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة. وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها) «4». وقد مضى في أول" النحل" «5»، والحمد لله.

[سورة الدخان (44): آية 24]
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)
__________
(1). راجع ج 9 ص (79)
(2). راجع ج 1 ص 389 وما بعدها. وج 8 ص 377 وما بعدها. وج 11 ص 227 وما بعدها. وج 13 ص 105 وما بعدها.
(3). قوله:" يسري" أي يسير عامة الليل. و" يدلج" أي سار من أول الليل. وربما استعمل لسير آخر الليل.
(4). قوله:" في السنة" أي في القحط وانعدام نبات الأرض من يبسها. والنقي (بكسر النون وسكون القاف) هو المخ، ومعناه أسرعوا في السير الإبل لتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها.
(5). راجع ج 10 ص 73

قال ابن عباس:" رَهْواً" أي طريقا. وقاله كعب والحسن. وعن ابن عباس أيضا سمتا. الضحاك والربيع: سهلا. عكرمة: يبسا، لقوله:" فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً" وقيل: مفترقا. مجاهد: منفرجا. وعنه يابسا. وعنه ساكنا، وهو المعروف في اللغة. وقاله قتادة والهروي. وقال غيرهما: منفرجا. وقال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا سكن جريه انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. والرهو عند العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رهوا، أي ساكنة. قال:
والخيل تمزع رهوا في أعنتها ... كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد «1»
الجوهري: ويقال افعل ذلك رهوا، أي ساكنا على هينتك «2». وعيش راه، أي ساكن رافه. وخمس راه، إذا كان سهلا. ورها البحر أي سكن. وقال أبو عبيد: رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح، ومنه قوله تعالى:" وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً". والرهو: السير السهل، يقال: جاءت الخيل رهوا. قال ابن الاعرابي: رها يرهو في السير أي رفق. قال القطامي في نعت الركاب:
يمشين رهوا فلا الاعجاز خاذله ... ولا الصدور على الاعجاز تتكل
والرهو والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء، وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الرهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره. وفي الحديث أنه قضى أن (لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو) «3». والجمع رهاء. والرهو: المرأة الواسعة الهن. حكاه النضير بن شميل. والرهو: ضرب من الطير، ويقال:
__________
(1). البيت للنابغة الذبياني. و" تمزع": تمرمرا سريعا. وقد وردت هذه الكلمة في الأصل محرفة، ففي بعضها" تمرح" بالراء والحاء. وفي البعض الآخر:" تمرع" بالراء والعين. ويروى:" غربا" بدل" رهوا" أي حدة. و" الشؤبوب": السحاب العظيم القطر.
(2). الهينة (بالكسر): السكينة والوقار.
(3). الفناء: فناء الدار، هو ما امتد معها من جوانبها. والمنقبة: هي الطريق بين الدارين. وقيل: هو الطريق الذي يعلو أنشاز الأرض. والركح (بالضم): ناحية البيت من ورائه، وربما كان فضاء لا بناء فيه.

كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)

هو الكركي. قال الهروي: ويجوز أن يكون" رَهْواً" من نعت موسى- وقاله القشيري- أي سر ساكنا على هينتك، فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر، وعلى الأول هو من نعت البحر، أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا تأمره بالانضمام حتى يدخل فرعون وقومه. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا. وقيل: ليس الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين، يقال: رها ما بين الرجلين أي فرج. فقوله:" رَهْواً" أي منفرجا. وقال الليث: الرهو ومشي في سكون، يقال: رها يرهو رهوا فهو راه. وعيش راه: وادع خافض. وافعل ذلك سهوا رهوا، أي ساكنا بغير شدة. وقد ذكرناه آنفا." إِنَّهُمْ" أي إن فرعون وقومه." جُنْدٌ مُغْرَقُونَ" أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه.

[سورة الدخان (44): الآيات 25 الى 27]
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27)
قوله تعالى:" كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ"" كم" للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في" الشعراء" مستوفى «1»." وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ" النعمة (بالفتح) التنعيم، يقال: نعمه الله وناعمة فتنعم. وامرأة منعمة ومناعمة، بمعنى. والنعمة (بالكسر) اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك. وكذلك النعمى. فإن فتحت النون مددت وقلت: النعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال، جميعه عن الجوهري. وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهيعة: الفيوم. ابن زياد: أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال: نعمة ونعمة (بفتح النون وكسرها)، حكاه الماوردي. قال: وفى الفرق بينهما وجهان: أحدهما- أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين، قاله النضر بن شميل. الثاني- أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة، قاله ابن زياد.
__________
(1). راجع ج 13 ص 102 وما بعدها. [.....]

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)

قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرا أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة" فكهين" بغير ألف، ومعناه أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل (بالكسر) فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطر. وقرى" ونعمة كانوا فيها فكهين" أي أشرين بطرين. و" فاكِهِينَ" أي ناعمين. القشيري:" فاكِهِينَ" لاهين مازحين، يقال: إنه لفاكه أي مزاح. وفية فكاهة أي مزح. الثعلبي: وهما لغتان كالحاذر والحذر، والفاره والفره. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضل عن القوت الذي لا بد منه.

[سورة الدخان (44): آية 28]
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (28)
قال الزجاج: أي الامر كذلك، فيوقف على" كَذلِكَ". وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير نفعل فعلا كذلك بمن نريد إهلاكه. وقال الكلبي:" كَذلِكَ" أفعل بمن عصاني. وقيل:" كَذلِكَ" كان أمرهم فأهلكوا." وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ" يعني بني إسرائيل، ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. ونظيره" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا" «1» [الأعراف: 137]. الآية.

[سورة الدخان (44): آية 29]
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29)
قوله تعالى:" فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ" أي لكفرهم." وَما كانُوا مُنْظَرِينَ". أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال الشاعر:
__________
(1). آية 137 سورة الأعراف.

فالريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامه «1»
وقال آخر: «2»
والشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وقالت الخارجية: «3»
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد. وقيل: في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة، كقوله تعالى:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «4» [يوسف: 82] بل سروا بهلاكهم، قاله الحسن. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه- ثم تلا-" فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ". يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك. وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل!. وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جبير. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قول مجاهد. وقال شريح الحضرمي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة-
__________
(1). البيت ليزيد بن مغرغ الحميري. ورد هذا البيت في الأصول محرفا، والتصويب عن وفيات الأعيان وشرح الكامل.
(2). هو جرير.
(3). الخارجية هي ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد ابن طريف، وكان رأس الخوارج وأشدهم بأسا وصوله.
(4). راجع ج 9 ص 425.

قيل: من هم يا رسول الله؟ قال- هم الذين إذا فسد الناس صلحوا- ثم قال- ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض- ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ"- ثم قال- ألا إنهما لا يبكيان على الكافر (. قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر «1» قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت. وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما، قاله علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وعطاء والسدي والترمذي محمد ابن علي وحكاه عن الحسن. قال السدي: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها. وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما. وقال سليمان القاضي: مطرنا دما يوم قتل الحسين. قلت: روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الشفق الحمرة). وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: الشفق شفقان، الحمرة والبياض، فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة. وهذا يرد ما حكاه ابن سيرين. وقد تقدم في" سبحان" «2» عن قرة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها. وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشيء فإذا أدرت العين بمائها قيل بكت، وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت، لان المؤمن نور ومعه نور الله، فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت
__________
(1). في ن ز: وذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا محمد بن معمر ...
(2). راجع ج 10 ص 220.

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30)

باغبرارها، لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن، فإذا قبض المؤمن منها درت بغبرتها. وقال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أضاء كل شي، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شي، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن. وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حمرة تظهر، وإنما ذلك لدنو الساعة، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن. قلت: والقول الأول أظهر، إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السموات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم- كما بيناه في" سبحان ومريم وحم فصلت «1»"- فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك. والله أعلم بصواب هذه الأقوال «2»

[سورة الدخان (44): الآيات 30 الى 31]
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31)
يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة." مِنْ فِرْعَوْنَ" بدل من" الْعَذابِ الْمُهِينِ" فلا تتعلق" من" بقوله:" مِنَ الْعَذابِ" لأنه قد وصف، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي أنجيناهم من العذاب ومن فرعون." إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ" أي جبارا من المشركين. وليس هذا علو مدح بل هو علو في الإسراف، كقوله:" إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ" «3» [القصص: 4]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله.

[سورة الدخان (44): آية 32]
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (32)
قوله تعالى:" وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ" يعني بني إسرائيل." عَلى عِلْمٍ" أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم." عَلَى الْعالَمِينَ" أي عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الامة:"
__________
(1). راجع ج 10 ص 266 وج 11 ص 157 وج 15 ص (344)
(2). ما بين المربعين زيادة من ن
(3). آية 4 سورة القصص.

وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36)

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" «1» [آل عمران: 110]. وهذا قول قتادة وغيره. وقيل على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم، حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما. ويكون قوله:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ" أي بعد بني إسرائيل. والله أعلم. وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون.

[سورة الدخان (44): آية 33]
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33)
قوله تعالى:" وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ" أي من المعجزات لموسى." ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ" قال قتادة: الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى. ويكون هذا الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل. وقيل: إنها العصا واليد. ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجها إلى قوم فرعون. وقول ثالث- إنه الشر الذي كفهم عنه والخبر الذي أمرهم به، قاله عبد الرحمن بن زيد. ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله:" بَلؤُا مُبِينٌ" أربعة أوجه: أحدها- نعمة ظاهرة، قاله الحسن وقتادة. كما قال الله تعالى:" وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً" «2» [الأنفال: 17]. وقال زهير:
فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو»

الثاني- عذاب شديد، قاله الفراء. الثالث- اختيار يتميز به المؤمن من الكافر، قاله عبد الرحمن بن زيد. وعنه أيضا: ابتلاؤهم بالرخاء والشدة، ثم قرأ" وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" «4» [الأنبياء: 35].

[سورة الدخان (44): الآيات 34 الى 36]
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36)
__________
(1). آية 11 سورة آل عمران.
(2). آية 17 سورة الأنفال.
(3). صدره:
رأي الله بالإحسان ما فعلا بكم

(4). آية 35 سورة الأنبياء. [.....]

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)

قوله تعالى:" إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ" يعني كفار قريش" إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى " ابتداء وخبر، مثل" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ" «1» [الأعراف: 155]،" إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا" «2» [المؤمنون: 37]" وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ" أي بمبعوثين." فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدم «3». والمنشورون المبعوثون. قيل: إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا، أحدهما- قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت. وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات، لان الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف، فكأنه قال: إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل: لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء، حكاه الماوردي. ثم قيل:" فَأْتُوا بِآبائِنا" مخاطبة وللنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، كقوله:" رَبِّ ارْجِعُونِ" «4» [المؤمنون: 99] قاله الفراء. وقيل: مخاطبة له ولاتباعه.

[سورة الدخان (44): الآيات 37 الى 39]
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39)
قوله تعالى:" أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ" هذا استفهام إنكار، أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. وقيل: المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالا أم قوم تبع. وقيل: أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع. وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة. فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم. وقال أبو عبيدة: سمى كل واحد منهم تبعا لأنه يتبع صاحبه. قال الجوهري: والتبابعة ملوك اليمن، واحدهم تبع. والتبع أيضا الظل، وقال:
__________ (1). آية 155 سورة الأعراف.
(2). آية 29 سورة الانعام.
(3). راجع ج 11 ص (278)
(4). آية 99 سورة المؤمنون.

يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا أسمال التبع «1»
والتبع أيضا ضرب من الطير. وقال السهيلي: تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر وحضرموت، وإن ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع، قاله المسعودي. فمن التبابعة: الحارث الرائش، هو ابن همال ذي سدد «2». وأبرهة ذو المنار. وعمرو ذو الإذعار. وشمر بن مالك، الذي تنسب إليه سمرقند. وأفريقيس بن قيس، الذي ساق البربر إلى إفريقية من أرض كنعان، وبه سميت إفريقية. والظاهر من الآيات أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره، ولذلك قال عليه السلام: (ولا أدري أتبع لعين أم لا). ثم قد روي عنه أنه قال: (لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا) فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه، وهووالله أعلم- أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لما أخبر أنهم مهاجر نبي اسمه أحمد. وقال شعرا أودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأدوه إليه. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد. وفية:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له «3» بصنعاء- ويقال بناحية حمير- في الإسلام، فوجد فيه امرأتان صحيحتان، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب" هذا قبر حبي ولميس" ويروى أيضا: حبي وتماضر، ويروى أيضا: هذا قبر رضوى وقبر حبي ابنتا تبع، ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.
__________
(1). البيت لسعدي- وقيل لسلمى- الجهنية ترثي أخاها أسعد. والحضيرة والنقيضة: جماعة القوم، وقيل: النفر يغزي بهم. وقيل غير هذا. وأسمال الظل: قصر وضمر، وذلك عند نصف النهار.
(2). وردت هذه الأسماء محرفة.
(3). لفظة له ساقطة من ن ك هـ.

قلت: وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه: (أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شي، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام". ثم ختم الكتاب ونقش عليه:" لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ" «1» [الروم: 4]. وكتب على عنوانه (إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، خاتم النبيين ورسول رب العالمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. من تبع الأول". وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في" اللمع اللؤلؤية شرح العشر بينات النبوية" «2» للفارابي رحمه الله. وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف سنة لا يزيد ولا ينقص. واختلف هل كان نبيا أو ملكا، فقال ابن عباس: كان تبع نبيا. وقال كعب: كان تبع ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من حمير، سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها، حكاه الماوردي. وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري، وكان سار بالجنود حتى عبر الحيرة. وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد. وقال الكلبي: تبع هو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعا لأنه تبع من قبله. وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات «3». وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم، فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم- لأنهم كانوا مجرمين- كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك. وافتخر أهل اليمن بهذه الآية، إذ جعل الله قوم تبع خيرا من قريش. وقيل: سمي أولهم تبعا لأنه أتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر.
__________
(1). راجع ج 14 ص 1.
(2). اضطربت الأصول في هذا الكتاب وفي اسم مؤلفه، ولم نعثر عليه.
(3). الحبرات (بالكسر ففتح جمع حبرة وحبرة): ضرب من برود اليمن منمّر.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)

قوله تعالى:" وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ"" الذين" في موضع رفع عطف على" قَوْمُ تُبَّعٍ"." أَهْلَكْناهُمْ" صلته. ويكون" مِنْ قَبْلِهِمْ" متعلقا به. ويجوز أن يكون" مِنْ قَبْلِهِمْ" صلة" الَّذِينَ" ويكون في الظرف عائد إلى الموصول. وإذا كان كذلك كان" أَهْلَكْناهُمْ" على أحد أمرين: إما أن يقدر معه" قد" فيكون في موضع الحال. أو يقدر حذف موصوف، كأنه قال: قوم أهلكناهم. والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين. ويجوز أن يكون" وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" ابتداء خبره" أَهْلَكْناهُمْ". ويجوز أن يكون" الَّذِينَ" في موضع جر عطفا على" تُبَّعٍ" كأنه قال: قوم تبع المهلكين من قبلهم. ويجوز أن يكون" الَّذِينَ" في موضع نصب بإضمار فعل دل عليه" أَهْلَكْناهُمْ". والله أعلم. قوله تعالى:" وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ" أي غافلين، قاله مقاتل. وقيل: لاهين، وهو قول الكلبي." وما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ" أي إلا بالأمر الحق، قاله مقاتل. وقيل: إلا للحق، قاله الكلبي والحسن. وقيل: إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته. وقد مضى هذا المعنى في" الأنبياء" «1»." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ" يعني أكثر الناس." لا يَعْلَمُونَ" ذلك.

[سورة الدخان (44): آية 40]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)
" يَوْمَ الْفَصْلِ" هو يوم القيامة، وسمي بذلك لان الله تعالى يفصل فيه بين خلقه. دليله قوله تعالى:" لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ" «2» [الممتحنة: 3]. ونظيره قوله تعالى:" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ" «3» [الروم: 14]. ف" يَوْمَ الْفَصْلِ" ميقات الكل، كما قال تعالى:" إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً" «4» [النبأ: 17] أي الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن، والفصل بينهما: فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا غاية في التحذير والوعيد. ولا خلاف بين القراء في رفع
__________
(1). راجع ج 11 ص 276.
(2). آية 3 سورة الممتحنة.
(3). آية 14 سورة الروم.
(4). آية 17 سورة النبأ. [.....]

