الاثنين، 27 يونيو 2022

2تفسير القرطبي25. و26.

 

: الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي25.
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

وعطف ما ليس بظرف على الظرف، لان معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف. والمعنى يسعى كائنا (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وكائنا (بِأَيْمانِهِمْ)، وليس قوله: (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) متعلقا بنفس (يَسْعى ). وقيل: أراد بالنور القرآن. وعن ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد أخرى. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن من المؤمنين من يضئ نوره كما بين المدينة وعدن أو ما بين المدينة وصنعاء ودون ذلك حتى يكون منهم من لا يضئ نوره إلا موضع قدميه) قال الحسن: ليستضيئوا به على الصراط كما تقدم. وقال مقاتل: ليكون دليلا لهم إلى الجنة. والله أعلم. قوله تعالى: (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) التقدير يقال لهم: (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ) دخول جنات. ولا بد من تقدير حذف المضاف، لان البشرى حدث، والجنة عين فلا تكون هي هي. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها. (خالِدِينَ فِيها) حال من الدخول المحذوف، التقدير (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ) دخول جنات (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) مقدرين الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم، لان فيه فصلا بين الصلة والموصول. ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى، كأنه قال: تبشرون خالدين. ويجوز أن يكون الظرف الذي هو (الْيَوْمَ) خبرا عن (بُشْراكُمُ) و(جَنَّاتٌ) بدلا من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم. و(خالِدِينَ) حال حسب ما تقدم. وأجاز الفراء نصب (جَنَّاتٌ) على الحال على أن يكون (الْيَوْمَ) خبرا عن (بُشْراكُمُ) وهو بعيد، إذ ليس في (جَنَّاتٌ) معنى الفعل. وأجاز أن يكون (بُشْراكُمُ) نصبا على معنى يبشرونهم بشرى وينصب (جَنَّاتٌ) بالبشرى وفية تفرقة بين الصلة والموصول.

يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)

[سورة الحديد (57): الآيات 13 الى 15]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (13) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)
قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ) العامل في (يَوْمَ) (ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .. وقيل: هو بد ل من اليوم الأول. (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ) قراءة العامة بوصل الالف مضمومة الظاء من نظر، والنظر الانتظار أي انتظرونا. وقرا الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب (انْظُرُونا) بقطع الالف وكسر الظاء من الانظار. أي أمهلونا وأخرونا، أنظرته أخرته، واستنظرته أي استمهلته. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني انتظرني، وأنشد لعمرو بن كلثوم:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
أي انتظرنا. (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) أي نستضئ من نوركم. قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة- قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء- ثم يعطون نورا يمشون فيه. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، دليله قوله تعالى: (وَهُوَ خادِعُهُمْ)
«1». وقيل: إنما يعطون النور، لان جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه، قاله ابن عباس. وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور. وقال الكلبي: بل يستضئ المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فبينما هم يمشون
__________
(1). راجع ج 5 ص 421.

إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قوله تعالى: (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) «1» يقوله المؤمنون، خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ). (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ) أي قالت لهم الملائكة (ارْجِعُوا). وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم (ارْجِعُوا وَراءَكُمْ) إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ). وقيل: أي هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا. (بِسُورٍ) أي سور، والباء صلة. قال الكسائي. والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني ما يلي منه المؤمنين (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني جهنم. ونحوه عن ابن عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رأى جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني الجنة (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني جهنم. وقال مجاهد: إنه حجاب كما في (الأعراف) وقد مضى القول فيه «2». وقد قل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. قوله تعالى: (يُنادُونَهُمْ) أي ينادي المنافقون المؤمنين (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون، ونغزوا مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون (قالُوا بَلى ) أي يقول المؤمنون (بَلى ) قد كنتم معنا في الظاهر (وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي استعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. وقيل: بالمعاصي، قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات،
__________
(1). راجع ج 7 ص 211
(2). راجع ج 7 ص 211

رواه أبو نمير الهمداني. (وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ) أي (تَرَبَّصْتُمْ) بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: (تَرَبَّصْتُمْ) بالتوبة (وَارْتَبْتُمْ) أي شككتم في التوحيد والنبوة (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ) أي الأباطيل. وقيل: طول الأمل. وقيل: هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال قتادة: الأماني هنا خدع الشيطان. وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس «1». وقال أبو سنان: هو قولهم سيغفر لنا. وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة. (حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ) يعني الموت. وقيل: نصرة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. (وَغَرَّكُمْ) أي خدعكم (بِاللَّهِ الْغَرُورُ) أي الشيطان، قاله عكرمة. وقيل: الدنيا، قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل. وجاء (الْغَرُورُ) على لفظ المبالغة للكثرة. وقرا أبو حيوة ومحمد بن السميقع وسماك بن حرب (الغرور) بضم الغين يعني الأباطيل وهو مصدر. وعن ابن عباس: أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خط لنا خطوطا، وخط منها خطا ناحية فقال: (أتدرون ما هذا هذا مثل ابن آدم ومثل التمني وتلك الخطوط الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت (. وعن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطا مربعا، وخط وسطه خطا وجعله خارجا منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطا صغارا فقال: (هذا ابن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار الاعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا (. قوله تعالى:) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) أيها المنافقون (وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) إياسهم من النجاة. وقراءة العامة (يُؤْخَذُ) بالياء، لان التأنيث غير. حقيقي، ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل. وقرا ابن عامر ويعقوب (تؤخذ) بالتاء وأختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية. والأول
__________
(1). في ب، ز، س، ل، هـ: (عبد الله بن عياش).

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)

اختيار أبي عبيد، أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى. (مَأْواكُمُ النَّارُ) أي مقامكم ومنزلكم (هِيَ مَوْلاكُمْ) أي أولى بكم، والمولى من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن كان ملازما للشيء. وقيل: أي النار تملك أمرهم، بمعنى أن الله تبارك وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ «1» مَزِيدٍ). (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي ساءت مرجعا ومصيرا.

[سورة الحديد (57): الآيات 16 الى 17]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)
قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي يقرب ويحين، قال الشاعر:
ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا
وماضيه أنى بالقصر يأنى. ويقال: آن لك- بالمد- أن تفعل كذا يئين أينا أي حان، مثل أنى لك وهو مقلوب منه. وأنشد ابن السكيت:
ألما يئن لي أن تجلى عمايتي ... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا
فجمع بين اللغتين. وقرا الحسن (ألما يأن) واصلها (ألم) زيدت (ما) فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا، و(لم) نفي لقوله: كان كذا. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) إلا أربع سنين. قال الخليل: العتاب مخاطبة الا دلال ومذاكرة الموجدة، تقول عاتبته معاتبة (أَنْ تَخْشَعَ) أي تذل وتلين (قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
__________
(1). راجع ص 18 من هذا الجزء.

روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله يستبطئكم بالخشوع) فقالوا عند ذلك: خشعنا. وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت: (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ «1» الْمُبِينِ) إلى قوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) الآية، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول فنزلت: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان. قال السدي وغيره: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) بالظاهر وأسروا الكفر (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ). وقيل: نزلت في المؤمنين. قال سعد: قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ) فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا فنزل: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ «2» الْحَدِيثِ) فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) ونحوه عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟ قال الحسن: استبطأهم وهم أحب خلقه إليه. وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم. قوله تعالى: (وَلا يَكُونُوا) أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفا على (أَنْ تَخْشَعَ). وقيل: مجزوم على النهي، مجازه ولا يكونن، ودليل هذا التأويل رواية رويس عن يعقوب (لا تكونوا) بالتاء، وهي قراءة عيسى وابن اسحق. يقول: لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى، أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم. قال ابن مسعود: إن بني إسرائيل
__________
(1). راجع ج 9 ص 118.
(2). راجع ج 15 ص 248. [.....]

لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم وإلا فاقتلوهم. ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أبى قتلناه فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في [قرن وعلقه «1» في ] عنقه ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنت بهذا يعني المعلق على صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذي القرن. قال عبد الله: ومن يعش منكم فسيرى منكرا، وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وقال مقاتل بن حيان «2»: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطئوا بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم. وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى. ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآمنوا به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فسقهم الله. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا. وذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها- أو قال في ذنوبكم- كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وهذه الآية (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله
__________
(1). الزيادة من تفسير الطبري.
(2). في بعض التفاسير: مقاتل بن سليمان وهو المفسر.

تعالى. ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان القلانسي قال: حدثنا أبو محمد الحسن ابن رشيق، قال حدثنا علي بن يعقوب الزيات، قال حدثنا إبراهيم بن هشام، قال حدثنا زكريا ابن أبي أبان، قال حدثنا الليث بن الحرث قال حدثنا الحسن بن داهر، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوما مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين «1» السحر، وأراد سنان يغني، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان- يعني العود الذي بيده- ويقول: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) قلت: بلى والله! وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي وتشميري. وبلغنا عن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود:
ألم يأن لي منك أن ترحما ... وتعص العواذل واللوما
وترثي لصب بكم مغرم ... أقام على هجركم مأتما
يبيت إذا جنه ليله ... يراعي الكواكب والانجما
وماذا على الظبي لو أنه ... أحل من الوصل ما حرما
وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) فرجع القهقرى وهو يقول: بلى والله قد آن فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعه من السابلة، وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلا يقطع الطريق. فقال الفضيل: أواه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام.
__________
(1). هكذا في الأصول ولم نقف عليها بعد البحث.

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)

قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) أي (يُحْيِ الْأَرْضَ) الجدبة (بَعْدَ مَوْتِها) بالمطر. وقال صالح المري: المعنى يلين القلوب بعد قساوتها. وقال جعفر ابن محمد: يحييها بالعدل بعد الجور. وقيل: المعنى فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الايمان بعد موته بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيي الله الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه. (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه لمحيي الموتى.

[سورة الحديد (57): الآيات 18 الى 19]
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (19)
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ) قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي المصدقين بما أنزل الله تعالى. الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغمت التاء في الصاد، وكذلك في مصحف أبى. وهو حث على الصدقات، ولهذا قال: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) بالصدقة والنفقة في سبيل الله. قال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا. وإنما عطف بالفعل على الاسم، لان ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي إن الذين صدقوا وأقرضوا (يُضاعَفُ لَهُمْ) أمثالها. وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله. وقرا الأعمش (يضاعفه) بكسر العين وزيادة هاء. وقرا ابن كثير وابن عامر ويعقوب (يضعف) بفتح العين وتشديدها. (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) يعني الجنة.

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) أختلف في (الشُّهَداءُ) هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به. فقال مجاهد وزيد ابن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون وأنه متصل، وروي معناه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يوقف على هذا على قوله: (الصِّدِّيقُونَ) وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية. قال القشيري قال الله تعالى: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) «1» فالصديقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصديقين، والصالحون يتلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل، أعني (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ). ويكون المعنى بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)»
وروي عن ابن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصديقين. فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله: (الصِّدِّيقُونَ) حسن. والمعنى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) أي لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. وفيهم قولان أحدهما- أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب، قاله الكلبي، ودليله قوله تعالى: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ «3» شَهِيداً). الثاني- أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما- أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية. وهذا معنى قول مجاهد. الثاني- يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم، قاله الكلبي. وقال مقاتل قولا ثالثا: إنهم القتلى في سبيل الله تعالى. ونحوه عن ابن عباس أيضا قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو الابتداء. والصديقون على هذا القول مقطوع من الشهداء.
__________
(1). راجع ج 5 ص 271. وص 197.
(2). (أنعما) أي زادا وفضلا. وقيل معناه: صارا إلى النعيم ودخلا فيه.
(3). راجع ج 5 ص 271. وص 197.

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)

وقد أختلف في تعيينهم، فقال الضحاك: هم ثمانية نفر، أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، ألحقه الله بهم لما صدق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال مقاتل بن حيان: الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر الصديق، وأصحاب الأخدود. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) أي بالرسل والمعجزات (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) فلا أجر لهم ولا نور.