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)

" مِيقاتُهُمْ" على أنه خبر" إن" واسمها" يَوْمَ الْفَصْلِ". وأجاز الكسائي والفراء نصب" ميقاتهم". ب" إن" و" يَوْمَ الْفَصْلِ" ظرف في موضع خبر" إن"، أي إن ميقاتهم يوم الفصل.

[سورة الدخان (44): الآيات 41 الى 42]
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)
قوله تعالى:" يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً"" يوم" بدل من" يوم" الأول. والمولى: الولي وهو ابن العم والناصر. أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه." وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ" أي لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته. ونظير هذه الآية" وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً" «1» [البقرة: 48] الآية." إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ"" من" رفع على البدل من المضمر في" يُنْصَرُونَ"، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان. أو على الابتداء والخبر مضمر، كأنه قال: إلا من رحم الله فمغفور له، أو فيغني عنه ويشفع وينصر. أو على البدل من" مَوْلًى" الأول، كأنه قال: لا يغني إلا من رحم الله. وهو عند الكسائي والفراء نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من رحم الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين. ويجوز أن يكون استثناء متصلا، أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض." إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه، كما قال" شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ" «2» [غافر: 3] فقرن الوعد بالوعيد.

[سورة الدخان (44): الآيات 43 الى 46]
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)
قوله تعالى:" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ" كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء، إلا حرفا واحدا في صورة الدخان" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ"، قاله
__________
(1). آية 48 سورة البقرة.
(2). آية 3 سورة غافر.

ابن الأنباري. و" الْأَثِيمِ" الفاجر، قاله أبو الدرداء. وكذلك قرأ هو وابن مسعود. وقال همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ" والرجل يقول: طعام اليتيم، فلما لم يفهم قال له:" طعام الفاجر". قال أبو بكر الأنباري: حدثني أبي قال حدثنا نصر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: علم عبد الله بن مسعود رجلا" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ" فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ، فلما رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام الفاجر؟ قال بلى، قال فافعل. ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره، لان ذلك إنما كان من عبد الله تقريبا للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الزمخشري:" وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لان في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر. وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية". وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ: الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب. وقراءة العامة" تغلي" بالتاء حملا على الشجرة. وقرا ابن كثير وحفص وابن محيصن ورويس عن يعقوب" يغلي" بالياء حملا على الطعام، وهو في معنى الشجرة. ولا يحمل على المهل لأنه

خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48)

ذكر للتشبيه. و" الْأَثِيمِ" الآثم، من أثم يأثم إثما، قاله القشيري وابن عيسى. وقيل هو المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى بن سلام. وفي الصحاح: وقد أثم الرجل (بالكسر) إثما ومأثما إذا وقع في الإثم، فهو آثم وأثيم أيضا. فمعنى" طَعامُ الْأَثِيمِ" أي ذي الإثم الفاجر، «1» وهو أبو جهل. وذلك أنه قال: يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإنما هو الثريد بالزبد والتمر، فبين الله خلاف ما قاله. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل. قلت: وهذا لا يصح عن مجاهد. وهو مردود بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة" الصافات وسبحان" «2» أيضا.

[سورة الدخان (44): الآيات 47 الى 48]
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48)
قوله تعالى:" خُذُوهُ" أي يقال للزبانية خذوه، يعني الأثيم." فَاعْتِلُوهُ" أي جروه وسوقوه. والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله، أي تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية. عتلت الرجل أعتله وأعتله عتلا إذا جذبته جذبا عنيفا. ورجل، معتل (بالكسر). وقال يصف فرسا:
نفرعه فرعا ولسنا نعتله «3»

وفيه لغتان: عتله وعتنه (باللام والنون جميعا)، قاله ابن السكيت. وقرا الكوفيون وأبو عمرو" فَاعْتِلُوهُ" بالكسر. وضم الباقون." إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ" وسط الجحيم." ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ" قال مقاتل: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل بمقمع من حديد، فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه عل جسده،
__________
(1). في ح ز ل: أى هو الآثم الفاجر.
(2). راجع ج 10 ص 283 وج 15 ص (85)
(3). القائل هو أبو النجم، وقبله:
طار عن المهر ينسله ... عن مفرع الكتفين حر عطلة

ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53)

ثم يصب الملك فيه ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق العذاب. ونظيره" يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ" «1» [الحج: 19].

[سورة الدخان (44): الآيات 49 الى 50]
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)
قوله تعالى:" ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" قال ابن الأنباري: أجمعت العوام على كسر" إن". وروي عن الحسن عن علي رحمه الله" ذُقْ إِنَّكَ" بفتح" أن"، وبها قرأ الكسائي. فمن كسر" إن" وقف على" ذُقْ". ومن فتحها لم يقف على" ذُقْ"، لان المعنى ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم. قال قتادة: نزلت في أبي جهل وكان قد قال: ما فيها أعز مني ولا أكرم، فلذلك قيل له: ذق إنك أنت العزيز الكريم. وقال عكرمة: التقى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو جهل فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى) فقال: بأي شيء تهددني! والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية. أي يقول له الملك: ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل: هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص، أي قال له: إنك أنت الذليل المهان. وهو كما قال قوم شعيب لشعيب:" إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ «2» الرَّشِيدُ" [هود: 87] يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدم «3». وهذا قول سعيد بن جبير." إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ" أي تقول لهم الملائكة: إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.

[سورة الدخان (44): الآيات 51 الى 53]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (53)
__________
(1). آية 19 سورة الحج.
(2). آية 87 سورة هود.
(3). راجع ج 9 ص 87

كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)

قوله تعالى:" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ" لما ذكر مستقر الكافرين وعذابهم ذكر نزل المؤمنين ونعيمهم. وقرا نافع وابن عامر" في مقام" بضم الميم. الباقون بالفتح. قال الكسائي: المقام المكان، والمقام الإقامة، كما قال:
عفت الديار محلها فمقامها «1»

قال الجوهري: وأما المقام والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام، لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم، لان الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم، لأنه مشبه ببنات الاربعة، نحو دحرج وهذا مدحرجنا. وقيل: المقام (بالفتح) المشهد والمجلس، و(بالضم) يمكن أن يراد به المكان، ويمكن أن يكون مصدرا ويقدر فيه المضاف، أي في موضع إقامة." أمين" يؤمن فيه من الآفاتِ ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
" بدل" فِي مَقامٍ أَمِينٍ"." يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ" لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. والسندس: ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه. وقد مضى في" الكهف" «2».

[سورة الدخان (44): آية 54]
كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)
قوله تعالى:" كَذلِكَ" أي الامر كذلك الذي ذكرناه. فيوقف على" كَذلِكَ". وقيل: أي كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا. وقد مضى الكلام في العين في" والصافات" «3». والحور: البيض، في قول قتادة والعامة، جمع حوراء. والحوراء: البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كعبها، كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون. ودليل هذا التأويل أنها في حرف ابن مسعود" بعيس «4» عين". وذكر أبو بكر الأنباري أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا حسين
__________
(1). هذا أول معلقة لبيد. وتمامه:
بمنى تأبد غولها فرجامها

(2). راجع ج 10 ص (397)
(3). راجع ج 15 ص 4
(4). العيس (بالكسر): بياض يخالطه شيء من شقرة.

قال حدثنا عمار بن محمد قال: صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في" حم" الدخان" بعيس عين. لا يذوقون طعم الموت إلا الموتة الاولى". والعيس: البيض، ومنه قيل للإبل البيض: عيس، واحدها بعير أعيس وناقة عيساء. قال امرؤ القيس: ي
رعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا «1»
فمعنى الحور هنا: الحسان الثاقبات «2» البياض بحسن. وذكر ابن المبارك أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، ومن تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وقال مجاهد: إنما سميت الحور حورا لأنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن. وقيل: إنما قيل لهن حور لحور أعينهن. والحور: شدة بياض العين في شدة سوادها. امرأة حوراء بينة الحور. يقال: احورت عينه أحورارا. وأحور الشيء ابيض. قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين؟ وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر. قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور العين لأنهن يشبهن بالظباء والبقر. وقال العجاج:
بأعين محورات حور «3»

يعني الأعين النقيات البياض الشديدات سواد الحدق. والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العظيمة العينين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز). وعن أبي قرصافة «4» سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين). وعن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________ (1). العيط (جمع عيطاء). الناقة الفتية التي لم تحمل.
(2). الثاقب: المضي. [.....]
(3). في الأصول:
بأعين محورات بيض

والتصويب عن أراجيز العجاج. وقيله:
إذ ترتمي من خلل الخدور

وبعده:
خزر بالباب إلى صور

(4). أبو قرصافة (بكسر أوله) اسمه جندرة بن خيشنة الكناني.

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)

قال: (كنس المساجد مهور الحور العين) ذكره الثعلبي رحمه الله. وقد أفردنا لهذا المعنى بابا مفردا في (كتاب التذكرة) والحمد لله. واختلف أيما أفضل في الجنة، نساء الآدميات أم الحور؟ فذكر ابن المبارك قال: وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وروي مرفوعا إن (الآدميات أفضل من الحور العين سبعين ألف ضعف). وقيل: إن الحور العين أفضل، لقوله عليه السلام في دعائه: (وأبدله زوجا خيرا من زوجه). والله أعلم. وقرا عكرمة" بحور عين" مضاف. والإضافة والتنوين في" بحور عين" سواء.

[سورة الدخان (44): آية 55]
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (55)
قال قتادة:" آمِنِينَ" من الموت والوصب والشيطان. وقيل: آمنين من انقطاع ما هم فيه من النعيم، أو من أن ينالهم من أكلها أذى أو مكروه.

[سورة الدخان (44): الآيات 56 الى 57]
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)
قوله تعالى:" لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " أي لا يذوقون فيها الموت البتة لأنهم خالدون فيها. ثم قال:" إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " على الاستثناء المنقطع، أي لكن الموتة الاولى قد ذاقوها في الدنيا. وأنشد سيبويه:
من كان أسرع في تفرق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدت»
__________
(1). في كتاب سيبويه:
من كان أشرك

والقائل هو عنز بن دجاجة المازني. وفالج هذا، هو فالج بن مازن بن مالك. سعى عليه بعض بني مالك وأساء إليه حتى رحل عنهم، ولحق ببني ذكوان بن بهثة فنسب إليهم. وكانت بنو مازن قد ضيقوا على رجل منهم يسمى" ناشرة" حتى انتقل عنهم إلى بني أسد، فدعا هذا الشاعر المازني على بني مازن حيث اضطروه فألجئ إلى الخروج عنهم. واستثنى" ناشرة" منهم، لأنه لم يرض فعلهم، ولأنه قد امتحن محنة" فالج" بهم. واللبون: ذوات اللبن، وتقع للواحد والجماعة. ومعنى" أغدت" صارت فيها الغدة، وهي من أدواء الإبل كالذبحة. والغلواء: النماء والارتفاع. والمنبت: المنمى والمغذى. ويروى بكسر الباء، ومعناه النابت النامي. (عن شرح الشواهد)

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

ثم استثنى بما ليس من الأول فقال:
إلا كناشرة الذي ضيعتم ... كالغصن في غلوائه المتنبت
وقيل: إن" إِلَّا" بمعنى بعد، كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك، أي بعد رجل عندك. وقيل:" إِلَّا" بمعنى سوى، أي سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا، كقوله تعالى:" وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ" «1» [النساء: 22]. وهو كما تقول: ما ذقت اليوم طعاما سوى ما أكلت أمس. وقال القتبي:" إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " معناه أن المؤمن إذا أشرف على الموت استقبلته ملائكة الرحمة ويلقى الروح والريحان، وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو استثناء صحيح. والموت عرض لا يذاق، ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه، فاستعير فيه لفظ الذوق." وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ" أي فعل ذلك بهم تفضلا منه عليهم. ف" فَضْلًا" مصدر عمل فيه" يَدْعُونَ". وقيل: العامل فيه" وَوَقاهُمْ". وقيل فعل مضمر. وقيل: معنى الكلام الذي قبله، لأنه تفضل منه عليهم، إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة." ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أي السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة. وقيل: هو من قولك فاز بكذا، أي ناله وظفر به.

[سورة الدخان (44): الآيات 58 الى 59]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
قوله تعالى:" فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ" يعني القرآن، أي سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرؤه. (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي يتعظون وينزجرون. ونظيره" وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"
«2» [القمر: 17] فختم السورة بالحث على اتباع القرآن وإن لم يكن مذكورا، كما قال في مفتتح السورة:" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ" «3» [الدخان: 3]،" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" [القدر: 1] على ما تقدم." فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ" أي انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت، حكاه
__________
(1). آية 22 سورة النساء.
(2). آية 17، 22، 32، 40 سورة القمر.
(3). راجع ج 20 ص.

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)

النقاش. وقيل: انتظر الفتح من ربك إنهم منتظرون بزعمهم قهرك. وقيل: انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم فإنهم ينتظرون بك ريب الحدثان. والمعنى متقارب. وقيل: ارتقب ما وعدتك من الثواب فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب. وقيل: ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل، وإن لم يعتقدوا وقوع القيامة، جعلوا كالمرتقبين لان عاقبتهم ذلك. والله تعالى أعلم.

[تفسير سورة الجاثية-]
سورة الجاثية مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية، هي:" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" «1» [الجاثية: 14] نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره الماوردي، وقال المهدوي والنحاس عن ابن عباس: إنها نزلت في عمر رضي الله عنه، شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة. فأراد أن يبطش به، فأنزل الله عز وجل" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" [الجاثية: 14] ثم نسخت بقوله:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" «2» [التوبة: 5]. فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف. وهي سبع وثلاثون آية. وقيل ست.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الجاثية (45): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)
قوله تعالى:" حم" مبتدأ و" تَنْزِيلُ" خبره. وقال بعضهم:" حم" اسم السورة. و" تَنْزِيلُ الْكِتابِ" مبتدأ. وخبره" مِنَ اللَّهِ". والكتاب القرآن. و" الْعَزِيزِ" المنيع." الْحَكِيمِ" في فعله. وقد تقدم جميع هذا «3».

[سورة الجاثية (45): الآيات 3 الى 5]
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)
__________
(1). آية 14.
(2). آية 5 سورة التوبة.
(3). راجع ج 1 ص 287 وج 2 ص 131 طبعه ثانية.

قوله تعالى:" إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي في خلقهما" لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ" يعني المطر." فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" تقدم جميعه مستوفى في" البقرة" وغيرها «1». وقراءة العامة" وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ"" وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" بالرفع فيهما. وقرا حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم" إن" وخبرها" فِي السَّماواتِ". ووجه الكسر في" آيات" الثاني العطف على ما عملت فيه، التقدير: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير" آيات" لما طال الكلام، كما تقول: ضربت زيدا زيدا «2». وقيل: إنه على الحمل على ما عملت فيه" إن" على تقدير حذف" في"، التقدير: وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت" في" لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل «3»
نارا فحذف" كل" المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه سيبويه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين، فعطف" اختلاف" على قوله: (وفي خلقكم) ثم قال: (وتصريف الرياح آيات) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين، إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع" إن" مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين، لأنه عطف على" واختلاف" على" وَفِي خَلْقِكُمْ"، وعطف" آياتٌ" على موضع" آياتٌ" الأول، ولكنه يقدر على تكرير" فِي". ويجوز أن يرفع
__________
(1). راجع ج 2 ص 191 وما بعدها. وج 14 ص (58)
(2). في ل: زيدا وزيدا بزيادة الواو.
(3). البيت لابي دواد الايادي.

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)

على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع" اختلاف" و" آياتٌ" جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات.

[سورة الجاثية (45): آية 6]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)
قوله تعالى:" تِلْكَ آياتُ اللَّهِ" أي هذه آيات الله، أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته." نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ" أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرى" يتلوها" بالياء." فبأي حديث بعد الله «1»" وقيل بعد قرآنه" وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ" وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرا ابن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي" تؤمنون" بالتاء على الخطاب.

[سورة الجاثية (45): الآيات 7 الى 8]
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8)
قوله تعالى:" وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ"" وَيْلٌ" واد في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك: الكذاب. والافك الكذب. (أثيم) أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي النضر بن الحارث. وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه." يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ" يعني آيات القرآن." ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً" أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد، مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل: أصله من إصرار الحمار على العانة «2»، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه. و" أن" من" كان" مخففة من الثقيلة، كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، كما في قوله:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم «3»
__________
(1). ما بين المربعين زيادة من ل ن.
(2). العانة: الأتان (الحمارة). [.....]
(3). ويروي: إلى وارق السلم. وهذا عجز بيت لابن صريم اليشكري. وصدره كما في كتاب سيبويه والمقاصد النحوية:
ويوما توافينا بوجه مقسم

والمقسم: المحسن. و" تعطوا": تتناول. و" السلم": شجر بعينه. وصف امرأة حسنة الوجه فشبهها بظبية مخصبة المرعى.

وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9)

ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول" لقمان" القول في معنى هذه الآية «1». وتقدم معنى" فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ" في" البقرة" «2».

[سورة الجاثية (45): الآيات 9 الى 10]
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10)
قوله تعالى:" وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً" نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي." أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ" مذل مخز." مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ" أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم. وقال ابن عباس:" مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ" أي أمامهم، نظيره" مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ" «3» [إبراهيم: 16] أي من أمامه. قال:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدب مع الولدان أزحف كالنسر
" وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً" أي من المال والولد، نظيره" لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً" «4» [آل عمران: 10] أي من المال والولد «5»." وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ" يعني الأصنام." وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ" أي دائم مؤلم.

[سورة الجاثية (45): آية 11]
هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
قوله تعالى:" هذا هُدىً" ابتداء وخبر، يعني القرآن. وقال ابن عباس: يعنى كل ما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ" أي جحدوا دلائله.
__________
(1). راجع ج 14 ص (57)
(2). راجع ج 1 ص 198 و238 طبعه ثانية أو ثالثة.
(3). آية 16 سورة إبراهيم.
(4). آية 10 سورة آل عمران.
(5). ما بين المربعين ساقط من ح ز ل ن هـ.

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)

" لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ" الرجز العذاب، أي لهم عذاب من عذاب أليم، دليله قوله تعالى:" فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ" «1» [البقرة: 59] أي عذابا. وقيل: الرجز القذر مثل الرجس، وهو كقوله تعالى:" وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ" «2» [إبراهيم: 16] أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر. وضم الراء من الرجز ابن محيصن حيث وقع. وقرا ابن كثير وابن محيصن وحفص" اليم" بالرفع، على معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز.

[سورة الجاثية (45): الآيات 12 الى 13]
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)
قوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم." وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ" يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرا ابن عباس والجحدري وغيرهما" جَمِيعاً مِنْهُ" بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو: وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها" منة" أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا" جميعا منه" على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة." إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"

[سورة الجاثية (45): آية 14]
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14)
قوله تعالى:" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا" جزم على جواب" قل" تشبيها بالشرط والجزاء، كقولك: قم تصب خيرا. وقيل: هو على حذف اللام. وقيل: على معنى قل
__________
(1). آية 59 سورة البقرة.
(2). آية 16 سورة إبراهيم.

لهم اغفروا يغفروا، فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي. ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به. قال ابن العربي: وهذا لم يصح. وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها" المريسيع" فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملا قرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. فبلغ عمر رضي الله عنه قوله، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. وروى عنه ميمون بن مهران قال: لما نزلت" مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً" «1» [البقرة: 245] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد! قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله). وأعلم أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طلبه، فلما جاء قال: (يا عمر، ضع سيفك) قال: يا رسول الله، صدقت. أشهد إنك أرسلت بالحق. قال: (فإن ربك يقول قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي. قلت: وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول القرظي والسدي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة. ومعنى" يَغْفِرُوا": يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى" لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ": أي لا يرجون ثوابه. وقيل: أي لا يخافون بأس الله ونقمه. وقيل: الرجاء بمعنى الخوف، كقوله:" ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً" «2» [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى: لا تخشون «3»
__________
(1). آية 245 سورة البقرة.
(2). آية 13 سورة نوح.
(3). في ك: لا تخافون.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)

مثل عذاب الأمم الخالية. والأيام يعبر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: المعنى لا يخافون البعث." لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ" قراءة العامة" لِيَجْزِيَ" بالياء على معنى ليجزي الله. وقرا حمزة والكسائي وابن عامر" لنجزي" بالنون على التعظيم. وقرا أبو جعفر والأعرج وشيبة" ليجزي" بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول،" قَوْماً" بالنصب. قال أبو عمرو: وهذا لحن ظاهر. وقال الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قوما، نظيره" وكذلك نجي المؤمنين" على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة" الأنبياء" «1». قال الشاعر:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا «2»
أي لسب السب.

[سورة الجاثية (45): آية 15]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)
تقدم «3».

[سورة الجاثية (45): الآيات 16 الى 17]
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ" يعني التوراة." وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ" الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: الحكم على الناس والقضاء. و" النُّبُوَّةَ" يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام." وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ" أي الحلال
__________
(1). راجع ج 11 ص (334)
(2). قائله جرير يهجو الفرزدق. وقفيزة (كجينة): أم الفرزدق.
(3). راجع ج 15 ص 370. [.....]

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)

من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المن والسلوى في التيه." وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ" أي على عالمي زمانهم، على ما تقدم في" الدخان" «1» بيانه" وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ" قال ابن عباس: يعني أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل: بينات الامر شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات." فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ" يريد يوشع بن نون، فآمن بعضهم وكفر بعضهم، حكاه النقاش. وقيل:" إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ" نبوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاختلفوا فيها." بَغْياً بَيْنَهُمْ" أي حسدا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال معناه الضحاك. وقيل: معنى" بَغْياً" أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء، فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة." إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ" أي يحكم ويفصل." يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" في الدنيا.

[سورة الجاثية (45): آية 18]
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ" الشريعة في اللغة: المذهب والملة. ويقال لمشرعة الماء- وهي مورد الشاربة-: شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى" جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ" أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. وقال ابن عباس:" عَلى شَرِيعَةٍ" أي على هدى من الامر. قتادة: الشريعة الامر والنهي والحدود والفرائض. مقاتل: البينة، لأنها
__________
(1). راجع ج 16 ص

إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)

طريق إلى الحق. الكلبي: السنة، لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. ابن زيد: الدين، لأنه طريق النجاة. قال ابن العربي: والامر يرد في اللغة بمعنيين: أحدهما- بمعنى الشأن كقوله:" فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ" «1» [هود: 97]. والثاني- أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي. وكلاهما يصح أن يكون مرادا ها هنا، وتقديره: ثم جعلناك على طريقة «2» من الدين وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى:" ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" «3» [النحل: 123]. ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه. الثانية- قال ابن العربي: ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، لان الله تعالى أفرد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا. قوله تعالى:" وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" يعني المشركين. وقال ابن عباس: قريظة والنضير. وعنه: نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه.

[سورة الجاثية (45): آية 19]
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)
قوله تعالى:" إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً" أي إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا." وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ" أي أصدقاء وأنصار وأحباب. قال ابن عباس: يريد أن المنافقين أولياء اليهود." وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ" أي ناصرهم ومعينهم. والمتقون هنا: الذين اتقوا الشرك والمعاصي.
__________
(1). آية 97 سورة هود.
(2). في ج ز ل: على شريعة من الدين.
(3). آية 123 سورة النحل.

هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)

[سورة الجاثية (45): آية 20]
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)
قوله تعالى:" هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ" ابتداء وخبر، أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرى" هذه بصائر" أي هذه الآيات." هُدىً" أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به." وَرَحْمَةٌ" في الآخرة" لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ"

[سورة الجاثية (45): آية 21]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21)
قوله تعالى:" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
" أي اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة «1»." أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"
قال الكلبي:" الَّذِينَ اجْتَرَحُوا"
عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. و" كَالَّذِينَ آمَنُوا"
علي وحمزة وعبيدة بن الحارث- رضي الله عنهم- حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا: إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن، كما أخبر الرب عنهم في قوله:" وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى " «2» [فصلت: 50]. وقوله" أَمْ حَسِبَ"
استفهام معطوف معناه الإنكار. واهل العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب. وقوم يقولون: فيه إضمار، أي والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم. وقيل: هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة العامة" سَواءً
" بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم، أي محياهم ومماتهم سواء. والضمير في" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ"
يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرا حمزة والكسائي والأعمش" سواء" بالنصب، واختاره أبو عبيد قال: معناه
__________
(1). راجع ج 6 ص (66)
(2). آية 50 سورة فصلت.

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)

نجعلهم سواء. وقرا الأعمش أيضا وعيسى بن عمر" وَمَماتُهُمْ"
بالنصب، على معنى سواء في محياهم ومماتهم، فلما أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
" بدلا من الهاء والميم في نجعلهم، المعنى: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ"
للكفار والمؤمنين جميعا. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"
الآية كلها. وقال بشير: بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة.

[سورة الجاثية (45): آية 22]
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22)
قوله تعالى:" وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ" أي بالأمر الحق." وَلِتُجْزى " أي ولكي تجزى." كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" أي في الآخرة." وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ".

[سورة الجاثية (45): آية 23]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)
قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه، فإذا استحسن

شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة: إنما عبدوا الحجارة لان البيت حجارة. وقيل: المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي: إنما سمي الهوى ] هوى [لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى:" وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ"»
[الأعراف: 176]. وقال تعالى:" وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" «2» [الكهف: 28]. وقال تعالى" بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ «3» اللَّهُ" [الروم: 29]. وقال تعالى:" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ" «4» [القصص: 50]. وقال تعالى:" وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" «5» [ص: 26]. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". وقال أبو أمامة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى". وقال شداد بن أوس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله (. وقال عليه السلام:" إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة". وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب". وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، فإن كان عمله
__________
(1). آية 176 سورة الأعراف.
(2). آية 28 سورة الكهف.
(3). آية 29 سورة الروم.
(4). آية 50 سورة القصص.
(5). آية 26 سورة ص.

تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول:
إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شام فنظمه وقال:
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال آخر:
إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا
وإذا هويت فقد تعبدك الهوى ... فاخضع لحبك كائنا من كانا
ولعبد الله بن المبارك:
ومن البلايا للبلاء علامة ... ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع
ولابن دريد:
إذا طالبتك النفس يوما بشهوة ... وكان إليها للخلاف طريق
فدعها وخالف ما هويت فإنما ... هواك عدو والخلاف صديق
ولابي عبيد الطوسي:
والنفس إن أعطيتها مناها ... فاغرة نحو هواها فاها

وقال أحمد بن أبي الحوارى: مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له: أنت عليل. قال نعم. قلت مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد أعياني الدواء، وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. وقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته.

وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك بقوله تعالى:" وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى " «1» [النازعات: 41- 40]. قوله تعالى:" وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ" أي على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل: على علم منه أنه ضال، والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل:" عَلى عِلْمٍ" يجوز أن يكون حالا من الفاعل، المعنى: أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ويجوز أن يكون حالا من المفعول، فيكون المعنى: أضله في حال علم الكافر بأنه ضال." وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ" أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى «2»." وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً" أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرا حمزة والكسائي" غشوة" بفتح الغين من غير ألف، وقد مضى في" البقرة" «3». وقال الشاعر:
أما والذي أنا عبد له ... يمينا ومالك أبدى اليمينا
لئن كنت ألبستني غشوة ... لقد كنت أصفيتك الود حينا
" فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ" أي من بعد أن أضله." أَفَلا تَذَكَّرُونَ" تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد، إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل:" وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ" إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. وقيل: إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم، كما تقدم في أول" البقرة" «4». وحكى ابن جريج أنها نزلت
__________
(1). آية 40 سورة النازعات.
(2). في بعض نسخ الأصل:" الهوى" بالواو.
(3). راجع ج 1 ص 191 طبعه ثانية أو ثالثة. [.....]
(4). راجع ج 1 ص 186.

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)

في الحارث بن قيس من الغياطلة «1». وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد ابن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك!؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة «2»، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت" وختم على سمعه وقلبه".

[سورة الجاثية (45): آية 24]
وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24)
قوله تعالى:" وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا" هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ومعنى" نَمُوتُ وَنَحْيا" أي نموت نحن وتحيا أولادنا، قاله الكلبي. وقرى" وَنَحْيا" بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي نحيا ونموت، وهي قراءة ابن مسعود." وما يهلكنا إلا الدهر" قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر، والمعنى واحد. وقرى" إلا دهر يمر". وقال ابن عيينة كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا، فنزلت هذه الآية. وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت، وأنشد قول أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
__________
(1). في كتاب الاشتقاق لابن دريد (ص 75 طبع أوربا):" بنو قيس بن عدي كانوا من رجال قريش يلقبون الغياطل، وكان قيس سيد قريش في دهره غير مدافع". قال:" والغياطل: جمع غيطلة، وهو الشجر الملتف، واختلاط الظلام".
(2). في أز ح: كسيرة.

وقال عكرمة: أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الامر أقلب الليل والنهار". قلت: قوله" قال الله" إلى آخره نص البخاري ولفظه. وخرجه مسلم أيضا وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر). وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله. وقال: من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها، فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية، فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه، فنهوا عن ذلك. ودل على صحة هذا ما ذكرناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم ...) الحديث. ولقد أحسن من قال، وهو أبو علي الثقفي:
يا عاتب الدهر إذا نابه ... لا تلم الدهر على غدره
الدهر مأمور، له آمر ... وينتهي الدهر إلى أمره
كم كافر أمواله جمة ... تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيمانا على فقره
وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال: إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد:
فما الدهر بالجاني لشيء لحينه ... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا
ولكن متى ما يبعث الله باعثا ... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)

وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فقال: ألا تراه يقول:" فإن الله هو الدهر"!؟ فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولى الملامة الرجلا
قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب، حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه. قال عمرو بن قميئة:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين مرة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي
ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه." وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ". أي علم. و" من" زائدة، أي قالوا «1» ما قالوا شاكين." إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ" أي ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافا، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين، فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم، فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار، لان هؤلاء يلبسون على الحق، ويغتر بتلبيسهم الظاهر. والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا، فهذه حياة الذكر. وقيل أشاروا إلى التناسخ، أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به.

[سورة الجاثية (45): الآيات 25 الى 26]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26)
__________
(1). جملة: ما قالوا ساقطة من از ل.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)

قوله تعالى:" وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ" أي وإذ تقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم دفع" ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا"" حُجَّتَهُمْ" خبر كان، والاسم" إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا" الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون، فرد الله عليهم بقوله" قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ" يعني بعد كونكم نطفا أمواتا" ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ" كما أحياكم في الدنيا." وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" أن الله يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري:" فإن قلت لم سمي قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع «1»

كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت: كيف وقع قوله" قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ" جواب" ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ"؟ قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن الله عز وجل وهو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق وهو جمعهم يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.

[سورة الجاثية (45): آية 27]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
قوله تعالى:" وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" خلقا وملكا." وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ"" يوم" الأول منصوب ب" يخسر" و" يومئذ" تكرير للتأكيد (هامش)
__________
(1). هذا عجز بيت لعمرو بن معد يكرب. وصدره:
وخيل قد دلفت لها بخيل

يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع. ودلفت: زحفت. والدليف: مقاربة الخطو في المشي.

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)

أو بدل. وقيل: إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة. والعامل في" يومئذ"" يَخْسَرُ"، ومفعول" يَخْسَرُ" محذوف، والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة.

[سورة الجاثية (45): آية 28]
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
قوله تعالى:" وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً" أي من هول ذلك اليوم. والامة هنا: أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمس: الأول- قال مجاهد: مستوفزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله. الضحاك: ذلك عند الحساب. الثاني- مجتمعة، قاله ابن عباس. الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين. الثالث- متميزة، قاله عكرمة. الرابع- خاضعة بلغة قريش، قاله مؤرج. الخامس- باركة على الركب، قاله الحسن. والجثو: الجلوس على الركب. جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا، على فعول فيهما، وقد مضى في" مريم" «1»: واصل الجثوة «2»: الجماعة من كل شي. قال طرفة يصف قبرين:
ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد «3»
ثم قيل: هو خاص بالكفار، قاله يحي بن سلام. وقيل: إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" كأني أراكم بالكوم «4» جاثين دون جهنم" ذكره الماوردي. وقال سلمان: إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي" لا أسألك اليوم إلا نفسي"." كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا" قال يحيى ابن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر،
__________
(1). راجع ج 11 ص 132.
(2). مثلثة الجيم.
(3). الصم: الصلب. والمنضد: الذي جعل بعضه على بعض.
(4). الكوم: المواضع المشرفة.

هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

قاله مقاتل. وهو معنى قول مجاهد. وقيل:" كِتابِهَا" ما كتبت الملائكة عليها. وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. وقيل: الكتاب ها هنا اللوح المحفوظ. وقرا يعقوب الحضرمي" كل أمة" بالنصب على البدل من" كل" الاولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الاولى، إذ ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو استدعاؤها إلى كتابها. وقيل: انتصب بإعمال" ترى" مضمرا. والرفع على الابتداء." الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" من خير أو شر.