[سورة الحديد (57): الآيات 20 الى 21]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (20) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)
قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من القتل، وخوفا من لزوم الموت، فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى. و(ما) صلة تقديره: اعلموا أن الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي. وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. وقيل: إنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد: كل لعب لهو. وقد مضى هذا المعنى

في (الانعام) «1» وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة، أي شغل عنها. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء. (وَزِينَةٌ) الزينة ما يتزين به، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله. (وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ) أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب) الحديث. وقد تقدم جميع هذا. (وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) لان عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالايمان والطاعة. قال بعض المتأخرين: (لَعِبٌ) كلعب الصبيان (وَلَهْوٌ) كلهو الفتيان (وَزِينَةٌ) كزينة النسوان (وَتَفاخُرٌ) كتفاخر الاقران (وَتَكاثُرٌ) كتكاثر الدهقان «2». وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء. وعن علي رضي الله عنه قال لعمار: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال: (كَمَثَلِ غَيْثٍ) أي مطر (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ) الكفار هنا: الزراع لأنهم يغطون البذر «3». والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل في (يونس) «4» و(الكهف) «5». وقيل:
__________
(1). راجع ج 6 ص (414)
(2). الدهقان- بكسر الدال وضمها-: التاجر، فارسي معرب.
(3). مأخوذ من الكفر- بفتح الكاف- وهو التغطية.
(4). راجع ج 8 ص (327)
(5). راجع ج 10 ص 412

الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين. وهذا قول حسن، فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع على الصفة. (ثُمَّ يَهِيجُ) أي يجف بعد خضرته (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أي متغيرا عما كان عليه من النضرة. (ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ) أي للكافرين. والوقف عليه حسن، ويبتدئ (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ) أي للمؤمنين. وقال الفراء: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ) تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على (شَدِيدٌ). (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) هذا تأكيد ما سبق، أي تغر الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، وترغيبا في العمل للآخرة. قوله تعالى: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة، لأنها تؤدي إلى المغفرة، قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الاولى مع الامام، قال مكحول. وقيل: الصف الأول. (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن: يعني جميع السموات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ابن كيسان: عني به جنة واحدة من الجنات. والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله. قال:
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
وقد مضى هذا كله في (آل عمران) «1». وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)
__________
(1). راجع ج 4 ص 204

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) شرط الايمان لا غير، وفية تقوية الرجاء. وقد قيل: شرط الايمان هنا وزاد عليه في (آل عمران) «1» فقال: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) أي أن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا في (الأعراف) «2» وغيرها. (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

[سورة الحديد (57): الآيات 22 الى 24]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)
قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ) قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار. وقيل: الجوائح في الزرع. (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) بالاوصاب والاسقام، قاله قتادة. وقيل: إقامة الحدود، قاله ابن حيان. وقيل: ضيق المعاش، وهذا معنى رواه ابن جريج. (إِلَّا فِي كِتابٍ) يعني في اللوح المحفوظ. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) الضمير في (نَبْرَأَها) عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. وقال ابن عباس: من قبل أن يخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض والنفس. (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أي خلق ذلك وحفظ جميعه (عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) هين. قال الربيع بن صالح: لما أخذ سعيد ابن جبير رضي الله عنه بكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب
__________
(1). راجع ج 4 ص (206)
(2). راجع ج 7 ص 209 [.....]

إليه. قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) الآية. وقال ابن عباس: لما خلق الله القلم قال له اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولقد ترك لهذه الآية جماعة من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكلا عليه، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها). وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما قبل، وهو أن الله سبحانه هون عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له، وإنما على المرء امتثال الامر، ثم أدبهم فقال هذا: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ) أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه. وعن ابن مسعود أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه) ثم قرأ (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ) إي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) أي من الدنيا، قاله ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب. وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا. والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى مالا يجوز، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ «1» فَخُورٍ) أي متكبر بما أوتى من الدنيا، فخور به على الناس. وقراءة العامة (آتاكُمْ) بمد الالف أي أعطاكم من الدنيا. وأختاره أبو حاتم. وقرا أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو (أتاكم) بقصر الالف واختاره أبو عبيد. أي جاءكم، وهو معادل ل (فاتَكُمْ) ولهذا لم يقل أفاتكم. قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل لبرز جمهر: أيها الحكيم! مالك لا تحزن على ما فات،
__________
(1). راجع ج 14 ص 69.

ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لان الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة. وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى: الدنيا مبيد ومفيد، فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد آذن بالرحيل. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شرك خفي. والفخور بمنزلة المصراة تشد أخلافها ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم المشتري أن ذلك معتاد وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع فهو الفخور. قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) أي لا يحب المختالين (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) ف (الَّذِينَ) في موضع خفض نعتا للمختال. وقيل: رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غني عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم «1»، قاله السدي والكلبي. وقال سعيد بن جبير: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) يعني بالعلم (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي بألا يعلموا الناس شيئا. زيد بن أسلم: إنه البخل بأداء حق الله عز وجل. وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق، قاله عامر بن عبد الله الأشعري. وقال طاوس: إنه البخل بما في يديه. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين: أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك. والسخي الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني- أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير سؤال. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) أي عن الايمان (فَإِنَّ اللَّهَ) غني عنه. ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني عنهم. وقراءة العامة (بِالْبُخْلِ) بضم الباء وسكون الخاء. وقرا أنس وعبيد بن عمير ويحيى ابن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائي (بالبخل) بفتحتين وهى لغة الأنصار. وقرا أبو العالية وابن السميقع (بالبخل) بفتح الباء واسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم (البخل) بضمتين وكلها لغات مشهورة. وقد تقدم الفرق بين البخل والشح في آخر (آل عمران) «2».
__________ (1). يريد ما يأكلونه من الناس باسم الدين من الأموال.
(2). راجع ج 4 ص 293

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)

وقرا نافع وابن عامر (فإن الله الغني الحميد) بغير (هُوَ). والباقون (هُوَ الْغَنِيُّ) على أن يكون فصلا. ويجوز أن يكون مبتدأ و(الْغَنِيُّ) خبره والجملة خبر إن. ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا، لان حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ.

[سورة الحديد (57): الآيات 25 الى 26]
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26)
قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ) أي بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة. وقيل: الإخلاص لله تعالى في العبادة، واقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بذلك دعت الرسل: نوح فمن دونه إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ) أي الكتب، أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم (وَالْمِيزانَ) قال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل في معاملاتهم. وقوله: (بِالْقِسْطِ) يدل على أنه أراد الميزان المعروف. وقال قوم: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب:
علفتها تبنا وماء باردا

ويدل على هذا قوله تعالى: (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ) ثم قال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) وقد مضى القول فيه «1». (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد
__________
(1). راجع ص 154 من هذا الجزء.

والنار والماء والملح (. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام: الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وحكاه القشيري قال: والميقعة ما يحدد به، يقال وقعت الحديدة أقعها أي حددتها. وفي الصحاح: والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصار التي يدق عليها، والمطرقة والمسن الطويل. وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) أي لإهراق الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء، لأنه يوم جرى فيه الدم. وروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم). وقيل: (أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) أي أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) «1» وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) يعني السلاح والكراع والجنة. وقيل: أي فيه من خشية القتل خوف شديد. (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) قال مجاهد: يعني جنة. وقيل: يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء، ليتعامل الناس بالحق، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) وليرى الله من ينصر دينه (وَ) ينصر (رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) قال ابن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم (بِالْغَيْبِ) أي وهم لا يرونهم. (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (قَوِيٌّ) في أخذه (عَزِيزٌ) أي منيع غالب. وقد تقدم. وقيل: (بِالْغَيْبِ) بالإخلاص.
__________
(1). راجع ج 15 ص 235

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ) فصل ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم وجعل النبوة في نسلهما (وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمما يتلون الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم (فَمِنْهُمْ) أي من ائتم بإبراهيم ونوح (مُهْتَدٍ). وقيل: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ) أي من ذريتهما مهتدون. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) كافرون خارجون عن الطاعة.

[سورة الحديد (57): آية 27]
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنا) أي اتبعنا (عَلى آثارِهِمْ) أي على آثار الذرية. وقيل: على آثار نوح وإبراهيم (بِرُسُلِنا) موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم (وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ) وهو الكتاب المنزل عليه. وتقدم اشتقاقه في أول سورة (آل عمران) «1». الثانية- قوله تعالى: (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) على دينه يعني الحواريين وأتباعهم (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس والان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه. والرأفة اللين، والرحمة الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وتم الكلام. ثم قال:
__________
(1). راجع ج 4 ص 5

(وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) أي من قبل أنفسهم. والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل، قال أبو علي: وابتدعوها رهبانية ابتدعوها. وقال الزجاج: أي ابتدعوها رهبانية، كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت. وقيل: إنه معطوف على الرأفة والرحمة، والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها. قال الماوردي: وفيها قراءتان، إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرهب. الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من الرضوان، وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. قال الضحاك: إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع: (هي لحوقهم بالبراري والجبال). (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله، قاله ابن مسلم. وقال الزجاج: (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة. ويكون (ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) بدلا من الهاء والألف في (كَتَبْناها) والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وقيل: (إِلَّا ابْتِغاءَ) الاستثناء منقطع، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) أي فما قاموا بها حق القيام. وهذا خصوص، لان الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس واكل أموالهم، كما قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ «1» اللَّهِ) وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الامر. وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل،
__________
(1). راجع ج 8 ص 122

وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ابنوا لنا أسطوانة ارفعونا فيها، وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم علينا فاقتلونا. وطائفة قالت: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله تعالى: (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) الآية. يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون (فَما رَعَوْها) المتأخرون (حَقَّ رِعايَتِها) (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبق منهم إلا قليل، جاءوا من الكهوف والصوامع والغيران فآمنوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثالثة- وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. وعن أبى أمامة الباهلي- واسمه صدى بن عجلان- قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، انما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فان ناسا من بنى إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها). الرابعة- وفى الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والاخوان. وقد مضى بيان هذا في سورة (الكهف) «1» مستوفى والحمد لله. وفى مسند أحمد بن حنبل من حديث أبى أمامة الباهلي رضى الله عنه قال:
__________
(1). راجع ج 10 ص 360

خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية من سراياه فقال: مر رجل بغار فيه شي من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. قال: لو أنى أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له فان أذن لي فعلت والا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبى الله! انى مرت بغار فيه ما يقوتنى من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (م أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة (. وروى الكوفيون عن ابن مسعود، قال قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هل تدرى أي الناس أعلم) قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه وان كان مقصرا في العمل وان كان يزحف على استه هل تدرى من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات فلم يبق منهم الا القليل فقالوا ان أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الأمي الذي وعدنا عيسى- يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر- وتلا (وَرَهْبانِيَّةً) الآية- أتدرى ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم من اليهود على احدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها واختلف من كان من قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى- عليه السلام- حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهى التي قال الله تعالى فيهم: (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) الآية- فمن

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

آمن بى واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بى فأولئك هم الفاسقون) يعنى الذي تهودوا وتهصروا. وقيل: هؤلاء الذين أدركوا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون. وفى الآية تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي ان الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل عصرك ان أصروا على الكفر. والله أعلم.