[سورة الجاثية (45): آية 29]
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)
قوله تعالى:" هذا كِتابُنا" قيل من قول الله لهم. وقيل من قول الملائكة." يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" أي يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا أي بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم، دليله قوله:" وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها" «1» [الكهف: 49]. وفي المؤمنين:" وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" «2» وقد تقدم «3». و" يَنْطِقُ" في، موضع الحال من الكتاب، أو من ذا، أو خبر ثان لذا، أو يكون" كِتابُنا" بدلا من" هذا" و" يَنْطِقُ" الخبر." إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون. قال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وقال ابن عباس: إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب لا زيادة فيه ولا نقصان. قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب. الحسن: نستنسخ ما كتبته الحفظة
__________
(1). آية 49 سورة الكهف
(2). آية 62 سورة المؤمنون.
(3). راجع ج 10 ص 418 وج 12 ص 134.

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)

على بني آدم، لان الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال. وقيل: تحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد، ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات «1»، ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية. وقيل: إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله عز وجل أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب.

[سورة الجاثية (45): الآيات 30 الى 31]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31)
قوله تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ" أي الجنة" ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ" أي فيقال لهم ذلك. وهو استفهام توبيخ." فَاسْتَكْبَرْتُمْ" عن قبولها." وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ" أي مشركين تكسبون المعاصي. يقال: فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم، فالمجرم من أكسب نفسه المعاصي. وقد قال الله تعالى:" أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ" «2» [القلم: 35] فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا.

[سورة الجاثية (45): آية 32]
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
قوله تعالى:" وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" أي البعث كائن." وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها" وقرا حمزة" والساعة" بالنصب عطفا على" وَعْدَ". الباقون بالرفع على الابتداء، أو العطف
__________
(1). كلمة: السيئات ساقطة من ل.
(2). آية 35 سورة القلم. [.....]

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33)

على موضع" إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ". ولا يحسن على الضمير الذي في المصدر، لأنه غير مؤكد، والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر." قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ" هل هي حق أم باطل." إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا" تقديره عند المبرد: إن نحن إلا نظن ظنا. وقيل لا التقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا وقيل أى وقلتم إن نظن إلا ظنا «1»" وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" أن الساعة آتية.

[سورة الجاثية (45): آية 33]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33)
قوله تعالى:" وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا" أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا." وَحاقَ بِهِمْ" أي نزل بهم وأحاط." ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من عذاب الله.

[سورة الجاثية (45): آية 34]
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34)
قوله تعالى:" وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ" أي نترككم في النار كما تركتم لقاء يومكم هذا، أي تركتم العمل له." وَمَأْواكُمُ النَّارُ" أي مسكنكم ومستقركم." وما لكم من ناصرين" من ينصركم.

[سورة الجاثية (45): آية 35]
ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
قوله تعالى:" ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ" يعني القرآن." هُزُواً" لعبا." وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا" أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها، فظننتم أن ليس ثم غيرها، وأن لا بعث." فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها" أي من النار." وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ" يسترضون. وقد تقدم «2». وقرا حمزة والكسائي" فاليوم لا يخرجون" بفتح الياء وضم الراء، لقوله تعالى:
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ح ن والمطبوعة.
(2). راجع ج 10 ص 162 وج 14 ص 49 وج 15 ص 353

" كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها" «1» [السجدة: 20] الباقون بضم الياء وفتح الراء، لقوله تعالى:" رَبَّنا أَخْرِجْنا" «2» [فاطر: 37] ونحوه.

[سورة الجاثية (45): الآيات 36 الى 37]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
قوله تعالى:" فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن" رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ" بالرفع فيها كلها على معنى هو رب." وَلَهُ الْكِبْرِياءُ" أي العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال." فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" والله أعلم.

[تفسير سورة الأحقاف ]
سورة الأحقاف مكية في قول جميعهم. وهي أربع وثلاثون آية، وقيل خمس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الأحقاف (46): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)
قوله تعالى:" حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" تقدم «3»" ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ" تقدم أيضا «4»." وَأَجَلٍ مُسَمًّى" يعني القيامة، في قول ابن عباس وغيره. وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض. وقيل: إنه هو الأجل
__________
(1). آية 20 سورة السجدة.
(2). راجع ج 12 ص 153.
(3). راجع ص 156 من هذا الجزء.
(4). راجع ج 10 ص 53.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)

المقدور لكل مخلوق." وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا" خوفوه" مُعْرِضُونَ" مولون لا هون غير مستعدين له. ويجوز أن تكون" ما" مصدرية، أي عن إنذارهم ذلك اليوم.

[سورة الأحقاف (46): آية 4]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)
فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" أي ما تعبدون من الأصنام والأنداد من دون الله." أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ" أي هل خلقوا شيئا من الأرض" أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ" أي نصيب" فِي السَّماواتِ" أي في خلق السموات مع الله." ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا" أي من قبل هذا القرآن. الثانية- قوله تعالى:" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ". قراءة العامة" أو أثارة" بألف بعد الثاء. قال ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] هو خط كانت تخطه العرب في الأرض [، ذكره المهدوي والثعلبي. وقال ابن العربي: ولم يصح. وفي مشهور الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك [ولم يصح أيضا. قلت: هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي، خرجه مسلم. وأسند النحاس: حدثنا محمد بن أحمد (يعرف بالجرايجي) «1» قال حدثنا محمد بن بندار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله عز وجل" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" قال ] الخط [وهذا صحيح أيضا. قال ابن العربي: واختلفوا في تأويله، فمنهم من قال: جاء لاباحة الضرب، لان بعض الأنبياء كان يفعله.
__________
(1). اضطربت الأصول في كتابة هذه النسبة.

ومنهم من قال جاء للنهي عنه، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:] فمن وافق خطه فذاك [ولا سبيل إلى معرفة طريق النبي المتقدم فيه، فإذا لا سبيل إلى العمل به. قال:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع «1»
وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدل ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم، فصار ظنا مبنيا على ظن، وتعلقا بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه، وقد نهت الشريعة عنه، وأخبرت أن ذلك مما اختص الله به، وقطعه عن الخلق، وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها في درك الأشياء المغيبة، فإن الله قد رفع تلك الأسباب وطمس تيك الأبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب، فلا يجوز مزاحمته في ذلك، ولا يحل لاحد دعواه. وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي، فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب. قلت: ما اختاره هو قول الخطابي. قال الخطابي: قوله عليه السلام: «2» [فمن وافق خطه فذاك [هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي لذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة- فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم. وحكى مكي في تفسير قوله:] كان نبي من الأنبياء يخط [أنه كان يخط «3» بإصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر. وقال ابن عباس في تفسير قوله ] ومنا رجال يخطون [: هو الخط الذي يخطه الحازي»
فيعطى حلوانا فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطا معجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط فهو علامة الخيبة. والعرب تسميه الأسحم وهو مشئوم عندهم.
__________
(1). البيت للبيد. والرواية فيه:" الطوارق" بدل" الضوارب". والطرق: الضرب بالحصا. والطوارق المنكهنات.
(2). ما بين المربعين ساقط من ك هـ.
(3). جملة: أنه كان يخط ساقطة من ل ز.
(4). الحازي: الكاهن.

الثالثة- قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها، وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل، وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما. والفأل: هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الامر إذا كان حسنا، فإن سمع مكروها فهو تطير، أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسرورا. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك [. وقد روى بعض الأدباء:
الفأل والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
وهذا كلام صحيح، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به، فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه فيه، فإنه تكلم بجهل، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم. قلت: قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في (المائدة) «1» وغيرها. ومضى في (الانعام) «2» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب، وأن أحدا لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة، وقد يختلف. مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر. وقد يجوز أن يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر، كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع الله فيها طلعا ثانيا فتثمر. وكما أنه جائز أيضا ألا يلي شهره شهر ولا يومه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت. إلى غير ذلك مما تقدم في (الانعام) بيانه. الرابعة- قال ابن خويز منداد: قوله تعالى:" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" يريد الخط. وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه. وإذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير. وقد روي عنه أنه قال:] يحدث الناس فجورا فتحدث لهم أقضيه [. فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به، مثل أن يشهدوا أن هذا خط الحاكم وكتابه، أشهدنا على
__________
(1). راجع ج 6 ص 59 وما بعدها.
(2). راجع ج 7 ص 2

ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب. وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه ونحو ذلك- فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به. وقيل:" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" أو بقية من علم، قاله ابن عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم. وفي الصحاح" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" بقية منه. وكذلك الأثرة (بالتحريك). ويقال: سمنت الإبل على أثارة، أي بقية شحم كان قبل ذلك. وأنشد الماوردي والثعلبي قول الراعي:
وذات أثارة أكلت عليها ... نباتا في أكمته ففارا
وقال الهروي: والإثارة والأثر: البقية، يقال: ما ثم عين ولا أثر. وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة:" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" خاصة من علم. وقال مجاهد: رواية تأثرونها عمن كان قبلكم. وقال عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال القرظي: هو الاسناد. الحسن: المعنى شيء يثار أو يستخرج. وقال الزجاج:" أَوْ أَثارَةٍ" أي علامة. والإثارة مصدر كالسماحة والشجاعة. واصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية، يقال: أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر، إذا ذكرته عن غيرك. ومنه قيل: حديث مأثور، أي نقله خلف عن سلف. قال الأعشى:
إن الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والآثر
ويروى" بين" وقرى" أو أثرة" بضم الهمزة وسكون الثاء. ويجوز أن يكون معناه بقية من علم. ويجوز أن يكون معناه شيئا مأثورا من كتب الأولين. والمأثور: ما يتحدث به مما صح سنده عمن تحدث به عنه «1». وقرا السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف، أي خاصة من علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم. وروي عن الحسن أيضا وطائفة" أثرة" مفتوحة الالف ساكنة الثاء، ذكر الاولى الثعلبي والثانية الماوردي. وحكى الثعلبي عن عكرمة: أو ميراث من علم." إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ". الخامسة- قوله تعالى:" ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" فيه بيان مسالك الادلة بأسرها، فأولها المعقول، وهو قوله تعالى:"
__________
(1). كلمة عنه ساقطة من ز ل. [.....]

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ" وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ينفع. ثم قال:" ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا" فيه بيان أدلة السمع" أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ".

[سورة الأحقاف (46): آية 5]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5)
قوله تعالى:" وَمَنْ أَضَلُّ" أي لا أحد أضل وأجهل" مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ" وهي الأوثان." وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ" يعني لا يسمعون ولا يفهمون، فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم، إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم.

[سورة الأحقاف (46): آية 6]
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6)
قوله تعالى:" وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ" يريد يوم القيامة." كانُوا لَهُمْ أَعْداءً" أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة. فالملائكة أعداء الكفار، والجن والشياطين يتبرءون غدا من عبدتهم، ويلعن بعضهم بعضا. ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء، على تقدير خلق الحياة لها، دليله قوله تعالى:" تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ" «1» [القصص: 63]. وقيل: عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم، وجحد المعبودون عبادتهم، وهو قوله" وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ".

[سورة الأحقاف (46): آية 7]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
__________
(1). آية 63 سورة القصص.] [

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)

قوله تعالى:" وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ" يعني القرآن." قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ".

[سورة الأحقاف (46): آية 8]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)
قوله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ" الميم صلة، التقدير: أيقولون افتراه، أي تقوله محمد. وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا. ومعنى الهمزة في" أم" الإنكار والتعجب، كأنه قال: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب. وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا، والضمير للحق، والمراد به الآيات." قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ" على سبيل الفرض." فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً" أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذاب الله، فكيف أفتري على الله لأجلكم." هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ" أي تقولونه، عن مجاهد. وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع. أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه. وأفاض البعير أي دفع جرته من كرشه فأخرجها، ومنه قول الشاعر:
وأفضن بعد كظومهن بجرة «1»
__________
(1). هذا عجز بيت للراعي، وصدره كما في معجم البلدان لياقوت في" حقيل":
من ذي الابارق إذ رعين حقيلا

وذو الابارق وحقيل: موضع واحد. يقول: كن كظوما من العطش (والكاظم من الإبل الذي أمسك عن الجرة)، فلما ابتل ما في بطونها أفضن بجرة.

قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)

وأفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة." كَفى بِهِ شَهِيداً" نصب على التمييز." بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ" أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون." وَهُوَ الْغَفُورُ" لمن تاب" الرَّحِيمُ" بعباده المؤمنين.

[سورة الأحقاف (46): آية 9]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
قوله تعالى:" قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ" أي أول من أرسل، قد كان قبلي رسل، عن ابن عباس وغيره. والبدع: الأول. وقرا عكرمة وغيره" بدعا" بفتح الدال، على تقدير حذف المضاف، والمعنى: ما كنت صاحب بدع. وقيل: بدع وبديع بمعنى، مثل نصف ونصيف. وأبدع الشاعر: جاء بالبديع. وشئ بدع (بالكسر) أي مبتدع. وفلان بدع في هذا الامر أي بديع. وقوم إبداع، عن الأخفش. وأنشد قطرب قول عدي بن زيد:
فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا غدت من بعد بؤسى بأسعد «1»
" وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ" يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزلت" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ" «2» [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، لقد بين الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت" لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ" «3» [الفتح: 5] الآية. ونزلت" وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً" «4» [الأحزاب: 47]. قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت أم العلاء امرأة من الأنصار: اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان
__________
(1). هذا رواية البيت كما في نسخ الأصل. والذي في شعراء النصرانية: فلست
بمن يخشى حوادث تعتري ... رجالا فبادروا بعد بؤس وأسعد

(2). آية 2 سورة الفتح.
(3). آية 5 سورة الفتح.
(4). آية 47 سورة الأحزاب.

ابن مظعون بن حذافة بن جمح، فأنزلناه أبياتنا فتوفي، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب! إن الله أكرمك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] وما يدريك أن الله أكرمه [؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ قال:] أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيرا فوالله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [. قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا. ذكره الثعلبي، وقال: وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته بأربع سنين. قلت: حديث أم العلاء خرجه البخاري، وروايتي فيه:" وما أدري ما يفعل به" ليس فيه" بِي وَلا بِكُمْ" وهو الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ليست بمنسوخة، لأنها خبر. قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم، فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمشركين" ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ" في الآخرة، ولم يزل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الايمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة، فقد رأى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يفعل به وبهم في الآخرة. وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودعه أم إلى عذاب وعقاب. والصحيح في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن" وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدنيا" قال أبو جعفر: وهذا أصح قول وأحسنه، لا يدري صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر. ومثله" وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ" «1» [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح عن
__________
(1). آية 188 سورة الأعراف.] [

ابن عباس: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله تعالى:" وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ" أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا. ثم قال:] إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى إلي [أي لم يوح إلي ما أخبرتكم به. قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض علي وعليكم من الفرائض. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخرون. قلت: وهو معنى قول الحسن والسدي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال «1» ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي، ولا أدري ما يفعل بكم، أأمتي المصدقة أم المكذبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا، أو مخسوف بها خسفا، ثم نزلت" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" «2» [التوبة: 33]. يقول: سيظهر دينه على الأديان. ثم قال في أمته:" وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ" «3» [الأنفال: 33] فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته، ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله. وقال الضحاك أيضا:" ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ" أي ما تؤمرون به وتنهون عنه. وقيل: أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة، ثم بين الله تعالى ذلك في قوله:" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ" [الفتح: 2] وبين فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بين حال الكافرين. قلت: وهذا معنى القول الأول، إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره. و" ما" في" ما يُفْعَلُ" يجوز أن
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ن.
(2). آية 33 سورة التوبة.
(3). آية 33 سورة الأنفال.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة." إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ" وقرى" يوحى" أي الله عز وجل. تقدم في غير موضع.

[سورة الأحقاف (46): آية 10]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
قوله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" يعني القرآن." وَكَفَرْتُمْ بِهِ" قال الشعبي: المراد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ" قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سلام، شهد على اليهود أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مذكور في التوراة، وأنه نبي من عند الله. وفي الترمذي عنه: ونزلت في آيات من كتاب الله، نزلت في" وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". وقد تقدم في آخر سورة" الرعد" «1». وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن سلام، لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية. وقال: وقوله" وَكَفَرْتُمْ بِهِ" مخاطبة لقريش. الشعبي: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، لان ابن سلام إنما أسلم قبل وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعامين، والسورة مكية. قال القشيري: ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية، وأسلم ابن سلام قبل موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعامين «2». ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية، فإن الآية كانت تنزل فيقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضعوها في سورة كذا. والآية في محاجة المشركين، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء، أي شهادتهم لهم وشهادة نبيهم لي من أوضح الحجج. ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود، ولما جاء ابن سلام مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا رسول الله، اجعلني حكما بينك وبين اليهود، فسألهم عنه:] أي رجل هو فيكم [قالوا: سيدنا وعالمنا. فقال:] إنه قد آمن بي [فأساءوا القول فيه ... الحديث،
__________
(1). راجع ج 9 ص 335
(2). ما بين المربعين ساقط من ك.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)

وقد تقدم. قال ابن عباس: رضيت اليهود بحكم ابن سلام، وقالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن يشهد لك آمنا بك، فسئل فشهد ثم أسلم." عَلى مِثْلِهِ" أي على مثل ما جئتكم به، فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن. وقال الجرجاني." مثل" صلة، أي وشهد شاهد عليه أنه من عند الله." فَآمَنَ" أي هذا الشاهد." وَاسْتَكْبَرْتُمْ" أنتم عن الايمان. وجواب" إِنْ كانَ" محذوف تقديره: فآمن أتؤمنون، قاله الزجاج. وقيل:" فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ" أليس قد ظلمتم، يبينه" إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" وقيل:" فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ" أفتأمنون عذاب الله. و" أَرَأَيْتُمْ" لفظ موضوع للسؤال والاستفهام، ولذلك لا يقتضي مفعولا. وحكى النقاش وغيره: أن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

[سورة الأحقاف (46): آية 11]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)
قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ" اختلف في سبب نزولها على ستة «1» أقوال: الأول- أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الإسلام بمكة فأجاب، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا، فبلغ ذلك قريشا فقالوا: غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو المتوكل. الثاني- أن زنيرة «2» أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها: أصابك اللات والعزى، فرد الله عليها بصرها. فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله عروة بن الزبير.
__________
(1). كذا في نسخ الأصل. ويلاحظ أن المؤلف رحمه الله ذكر خمسة أقوال.
(2). زنيرة (بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة): رومية، وكانت من السابقات إلى الإسلام، وممن يعذب في الله، وكان أبو جهل يعذبها، وهي من السبعة الذين اشتراهم أبو بكر الصديق وأنقذهم من التعذيب. [.....]

وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)

الثالث- أن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز منهم، قاله الكلبي والزجاج، وحكاه القشيري عن ابن عباس. وقال قتادة: نزلت في مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال وصهيب وعمار وفلان وفلان. وهو القول الرابع. القول الخامس- أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد الله بن سلام وأصحابه: لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه، قاله أكثر المفسرين، حكاه الثعلبي. وقال مسروق: إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما سبقتنا إليه اليهود، فنزلت هذه الآية. وهذه المعارضة من الكفار في قولهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه من أكبر المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم، حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه، لو كان تكذيبكم للرسول «1» خيرا ما سبقتمونا إليه، ذكره الماوردي. ثم قيل: قوله" ما سَبَقُونا إِلَيْهِ" يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض المؤمنين، ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ" «2» [يونس: 22]." وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ" يعني الايمان. وقيل القرآن. وقيل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ" أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به عادوه ونسبوه إلى الكذب، وقالوا هذا إفك قديم، كما قالوا: أساطير الأولين. وقيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال نعم؟ قال الله تعالى:" وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ" ومثله" بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ" «3» [يونس: 39].

[سورة الأحقاف (46): آية 12]
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12)
__________
(1). في ك: ولو كان تكذيب الرسول.
(2). آية 22 سورة يونس.
(3). آية 39 سورة يونس.

قوله تعالى:" وَمِنْ قَبْلِهِ" أي ومن قبل القرآن" كِتابُ مُوسى " أي التوراة" إِماماً" يقتدى بما فيه و" وَرَحْمَةً" من الله. وفي الكلام حذف، أي فلم تهتدوا به. وذلك أنه كان في التوراة نعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والايمان به فتركوا ذلك. و" إِماماً" نصب على الحال، لان المعنى: وتقدمه كتاب موسى إماما." وَرَحْمَةً" معطوف عليه. وقيل: انتصب بإضمار فعل، أي أنزلناه إماما ورحمة. وقال الأخفش: على القطع، لان كتاب موسى معرفة بالإضافة، لان النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ولام صارت معرفة «1»." وَهذا كِتابٌ" يعني القرآن" مُصَدِّقٌ" يعني للتوراة ولما قبله من الكتب. وقيل: مصدق للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." لِساناً عَرَبِيًّا" منصوب على الحال، أي مصدق لما قبله عربيا، و" لِساناً" توطئة للحال أي تأكيد، كقولهم: جاءني زيد رجلا صالحا، فتذكر رجلا توكيدا. وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: وهذا كتاب مصدق أعني لسانا عربيا. وقيل: نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره: بلسان عربي. وقيل: إن لسانا مفعول والمراد به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي وهذا كتاب مصدق للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه معجزته، والتقدير: مصدق ذا لسان عربي. فاللسان منصوب بمصدق، وهو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويبعد أن يكون اللسان القرآن، لان المعنى يكون يصدق نفسه." لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا" قراءة العامة" لِيُنْذِرَ" بالياء خبرا عن الكتاب، أي لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقيل: هو خبر عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقرا نافع وابن عامر والبزي بالتاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، على خطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى:" إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ" «2» [الرعد: 7]." وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ"" بُشْرى " في موضع رفع، أي وهو بشرى. وقيل: عطفا على الكتاب، أي وهذا كتاب مصدق وبشرى. ويجوز أن يكون منصوبا بإسقاط حرف الخفض، أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى، فلما حذف الخافض نصب. وقيل: على المصدر، أي وتبشر المحسنين بشرى، فلما جعل مكان وتبشر بشرى أو بشارة نصب، كما تقول: أتيتك لازورك، وكرامة لك وقضاء لحقك، يعني لازورك وأكرمك وأقضي حقك، فنصب الكرامة بفعل مضمر
__________
(1). راجع ما ذكره الصبان (باب النكرة والمعرفة).
(2). راجع ج 9 ص 285.
.

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)

[سورة الأحقاف (46): الآيات 13 الى 14]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14)
قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" الآية تقدم معناها «1». وقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر الصديق. والآية تعم." جزاء" نصب على المصدر.

[سورة الأحقاف (46): آية 15]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
فيه سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً" بين اختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد يطيعهما وقد يخالفهما، أي فلا يبعد مثل هذا في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض. فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ببعض، قاله القشيري. الثانية- قوله تعالى:" حسنا" قراءة العامة" حسنا" وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام. وقرا ابن عباس والكوفيون" إِحْساناً" وحجتهم قوله تعالى في سورة (الانعام وبني إسرائيل):" وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً" «2» [الانعام: 151] وكذا هو في مصاحف الكوفة. وحجة القراءة الاولى قول تعالى في سورة العنكبوت:" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً" «3» [العنكبوت: 8]
__________
(1). راجع ج 15 ص (357)
(2). آية 151 سورة الانعام، 23 سورة الاسراء.
(3). آية 8

ولم يختلفوا فيها. والحسن خلاف القبح. والإحسان خلاف الإساءة. والتوصية الامر. وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت «1». الثالثة- قوله تعالى:" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً" أي بكره ومشقة. وقراءة العامة بفتح الكاف. واختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ" «2» [البقرة: 216] لان ذلك اسم وهذه كلها مصادر. وقرا الكوفيون" كرها" بالضم. قيل: هما لغتان مثل الضعف والضعف والشهد والشهد، قاله الكسائي، وكذلك هو عند جميع البصريين. وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، أي قهرا وغصبا، ولهذا قال بعض أهل العربية: إن كرها (بفتح الكاف) لحن. الرابعة- قوله تعالى:" وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى:" وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" وقال تعالى:" وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ" [البقرة: 233] فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدها. وقد مضى في" البقرة" «3». وقيل: لم يعد ثلاثة أشهر في ابتداء الحمل، لان الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا يكون له ثقل يحس به، وهو معنى قوله تعالى:" فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ «4» بِهِ" [الأعراف: 189]. والفصال الفطام. وقد تقدم في" لقمان" «5» الكلام فيه. وقرا الحسن ويعقوب وغيرهما" وفصله" بفتح الفاء وسكون الصاد. وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا، حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا. وفي الكلام إضمار،
__________
(1). راجع ج 13 ص (328)
(2). آية (216)
(3). راجع ج 3 ص 160 وما بعدها.
(4). آية 189 سورة الأعراف.
(5). راجع ج 14 ص 64 وما بعدها.

أي ومدة حمله ومدة فصاله ثلاثون شهرا، ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف وتغير المعنى. الخامسة- قوله تعالى:" حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ" قال ابن عباس: ثماني عشرة سنة. وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام للتجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدين. فقال الراهب: من الرجل الذي في ظل الشجرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبي، وما استظل أحد تحتها بعد عيسى. فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أسفاره وحضره. فلما نبئ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن أربعين سنة، صدق أبو بكر رضى الله عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة. فلما بلغ أربعين سنة قال:" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ" الآية. وقال الشعبي وابن زيد: الأشد الحلم. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين. وعنه قيام الحجة عليه. وقد مضى في" الانعام" الكلام «1» في الآية. وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقد تقدم»
. وقال الحسن: هي مرسلة نزلت على العموم. والله أعلم. السادسة- قوله تعالى:" قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي" أي ألهمني." أَنْ أَشْكُرَ" في موضع نصب على المصدر، أي شكر نعمتك" عَلَيَّ" أي ما أنعمت به علي من الهداية" وَعَلى والِدَيَّ" بالتحنن والشفقة حتى ربياني صغيرا. وقيل: أنعمت علي بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة. وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه! أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لاحد من المهاجرين أن أسلم «3» أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. ووالده هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وأمه
__________
(1). راجع ج 7 ص 134 وما بعدها. [.....]
(2). راجع ج 13 ص 328 وج 14 ص 63
(3). زيادة يقتضيها السياق.

أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)

أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وام أبيه أبي قحافة" قيلة"" بالياء المعجمة باثنتين من تحتها". وامرأة أبي بكر الصديق اسمها" قتيلة"" بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها" بنت عبد العزى." وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ" قال ابن عباس: فأجابه الله فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] من أصبح منكم اليوم صائما [؟ قال أبو بكر أنا. قال:] فمن تبع منكم اليوم جنازة [؟ قال أبو بكر أنا. قال:] فمن أطعم منكم اليوم مسكينا [؟ قال أبو بكر أنا. قال:] فمن عاد منكم اليوم مريضا [؟ قال أبو بكر أنا. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة [. السابعة- قوله تعالى:" وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي" أي اجعل ذريتي صالحين. قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده. ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وقال سهل بن عبد الله: المعنى اجعلهم لي خلف صدق، ولك عبيد حق. وقال أبو عثمان: اجعلهم أبرارا لي مطيعين لك. وقال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا. وقال مالك بن مغول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف، فقال: استعن عليه بهذه الآية، وتلا" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"." إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ" قال ابن عباس: رجعت عن الامر الذي كنت عليه." وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" أي المخلصين بالتوحيد.

[سورة الأحقاف (46): آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16)

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)

قوله تعالى:" أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ" قراءة العامة بضم الياء فيهما. وقرى" يتقبل، ويتجاوز" بفتح الياء، والضمير فيهما يرجع لله عز وجل. وقرا حفص وحمزة والكسائي" نتقبل، ونتجاوز" النون فيهما، أي نغفرها ونصفح عنها. والتجاوز أصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه. وهذه الآية تدل على أن الآية التي قبلها" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ" إلى آخرها مرسلة نزلت على العموم. وهو قول الحسن. ومعنى" نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ" أي نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز عن السيئات. قال زيد بن أسلم- ويحكيه مرفوعا-: إنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت سيئاتهم. وقيل: الأحسن ما يقتضى الثواب من الطاعات، وليس في الحسن المباح ثواب ولا عقاب، حكاه ابن عيسى." فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ"" في" بمعنى مع، أي مع أصحاب الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك في جميع أهل البلد، أي مع جميعهم." وَعْدَ الصِّدْقِ" نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله، أي وعد الله أهل الايمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، لان الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله، وهو كقوله تعالى:" حَقُّ الْيَقِينِ" «1» [الواقعة: 95]. وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين فتقديره: وعد الكلام الصدق أو الكتاب الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في غير موضع «2»." الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ" في الدنيا على ألسنة الرسل، وذلك الجنة.

[سورة الأحقاف (46): الآيات 17 الى 18]
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18)
__________
(1). آية 95 سورة الواقعة.
(2). راجع ج 9 ص 356.

قوله تعالى:" وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ" أي أن أبعث." وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي" قراءة نافع وحفص وغيرهما" أُفٍّ" مكسور منون. وقرا ابن كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضل عن عاصم" أُفٍّ" بالفتح من غير تنوين. الباقون بالكسر غير منون، وكلها لغات، وقد مضى في" بني إسرائيل" «1». وقراءة العامة" أَتَعِدانِنِي" بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهل المدينة ومكة. وأسكن الباقون. وقرا أبو حيوة والمغيرة وهشام" أتعداني" بنون واحدة مشددة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. والعامة على ضم الالف وفتح الراء من" أَنْ أُخْرَجَ". وقرا الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الالف وضم الراء. قال ابن عباس والسدي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله عز وجل. وقال قتادة والسدي أيضا: هو عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه وأمه أم رومان يدعوانه إلى الإسلام ويعدانه بالبعث، فيرد عليهما بما حكاه الله عز وجل عنه، وكان هذا منه قبل إسلامه. وروي أن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمن. وقال الحسن وقتادة أيضا: هي نعت عبد كافر عاق لوالديه. وقال الزجاج: كيف يقال نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه والله عز وجل يقول:" أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ" أي العذاب، ومن ضرورته عدم الايمان، وعبد الرحمن من أفاضل المؤمنين، فالصحيح أنها نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. وقال محمد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان ابن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية «2»، أتبايعون لأبنائكم! فقال مروان: هو الذي يقول الله فيه" وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما" الآية. فقال: والله ما هو به. ولو شئت لسميت، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض «3» من لعنة الله. قال المهدوي: ومن جعل الآية في عبد الرحمن كان قوله بعد ذلك" أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ"
__________
(1). راجع ج 10 ص 242.
(2). أراد أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم، وهرقل: اسم ملك الروم.
(3). كل ما انقطع من شيء أو تفرق فهو فضض، أراد أنك قطعة وطائفة منها.

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)

يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره، فأول الآية خاص وآخرها عام. وقيل: إن عبد الرحمن لما قال" وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي" قال مع ذلك: فأين عبد الله ابن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقولون. فقوله" أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ" يرجع إلى أولئك الأقوام. قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمن بن أبي بكر في سورة (الانعام) عند قوله" لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى" «1» [الانعام: 71] ما يدل على نزول هذه الآية فيه، إذ كان كافرا وعند إسلامه وفضله تعين أنه ليس المراد بقوله" أولئك الذين حق عليهم القول"." وَهُما" يعني والديه." يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ" أي يدعوان الله له بالهداية. أو يستغيثان بالله من كفره، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. وقيل: الاستغاثة الدعاء، فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء: أجاب الله دعاءه وغواثه." وَيْلَكَ آمِنْ" أي صدق بالبعث." إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" أي صدق لا خلف فيه." فَيَقُولُ ما هذا" أي ما يقوله والداه." إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ" أي أحاديثهم وما سطروه مما لا أصل له." أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ" يعني الذين أشار إليهم ابن أبي بكر في قوله أحيوا لي مشايخ قريش، وهم المعنيون بقوله" وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي". فأما ابن أبي بكر عبد الله أو عبد الرحمن فقد أجاب الله فيه دعاء أبيه في قوله" وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي" [الأحقاف: 15] على ما تقدم. ومعنى" حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ" أي، وجب عليهم العذاب، وهي كلمة الله:] هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي [." فِي أُمَمٍ" أي مع أمم" قَدْ خَلَتْ" تقدمت ومضت." مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ" الكافرين" إِنَّهُمْ" أي تلك الأمم الكافرة" كانُوا خاسِرِينَ" لأعمالهم، أي ضاع سعيهم وخسروا الجنة.

[سورة الأحقاف (46): آية 19]
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (19)
__________
(1). راجع ج 7 ص 18

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)

قوله تعالى:" وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ" أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والانس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم. قال ابن زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفالا، ودرج أهل الجنة علوا." وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ" قرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر الله قبله، وهو قوله تعالى:" إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" واختاره أبو حاتم. الباقون بالنون ردا على قوله تعالى:" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ" وهو اختيار أبي عبيد." وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" أي لا يزاد على مسي ولا ينقص من محسن.