[سورة الحديد (57): الآيات 28 الى 29]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي آمنوا بموسى وعيسى (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي مثلين من الأجر على ايمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا) وقد تقدم القول «1» فيه. والكفل الحظ والنصيب وقد مضى في (النساء) «2» وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط، قاله ابن جريح. ونحوه قال الأزهري، قال: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط، فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: (كِفْلَيْنِ) ضعفين بلسان الحبشة. وعن ابن زيد: (كِفْلَيْنِ) أجر الدنيا والآخرة. وقيل: لما نزلت (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا) افتخر مؤمنو أهل
__________
(1). راجع ج 13 ص (297)
(2). راجع ج 4 ص 295

الكتاب على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت هذه الآية. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الحسنة إنما لها من الأجر مثل واحد، فقال: الحسنة اسم عام ينطلق على كل نوع من الايمان، وينطلق على عمومه، فإذا انطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد. وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين كان الثواب عليها مثلين، بدليل هذه الآلة فإنه قال: (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) والكفل النصيب كالمثل، فجعل لمن اتقى الله وآمن برسوله نصيبين، نصيبا لتقوى الله ونصيبا لإيمانه برسوله. فدل على أن الحسنة التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الايمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ) الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل نوع منها مثل. وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، في قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «1» بما لا يحتمله تخصيص العموم، لان ما جمع عشر حسنات فليس يجزى عن كل حسنة إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها والاخبار دالة عليه. وقد تقدم ذكرها «2». ولو كان كما ذكر لما كان بين الحسنة والسيئة فرق. (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً) أي بيانا وهدى، عن مجاهد. وقال ابن عباس: هو القرآن. وقيل: ضياء (تَمْشُونَ بِهِ) في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة. وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رئاسة كنتم فيها. وذلك أنهم خافوا أن تزول رئاستهم لو آمنوا بمحمد عليه السلام. وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله، لا الرياسة الحقيقية في الدين. (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ذنوبكم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) أي ليعلم، و(أن لا) صلة زائدة مؤكدة، قاله الأخفش. وقال الفراء: معناه لان يعلم و(لا) صلة زائدة في كل كلام دخل عليه
__________
(1). راجع ج 14 ص (187)
(2). راجع ج 7 ص 150 وج 13 ص 244

جحد. قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) أي لان يعلم أهل الكتاب أنهم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ). وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أي ليعلم أهل الكتاب (أَلَّا يَقْدِرُونَ) أي أنهم يقدرون، كقوله تعالى: (أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ «1» قَوْلًا). وعن الحسن: (ليلا يعلم أهل الكتاب) وروي ذلك عن ابن مجاهد. وروى قطرب بكسر اللام وإسكان «2» الياء. وفتح لام الجرلغة معروفة. ووجه إسكان الياء أن همزة (أن) حذفت فصارت (لن) فأدغمت النون في اللام فصار (للا) فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء، كما قالوا في أما: أيما. وكذلك القول في قراءة من قرأ (ليلا) بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة. وعن ابن مسعود (لكيلا يعلم) وعن حطان بن عبد الله (لان يعلم). وعن عكرمة (ليعلم) وهو خلاف المرسوم. (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) قيل: الإسلام. وقيل: الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. وقيل: نعم الله التي لا تحصى. (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) ليس بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى من يحبون. وقيل: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) أي هو له (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ). وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، قال حدثنا شعيب عن الزهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول وهو قائم على المنبر: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى أنتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا قال هل
__________
(1). راجع ج 11 ص 236.
(2). روى قطرب عن الحسن أيضا كما في السمين وغيره، فتكون للحسن قراءتان فتح اللام وكسرها مع اسكان الياء فيهما. [.....]

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)

ظلمتكم من أجركم من شي قالوا لا فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاء) في رواية: (فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا) الحديث (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). [تم تفسير سورة (الحديد) والحمد لله «1» [.

[تفسير سورة المجادلة]
تفسير سورة المجادلة وهى اثنتان وعشرون آية مدنية في قول الجميع. إلا رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) نزلت بمكة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة المجادلة (58): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)
فيه مسألتان: الاولى قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة. وقيل بنت حكيم. وقيل أسمها جميلة. وخولة أصح، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد مر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ح، س، ط، هـ.

بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟ وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعه كل شي، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) خرجه ابن ماجة في السنن. والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها). وقال الماوردي: هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: بنت خويلد. وليس هذا بمختلف، لان أحدهما أبوها والآخر جدها فنسبت إلى كل واحد منهما. وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت. وقال الثعلبي قال ابن عباس: هي خولة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها- قال عروة «1»: وكان امرأ به لمم «2» فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لها: (حرمت عليه) فقالت: والله ما ذكر طلاقا، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني، فقال: (حرمت عليه) فما زالت تراجعه ومراجعها حتى نزلت عليه الآية. وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما أوحى إلي في هذا شي) فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شي وطوي عنك هذا؟! فقال: (هو ما قلت لك) فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله.
__________
(1). عروة هو راوي حديث عائشة المتقدم.
(2). اللم: طرف من الجنون يلم بالإنسان أي يعتريه.

فأنزل الله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) الآية. وروى الدارقطني من حديث قتادة أن أنس بن مالك حدثه قال: إن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: ظاهر حين كبرت سني ورق عظمي. فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأوس: (أعتق رقبة) قال: مالي بذلك يدان. قال: (فصم شهرين متتابعين) قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكل بصري. قال: (فأطعم ستين مسكينا) قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة. قال: فأعانه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له [والله غفور رحيم «1»]. (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) قال: فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك لستين مسكينا، وفي الترمذي وسنن ابن ماجة: أن سلمة ابن صخر البياضي ظاهر من امرأته، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: (أعتق رقبة) قال: فضربت صفحة عنقي بيدي. فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: (فصم شهرين) فقلت: يا رسول الله! وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: (فأطعم ستين مسكينا) الحديث. وذكر ابن العربي في أحكامه: روي أن خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها، فأتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألته عن ذلك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قد حرمت عليه) فقالت: أشكو إلى الله حاجتي. [ثم عادت فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حرمت عليه) فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه «2»] وعائشة تغسل شق رأسه الأيمن، ثم تحولت إلى الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، فقالت عائشة: اسكتي فإنه قد نزل الوحي. فلما نزل القرآن قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزوجها: (أعتق رقبة) قال: لا أجد. قال: (صم شهرين متتابعين) قال: إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري. قال: (فأطعم ستين مسكينا). قال: فأعني. فأعانه بشيء. قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنها خولة
__________
(1). الزيادة من ح، ز، ل، هـ.
(2). الزيادة من الأحكام لابن العربي.

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)

وزوجها أوس بن الصامت، واختلفوا في نسبها، قال بعضهم: هي أنصارية وهي بنت ثعلبة، وقال بعضهم: هي بنت دليج، وقيل: هي بنت خويلد، وقال بعضهم: هي بنت الصامت، وقال بعضهم: هي أمة كانت لعبد الله بن أبي، وهي التي أنزل الله فيها (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) لأنه كان يكرهها على الزنى. وقيل: هي بنت حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز أن تنسب مرة إلى أبيها، ومرة إلى أمها، ومرة إلى جدها، ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي فقيل لها أنصارية بالولاء، لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين. الثانية- قرئ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) بالإدغام و(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) بالإظهار. والأصل في السماع إدراك المسموعات، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن. وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسموع. قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الاذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لادراك الصوت. والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما. وشكي واشتكى بمعنى واحد. وقرى (تحاورك) أي تراجعك الكلام و(تُجادِلُكَ) أي تسائلك.

[سورة المجادلة (58): آية 2]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)

فيه ثلاث وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظاهِرُونَ) «1» قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف (يظاهرون) بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (يظاهرون) بحذف الالف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء. وقرا أبو العالية وعاصم وزر ابن حبيش (يظاهرون) بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء. وقد تقدم هذا في (الأحزاب) «2». وفي قراءة أبى (يتظاهرون) وهي معنى قراءة ابن عامر وحمزة. وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يركب بطنها ولكن كنى عنه بالظهر، لان ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره، فكنى بالظهر عن الركوب. ويقال: نزل عن امرأته أي طلقها كأنه نزل عن مركوب. ومعنى أنت علي كظهر أمي: أي أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك. الثانية- حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي أنه مظاهر. وأكثرهم على أنه إن قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم أنه مظاهر. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. واختلف فيه عن الشافعي رضى الله عنه، فروي عنه نحو قول مالك، لأنه شبه امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم. وروى عنه أبو ثور: أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. وهو مذهب قتادة والشعبي. والأول قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري. الثالثة- أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا. فإن قال: أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر، أو قال: أنت علي مثل أمي، فإن أراد الظهار فله نيته، وإن أراد الطلاق كان مطلقا البتة عند مالك،
__________
(1). نسخ الأصل على (يظهرون) وهى قراءة نافع التي يقرأ بها المؤلف فيما يأتي.
(2). راجع ج 14 ص 118 ولم يذكر هناك شيئا بل أحال الكلام على هذه السورة.

وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهرا. ولا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار، وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البت. الرابعة- ألفاظ الظهار ضربان: صريح وكناية، فالصريح أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي وأنت مني وأنت معي كظهر أمي. وكذلك أنت علي كبطن أمي أو كرأسها أو فرجها أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك علي كظهر أمي فهو مظاهر، مثل قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق تطلق عليه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون ظهارا. وهذا ضعيف منه، لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافا لابي حنيفة فصح إضافة الظهار إليه. ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه فهو ظهار بلا خلاف. وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت والأخت والعمة والخالة كان مظاهرا عند أكثر الفقهاء، وعند الامام الشافعي رضي الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا. والكناية أن يقول: أنت علي كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية. فإن أراد الظهار كان ظهارا، وإن لم يرد الظهار لم يكن مظاهرا عند الشافعي وأبي حنيفة. وقد تقدم مذهب مالك رضي الله عنه في ذلك والدليل عليه أنه أطلق تشبيه امرأته بأمه فكان ظهارا. أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فان معنى اللفظ فيه موجود- واللفظ بمعناه- ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألزمه بمعناه وهو التحريم، قاله ابن العربي. الخامسة- إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان مظاهرا، خلافا لابي حنيفة في قوله: إنه إن شبهها بعضو يحل له النظر إليه لم يكن مظاهرا. وهذا لا يصح، لان النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له، وفية وقع التشبيه وإياه قصد المظاهر، وقد قال الامام الشافعي في قول: إنه لا يكون ظهارا إلا في الظهر وحده. وهذا فاسد، لان كل عضو منها محرم، فكان التشبيه به ظهارا كالظهر، ولان المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم فلزم على المعنى.

السادسة- إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارا حملا على الأول، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا، فمنهم من قال: يكون ظهارا. ومنهم من قال: يكون طلاقا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئا. قال ابن العربي: وهذا فاسد، لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم فكان مقيدا بحكمه كالظهر، والأسماء بمعانيها عندنا، وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم. قلت: الخلاف في الظهار بالأجنبية قوي عند مالك. وأصحابه منهم من لا يرى الظهار إلا بذوات المحارم خاصة ولا يرى الظهار بغيرهن. ومنهم من لا يجعله شيئا. ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقا. وهو عند مالك إذا قال: كظهر ابني أو غلامي أو كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه. وقد روي عنه أيضا: أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء، كما قال الكوفي والشافعي. وقال الأوزاعي: لو قال لها أنت علي كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها. والله أعلم. السابعة- إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا ولم يكن طلاقا، لان قوله: أنت حرام علي يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة، ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرا لاحد الاحتمالين يقضي به فيه. الثامنة- الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه. وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من إمائه، إذا ظاهر منهن لزمه الظهار فيهن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: وهي مسألة عسيرة جدا علينا، لان مالكا يقول: إذا قال لامته أنت علي حرام لا يلزم. فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته. ولكن تدخل الامة في عموم قوله: (مِنْ نِسائِهِمْ) لأنه أراد من محللاتهم. والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فصح في الامة، أصله الحلف بالله تعالى.

التاسعة- ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك. ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة، لقوله تعالى: (مِنْ نِسائِهِمْ) وهذه ليست من نسائه. وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة (براءة) عند
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) «1» الآية. العاشرة- الذمي لا يلزم ظهاره. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يصح ظهار الذمي، ودليلنا قوله تعالى: (مِنْكُمْ) يعني من المسلمين. وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب. فإن قيل: هذا استدلال بدليل الخطاب. قلنا: هو استدلال بالاشتقاق والمعنى، فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ»
مِنْكُمْ) وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال. الحادية عشرة قوله تعالى: (مِنْكُمْ) يقتضي صحة ظهار العبد خلافا لمن منعه. وحكاه الثعلبي عن مالك، لأنه من جملة المسلمين وأحكام النكاح في حقه ثابتة وإن تعذر عليه العتق والإطعام فإنه قادر على الصيام. الثانية عشرة- وقال مالك رضي الله عنه: ليس على النساء تظاهر، وإنما قال الله تعالى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ولم يقل اللائي يظهرن منكن من أزواجهن، إنما الظهار على الرجال. قال ابن العربي: هكذا روي عن ابن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد. وهو صحيح معنى، لان الحل والعقد [والتحليل والتحريم «3»] في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شي وهذا إجماع. قال أبو عمر: ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: ليس ظهار المرأة من الرجل بشيء قبل النكاح كان أو بعده. وقال الشافعي: لإظهار للمرأة من الرجل. وقال الأوزاعي إذا قالت المرأة لزوجها، أنت علي كظهر أمي «4»
__________
(1). راجع ج 8 ص 210.
(2). راجع ج 18 ص 157.
(3). الزيادة من ابن العربي.
(4). لفظ (أمي) ساقط من ح، ز، س، هـ.