[سورة الأحقاف (46): آية 20]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
قوله تعالى:" وَيَوْمَ يُعْرَضُ" أي ذكرهم يا محمد يوم يعرض." الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ" أي يكشف الغطاء فيقربون من النار وينظرون إليها." أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ" أي يقال لهم أذهبتم، فالقول مضمر. وقرا الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير" أأذهبتم" بهمزتين مخففتين، واختاره أبو حاتم. وقرا أبو حيوة وهشام" آذهبتم" بهمزة واحدة مطولة على الاستفهام. الباقون بهمزة واحدة من غير مد على الخبر، وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ، والعرب توبخ بالاستفهام وبغير الاستفهام، وقد تقدم. واختار أبو عبيد ترك الاستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي، مع من وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم، فهذه عليها جلة الناس. وترك الاستفهام أحسن، لان إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك، كما تقول: أنا ظلمتك؟ تريد أنا لم أظلمك. وإثباته حسن أيضا، يقول القائل: ذهبت فعلت كذا، يوبخ ويقول: أذهبت فعلت! كل ذلك جائز. ومعنى

" أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ" أي تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات، يعني المعاصي." فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ" أي عذاب الخزي والفضيحة. قال مجاهد: الهون الهوان. قتادة: بلغة قريش." بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ" أي تستعجلون على أهلها بغير استحقاق." وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ" في أفعالكم بغيا وظلما. وقيل:" أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ" أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة، مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه، أي شبابه وقوته. قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضا. قلت: القول الأول أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء وصنابا وصلائق، ولكني استبقي حسناتي، فإن الله عز وجل وصف أقواما فقال" أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها" وقال أبو عبيد في حديث عمر: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة. وفي بعض الحديث: وأفلاذ. قال أبو عمرو وغيره: الصلاء (بالمد والكسر): الشواء، سمي بذلك لأنه يصلى بالنار. والصلاء أيضا: صلاء النار، فإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صلى النار. والصناب: الاصبغة المتخذة من الخردل والزبيب. قال أبو عمرو: ولهذا قيل للبرذون: صنابي، وإنما شبه لونه بذلك. قال: والسلائق (بالسين) هو ما يسلق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق بالصاد، قال جرير:
تكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالصلائق والصناب
والصلائق: الخبز الرقاق العريض. وقد مضى هذا المعنى في (الأعراف) «1». وأما الكراكر فكراكر الإبل، واحدتها كركرة وهي معروفة، هذا قول أبي عبيد. وفي الصحاح: والكركرة رحى زور البعير، وهي إحدى النفثات الخمس. والكركرة أيضا الجماعة من
__________
(1). راجع ج 7 ص 198

الناس. وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من علماء اللغة. قال أبو عبيد: وأما الأفلاذ فإن واحدها فلذ، وهي القطعة من الكبد. قال أعشى باهلة:
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر «1»
وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما، وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير! فقال خالد ابن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال: لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بونا بعيدا. وفي صحيح مسلم وغيره أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في مشربته «2» حين هجر نساءه قال: فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر إلا أهبا «3» جلودا معطونة قد سطع ريحها، فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالسا وقال: (أفي شك أنت يا بن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) فقلت: استغفر لي! فقال: (اللهم اغفر له). وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغريض «4». وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله، فجئ بخبز متفلع «5» غليظ، فجعل يأكل ويقول: كلوا، فجعلنا لا نأكل، فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا، فقال: يا بن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بعناق «6» سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصلية «7» كأنها كذا وكذا،
__________
(1). الغمر (بضم الأول وفتح الثاني): القدح الصغير.
(2). المشربة (بفتح الميم والراء): الموضع الذي يشرب منه الناس. (بضم الراء وفتحها): الغرفة.
(3). بضم الهمزة والهاء، وبفتحهما على غير قياس، جمع إهاب، وهو الجلد.
(4). الغريض: الطري.
(5). في نسخة من الأصل:" متقلع" بالقاف. والمتفلع: المشقق. [.....]
(6). العناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق.
(7). الصلاء (بالكسر): الشواء.

أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال، فقلت: يا أمير المؤمنين، أجل «1»! ما تنعت العيش، قال: أجل! والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش! ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها"." فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ" أي الهوان." بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ" أي تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله." وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ" تخرجون عن طاعة الله. وقال جابر: اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه! أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية:" أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ" الآية. قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الامارة بالسوء، فأخذ عمر الامر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو قفارا «2»، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمده أصلا، ولا يجعله ديدنا. ومعيشة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معلومة، وطريقة الصحابة منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن، فإن
__________
(1). في بعض نسخ الأصل:" أجاد".
(2). القفار (بالفتح): الطعام بلا أدم.

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)

تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه. والله أعلم.

[سورة الأحقاف (46): آية 21]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
قوله تعالى:" وَاذْكُرْ أَخا عادٍ" هو هود بن عبد الله بن رباح عليه السلام، كان أخاهم في النسب لا في الدين." إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ" أي اذكر لهؤلاء المشركين قصة عاد ليعتبروا بها. وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له. والأحقاف: ديار عاد. وهي الرمال العظام، في قول الخليل وغيره. وكانوا قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، والجمع حقاف وأحقاف ] وحقوف [. واحقوقف الرمل والهلال أي اعوج. وقيل: الحقف جمع حقاف. والأحقاف جمع الجمع. ويقال: حقف أحقف. قال الأعشى:
بات إلى أرطاة حقف أحقفا «1»

أي رمل مستطيل مشرف. والفعل منه احقوقف. قال العجاج:
طي الليالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا
أي انحنى واستدار. وقال امرؤ القيس:
كحقف النقا «2» يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال
وفيما أريد بالأحقاف ها هنا مختلف فيه. فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالا، وشاهده ما ذكرناه. وقال قتادة: هي جبال
__________
(1). هذا الرجز نسبه الطبري في تفسيره إلى العجاج، ولم نعثر عليه في شعر الأعشى ولا في أراجيز العجاج. والأرطاة: جمعه أرطي، وهو شجر من شجر الرمل.
(2). النقا: الكثيب من الرمل.

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)

مشرفة بالشحر، والشحر قريب من عدن، يقال: شحر عمان وشحر عمان، وهو ساحل البحر بين عمان وعدن. وعنه أيضا: ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن، أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر. وقال مجاهد: هي أرض من حسمى تسمى بالأحقاف. وحسمى (بكسر الحاء) اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام يفارقها. قال النابغة:
فأصبح عاقلا بجبال حسمى ... دقاق الترب محتزم القتام «1»
قاله الجوهري. وقال ابن عباس والضحاك: الأحقاف جبل بالشام. وعن ابن عباس أيضا: واد بين عمان ومهرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بواد يقال له مهرة، وإليه تنسب الإبل «2» المهرية، فيقال: إبل مهرية ومهاري. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج «3» العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. وقال الكلبي: أحقاف الجبل ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. وروى الطفيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خير واديين في الناس واد بمكة وواد نزل به آدم بأرض الهند. وشر واديين في الناس واد بالأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار. وخير بئر في الناس بئر زمزم. وشر بئر في الناس بئر برهوت، وهو في ذلك الوادي الذي بحضرموت." وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ" أي مضت الرسل." مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ" أي من قبل هود." وَمِنْ خَلْفِهِ" أي ومن بعده، قاله الفراء. وفي قراءة ابن مسعود" من بين يديه ومن بعده"." أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ" هذا من قول المرسل، فهو كلام معترض. ثم قال هود" إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" وقيل" أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ" من كلام هود، والله أعلم.

[سورة الأحقاف (46): الآيات 22 الى 25]
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
__________
(1). قال ابن بري:" أي حسمى قد أحاط به القتام كالحزام له".
(2). في معجم البلدان لياقوت وكتب اللغة أن الإبل المهرية تنسب إلى مهرة بن حيدان أبو قبيلة.
(3). هاج البقل: إذا أخذ في اليبس.

قوله تعالى:" قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا" فيه وجهان: أحدهما- لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني- لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع، قاله الضحاك. قال عروة بن أذينة:
إن تك عن أحسن الصنيعة ما ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا
يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا." فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" هذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد." إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ" أنك نبي" قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ" بوقت مجيء العذاب." عِنْدَ اللَّهِ" لا عندي." وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ" عن ربكم." وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ" في سؤالكم استعجال العذاب." فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً" قال المبرد: الضمير في" رَأَوْهُ" يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله:" عارِضاً" فالضمير يعود إلى السحاب، أي فلما رأوا السحاب عارضا. ف" عارِضاً" نصب على التكرير، سمي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء. وقيل: نصب على الحال. وقيل: يرجع الضمير إلى قوله:" فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" فَلَمَّا رَأَوْهُ حسبوه سحابا يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه" مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ" استبشروا. وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثا، قاله ابن عباس وغيره. قال الجوهري: والعارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله تعالى:" هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا" أي ممطر لنا، لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة. والعرب إنما تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من الافعال دون غيرها. قال جرير:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
ولا يجوز أن يقال: هذا رجل غلامنا. وقال أعرابي بعد الفطر: رب صائمة لن تصومه وقائمة لن تقومه، فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة.

قلت: قوله: (لا يجوز أن يكون صفة لعارض) خلاف قول النحويين، والإضافة في تقدير الانفصال، فهي إضافة لفظية لا حقيقية، لأنها لم تفد الأول تعريفا، بل الاسم نكرة على حاله، فلذلك جرى نعتا على النكرة. هذا قول النحويين في الآية والبيت. ونعت النكرة نكرة. و" رب" لا تدخل إلا على النكرة." بَلْ هُوَ" أي قال هود لهم. والدليل عليه قراءة من قرأ" قال هود بل هو" وقرى" قل بل ما استعجلتم به هي ريح" أي قال الله قل بل هو ما استعجلتم به، يعني قولهم:" فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" ثم بين ما هو فقال:" رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ" والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم، فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظعينة «1» فترفعها كأنها جرادة، ثم تضرب بها الصخور. قال ابن عباس: أول ما راو العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما «2»، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله تعالى فيها:" تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها" أي كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها. قال ابن عباس: أي كل شيء بعثت إليه. والتدمير: الهلاك. وكذلك الدمار. وقرى" يدمر كل شي" من دمر دمارا. يقال: دمره تدميرا ودمارا ودمر عليه بمعنى. ودمر يدمر دمورا دخل بغير إذن. وفي الحديث:] من سبق طرفه استئذانه فقد دمر [مخفف الميم. وتدمر: بلد بالشام. ويربوع تدمري إذا كان صغيرا قصيرا." بِأَمْرِ رَبِّها" بإذن ربها. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضاحكا حتى أرى منه لهواته «3» إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا
__________
(1). الظعينة: الجمل يظعن عليه. والهودج فيه امرأة أم لا.
(2). الأيام الحسوم: الدائمة في البشر.
(3). جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.

عرف في وجهه. قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، واراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال:] يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا [خرجه مسلم والترمذي، وقال فيه: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:] نصرت بالصبا «1» وأهلكت عاد بالدبور [. وذكر الماوردي أن القائل" هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا" من قوم عاد: بكر بن معاوية، ولما رأى السحاب قال: إني لأرى سحابا مرمدا، لا تدع من عاد أحدا «2». فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم. قال ابن إسحاق: واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما يلين أعلى ثيابهم. وتلتذ الأنفس به، وأنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا. وحكى الكلبي أن شاعرهم قال في ذلك:
فدعا هود عليهم ... دعوة أضحوا همودا
عصفت ريح عليهم ... تركت عادا خمودا
سخرت سبع ليال ... لم تدع في الأرض عودا
وعمر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة." فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ" قرأ عاصم وحمزة" لا يرى إلا مساكنهم" بالياء غير مسمى الفاعل. وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إلا أنه قرأ" ترى" بالتاء. وقد روى ذلك عن أبي بكر عن عاصم. الباقون" ترى" بتاء مفتوحة." مَساكِنُهُمْ" بالنصب، أي لا ترى يا محمد إلا مساكنهم. قال المهدوي: ومن قرأ بالتاء غير مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو المساكن المؤنثة، وهو قليل لا يستعمل إلا في الشعر. وقال أبو حاتم: لا يستقيم هذا في اللغة إلا أن يكون فيها إضمار، كما تقول في الكلام ألا ترى النساء إلا زينب. ولا يجوز لا ترى إلا زينب.
__________
(1). الصبا (بالفتح): ريح الشمال. والدبور: ريح الجنوب.
(2). في نهاية ابن الأثير واللسان مادة (رمد) وتاريخ الطبري:" خذها رمادا رمددا، لا تذر من عاد أحدا" والرمد (بالكسر): المتناهي في الاحتراق والدقة. [.....]

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)

وقال سيبويه: معناه لا ترى أشخاصهم إلا مساكنهم. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة عاصم وحمزة. قال الكسائي: معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، فهو محمول على المعنى، كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى ما قام أحد إلا هند. وقال الفراء: لا يرى الناس لأنهم كانوا تحت الرمل، وإنما ترى مساكنهم لأنها قائمة." كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ" أي مثل هذه العقوبة نعاقب بها المشركين.

[سورة الأحقاف (46): آية 26]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ" قيل: إِنْ" إن" زائدة، تقديره ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه. وهذا قول القتبي. وأنشد الأخفش:
يرجي المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب
وقال آخر:
فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا «1»
وقيل: إن" ما" بمعنى الذي. و" إن" بمعنى ما، والتقدير ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، قاله المبرد. وقيل: شرطية وجوابها مضمر محذوف، والتقدير ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد، وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال:" وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً" يعني قلوبا يفقهون بها." فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ" من عذاب الله." إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ" يكفرون" بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ" أحاط بهم." ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ".
__________
(1). البيت لفروة بن مسيك المرادي. والطب: الشأن والعادة والشهوة والإرادة.

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)

[سورة الأحقاف (46): آية 27]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى " يريد حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم." وَصَرَّفْنَا الْآياتِ" يعني الحجج والدلالات وأنواع البينات والعظات، أي بيناها لأهل تلك القرى." لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" فلم يرجعوا. وقيل: أي صرفنا آيات القرآن في الوعد والوعيد والقصص والاعجاز لعل هؤلاء المشركين يرجعون.

[سورة الأحقاف (46): آية 28]
فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28)
قوله تعالى:" فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ"" فَلَوْ لا" بمعنى هلا، أي هلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا:" هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ" «1» [يونس: 18] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي: القربان كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين. واحد مفعولي اتخذ الراجع «2» إلى الذين المحذوف، والثاني" آلِهَةً". و" قُرْباناً" حال، ولا يصح أن يكون" قُرْباناً" مفعولا ثانيا. و" آلِهَةً" بدل منه لفساد المعنى، قاله الزمخشري. وقرى" قربانا" بضم الراء." بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ" أي هلكوا عنهم. وقيل:" بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ" أي ضلت عنهم آلهتهم لأنها لم يصبها ما أصابهم، إذ هي جماد. وقيل: ضلوا عنهم، أي تركوا الأصنام وتبرءوا منها." وَذلِكَ إِفْكُهُمْ" أي والآلهة التي ضلت عنهم هي إفكهم في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى. وقراءة العامة" إِفْكُهُمْ" بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي كذبهم. والافك: الكذب، وكذلك الأفيكة، والجمع الافائك. ورجل أفاك أي كذاب. وقرا ابن عباس ومجاهد وابن الزبير" وذلك أفكهم" بفتح الهمزة
__________
(1). آية 18 سورة يونس.
(2). الضمير الراجع.

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)

والفاء والكاف، على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. والافك" بالفتح" مصدر قولك: أفكه يأفكه إفكا، أي قلبه وصرفه عن الشيء. وقرا عكرمة" أفكهم" بتشديد الفاء على التأكيد والتكثير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم. وذكر المهدوي عن ابن عباس أيضا" آفكهم" بالمد وكسر الفاء، بمعنى صارفهم. وعن عبد الله بن الزبير باختلاف عنه" آفكهم" بالمد، فجاز أن يكون أفعلهم، أي أصارهم إلى الافك. وجاز أن يكون فاعلهم كخادعهم. ودليل قراءة العامة" إِفْكُهُمْ" قوله" وَما كانُوا يَفْتَرُونَ" أي يكذبون. وقيل" إِفْكُهُمْ" مثل" أفكهم". الافك والافك كالحذر والحذر، قاله المهدوي.

[سورة الأحقاف (46): آية 29]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
قوله تعالى:" وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ" هذا توبيخ لمشركي قريش، أي إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر. ومعنى" صَرَفْنا" وجهنا إليك وبعثنا. وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب- على ما يأتي- ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: لما مات أبو طالب خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة فقصد عبد ياليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة- بنو عمرو بن عمير- وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فدعاهم إلى الايمان وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم: هو يمرط «1» ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك. ثم أغروا به سفهاءهم
__________
(1). يمرط: ينزع.

وعبيدهم يسبونه ويضحكون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة. فقال للجمحية:] ماذا لقينا من أحمائك [؟ ثم قال:] اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني! إلى عبد»
يتجهمني «2»، أو إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك [. فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصراني يقال له عداس: خذ قطفا من العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل، فلما وضعه بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (باسم الله) ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك [؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى [؟ فقال: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال:] ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي [فانكب عداس حتى قبل رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويديه ورجليه. فقال له ابنا ربيعة: لم فعلت هكذا!؟ فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. ثم انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين. وكان سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع، فلما حرست السماء ورموا بالشهب قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف الخبر، أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة، فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا. وقالت طائفة: بل أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينذر
__________
(1). في سيرة ابن هشام:" بعيد".
(2). أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.

الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله عز وجل إليه نفرا من الجن من نينوى وجمعهم له، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] إني أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فأيكم يتبعني [؟ فأطرقوا، ثم قال الثانية فأطرقوا، ثم قال الثالثة فأطرقوا، فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله، قال ابن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شعبا يقال له (شعب الحجون) وخط لي خطا وأمرني أن أجلس فيه وقال:] لا تخرج منه حتى أعود إليك [. ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوى وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطا وغمغة حتى خفت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغشيته أسودة «1» كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الفجر فقال:] أنمت [؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا، فقال:] لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم [ثم قال:] هل رأيت شيئا [؟ قلت: نعم يا رسول الله، رأيت رجالا سودا مستثفري «2» ثيابا بيضا، فقال:] أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل «3» وروثة وبعرة [. فقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستنجى بالعظم والروث. قلت: يا نبي الله، وما يغني ذلك عنهم! قال:] إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكل [فقلت: يا رسول الله، لقد سمعت لغطا شديدا؟ فقال:] إن الجن تدارأت «4» في قتيل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق [. ثم تبرز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أتاني فقال:] هل معك ماء [، فقلت يا نبي الله، معي إداوة «5» فيها شيء من نبيذ التمر فصببت على يديه فتوضأ فقال:] تمرة طيبة وماء طهور [. روى معناه معمر عن قتادة وشعبة أيضا عن ابن مسعود. وليس
__________
(1). أسودة (جمع السواد) والسواد والاسودات والأساود: جماعة الناس. وقيل هم الضروب المتفرقون.
(2). الاستثفار: أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويا ثم يخرجه.
(3). العظم الحائل: المتغير، قد غيره البلى.
(4). تدارأ: اختلف.
(5). الإداوة: إناء صغير من جلد.

في حديث معمر ذكر نبيذ التمر. روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر زطا «1» فقال: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزط. قال: ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن فكانوا مستفزين يتبع بعضهم بعضا. وذكر الدارقطني عن عبد الله بن لهيعة حدثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود أنه وضأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن بنبيذ فتوضأ به وقال:] شراب وطهور [. ابن لهيعة لا يحتج به. وبهذا السند عن ابن مسعود أنه خرج مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] أمعك ماء يا بن مسعود [؟ فقال: معي نبيذ في إداوة، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] صب علي منه [. فتوضأ وقال:] هو شراب وطهور [تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. قال الدارقطني: وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن. كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال: ما شهدت ليلة الجن. حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن؟ قال لا. قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه. وعن عمرو بن مرة قال قلت لابي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ فقال لا. قال ابن عباس: كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسلا إلى قومهم. وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة أحدهم زوبعة. وقال قتادة: إنهم من أهل نينوى. وقال مجاهد: من أهل حران. وقال عكرمة: من جزيرة الموصل. وقيل: إنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين. وروى ابن أبي الدنيا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في هذا الحديث وذكر فيه نصيبين فقال:] رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يغزو نهرها [. وقال السهيلي: ويقال كانوا سبعة، وكانوا يهودا فأسلموا، ولذلك قالوا" أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ". وقيل في أسمائهم: شاصر «2» وماصر ومنشي
__________
(1). الزط: جيل أسود من السند. وقيل: إعراب" جت" بالهندية، وهم جيل من أهل الهند.
(2). في كتاب اللغة:" شصار" ككتاب.

وماشي والاحقب، ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم عمرو بن جابر، ذكره ابن سلام من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه فإذا حية قتيل، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها، فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان: أيكم دفن عمرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر «1» فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو، وهو الحية التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ولوا إلى قومهم منذرين. وذكر ابن سلام رواية أخرى: أن الذي كفنه هو صفوان بن المعطل. قلت: وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال: وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ابن مسعود فقالوا: إنا كنا في سقر فرأينا حية متشحطة في دمائها، فأخذها رجل منا فواريناها، فجاء أناس فقالوا: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: وما عمرو! قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا، أما إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآن من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان بين حيين من الجن مسلمين وكافرين قتال فقتل. ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا حضر الدفن، والله أعلم. وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سماه: أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم أنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلم عليه وشكر، وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا عن جن نصيبين اسمه زوبعة. قال السهيلي: وبلغنا في فضائل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه مما حدثنا به أبو بكر بن طاهر الإشبيلي أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فإذا قائل يقول: يا سرق، أشهد لسمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:] ستموت بأرض فلاة فيكفنك رجل صالح [. فقال: ومن أنت يرحمك الله! فقال: رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبق منهم إلا أنا وسرق، وهذا سرق قد مات. وقد قتلت
__________
(1). كلمة الأجر ساقطة من ل. [.....]

عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ، فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: لو كان مؤمنا ما دخل على حرم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقيل لها: ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة «1»، وما جاء إلا ليستمع الذكر. فأصبحت عائشة فزعة، واشترت رقابا فأعتقتهم. قال السهيلي: وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجن ما حضرنا، فإن كانوا سبعة فالاحقب منهم وصف لأحدهم، وليس باسم علم، فإن الأسماء التي ذكرناها آنفا ثمانية بالاحقب. والله أعلم. قلت: وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه: هامة بن الهيم «2» بن الأقيس بن إبليس، قيل: إنه من مؤمني الجن وممن لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلمه سورة" إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ" [الواقعة: 1] و" الْمُرْسَلاتِ" [المرسلات: 1] و" عَمَّ يَتَساءَلُونَ" [النبأ: 1] و" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" [التكوير: 1] و" الْحَمْدُ" [الفاتحة: 1] و" المعوذتين" [الفلق: 1- والناس: 1]. وذكر أنه حضر قتل هابيل وشرك في دمه وهو غلام ابن أعوام، وأنه لقي نوحا وتاب على يديه، وهودا وصالحا ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام. وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد فقال: حسى ومسي ومنشى وشاصر وماصر والأرد وإنيان والاحقم. وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: حدثنا محمد ابن البراء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يسمى جن نصيبين الذين قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: حسى ومسي وشاصر وماصر والأفخر والأرد وإنيان «3». قوله تعالى:" فَلَمَّا حَضَرُوهُ" أي حضروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من باب تلوين الخطاب. وقيل: لما حضروا القرآن واستماعه." قالُوا أَنْصِتُوا" أي قال بعضهم لبعض اسكتوا لاستماع القرآن. قال ابن مسعود: هبطوا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). في ز ل: منقبة.
(2). في بعض الأصول:" الأهيم".
(3). لم نوفق لتحقيق هذه الأسماء. والأصول والمصادر التي بين أيدينا مضطربة فيها.

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)

وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه" قالُوا أَنْصِتُوا" قالوا صه. وكانوا سبعة: أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى:" وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا" الآية إلى قوله:" فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" [الأحقاف: 32]. وقيل:" أَنْصِتُوا" لسماع قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمعنى متقارب." فَلَمَّا قُضِيَ" وقرا لاحق بن حميد وخبيب بن عبد الله بن الزبير" فَلَمَّا قُضِيَ" بفتح القاف والضاد، يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الصلاة. وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك؟ فجاءوا وادي نخلة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في صلاة الفجر، وكانوا سبعة، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين، ولم يعلم بهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: بل أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، فلما تلا عليهم القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من الجن، منذرين لهم مخالفة القرآن ومحذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا. وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه أرسلهم. ويدل على هذا قولهم:" يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ" [الأحقاف: 31] ولولا ذلك لما أنذروا قومهم. وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعلهم رسلا إلى قومهم، فعلى هذا ليلة الجن ليلتان، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في" قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ" «1» [الجن: 1]. وفي صحيح مسلم عن معن قال: سمعت أبي قال سألت مسروقا من آذن «2» النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك- يعني ابن مسعود- أنه آذنته بهم شجرة.

[سورة الأحقاف (46): الآيات 30 الى 31]
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31)
__________
(1). راجع ج 19 ص 1.
(2). آذن: أعلم.

قوله تعالى:" قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى " أي القرآن، وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا، ولذلك قالوا:" أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ". وعن ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت:" أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى "." مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ" يعني ما قبله من التوراة." يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ" دين الحق." وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ" دين الله القويم." يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ" يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن والانس. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والانس قبل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قلت: يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة [. قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والانس. وفي رواية من حديث أبي هريرة" وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون"." وَآمِنُوا بِهِ" أي بالداعي، وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل:" بِهِ" أي بالله، لقوله:" يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ". قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا، فرجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوافقوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. مسألة- هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الامر والنهي والثواب والعقاب. وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله تعالى:" يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ". وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون

وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)

في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الانس. وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلي. وقد قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. قلت: قوله تعالى:" وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا" «1» [الانعام: 132] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة، لأنه قال في أول الآية:"امَعْشَرَ
«2»ْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي- إلى أن قال- وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا" [الانعام: 132- 130]. والله أعلم، وسيأتي لهذا في سورة" الرحمن" «3» مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

[سورة الأحقاف (46): آية 32]
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)
قوله تعالى:" وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ" أي لا يفوت الله ولا يسبقه" وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ" أي أنصار يمنعونه من عذاب الله." أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ".

[سورة الأحقاف (46): آية 33]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ" الرؤية هنا بمعنى العلم. و" أن" واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية." وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى " احتجاج على منكري البعث. ومعنى" لَمْ يَعْيَ" يعجز ويضعف عن إبداعهن. يقال: عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه، والإدغام أكثر. وتقول في الجمع عيوا، مخففا، وعيوا أيضا بالتشديد. قال:
__________
(1). آية 132 سورة الانعام.
(2). آية 130 سورة الانعام.
(3). راجع ج 17 ص 167.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)

عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامة «1»
وعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه. وأعياني هو. وقرا الحسن" ولم يعي" بكسر العين وإسكان الياء، وهو قليل شاذ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة، نحو غاية وآية. ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفراء، وهو قول الشاعر:
فكأنها بين النساء سبيكة ... تمشى بسدة «2» بيتها فتعي
" بِقادِرٍ" قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله:" وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً" «3» [النساء: 166]، وقوله:" تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ" «4» [المؤمنون: 20]. وقال الكسائي والفراء والزجاج: الباء فيه خلف الاستفهام والجحد في أول الكلام. قال الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد تقول: ما ظننت أن زيدا بقائم. ولا تقول: ظننت أن زيدا بقائم. وهو لدخول" ما" ودخول" أن" للتوكيد. والتقدير: أليس الله بقادر، كقوله تعالى:" أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ" «5» [يس: 81]. وقرا ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب" يقدر" واختاره أبو حاتم، لان دخول الباء في خبر" أن" قبيح. واختار أبو عبيد قراءة العامة، لأنها في قراءة عبد الله" خلق السموات والأرض قادر" بغير باء. والله أعلم.

[سورة الأحقاف (46): آية 34]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)
قوله تعالى:" وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ" أي ذكرهم يوم يعرضون فيقال لهم:" أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا" فيقول لهم المقرر:" فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" أي بكفركم.
__________
(1). البيت لعبيد بن الأبرص.
(2). السدة: الفناء.
(3). راجع ج 5 ص 287.
(4). آية 20 سورة المؤمنون.
(5). آية 81 سورة يس.

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)

[سورة الأحقاف (46): آية 35]
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35)
قوله تعالى:" فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ" وقال ابن عباس: ذوو الحزم والصبر، قال مجاهد: هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وهم أصحاب الشرائع. وقال أبو العالية: إن أولي العزم: نوح، وهود، وإبراهيم. فأمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم. وقال السدي: هم ستة «1»: إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله عليهم أجمعين. وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة" الأعراف والشعراء". وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه مدة. وإبراهيم صبر على النار. وإسحاق صبر على الذبح. ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر. ويوسف صبر على البئر والسجن. وأيوب صبر على الضر. وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم. وقال الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا: هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة. وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة" الانعام" «2» وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكرياء، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه:" أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ" «3» [الانعام: 90] وقال ابن عباس أيضا: كل الرسل كانوا أولي عزم. واختاره علي بن مهدي الطبري، قال: وإنما دخلت" من" للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز. أي اصبر كما صبر الرسل. وقيل: كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متي، ألا ترى أن
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ب ل ن. [.....]
(2). راجع ج 7 ص 35.
(3). آية 90 سورة الانعام.

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهي أن يكون مثله، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه، فابتلاه الله بثلاث: سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه، قاله أبو القاسم الحكيم. وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل، فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب. وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات، ومنهم من حرق بالنار. والله أعلم. وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، فأما إبراهيم فقيل له:" أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ" «1» [البقرة: 131] ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به. وأما موسى فعزمه حين قال له قومه:" إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ" «2» [الشعراء: 62- 61]. وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه عليها، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة وقال:" إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها". فكأن الله تعالى يقول لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اصبر، أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة، والأظهر أنها منسوخة، لان السورة مكية. وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد، فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه وتثبيتا له. والله أعلم." وَلا تَسْتَعْجِلْ" قال مقاتل: بالدعاء
__________
(1). آية 131 سورة البقرة.
(2). آية 61 سورة الشعراء.

عليهم. وقيل: في إحلال العذاب «1» بهم، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة. ومفعول الاستعجال محذوف، وهو العذاب." كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ" قال يحيى: من العذاب. النقاش: من الآخرة." لَمْ يَلْبَثُوا" أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب، وهو مقتضى قول يحيى. وقال النقاش: في قبورهم حتى بعثوا للحساب." إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ" يعني في جنب يوم القيامة. وقيل: نساهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا. ثم قال:" بَلاغٌ" أي هذا القرآن بلاغ، قاله الحسن. ف" بَلاغٌ" رفع على إضمار مبتدأ، دليله قوله تعالى:" هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ" «2» [إبراهيم: 52]، وقوله:" إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ" «3» [الأنبياء: 106]. والبلاغ بمعنى التبليغ. وقيل: أي إن ذلك اللبث بلاغ، قاله ابن عيسى، فيوقف على هذا على" بلاغ" وعلى" نهار". وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على" وَلا تَسْتَعْجِلْ" ثم ابتدأ" لَهُمْ" على معنى لهم بلاغ. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام،- وهي رافعة- بشيء ليس منهما. ويجوز في العربية: بلاغا وبلاغ، النصب على معنى إلا ساعة بلاغا، على المصدر أو على النعت للساعة. والخفض على معنى من نهار بلاغ. وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن. وروي عن بعض القراء" بلغ" على الامر، فعلى هذه القراءة يكون الوقف على" مِنْ نَهارٍ" ثم يبتدئ" بَلاغٌ"." فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ" أي الخارجون عن أمر الله، قاله ابن عباس وغيره. وقرا ابن محيصن" فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ" على إسناد الفعل إلى القوم. وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم" كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً «4» أَوْ ضُحاها" [النازعات: 46]." كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون" صدق الله العظيم. وعن قتادة: لا يهلك الله»
إلا هالك مشرك «6». وقيل: هذه أقوى آية في الرجاء. والله أعلم.
__________
(1). في ب ك ل: العقاب.
(2). آخر سورة إبراهيم.
(3). آية 106 سورة الأنبياء.
(4). آخر سورة النازعات.
(5). لفظ الجلالة ساقط من ب ك ل.
(6). في تفسير الطبري:" تعلموا ما يهلك على الله الا هالك ولي الإسلام ظهره، أو منافق صدق بلسانه وخالف بعمله".