فلانة فهي يمين تكفرها. وكذلك قال إسحاق، قال: لا تكون امرأة متظاهرة من رجل ولكن عليها يمين تكفرها. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها، رواه عنه معمر. وابن جريج عن عطاء قال: حرمت ما أحل الله، عليها كفارة يمين. وهو قول أبي يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا شي عليها. الثالثة عشرة- من به لمم وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر لزم ظهاره، لما روي في الحديث: أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت وكان به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته. الرابعة عشرة- من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه. وفي بعض طرق هذا الحديث، قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت، قالت: كان بيني وبينه شي، فقال: أنت علي كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شي، دليل على منازعة أحرجته «1» فظاهر منها. والغضب لغو لا يرفع حكما ولا يغير شرعا وكذلك السكران. وهى: الخامسة عشرة- يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقل قوله ونظم كلامه، لقوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) على ما تقدم في (النساء) «2» بيانه. والله أعلم. السادسة عشرة- ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر، خلافا للشافعي في أحد قوليه، لان قوله: أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع بلفظه ومعناه، فإن وطئها قبل أن يكفر، وهي: السابعة عشرة- أستغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة. وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان. روى سعيد عن قتادة، ومطرف عن رجاء بن حيوة عن قبيصة ابن ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر: إذا وطئ قبل أن يكفر عليه كفارتان. ومعمر عن قتادة قال: قال قبيصة بن ذؤيب: عليه كفارتان. وروى جماعة من الأئمة منهم ابن ماجة
__________
(1). في ح، ز، س، ل: (أحوجته) بالواو بدل الراء.
(2). راجع ج 5 ص 203

والنسائي عن ابن عباس: أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له فقال: (ما حملك على ذلك) فقال: يا رسول الله! رأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمره ألا يقربها حتى يكفر. وروى ابن ماجة والدارقطني عن سليمان بن يسار عن سلمة ابن صخر أنه ظاهر في زمان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، فأتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا. الثامنة عشرة- إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة، كقوله: أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا من كل واحدة منهن، ولم يجز له وطئ إحداهن وأجزأته كفارة واحدة. وقال الشافعي: تلزمه أربع كفارات. وليس في الآية دليل على شي من ذلك، لان لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعول على المعنى. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن يجزيه كفارة واحدة، فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن كفارة. وهذا إجماع. التاسعة عشرة- فإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفر، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن. وقد قيل: لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر. والأول هو المذهب. الموفية عشرين: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي وأنت طالق البتة «1»، لزمه الطلاق والظهار معا، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار، لان المبتوتة لا يلحقها طلاق.
__________
(1). يريد بالبتة منا الطلاق الثلاث كما يفهم من العبارة بعد وكما في ابن العربي حيث قال: إذا طلقها ثلاثا بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد لم يطأ حتى يكفر. [.....]

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)

الحادية والعشرون- قال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها. وقال المزني: لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية، وهذا ليس بشيء، لان أحكام الزوجية في الموضعين ثابتة، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياسا ونظرا. والله أعلم. الثانية والعشرون- قوله تعالى: (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) أي ما نساؤهم بأمهاتهم. وقراءة العامة (أُمَّهاتِهِمْ) بخفض التاء على لغة أهل الحجاز، كقوله تعالى: (ما هذا بَشَراً). وقرا أبو معمر والسلمى وغيرهما (أمهاتهم) بالرفع على لغة تميم. قال الفراء: أهل نجد وبنو تميم يقولون (ما هذا بشر)، و(ما هن أمهاتهم) بالرفع. (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) أي ما أمهاتهم إلا الوالدات. وفي المثل: ولدك من دمي عقبيك. وقد تقدم القول في اللائي في (الأحزاب) «1». الثالثة والعشرون- قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) أي فظيعا من القول لا يعرف في الشرع. والزور الكذب (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر.

[سورة المجادلة (58): الآيات 3 الى 4]
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4)
__________
(1). ليس في الأحزاب كلام على اللائي ويبد وأن سقطا وقع في نسخ الأصل التي بأيدينا.

فيه اثنتا عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ هذا ابتداء والخبر (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) وحذف عليهم لدلالة الكلام عليه، أي فعليهم تحرير رقبة. وقيل: أي فكفارتهم عتق رقبة. والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) فمن قال هذا القول حرم عليه وطئ امرأته. فمن عاد لما قال لزمته كفارة الظهار، لقوله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول خاصة حتى ينضم إليها العود، وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة: الأول- أنه العزم على الوطي، وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن مالك: فإن عزم على وطئها كان عودا، وإن لم يعزم لم يكن عودا. الثاني- العزم على الإمساك بعد التظاهر منها، قاله مالك. الثالث- العزم عليهما. وهو قول مالك في موطئة، قال مالك في قوله الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) قال: سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم يجمع على إصابتها وإمساكها، فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه. قال مالك: وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة التظاهر. القول الرابع- أنه الوطي نفسه فإن لم يطأ لم يكن عودا، قاله الحسن ومالك أيضا. الخامس- وقال الامام الشافعي رضي الله عنه: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، لأنه لما ظاهر قصد التحريم، فإن وصل به الطلاق فقد جرى على خلاف ما ابتدأه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه. وإن أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفارة. السادس- أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة. ومعنى العود عند القائلين بهذا: أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها، قاله أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد. السابع- هو تكرير الظهار بلفظه. وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس، قالوا: إذا كرر اللفظ بالظهار فهو العود، وإن لم يكرر فليس بعود. ويسند ذلك إلى بكير بن

الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة أيضا، وهو قول الفراء. وقال أبو العالية: وظاهر الآية يشهد له، لأنه قال: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) أي إلى قول ما قالوا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) هو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي. فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار. قال ابن العربي: فأما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا لا يصح عن بكير، وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه. وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، وأيضا فإن المعنى ينقضه، لان الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له إذا أعدت القول المحرم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة، وهذا لا يعقل، ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطئ في صوم أو غيره. قلت: قول يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حمل منه عليه، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم، وأما قول الشافعي: بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه فينقضه ثلاثة أمور أمهات: الأول- أنه قال: (ثُمَّ) وهذا بظاهره يقتضي التراخي. الثاني- أن قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ) يقتضي وجود فعل من جهة ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث- أن الطلاق الرجعى لا ينافي البقاء على الملك فلم يسقط حكم الظهار كالايلاء. فإن قيل: فإذا رآها كالأم لم يمسكها إذ لا يصح إمساك الام بالنكاح. وهذه عمدة أهل ما وراء النهر. قلنا: إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الام كفر وعاد إلى أهله. وتحقيق هذا القول: أن العزم قول نفسي، وهذا رجل قال قولا اقتضى التحليل وهو النكاح، وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما قال وهو التحليل، ولا يصح أن يكون منه ابتداء عقد، لان العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما
اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله أنت علي كظهر أمي، وإذا كان ذلك كفر وعاد إلى أهله، لقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا). وهذا تفسير بالغ [في فنه «1»].
__________
(1). الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي.

الثانية- قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ) إلى ما كانوا عليه من الجماع (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) لما قالوا، أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا، فالجار في قوله: (لِما قالُوا) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم، قال الأخفش. وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: المعنى الذين كانوا يظهرون من نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة. الفراء: اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطي. وقال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا واحد، واللام وإلى يتعاقبان، قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي «1» هَدانا لِهذا) وقال: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ «2» الْجَحِيمِ) وقال: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى «3» لَها) وقال: (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ) «4». الثالثة- قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي فعليه إعتاق رقبة، يقال: حررته أي جعلته حرا. ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي، كالرقبة في كفارة القتل. وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكافرة ومن فيها شائبة «5» رق كالمكاتبة وغيرها. الرابعة- فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة. وقال الشافعي يجزئ، لان نصف العبدين في معنى العبد الواحد، ولان الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزي كالاطعام، ودليلنا قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس برقبة، وليس ذلك مما يدخله التلفيق، لان العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها، أصله إذا اشترك رجلان في أضحيتين، ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا، ولأنه لو أوصى بأن تشترى رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم. والإطعام وغيره لا يتجزى في الكفارة عندنا.
__________
(1). راجع ج 7 ص (208)
(2). راجع ج 15 ص (83)
(3). راجع ج 20 ص (149)
(4). راجع ج 9 ص (29)
(5). في ح، ز، س، ط، ل: (شعبة رق) والعنى واحد.

الخامسة- قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر الوطي قبل التكفير، فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير. وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطئ قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى. وعن غيره: أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شي أصلا، لان الله تعالى أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخرها حتى مس فقد فات وقتها. والصحيح ثبوت الكفارة، لأنه بوطئه ارتكب إثما فلم يكن ذلك مسقطا للكفارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها. وفي حديث أوس بن الصامت لما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه وطئ امرأته أمره بالكفارة «1». وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو الإطعام. وقال أبو حنيفة: إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، فأما غير الوطي من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. وقاله الحسن وسفيان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقيل: وكل ذلك محرم وكل معاني المسيس، وهو قول مالك واحد قولي الشافعي. وقد تقدم. السادسة- قوله تعالى: (ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) أي تؤمرون به (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) من التكفير وغيره. السابعة- من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكا لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئا سواه، فله أن يصوم عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصوم وعليه عتق ولو كان محتاجا إلى ذلك. وقال مالك: إذا كان له دار وخادم لزمه العتق فإن عجز عن الرقبة، وهى: الثامنة- فعليه صوم شهرين متتابعين. فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض، فقيل: يبني، قاله ابن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمر وابن دينار والشعبي. وهو أحد قولي الشافعي وهو الصحيح من مذهبه. وقال مالك:
__________
(1). لم يتقدم العود في حديث أوس، وانما هو في مظاهر آخر وهو القائل: رأيت خلخالها في ضوء القمر.

إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صح. ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يبتدئ. وهو أحد قولي الشافعي. التاسعة- إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك والشافعي، لأنه بذلك أمر حين دخل فيه. ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة وأصحابه، قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها، فإنها تستأنف الحيض إجماعا من العلماء. وإذا ابتدأ سفرا في صيامه فأفطر «1»، ابتدأ الصيام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، لقوله: (مُتَتابِعَيْنِ). ويبني في قول الحسن البصري، لأنه عذر [وقياسا «2» على رمضان، فإن تخللها زمان لا يحل صومه في الكفارة كالعيدين وشهر رمضان انقطع ]. العاشرة- إذا وطئ المتظاهر في خلال الشهرين نهارا، بطل التتابع في قول الشافعي، وليلا فلا يبطل، لأنه ليس محلا للصوم. وقال مالك وأبو حنيفة: يبطل بكل حال ووجب عليه ابتداء الكفارة، لقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) وهذا الشرط عائد إلى جملة الشهرين، وإلى أبعاضهما، فإذا وطئ قبل انقضائهما فليس هو الصيام المأمور به، فلزمه استئنافه، كما لو قال: صل قبل أن تكلم زيدا. فكلم زيدا في الصلاة، أو قال: صل قبل أن تبصر زيدا فأبصره في الصلاة لزمه استئنافها، لان هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها كذلك هذا، والله أعلم. الحادية عشرة- ومن تطاول مرضه طولا لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من كبر، وجاز له العدول عن الصيام إلى الإطعام. ولو كان مرضه مما يرجى برؤه واشتدت حاجته إلى وطئ امرأته كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام. ولو كفر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. الثانية عشرة- ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم. ومن تظاهر وهو موسر ثم أعسر قبل أن يكفر صام. وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر. ولو جامعها في عدمه
__________
(1). لفظة (فأفطر) ساقطة من ز، ل.
(2). ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، هـ، ل.