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)

[تفسير سورة محمد]
سورة القتال، وهي سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدنية في قول ابن عباس، ذكره النحاس. وقال الماوردي: في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا: إلا آية منها نزلت عليه بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا عليه، فنزل عليه" وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ" «1» [محمد: 13]. وقال الثعلبي: إنها مكية، وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك وسعيد ابن جبير. وهي تسع وثلاثون آية «2». وقيل ثمان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة محمد (47): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (1)
قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، وقاله السدي. وقال الضحاك:" عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى" أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجعل الدائرة عليهم، قاله الضحاك. وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم، من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، والحارث ابن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.

[سورة محمد (47): آية 2]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (2)
__________
(1). آية 13
(2). من ب ل ن.

قوله تعالى:" وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ" قال ابن عباس ومجاهد: هم الأنصار. وقال مقاتل: إنها نزلت خاصة في ناس من قريش. وقيل: هما عامتان فيمن كفروا وآمن. ومعنى" أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" أبطلها. وقيل: أضلهم عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق." وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" من قال إنهم الأنصار فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم. ومن قال إنهم من قريش فهي الهجرة. ومن قال بالعموم فالصالحات جميع الأعمال التي ترضي الله تعالى." وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ" لم يخالفوه في شي، قاله سفيان الثوري. وقيل: صدقوا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما جاء به." وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ" يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم. وقيل: أي إن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما قبله" كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ" أي ما مضى من سيئاتهم قبل الايمان." وَأَصْلَحَ بالَهُمْ" أي شأنهم، عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. ابن عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم، ومنه قول الشاعر:
فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ... وإن تدبري أذهب إلى حال باليا
وهو على هذا التأول محمول على صلاح دينهم." والبال" كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر فيقولون فيه: بالات. المبرد: قد يكون البال في موضع آخر بمعنى القلب، يقال: ما يخطر فلان على بالي، أي على قلبي. الجوهري: والبال رخاء النفس، «1» يقال فلان رخي البال. والبال: الحال، يقال ما بالك. وقولهم: ليس هذا من بالي، أي مما أباليه. والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر، وليس بعربي. والبالة: وعاء الطيب، فارسي معرب، وأصله بالفارسية پيلة. قال أبو ذؤيب:
كأن عليها بالة لطمية ... لها من خلال الدأيتين أريج «2»
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ك.
(2). اللطمية: العنبرة التي لطمت بالمسك فتفتقت به حتى نشبت رائحتها. والداي: فقر الكاهل والظهر. [.....]

ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)

[سورة محمد (47): آية 3]
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3)
قوله تعالى:" ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ"" ذلك" في موضع رفع، أي الامر ذلك، أو ذلك الإضلال والهدى المتقدم ذكرهما سببه هذا. فالكافر اتبع الباطل، والمؤمن اتبع الحق. والباطل: الشرك. والحق: التوحيد والايمان." كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ" أي كهذا البيان الذي بين يبين الله للناس أمر الحسنات والسيئات. والضمير في" أَمْثالَهُمْ" يرجع إلى الذين كفروا والذين آمنوا.

[سورة محمد (47): آية 4]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى:" فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ" لما ميز بين الفريقين أمر بجهاد الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة الأوثان. وقيل: كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، ذكره الماوردي. واختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه." فَضَرْبَ الرِّقابِ" مصدر. قال الزجاج أي فاضربوا الرقاب ضربا. وخص الرقاب بالذكر لان القتل أكثر ما يكون بها. وقيل: نصب على الإغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولك يا نفس صبرا. وقيل: التقدير

اقصدوا ضرب الرقاب. وقال:" فَضَرْبَ الرِّقابِ" ولم يقل فاقتلوهم، لان في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره، وهو حز العنق «1» وأطاره العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. الثانية- قوله تعالى:" حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ" أي أكثرتم القتل. وقد مضى في" الأنفال" عند قوله تعالى:" حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ" «2» [الأنفال: 67]." فَشُدُّوا الْوَثاقَ" أي إذا أسرتموهم. والوثاق اسم من الايثاق، وقد يكون مصدرا، يقال: أوثقته إيثاقا ووثاقا. وأما الوثاق (بالكسر) فهو اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط، قاله القشيري. وقال الجوهري: وأوثقه في الوثاق أي شده، وقال تعالى:" فَشُدُّوا الْوَثاقَ". والوثاق (بكسر الواو) لغة فيه. وإنما أمر بشد الوثاق لئلا يفلتوا." فَإِمَّا مَنًّا" عليهم بالإطلاق من غير فدية" وَإِمَّا فِداءً". ولم يذكر القتل ها هنا اكتفاء بما تقدم من القتل في صدر الكلام، و" مَنًّا" و" فِداءً" نصب بإضمار فعل. وقرى" فدى" بالقصر مع فتح الفاء، أي فإما أن تمنوا عليهم منا، وإما أن تفادوهم فداء. روي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولم ذلك؟ قال: لان الله تعالى قال" فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" في حق الذين كفروا، فوالله! ما مننت ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
فقال الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام!؟ خلوا سبيل من بقي. فخلي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل.
__________
(1). في ح ل: جز العنق بالجيم.
(2). راجع ج 8 ص 45 وما بعدها.

الثالثة- واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: الأول- أنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم. والناسخ لها عندهم قوله تعالى:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" «1» [التوبة: 5] وقوله:" فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ" «2» [الأنفال: 57] وقوله:" وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً" «3» [التوبة: 36] الآية، قاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين. وقال عبد الكريم الجوزي: كتب إلى أبي بكر في أسير أسر، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال: اقتلوه، لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا. الثاني- أنها في الكفار جميعا. وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء واهل النظر، منهم قتادة ومجاهد. قالوا: إذ أسر المشرك لم يجز أن يمن عليه، ولا أن يفادى به فيرد إلى المشركين، ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة، لأنها لا تقتل. والناسخ لها" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" [التوبة: 5] إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه الجزية. وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين. ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" قال نسخها" فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ". وقال مجاهد: نسخها" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" [التوبة: 5]. وهو قول الحكم. الثالث- أنها ناسخة، قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جويبر عن الضحاك" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" [التوبة: 5] قال نسخها" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً". وقال ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى، كما قال الله عز وجل. قال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً". وقال الحسن أيضا: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال:" حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ".
__________
(1). آية 5 سورة التوبة.
(2). آية 57 سورة الأنفال.
(3). آية 36 سورة التوبة.

وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله، لكنه بالخيار في ثلاثة منازل: إما أن يمن، أو يفادي، أو يسترق. الرابع- قول سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله تعالى:" ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ" «1» [الأنفال: 67]. فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره. الخامس- أن الآية محكمة، والامام مخير في كل حال، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. وهو الاختيار، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك، قتل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا، وفادى سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده، واخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين، وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن عليهم، وقد من على سبي هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في (الأنفال) «2» وغيرها. قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن، لان النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمن، على ما فيه الصلاح للمسلمين. وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد، وحكاه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدمناه، وبالله عز وجل التوفيق. الرابعة- قوله تعالى:" حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها" قال مجاهد وابن جبير: هو خروج عيسى عليه السلام. وعن مجاهد أيضا: أن المعنى حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب. ونحوه
__________
(1). آية 67 سورة الأنفال.
(2). راجع ج 8 ص 45 وما بعدها.

عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي. قال الكسائي: حتى يسلم الخلق. وقال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدين كله. وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. وقيل: معنى الأوزار السلاح، فالمعنى شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح. وقيل: معناه حتى تضع الحرب، أي الاعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. ويقال للكراع أوزار. قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا
ومن نسج داود يحدى بها ... على أثر الحي عيرا فعيرا «1»
وقيل:" حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها" أي أثقالها. والوزر الثقل، ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال. وأثقالها السلاح لثقل حملها. قال ابن العربي: قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير، المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، وليس للإمام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرا إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله، وقرا" حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق". قلنا: قد قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفعله، وليس في تفسير الله للمن والفداء منع من غيره، فقد بين الله في الزنى حكم الجلد، وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم الرجم، ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم". قوله تعالى:" ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ"" ذلك" في موضع رفع على ما تقدم، أي الامر ذلك الذي ذكرت وبينت. وقيل: هو منصوب على معنى افعلوا ذلك. ويجوز أن يكون مبتدأ، المعنى ذلك حكم الكفار. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، وهو كما قال تعالى:" هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ" «2» [ص: 55]. أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا. ومعنى" لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ" أي أهلكهم بغير قتال. وقال
__________
(1). هذه رواية البيت في الأصول. وروايته في كتاب" الاعشين":
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا
والموضونة: الدرع المنسوجة. وفي شعراء النصرانية:
... على أثر العيس ...

(2). آية 55 سورة ص.

سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)

ابن عباس: لأهلكهم بجند من الملائكة." وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ" أي أمركم بالحرب ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين، كما في السورة نفسها." وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" يريد قتلى أحد من المؤمنين" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ" قراءة العامة" قاتلوا" وهي اختيار أبي عبيد. وقرا أبو عمرو وحفص" قتلوا" بضم القاف وكسر التاء، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدد التاء على التكثير. وقرا الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة" قتلوا" بفتح القاف والتاء من غير ألف، يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: اعل هبل. ونادى المسلمون: الله أعلى وأجل. وقال المشركون: يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون). فقال المشركون: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وقد تقدم ذكر ذلك في (آل عمران) «1».

[سورة محمد (47): آية 5]
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5)
قال القشيري: قراءة أبي عمرو" قتلوا" بعيدة، لقوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ" والمقتول لا يوصف بهذا. قال غيره: يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم، أي يحقق لهم الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر. قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، ومن ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ. ومنه قوله تعالى:" فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ" «2» [الصافات: 23] معناه فاسلكوا بهم إليها.

[سورة محمد (47): آية 6]
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6)
__________
(1). راجع ج 4 ص (234)
(2). آية 23 سورة الصافات.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)

أي إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا «1» إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار] فيقص لبعضهم من بعض مظالم [كانت بينهم في الدنيا «2» [حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة] منه «3» [بمنزله في الدنيا (. وقيل:" عَرَّفَها لَهُمْ" أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. قال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل: فيه حذف، أي عرف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم، فحذف المضاف. وقيل: هذا التعريف بدليل، وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله، ويعرفه الملك جميع ما جعل له في الجنة. وحديث أبي سعيد الخدري يرده. وقال ابن عباس" عَرَّفَها لَهُمْ" أي طيبها لهم بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة الطيبة. وطعام معرف أي مطيب، تقول العرب: عرفت القدر إذا طيبتها بالملح والأبزار. وقال الشاعر يخاطب رجلا ويمدحه:
عرفت كاتب عرفته اللطائم «4»

يقول: كما عرف الاتب، وهو البقير والبقيرة، وهو قميص لا كمين له تلبسه النساء. وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، يقال: حرير معرف، أي بعضه على بعض، وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس. وقيل:" عَرَّفَها لَهُمْ" أي وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم إظهارا لكرامتهم فيها. وقيل: عرف المطيعين أنها لهم.

[سورة محمد (47): آية 7]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7)
__________
(1). في أز ل: تقربوا.
(2). زيادة عن صحيح البخاري.
(3). زيادة عن صحيح البخاري. [.....]
(4). اللطائم (جمع لطيمة): قطعة مسك.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)

قوله تعالى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ" أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار. نظيره" وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ" [الحج: 40] وقد تقدم «1». وقال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم الله، والمعنى واحد." وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ" أي عند القتال. وقيل على الإسلام. وقيل على الصراط. وقيل: المراد تثبيت القلوب بالأمن، فيكون تثبيت الاقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب. وقد مضى في" الأنفال" «2» هذا المعنى. وقال هناك:" إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا" «3» [الأنفال: 12] فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا «4»، كقوله تعالى:" قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ" «5» [السجدة: 11] ثم نفاها بقوله:" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ" «6» [الروم: 40]." الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ" «7» [الملك: 2] ومثله كثير، فلا فاعل إلا الله وحده.

[سورة محمد (47): آية 8]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8)
قوله تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا" يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره" فَتَعْساً لَهُمْ" كأنه قال: أتعس الذين كفروا. و" تعسا لهم" نصب على المصدر بسبيل الدعاء، قاله الفراء، مثل سقيا له ورعيا. وهو نقيض لعا «8» له. قال الأعشى:
فالتعس أولى لها من أن أقول لعا «9»

وفية عشرة أقوال: الأول- بعدا لهم، قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني- حزنا لهم، قاله السدي. الثالث- شقاء لهم، قاله ابن زيد. الرابع- شتما لهم من الله، قاله الحسن. الخامس- هلاكا لهم، قاله ثعلب. السادس- خيبة لهم، قاله الضحاك وابن زيد. السابع- قبحا لهم، حكاه النقاش. الثامن- رغما لهم، قاله الضحاك أيضا. التاسع-
__________
(1). راجع ج 12 ص (72)
(2). راجع ج 7 ص (371 377)
(3). راجع ج 7 ص (371 377)
(4). ما بين المربعين ساقط من ز ك ل.
(5). آية 11 سورة السجدة.
(6). آية 40 سورة الروم.
(7). آية 2 سورة الملك.
(8). لعا: كلمة يدعى بها للعاثر معناه الارتفاع.
(9). في اللسان وكتاب الاعشين:" أدنى" بدل" أولى". وصدره:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت

واللوث (بالفتح): القوة". عفرناة: قرية.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)

شرا لهم، قاله ثعلب أيضا. العاشر- شقوة لهم، قاله أبو العالية. وقيل: إن التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه. والنكس أن يخر على رأسه. قال: والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري: وأصله الكب، وهو ضد الانتعاش. وقد تعس (بفتح العين) يتعس تعسا، وأتعسه الله. قال مجمع بن هلال:
تقول وقد أفردتها من خليلها ... تعست كما أتعستني يا مجمع
يقال: تعسا لفلان، أي ألزمه الله هلاكا. قال القشيري: وجوز قوم تعس (بكسر العين). قلت: ومنه حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة «1» إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض" خرجه البخاري. في بعض طرق هذا الحديث" تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" «2» خرجه ابن ماجة. قوله تعالى:" وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان. ودخلت الفاء في قوله فَتَعْساً" لأجل الإبهام الذي في" الَّذِينَ"، وجاء" وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ" على الخبر حملا على لفظ الذين، لأنه خبر في اللفظ، فدخول الفاء حملا على المعنى، وأضل حملا على اللفظ.

[سورة محمد (47): آية 9]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9)
أي ذلك الإضلال والاتعاس، لأنهم" كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ" من الكتب والشرائع." فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ" أي ما لهم من صور الخيرات، كعمارة المسجد وقرى الضيف وأصناف القرب، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن. وقيل: أحبط أعمالهم أي عبادة الصنم.

[سورة محمد (47): آية 10]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (10)
__________
(1). القطيفة: دثار. والخميصة: كساء أسود مربع له أعلام وخطوط.
(2). قوله" شيك" أي أصابته شوكة. و" فلا انتقش" أي فلا خرجت شوكته بالمنقاش.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)

بين أحوال المؤمن والكافر تنبيها على وجوب الايمان، ثم وصل هذا بالنظر، أي ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم" فَيَنْظُرُوا" بقلوبهم" كَيْفَ كانَ" آخر أمر الكافرين قبلهم." دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" أي أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمره تدميرا، ودمر عليه بمعنى. ثم تواعد مشركي مكة فقال" وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها" أي أمثال هذه الفعلة، يعني التدمير. وقال الزجاج والطبري: الهاء تعود على العاقبة، أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا.

[سورة محمد (47): آية 11]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11)
أي وليهم وناصرهم. وفي حرف ابن مسعود" ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا". فالمولى: الناصر ها هنا، قاله ابن عباس وغيره. قال:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها»
قال قتادة: نزلت يوم أحد والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشعب، إذ صاح المشركون: يوم بيوم، لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] قولوا الله مولانا ولا مولى لكم [وقد تقدم «2»." وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ" أي لا ينصرهم أحد من الله.

[سورة محمد (47): آية 12]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (12)
__________
(1). البيت من معلقة لبيد. ويروى" فعدت" بالعين المهملة. أخبر أنها (أي البقرة) خائفة من كلا جانبيها من خلفها وأمامها. والفرج: الواسع من الأرض. والفرج: الثغر المخوف، وهو موضع المخافة.
(2). راجع ص 230 من هذا الجزء. [.....]

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)

قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ" تقدم في غير موضع" وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ" في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع." وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ" أي مقام ومنزل.

[سورة محمد (47): آية 13]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (13)
قوله تعالى:" وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ" تقدم الكلام في" كأين" في (آل عمران) «1». وهي ها هنا بمعنى كم، أي وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول لبيد:
وكائن رأينا من ملوك وسوقة ... ومفت