وعسره ولم يصم حتى أيسر لزمه العتق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها تمادى. وإن كان اليوم واليومين ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى العتق وليس ذلك بواجب عليه. ألا ترى أنه غير واجب على من طرأ الماء عليه وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة أن يقطع ويبتدئ الطهارة عند مالك. الثالثة عشرة- ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه. وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن كفارتين. وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين. وقد قيل: إن ذلك يجزيه. ولو ظاهر من امرأتين ل فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطئ واحدة منهما حتى يكفر كفارة أخرى. ولو عين الكفارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى. ولو ظاهر من أربع نسوة فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام شهرين، لم يجزه العتق ولا الصيام، لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوما، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتي مسكين، وإن لم يقدر فرق بخلاف العتق والصيام، لان صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق. فصل وفية ست مسائل: الاولى- ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان يمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإن أطعم مدا بمد هشام، وهو مدان إلا ثلثا، أو أطعم مدا ونصفا بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجزأه. قال أبو عمر بن عبد البر: وأفضل ذلك مدان بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لان الله عز وجل لم يقل في كفارة الظهار (مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ) «1» فواجب قصد الشبع. قال ابن العربي: وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: مد بمد هشام وهو الشبع ها هنا، لان الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. وقال في رواية أشهب: مدان بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «2»: [قيل له: ألم تكن قلت مد هشام؟ قال: بلى، مدان بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إلي ]. وكذلك قال عنه ابن القاسم أيضا.
__________
(1). راجع ج 6 ص (265)
(2). ما بين المربعين ساقط من أو الأصل المطبوع.

قلت: وهي رواية ابن وهب ومطرف عن مالك: أنه يعطي مدين لكل مسكين بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومذهب الشافعي وغيره مد واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك، لأنه يكفر بالإطعام ولم يلزمه صرف زيادة على المد، أصله كفارة الإفطار واليمين. ودليلنا قوله تعالى: (فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) وإطلاق الإطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه. وكذلك قال أشهب: قلت لمالك أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال نعم! الشبع عندنا مد بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والشبع عندكم أكثر، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. وقال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا. قال ابن العربي: وقع الكلام ها هنا في مد هشام كما ترون، ووددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها واستقر الرسول بها ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: (فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم متقرر لديهم، وقد ورد ذلك الشبع في الاخبار كثيرا، واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يشبعه، ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال، فغير السنة وأذهب محل البركة. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة، فكانت البركة تجري بدعوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا «1» ذكره ويمحو رسمه إذا لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام، ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مدين بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كفارة الظهار أحب إلينا من
__________
(1). في ل: (يدعوا) بدل (يلغوا).

الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والشبع عندكم أكثر لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا لنا بالبركة. وبهذا أقول، فإن العبادة إذا أديت بالسنة، فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد الآخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه «1». والله أعلم «2». الثانية- ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكينا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. الثالثة- قال القاضي أبو بكر بن العربي: من غريب الامر أن أبا حنيفة قال إن الحجر على الحر باطل. واحتج بقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ولم يفرق بين الرشيد والسفيه، وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره، فإن هذه الآية عامة، وقد كان القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاشيا والنظر يقتضيه، ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية وبلغ سفيها قد نهي عن دفع المال إليه، فكيف ينفذ فعله فيه والخاص يقضي على العام. الرابعة- وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار طلاقا، وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. الخامسة- قوله تعالى: (ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي ذلك الذي وصفنا من التغليظ في الكفارة (لِتُؤْمِنُوا) أي لتصدقوا أن الله أمر به. وقد أستدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى، لما ذكرها وأوجبها قال: (ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدوها، فسمى التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إيمانا، فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله: (ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور.
__________
(1). في ح، ز، س، هـ: (لقلبه). [.....]
(2). في ح، ز، س، ل، هـ: (والله الموفق لا رب غيره).

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)

قيل له: قد يجوز أن يكون هذا مقصودا والأول مقصودا، فيكون المعنى ذلك لئلا تعودوا للقول المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا، إذ كان الله منع من مسيسها، وتكفروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفارة وألزم إخراجها منكم، فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله، لأنها حدود تحفظونها، وطاعات تؤدونها والطاعة لله ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيمان. وبالله التوفيق. السادسة- قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي بين معصيته وطاعته، فمعصيته الظهار، وطاعته الكفارة. (وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي لمن لم يصدق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم.

[سورة المجادلة (58): الآيات 5 الى 6]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها. والمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو مثل قوله تعالى:لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
«1». وقيل: (يُحَادُّونَ اللَّهَ) أي أولياء الله كما في الخبر: (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة). وقال الزجاج: المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك. واصلها الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحداد للبواب. (كُبِتُوا) قال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال قتادة: أخزوا كما أخزي الذين من قبلهم. وقال ابن زيد: عذبوا. وقال السدي: لعنوا. وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد المشركون. وقيل: المنافقون. (كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). وقيل: (كُبِتُوا)
__________
(1). راجع ج 18 ص 6

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)

أي سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر، وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريبا للمخبر عنه. وقيل: هي بلغة مذحج «1». (وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم. (وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ). قوله تعالى: (يَوْمَ) نصب ب (عَذابٌ مُهِينٌ) أو بفعل مضمر تقديره واذكر تعظيما لليوم. (يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً) أي الرجال والنساء يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة (فَيُنَبِّئُهُمْ) أي يخبرهم (بِما عَمِلُوا) في الدنيا (أَحْصاهُ اللَّهُ) عليهم في صحائف أعمالهم (وَنَسُوهُ) هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) مطلع وناظر لا يخفى عليه شي.

[سورة المجادلة (58): آية 7]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فلا يخفى عليه سر ولا علانية. (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ) قراءة العامة بالياء، لأجل الحائل بينهما. وقرا أبو جعفر بن القعقاع والأعرج وأبو حيوة وعيسى (ما تكون) بالتاء لتأنيث الفعل. والنجوى: السرار، وهو مصدر والمصدر قد يوصف به، يقال: قوم نجوى أي ذوو نجوى، ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى ) «2». وقوله تعالى: (ثَلاثَةٍ) خفض بإضافة (نَجْوى ) إليها. قال الفراء: (ثَلاثَةٍ) نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت (نَجْوى ) إليها. ولو نصب على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة (ثلاثة) و(خمسة) بالنصب على الحال بإضمار يتناجون، لان نجوى يدل عليه، قاله الزمخشري. ويجوز رفع (ثلاثة) على البدل من موضع (نَجْوى ). ثم قيل: كل سرار نجوى. وقيل: النجوى ما يكون من
__________
(1). مذحج- كمسجد-: أبو قبيلة باليمن.
(2). راجع ج 10 ص 272

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)

خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به. والسرار ما كان بين اثنين. (إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) يعلم ويسمع نجواهم، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم. وقيل: النجوى من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، فالمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به، والمعنى: أن سمع الله محيط بكل كلام، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها. (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ) قرأ سلام ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بالرفع على موضع (مِنْ نَجْوى ) قبل دخول (مِنْ) لان تقديره ما يكون نجوى، و(ثلاثة) يجوزان يكون مرفوعا على محل (إِلَّا) مع (أَدْنى ) كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك لا حول ولا قوة إلا بالله. وقد مضى في (البقرة) «1» بيان هذا مستوفى. وقرا الزهري وعكرمة (أكبر) بالباء. والعامة بالثاء وفتح الراء على اللفظ وموضعها جر. وقال الفراء في قوله: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) قال: المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفى عليه خافية، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض. وقيل: معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ولا انتقال. ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئا سرا فأعلم الله أنه لا يخفي عليه ذلك، قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: نزلت في اليهود. (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ) يخبرهم (بِما عَمِلُوا) من حسن وسيء (يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

[سورة المجادلة (58): آية 8]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)
__________
(1). راجع ج 3 ص 266 فما بعد.

فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ) قيل: إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه. وقيل: في المسلمين. قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة، ويسؤهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت. وقال مقاتل: كان بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين اليهود موادعة، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك فنزلت. الثانية- روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى) فقلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيخ- يعني الدجال- فرقا «1» منه. فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل) ذكره الماوردي. وقرا حمزة وخلف ورويس عن يعقوب (وينتجون) في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه. وقرا الباقون (ويتناجون) في وزن يتفاعلون، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله تعالى: (إِذا تَناجَيْتُمْ) و(تَتَناجَوْا). النحاس: وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا واقتتلوا فعلى هذا (يَتَناجَوْنَ) و(ينتجون) واحد. ومعنى (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) أي الكذب والظلم. (وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) أي مخالفته. وقرا الضحاك ومجاهد وحميد (ومعصيات الرسول) بالجمع.
__________
(1). في ل: (خوفا منه).

الثالثة- قوله تعالى: (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود، كانوا يأتون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقولون: السام عليك. يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا، فيقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عليكم) في رواية، وفي رواية أخرى (وعليكم). قال ابن العربي: وهي مشكلة. وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من سبه، فكيف من سب نبيه. وقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا أحد أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم) فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، معجزة لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد ثبت عن قتادة عن أنس أن يهوديا أتى على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى أصحابه فقال: السام عليكم. فرد عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: (أتدرون ما قال هذا) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قال كذا ردوه علي) فردوه، قال: (قلت السام عليكم) قال: نعم. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذلك: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت) فأنزل الله تعالى: (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ). قلت: خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وثبت عن عائشة أنها قالت: جاء أناس من اليهود إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل. فقال عليه السلام: (مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) فقلت: يا رسول الله الست ترى ما يقولون؟! فقال: (الست ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم) فنزلت هذه الآية (بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) أي إن الله سلم عليك وهم يقولون السام عليك، والسام الموت. خرجه البخاري ومسلم بمعناه. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) كذا الرواية (وعليكم) بالواو تكلم عليها العلماء، لان الواو العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من

سامه ديننا وهو الملال. يقال: سئم يسأم سامه وسآما. فقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى

أي لما أجزنا انتحى فزاد الواو. وقال بعضهم: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم. وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك، لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سلم ناس من يهود على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: (وعليكم) فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: (بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا) خرجه مسلم. ورواية الواو أحسن معنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر. وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة، للأمر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك. وقد اختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي أرتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: السلام بكسر السين يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى أتباعا للسنة، والله أعلم. وروى مسروق عن عائشة قالت: أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: (وعليكم) قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا عائشة لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا! فقال: (أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت وعليكم). وفي رواية قال: ففطنت بهم عائشة فسبتهم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش) وزاد فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) إلى آخر الآية. الذام بتخفيف الميم هو العيب، وفي المثل (لا تعدم الحسناء ذاما) أي عيبا، ويهمز ولا يهمز
،

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)

يقال: ذامه يذأمه، مثل ذاب يذاب، والمفعول مذءوم مهموزا، ومنه (مذموما مدحورا) «1» ويقال: ذامه يذومه مخففا كرامة يرومه. قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ) قالوا: لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا الله. وقيل: قالوا إنه يرد علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت، فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا. وهذا موضع تعجب منهم، فإنهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب. (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) أي كافيهم جهنم عقابا غدا (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي المرجع.

[سورة المجادلة (58): آية 9]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ) نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ) أي تساررتم. (فَلا تَتَناجَوْا) هذه قراءة العامة. وقرا يحيى بن وثاب وعاصم ورويس عن يعقوب (فلا تنتجوا) من الانتجاء (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ) أي بالطاعة (وَالتَّقْوى ) بالعفاف عما نهى الله عنه. وقيل: الخطاب للمنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا بزعمهم. وقيل: أي يا أيها الذين آمنوا بموسى. (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي تجمعون في الآخرة.

[سورة المجادلة (58): آية 10]
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)
__________
(1). راجع ج 10 ص 235

فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ) أي من تزيين الشياطين (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا «1» اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ) أي التناجي (شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بمشيئته وقيل: بعلمه. وعن ابن عباس: بأمره. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي يكلون أمرهم إليه، ويفوضون جميع شئونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانا ولو شاء لصرفه عنه. الثانية- في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد). وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه) فبين في هذا الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر، ذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعا، فقال له وللأول: تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة. خرجه الموطأ. وفية أيضا التنبيه على التعليل بقوله: (من أجل أن يحزنه) أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله. وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الاعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان
__________
(1). في ح، ز، هـ: (أو إذا رأوا إجماعهم).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

في أول الإسلام، لان ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا، فإنه يجد من يعينه، بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم المغيث «1». والله أعلم.

[سورة المجادلة (58): آية 11]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
فيه سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) «2» لما بين أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك وصل به الامر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنظر إليه. قال قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقاله الضحاك. وقال ابن عباس: المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول «3» فلا يوسع بعضهم لبعض، رغبة في القتال والشهادة فنزلت. فيكون كقوله: (مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) «4». وقال مقاتل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصفة، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة، وكان النبي صلى الله عليه
__________
(1). في ح، ز، س، ل، هـ: (الغوث).
(2). الأصول على قراءة نافع (في المجلس) بالإفراد.
(3). في ل: (الأول فالأول).
(4). راجع ج 4 ص 184

وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس ابن شماس وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لمن حوله من [غير»
] أهل بدر: (قم يا فلان وأنت يا فلان) بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. (تَفَسَّحُوا) أي توسعوا. وفسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح فسحا أي وسع له، ومنه قولهم: بلد فسيح ولك في كذا فسحة، وفسح يفسح مثل منع يمنع، أي وسع في المجلس، وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم [كرامة «2»] أي صار واسعا، ومنه مكان فسيح. الثانية- قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم (فِي الْمَجالِسِ). وقرا قتادة وداود ابن أبي هند والحسن باختلاف عنه (إذا قيل لكم تفاسحوا) الباقون (تفسحوا في المجلس) فمن جمع فلأن قوله: (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) ينبئ أن لكل واحد مجلسا. وكذلك إن أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجمع لان لكل جالس مجلسا. وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس، كقولهم: كثر الدينار والدرهم. قلت: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه [قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق «3» به)] ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ فيخرجه الضيق عن موضعه. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن
__________
(1). الزيادة من ل، وأسباب النزول وبعض التفاسير وفى ز: (قم أنت يا فلان وأنت يا فلان).
(2). زيادة من ل. [.....]
(3). الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي.

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه). وعنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاري. الثالثة- إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه، لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا). فرع- القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نظر، فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الامام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الامام كره له ذلك، لان فيه تفويت حظه. الرابعة- إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع، لما روي: أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه. فرع- وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد «1». الخامسة- روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا قام أحدكم- وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه- ثم رجع إليه فهو أحق به) قال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى. وقد قيل: إن ذلك على الندب، لأنه موضع غير متملك لاحد لا قبل الجلوس ولا بعده. وهذا فيه نظر، وهو أن يقال: سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته، إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه. والله أعلم.
__________
(1). في ز، س، هـ، ل بياض في هذه النسخ، بعد قوله: (من المسجد) نبه عليه الناسخ بالهامش بقوله: بياض بالأصل.

السادسة- قوله تعالى: (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) أي في قبوركم. وقيل: في قلوبكم. وقيل: يوسع عليكم في الدنيا والآخرة. (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. وكسر الباقون، وهما لغتان مثل (يَعْكُفُونَ) «1» و(يَعْرِشُونَ) «2» والمعنى انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، قال أكثر المفسرين. وقال مجاهد والضحاك: إذ نودي للصلاة فقوموا إليها. وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت. وقال الحسن ومجاهد أيضا: أي انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد: هذا في بيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال الله تعالى: (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا) عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَانْشُزُوا) فإن له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف. وهذا هو الصحيح، لأنه يعم. والنشز الارتفاع، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها، يقال نشز ينشز وينشز إذا انتحى من موضعه، أي ارتفع منه. وامرأة ناشز منتحية عن زوجها. واصل هذا من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكره النحاس. السابعة- قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم. وقال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم «3» على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (دَرَجاتٍ) أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالخطاب لهم. وراي عليه الصلاة والسلام رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال: (يا فلان خشيت أن يتعدى غناك إليه أو فقره إليك) وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والايمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرءوا القرآن. وقال يحيى بن يحيى عن مالك: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) الصحابة (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) يرفع الله بها العالم والطالب للحق.
__________
(1). راجع ج 7 ص 272 وص 273.
(2). راجع ج 7 ص 272 وص 273.
(3). والمعنى يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين.

قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية، فيرفع المؤمن «1» بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) «2» فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي البخاري عن عبد الله ابن عباس قال: قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. الحديث وقد مضى في آخر (الأعراف) «3». وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. فقال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) وقد مضى أول الكتاب «4». ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب «5» [والحمد لله «6» [. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة). وعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب). وعنه عليه الصلاة والسلام: (يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عباس: خير سليمان ] عليه السلام [بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.
__________
(1). في ح، ز، س، ل، هـ: (فيرفع المرء).
(2). راجع ج 20 ص 229.
(3). راجع ج 7 ص 357.
(4). راجع ج 1 ص 6.
(5). راجع ج 14 ص 343.
(6). من س وط.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)

[سورة المجادلة (58): آية 12]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ) (ناجَيْتُمُ) ساررتم. قال ابن عباس: نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما قال ذلك كف كثير من الناس. ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها. وقال الحسن: نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحدا مناجاته. فكان ذلك يشق على المسلمين، لان الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية، فانتهى أهل الباطل عن النجوى، لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الايمان وامتنعوا من النجوى، لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بما بعد الآية. الثانية- قال ابن العربي: وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله تعالى قال: (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) ثم نسخه مع كونه خيرا وأطهر.

وهذا رد على المعتزلة عظيم في التزام المصالح، لكن راوي الحديث عن زيد ابنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء. والامر في قوله تعالى: (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) نص متواتر في الرد على المعتزلة. والله أعلم. الثالثة- روى الترمذي عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) [سألته «1»] قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما ترى دينارا) قلت لا يطيقونه. قال: (فنصف دينار) قلت: لا يطيقونه. قال: (فكم) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) الآية. قال: فبي «2» خفف الله عن هذه الامة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ومعنى قوله: شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب. قال ابن العربي: وهذا يدل على مسألتين حسنتين أصوليتين: الاولى- نسخ العبادة قبل فعلها. والثانية- النظر في المقدرات بالقياس، خلافا لابي حنيفة. قلت: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة. وقد روي عن مجاهد: أن أول من تصدق في ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روي أنه تصدق بخاتم. وذكر القشيري وغيره عن علي بن أبن طالب أنه قال: (في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي:) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) كان لي دينار فبعته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نفد، فنسخت بالآية الأخرى (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ). وكذلك قال ابن عباس: نسخها الله بالآية التي بعدها. وقال ابن عمر: لقد كانت لعلي رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي من إمساكها (وَأَطْهَرُ) لقلوبكم من المعاصي (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) يعني الفقراء (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
__________
(1). زيادة من ح، ز، س، ل، هـ.
(2). كلمة: (فبى) ساقطة من ل.

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)

[سورة المجادلة (58): آية 13]
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ) استفهام معناه التقرير. قال ابن عباس: (أَأَشْفَقْتُمْ) أي أبخلتم بالصدقة، وقيل: خفتم، والإشفاق الخوف من المكروه. أي خفتم وبخلتم بالصدقة وشق عليكم (أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ). قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. وقال ابن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نسخ. وكذا قال قتادة. والله أعلم. الثالثة- قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي نسخ الله ذلك الحكم. وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) فنسخت فرضيه الزكاة هذه الصدقة. وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن علي رضي الله عنه ضعيف، لان الله تعالى قال: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء. والله أعلم. (أَطِيعُوا اللَّهَ) في فرائضه (وَرَسُولَهُ) في سننه (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ).

[سورة المجادلة (58): الآيات 14 الى 16]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16)

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) قال قتادة: هم المنافقون تولوا اليهود (ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ) يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل المنافقين، كان أحدهما يجالس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجرة من حجراته إذ قال: (يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان) فدخل عبد الله بن نبتل- وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية- فقال عليه الصلاة والسلام: (علام تشتمني أنت وأصحابك) فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فعلت) فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت هذه الآية. وقال معناه ابن عباس. روى عكرمة عنه، قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال: (يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان) فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعا به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (علام تشتمني أنت وأصحابك) قال: دعني أجيئك بهم. فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شي، فأنزل الله عز وجل: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً) إلى قوله: (هُمُ الْخاسِرُونَ) واليهود مذكورون في القرآن و(غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ). (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ) أي لهؤلاء المنافقين (عَذاباً شَدِيداً) في جهنم وهو الدرك الأسفل. (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي بئس الأعمال أعمالهم (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) يستجنون بها من القتل. وقرا الحسن وأبو العالية (إيمانهم) بكسر الهمزة هنا وفي (المنافقون) «1». أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) في الدنيا بالقتل وفى الآخرة بالنار. والصد المنع (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي عن الإسلام. وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم.
__________
(1). راجع ج 18 ص 123. [.....]

لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)

[سورة المجادلة (58): الآيات 17 الى 19]
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19)
قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أى من عذابه شيئا.
وقال مقاتل: قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة، لقد شقينا إذا! فو اللّه لتنصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة. فنزلت «1» يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً أى لهم عذاب مهين يوم يبعثهم فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ اليوم. وهذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين غدا، وقد صارت المعارف ضرورية. وقال ابن عباس: هو قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «2». وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ بإنكارهم وحلفهم. قال ابن زيد:
ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة. وقيل: وَيَحْسَبُونَ في الدنيا أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار. والأوّل أظهر. وعن ابن عباس قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم:
«ينادى مناد يوم القيامة أين خصماء اللّه فتقوم القدرية مسودّة وجوههم مزرقّة أعينهم مائل شدقهم يسيل لعابهم فيقولون واللّه ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا، ولا اتخذنا من دونك إلها». قال ابن عباس: صدقوا واللّه! أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ هم واللّه القدرية. ثلاثا.
قوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أى غلب واستعلى، أى بوسوسته في الدنيا.
وقيل: قوى عليهم. وقال المفضّل: أحاط بهم. ويحتمل رابعا أى جمعهم وضمهم. يقال:
أحوذ الشيء أى جمعه وضم بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوى عليهم وأحاط بهم.
__________
(1). في ح، ز، س، هـ، ل: «فنزلت الآية قوله تعالى».
(2). راجع ج 6 ص 401.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)

فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أى أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهى عن معصيته.
والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هنا. أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ طائفته ورهطه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة.

[سورة المجادلة (58): الآيات 20 الى 21]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ تقدم أوّل السورة. أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أى من جملة الأذلاء لا أذلّ منهم كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أى قضى اللّه ذلك.
وقيل: كتب في اللوح المحفوظ، عن قتادة. الفراء: كتب بمعنى قال. أَنَا توكيد وَرُسُلِي من بعث منهم بالحرب فإنه غالب «1» بالحرب، ومن بعث منهم بالحجة فإنه غالب «1» بالحجة. قال مقاتل قال المؤمنون: لئن فتح اللّه لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا اللّه على فارس والروم، فقال عبد اللّه بن أبىّ بن سلول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها؟! واللّه إنهم لأكثر عددا، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي». نظيره: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ «2».

[سورة المجادلة (58): آية 22]
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
__________
(1). في ح، ز، س، ل، هـ: «فإن الرسول غالب».
(2). راجع ج 15 ص 139.

فيه مسألتان:
الأولى- قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ أى يحبون ويوالون مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ تقدّم «1» وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ قال السدى: نزلت في [عبد اللّه بن «2»] عبد اللّه بن أبىّ، جلس إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فشرب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ماء، فقال له: باللّه يا رسول اللّه ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبى، لعل اللّه يطهّر بها قلبه؟ فأفضل له فأتاه بها، فقال له عبد اللّه: ما هذا؟ فقال:
هي فضلة من شراب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جئتك بها تشر بها لعل اللّه يطهّر قلبك بها.
فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها. فغضب وجاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، وقال: يا رسول اللّه! أما أذنت لي في قتل أبى؟ فقال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم:
«بل ترفق به وتحسن إليه». وقال ابن جريح: حدّثت أن أبا قحافة سب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فصكّه أبو بكر أبنه صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «أوفعلته، لا تعد إليه، فقال: والذي بعثك بالحق نبيّا ولو كان السيف منى قريبا لقتلته. وقال ابن مسعود: نزلت في أبى عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد اللّه بن الجراح يوم أحد وقيل: يوم بدر. وكان الجراح يتصدّى لأبى عبيدة وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله، فأنزل اللّه حين قتل أباه: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» الآية. قال الواقدي: كذلك يقول أهل الشام. وقد سألت رجالا من بنى الحرث بن فهر فقالوا: توفى أبوه من قبل الإسلام. أَوْ أَبْناءَهُمْ يعنى أبا بكر دعى ابنه عبد اللّه إلى البراز يوم بدر، فقال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم: «متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر». أَوْ إِخْوانَهُمْ يعنى مصعب بن عمير
__________
(1). راجع ج 8 ص 194.
(2). زيادة لازمة، فقد كان عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبى ابن سلول رضى اللّه عنه من فضلاء الصحابة وخيارهم وكان أبوه عبد اللّه رأس المنافقين وفيه نزلت الآية.

قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر. أَوْ عَشِيرَتَهُمْ يعنى عمر بن الخطاب قتل خاله العاص ابن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليّا وحمزه قتلا عتبة وشيبة والوليد يوم بدر. وقيل: إن الآية نزلت في حاطب بن أبى بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة بمسير النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح، على ما يأتى بيانه أوّل سورة «الممتحنة» إن شاء اللّه تعالى. بيّن أن الإيمان يفسد بموالاة الكفار وإن كانوا أقارب.
الثانية- استدل مالك رحمه اللّه من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم.
قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في اللّه، لقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت في من كان يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبى داود أنه لقى المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول:
«اللهمّ لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإنى وجدت فيما أوحيت لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ- إلى قوله- أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ» أى خلق في قلوبهم التصديق، يعنى من لم يوال من حاد اللّه. وقيل: كتب أثبت، قاله الربيع بن أنس. وقيل: جعل، كقوله تعالى: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «1» أى أجعلنا وقوله «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» «2» وقيل: «كتب» أى جمع، ومنه الكتيبة، أى لم يكونوا ممن يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وقراءة العامة بفتح الكاف من «كتب» ونصب النون من «الإيمان» بمعنى كتب اللّه وهو الأجود، لقوله تعالى: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وقرأ أبو العالية وزرّ بن حبيش والمفضل عن عاصم «كتب» على ما لم يسمّ فاعله «الإيمان» برفع النون. وقرأ زرّ بن حبيش «وعشيراتهم» بألف وكسر التاء على الجمع، ورواها الأعمش عن أبى بكر عن عاصم. وقيل: كتب في قلوبهم» أى على قلوبهم، كما في قوله فِي جُذُوعِ «3» النَّخْلِ وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. «وَأَيَّدَهُمْ» قوّاهم ونصرهم بروح منه، قال الحسن: وبنصر منه. وقال
__________
(1). راجع ج 4 ص 97.
(2). راجع ج 7 ص 296.
(3). راجع ج 11 ص 224
.

الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه. و؟ قال ابن جريج: بنور وإيمان وبرهان وهدى. وقيل:
برحمة من اللّه. وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه السلام. وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أى قبل أعمالهم وَرَضُوا عَنْهُ فرحوا بما أعطاهم أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال سعيد بن أبى سعيد الجرجاني عن بعض مشايخه، قال داود عليه السلام: إلهى! من حزبك وحول عرشك؟ فأوحى اللّه إليه:
«يا داود الغاضّة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم، أولئك حزبي وحول عرشي».
ختمت والحمد للّه سورة «المجادلة»
18 ربيع الثانى سنة 1385 15
اغسطس سنة 1965
محقّقه أحمد عبد العليم البردونى
ثم بعون اللّه تعالى الجزء السابع عشر من تفسير القرطبي.
يتلوه إن شاء اللّه تعالى الجزء الثاني عشر، وأوّله:
«سورة (الحشر)»

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)

[الجزء الثامن عشر]

[تفسير سورة الحشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة الحشر مدنية في قول الجميع، وهي أربع وعشرون آية روى ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ سورة الحشر لم يبق شي من الجنة والنار والعرش والكرسي والسموات والأرض والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلوا عليه واستغفروا له. فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا (. خرجه الثعلبي. وخرج الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ آخر سورة «1» الحشر لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21]- إلى آخرها- فمات من ليلته مات شهيدا). وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرا ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به «2» سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي وإن مات في يومه مات شهيدا ومن قرأها حين يمسي فكذلك (. قال: حديث حسن غريب.

[سورة الحشر (59): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)
1 تقدم «3».

[سورة الحشر (59): آية 2]
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2)
__________
(1). في أ، ح:" من قرأ سورة الحشر ...". وفى هـ:" من قرأ آخر الحشر ...".
(2). كلمة" به" ساقطة من هـ.
(3). راجع ج 17 ص 235.

2 قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ) قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان من أمرهم ما نص الله عليه. الثانية- قوله تعالى: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) الحشر الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) قال الزهري: كانوا من سبط «1» لم يصبهم جلاء، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا «2» وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: (اخرجوا) قالوا إلى أين؟ قال: (إلى أرض المحشر). قال قتادة: هذا أول المحشر. قال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى لِأَوَّلِ الْحَشْرِ إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعات. وقيل تيماء وأريحا، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر الثاني:
__________
(1). السبط: ولد الولد. والسبط من اليهود: كالقبيلة من العرب. [.....]
(2). ما بين المربعين ساقط من هـ.

فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف. وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال: قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم؟ فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال: وأجلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه، فاستحلهم بذلك. قال ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر، فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة. وخالفه بقية المفسرين وقالوا: بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبي. الثالثة- قال الكيا الطبري: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شي لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ. والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم. قوله تعالى: (ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم «1». (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) قيل: هي الوطيح والنطاة والسلالم والكتيبة. (مِنَ اللَّهِ) أي من أمره. وكانوا أهل حلقة- أي سلاح- كثير- وحصون منيعة، فلم يمنعهم شي منها. (فَأَتاهُمُ اللَّهُ) أي أمره وعذابه. (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي لم يظنوا. وقيل: من حيث لم يعلموا. وقيل: مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا بقتل كعب بن الأشرف، قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح. قوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي قتله هو محمد بن مسلمة وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش- وكان أخا كعب ابن الأشرف من الرضاعة- وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر) فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير. وهذه خصيصي لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيره.
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من هـ.

قوله تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ) قراءة العامة بالتخفيف من أخرب، أي يهدمون. وقرا السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو يخربون بالتشديد من التخريب. قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد لان الاخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم، يؤيده قوله تعالى: بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ. وقال آخرون: التخريب والاخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير. وحكى سيبويه: أن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان، نحو أخربته»
وخربته وأفرحته وفرحته. واختار أبو عبيد وأبو حاتم الاولى. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. فروي أنهم صالحوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعت «2» في التوراة، فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة ثم صبحهم بالكتائب، فقال لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك، فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله ابن أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولين أخرجتم لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على ما يأتي بيانه. وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة والعمود «3» فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها. وعن ابن زيد أيضا: كانوا يخربونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصنوا فيها، ويرموا
__________
(1). في هـ:" أحزنته وحزنته".
(2). في ح، هـ:" الذي بعث الله في التوراة".
(3). في: هـ:" أو العمود" بزيادة لفظ" أو".

وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)

بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل: ليسدوا بها أزقتهم. وقال عكرمة بِأَيْدِيهِمْ في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. وب أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ في إخراب «1» ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم. قال عكرمة: كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها" فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج. وقيل: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بنقض المواعدة وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بالمقاتلة، قاله الزهري أيضا. وقال أبو عمرو بن العلاء بِأَيْدِيهِمْ في تركهم لها. وب أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ في أجلائهم عنها. قال ابن العربي التناول للافساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا، إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء. قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) أي اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب. وقيل: يا من عاين ذلك ببصره، فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة:" السعيد من وعظ بغيره".

[سورة الحشر (59): الآيات 3 الى 4]
وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (3) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (4)
قوله تعالى: (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) أي لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن. (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) أي بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة. والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الابعاد واحدا من وجهين: أحدهما- أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من هـ.

مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)

الأهل والولد. الثاني- أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة، قاله الماوردي. قوله تعالى: (ذلِكَ) أي ذلك الجلاء (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ) أي عادوه وخالفوا أمره. (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ) قرأ طلحة بن مصرف ومحمد بن السميقع (ومن يشاقق الله) بإظهار التضعيف كالتي في" الأنفال" «1»، وأدغم الباقون.

[سورة الحشر (59): آية 5]
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (5)
فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) ما في محل نصب ب قَطَعْتُمْ، كأنه قال: أي شي قطعتم. وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزل على حصون بني النضير- وهي البؤيرة- حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بأمره، إما لاضعافهم بها و«2» إما لسعة المكان بقطعها. فشق ذلك عليهم فقالوا- وهم يهود أهل الكتاب-: يا محمد، الست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع الخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ووجد المؤمنون «3» في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:
__________
(1). راجع ج 7 ص 379.
(2). في ح، هـ:" أو لسعة".
(3). في ح، س، هـ:" المسلمون".

ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم ... على عهد موسى ولم نصدف
وأنتم رعاء الشاء عجاف ... بسهل تهامة والأخيف
ترون الرعاية مجدا لكم ... لدى كل دهر لكم مجحف
فيا أيها الشاهدون انتهوا ... عن الظلم والمنطق المؤنف
لعل الليالي وصرف الدهور ... يدلن من العادل المنصف
بقتل النضير وإجلائها «1» ... وعقر النخيل ولم تقطف
فأجابه حسان بن ثابت:
تفاقد «2» معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير
همو أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمي عن التوراة بور
كفرتم بالقران وقد أبيتم «3» ... بتصديق الذي قال النذير
وهان على سراة بني لوي ... حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نواحيها «4» السعير
ستعلم أينا منها بنزه ... ونعلم أي أرضينا تصير
فلو كان النخيل بها ركابا ... لقالوا لا مقام لكم فسيروا
الثانية- كان خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودس عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فاغتروا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكف عن
__________
(1). في سيرة ابن هشام:" وأحلافها".
(2). في سيرة ابن هشام:" تعاهد".
(3). في السيرة:" أتيتم".
(4). في السيرة:" في طرائقها".

دمائهم ويجليهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا كذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى خيبر أكابرهم، كحيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع. فدانت لهم خيبر. الثالثة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع نخل بني النضير وحرق. ولها يقول حسان:
وهان على سراة بني لوي ... حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ الآية. واختلف الناس في تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول- أن ذلك جائز، قال في المدونة. الثاني- إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في الواضحة. وعليه يناظر أصحاب الشافعي. ابن العربي: والصحيح الأول. وقد علم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نخل بني النضير له، ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى يخرجوا عنها. وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا، مقصودة عقلا. الرابعة- قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب. وقاله الكيا الطبري قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأي ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل، لان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما يدل على اجتهاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما لم ينزل عليه، أخذا بعموم الأذية للكفار، ودخولا في الاذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ. الخامسة: اختلف في اللينة ما هي، على أقوال عشرة: الأول- النخل كله إلا العجوة، قاله الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل. وعن ابن عباس ومجاهد

والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها. وعن ابن عباس أيضا: أنها لون من النخل. وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني «1». وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة. والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها، حكاه الماوردي. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يرى نواه من خارجه ويغيب فيه الضرس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف «2». وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش.
قد شجاني الحمام حين تغنى ... بفراق الأحباب من فوق لينه
وقيل: إن اللينة الفسيلة، لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر:
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا النخيل بالآجام «3»
وقيل: إن اللينة الأشجار كلها للينها بالحياة، قال ذو الرمة:
طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشه يترقرق
والقول العاشر- أنها الدقل، قاله الأصمعي. قال: واهل المدينة يقولون لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان، يعنون الدقل. قال ابن العربي: والصحيح ما قاله الزهري ومالك لوجهين: أحدهما- أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما. الثاني- أن الاشتقاق يعضده، واهل اللغة يصححونه، فإن اللينة وزنها لونه، واعتلت على أصولهم فآلت إلى لينة فهي لون، فإذا دخلت الهاء كسر أولها، كبرك الصدر (بفتح الباء) وبركه (بكسرها) لأجل الهاء. وقيل لينة أصلها لونه فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وجمع اللينة لين. وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه:
وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر
__________ (1). (البرني بفتح فسكون): ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب الحلاوة. [.....]
(2). الوصيف: الخادم، غلاما كان أو جارية.
(3). في ح، س، هـ:" بالأكمام".

وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)

وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقا من اللون لا من اللين. المهدوي: واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي من اللون واصلها لونه. وقيل أصلها لينة من لان يلين. وقرا عبد الله" ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماء على أصولها" أي قائمة على سوقها. وقرا الأعمش" ما قطعتم من لينة أو تركتموها قوما على أصولها" المعنى لم تقطعوها. وقرى" قوماء على أصلها". وفية وجهان: أحدهما- أنه جمع أصل، كرهن ورهن. والثاني- اكتفي فيه بالضمة عن الواو. وقرى" قائما على أصوله" ذهابا إلى لفظ ما. فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ أي ليذل اليهود الكفار به وبنبيه وكتبه.

[سورة الحشر (59): الآيات 6 الى 7]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7)
قوله تعالى: (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) هذه الآية والتي بعدها إلى قوله شَدِيدُ الْعِقابِ «1» فيه عشر مسائل: الاولى- قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ يعني ما رده الله تعالى عَلى رَسُولِهِ من أموال بني النضير. فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ أوضعتم عليه. والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع، يقال: وجف الفرس إذا أسرع، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل:
مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا
والركاب الإبل، واحدها راحلة. يقول: لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ح، س.

ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، قاله الفراء. فمشوا إليها مشيا ولم يركبوا خيلا ولا إبلا، إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه ركب جملا وقيل حمارا مخطوما بليف، فافتتحها صلحا وأجلاهم واخذ أموالهم. فسأل المسلمون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقسم لهم فنزلت: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ الآية. فجعل أموال بني النضير للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين. قال الواقدي: ورواه ابن وهب عن مالك، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين، منهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقيل: إنما أعطى رجلين، سهلا وأبا دجانة. ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم. ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: سفيان ابن عمير، وسعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. وفي صحيح مسلم عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع «1» والسلاح عدة في سبيل الله تعالى. وقال العباس لعمر- رضي الله عنهما-: اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن- يعني عليا رضي الله عنه- فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. فقال عمر: أتعلمان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا نورث ما تركناه صدقة) قالا نعم. قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخاصة ولم يخصص بها أحدا غيره. قال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) فقسم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال ... الحديث بطوله، خرجه مسلم. وقيل: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم، فبين الله تعالى أنها في وكان قد جرى ثم بعض القتال، لأنهم حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا،
__________
(1). قوله" في الكراع": في الدواب التي تصلح للحرب.

ثم صالحوا على الجلاء. ولم يكن قتال على التحقيق، بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال مجاهد: أعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونصرهم بغير كراع ولا عدة. (وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) أي من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون أصحابه. الثانية- قوله تعالى: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) قال ابن عباس: هي قريظة والنضير، وهما بالمدينة وفدك، وهي على ثلاثة أيام من المدينة وخيبر. وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله. وبين أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سهمانا لغير الرسول نظرا منه لعباده. وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال، فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الاربعة لمن قاتل. وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولا يكون لمن قاتل عليها شي. وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما. ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئا والاولى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: الاولى: للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والثانية: هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة: الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين. وقال قوم منهم الشافعي: إن معنى الآيتين واحد، أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم، أربعة منها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضا وسهم لذوي القربى- وهم بنو هاشم وبنو المطلب- لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، وأما بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذي كان من الفيء لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور، لأنهم القائمون

مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلا خلاف، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم). وقد مضى القول فيه في سورة" الأنفال" «1». وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين، كما قال عليه السلام: (إنا لا نورث ما تركناه صدقة). وقيل: كان مال الفيء لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثل «2» مالا، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيا ت، أما الآية الاولى فهي قوله: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر: 2] ثم قال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني من أهل الكتاب معطوفا عليهم. (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) يريد كما بينا، فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: إنها كانت خالصة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني بني النضير وما كان مثلها. فهذه آية واحدة ومعنى متحد. الآية الثانية: قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول. وسمي الآية الثالثة آية الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر، بيد أن الآية الاولى والثانية، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الاولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى عن
ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من هاهنا، فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه.
__________
(1). راجع ج 8 ص 11.
(2). المتأثل: الجامع.

ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية وهي آية الأنفال. والذين قالوا أنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا، هل هي منسوخة- كما تقدم- أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها «1» أولى، لان فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أن حمل الحرف من الآية فضلا عن الآية على فائدة متجددة أولى من حمله على فائدة معادة. وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ بني النضير «2»، لم يكن فيها خمس ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. كانت صافية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار، حسب ما تقدم. وقوله ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد. قال ابن العربي: قول مالك إن الآية الثانية في بني قريظة، إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ. وهذا أقوى «3» من القول بالأحكام. ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبينا أن الآية الثانية لها معنى مجدد حسب ما دللنا عليه. والله اعلم. قلت- ما اختاره حسن. وقد قيل إن سورة" الحشر" نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر. وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مغنم، أو في، أو صدقة، وليس منه درهم إلا وقد بين الله موضعه. وهذا أشبه. الثالثة- الأموال التي للائمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم، كالصدقات والزكوات. والثاني- الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال ولا إيجاف، كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها، حسب ما ذكره الله تعالى، وقد مضى في" براءة" «4». وأما الغنائم فكانت
__________
(1). في المطبوعة:" بشهادة الله بالأولى أولى".
(2). في ز، ل:" هي النضير".
(3). في ح، ز، س، ط، هـ:" وهو أقوى منا من القول ...".
(4). راجع ج 8 ص 67.

في صدر الإسلام للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع فيها ما شاء، كما قال في سورة" الأنفال": قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1]، ثم نسخ بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: 41] الآية. وقد مضى في الأنفال بيانه «1». فأما الفيء فقسمته وقسمة الخمس سواء. والامر عند مالك فيهما إلى الامام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قسمه كله بين الناس، وسوى فيه بين عربيهم ومولاهم. ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطوا ذوو القربى من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفيء سهمهم على ما يراه الامام، وليس له حد معلوم. واختلف في إعطاء الغني منهم، فأكثر الناس على إعطائه لأنه حق لهم. وقال مالك: لا يعطي منه غير فقرائهم، لأنه جعل لهم عوضا من الصدقة. وقال الشافعي: أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خمسة وعشرين سهما: عشرون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل فيها ما يشاء. والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد ابن الداودي: وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصا له، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبينا للآية. ولو كان هذا لكان قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «2» [الأحزاب: 50] يدل على أنه يجوز الموهبة لغيره، وأن قوله: خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ «3» [الأعراف: 32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعي مستوعبا في ذلك والحمد لله. ومذهب الشافعي رضي الله عنه: أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعه أخماسه كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة، كما تقدم. الرابعة- قال علماؤنا: ويقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرمادة، وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقد قيل عامين. وقيل:
__________
(1). راجع ج 8 ص 9
(2). راجع ج 14 ص 205.
(3). راجع ج 7 ص 195.

عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا وراي الامام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير. والفيء حلال للأغنياء. ويسوى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة. ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم. ويعطي منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلا، ويرزق القضاء والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعا. ومن أخذ من الفيء شيئا في الديوان كان عليه أن يغزو إذا غزي. الخامسة- قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً قراءة العامة يَكُونَ بالياء. دُولَةً بالنصب، أي كي لا يكون الفيء دولة وقرا أبو جعفر والأعرج وهشام- عن ابن عامر- وأبو حيوة" تكون" بتاء (دولة) بالرفع، أي كي لا تقع دولة. فكان تامة. و(دولة) رفع على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ. وإذا كانت تامة فقوله: بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ متعلق ب دُولَةً على معنى تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وصفا ل دُولَةً. وقراءة العامة دُولَةً بضم الدال. وقرأها السلمي وأبو حيوة بالنصب. قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة (بالفتح) الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضم اسم الشيء الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو عبيدة: الدولة اسم الشيء الذي يتداول. والدولة الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لان أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع. ثم يصطفي منها أيضا بعد المرباع ما شاء، وفيها قال شاعرهم:
لك المرباع منها والصفايا «1»
__________
(1). البيت بتمامه:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
وهو لعبد الله بن عنمة الضبي يخاطب بسطام بن قيس. والنشيطة ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى مجتمع الحي. والفضول: ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة كالبعير والفرس ونحوهما. [.....]

يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعا. السادسة- قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغلول «1» فانتهوا، قاله الحسن وغيره. السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردي: وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد. قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال. السابعة- قال المهدوي: قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر من الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونواهيه دخل فيها. وقال الحكم بن عمير- وكانت له صحبة- قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه يسير على من اتبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (. الثامنة- قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلا محرما وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ علي بهذا آية من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال فقلت له ما تقول- أصلحك الله- في المحرم يقتل الزنبور؟ قال فقال:
__________
(1). الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة.

بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). حدثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه أمر بقتل الزنبور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدي فيه بعمر، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار في سورة" النساء" عند قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «1» [النساء: 59]. وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات «2» والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت! فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في كتاب الله! فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه! أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا! قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه .. الحديث. وقد مضى القول فيه في" النساء" «3» مستوفي. التاسعة- قوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الامر، بدليل قوله تعالى: وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبل مع قوله عليه الصلاة السلام: (إذا) هامش (
__________
(1). راجع ج 5 ص 259 وص 392.
(2). المتنمصات:) جمع متنمصة) وهى التي تنتف الشعر من وجهها. والمتفلجات: (جمع متفلجة) وهى التي تتكلف أن تفرق بين منها من الثنايا والرباعيات.
(3). راجع ج 5 ص 259 وص 392.

لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)

أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شي فاجتنبوه (. وقال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أموال، المشركين: يا رسول الله، خذ صفيك والربع، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوه:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
فأنزل الله تعالى هذه الآية. العاشرة- قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيعوها. (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالف ما أمره به.

[سورة الحشر (59): آية 8]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)
أي الفيء والغنائم لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ. وقيل: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ ولكن يكون لِلْفُقَراءِ. وقيل: هو بيان لقوله: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فلما ذكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء، لأنهم فقراء ومهاجرون وقد أخرجوا من ديارهم، فهم أحق الناس به. وقيل: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ للفقراء المهاجرين لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب للمهاجرين، أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم. ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى . وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لبكر لفلان لفلان. والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبا فيه ونصرة له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حبا لله ولرسوله، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

ماله دثار غيرها. وقال عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جبير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحج عليها ويغزو فنسبهم الله إلى الفقر وجعل لهم سهما في الزكاة. ومعنى أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي أخرجهم كفار مكة، أي أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل. (يَبْتَغُونَ) يطلبون. (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) أي غنيمة في الدنيا (وَرِضْواناً) في الآخرة، أي مرضاة ربهم. (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في الجهاد في سبيل الله. (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية «1» فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبى بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما. ألا وإني باد بأزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا.

[سورة الحشر (59): آية 9]
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)
فيه إحدى عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) لا خلاف أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها. وَالْإِيمانَ نصب بفعل غير تبوأ، لان التبوء إنما يكون في الأماكن. ومِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ صلة تبوأ والمعنى: والذين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الايمان وأخلصوه، لان الايمان
__________
(1). بلدة دمشق.

ليس بمكان يتبوأ، كقوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ «1» [يونس: 71] أي وادعوا شركاءكم، ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما. ويكون من باب قوله: علفتها تبنا وماء باردا. ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: تبوءوا الدار ومواضع الايمان. ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ، كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الايمان فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوأ الايمان على طريق المثل، كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم. والتبوء: التمكن والاستقرار. وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم. الثانية- واختلف أيضا هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة، فتأول قوم أنها معطوفة على قوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه، لان الله تعالى يقول: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إلى قوله الْفاسِقِينَ [الحشر: 5- 2] فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع. ثم قال: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ فأخبر أن ذلك للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه لم يوجف عليه حين خلوه. وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الامر. ثم قال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال، الفيء للفقراء المهاجرين، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: 10] ابتداء كلام، والخبر يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [الحشر: 10]. وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالَّذِينَ جاؤُ معطوف على ما قبل، وأنهم
__________
(1). راجع ج 8 ص 362.

شركاء في الفيء، أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوءوا الدار. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [التوبة: 60] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ- حتى بلغ- لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ، وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير»
نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الامر وتدبروه ثم أغدوا علي. ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت. فلما غدوا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة" الحشر" وتلا ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى - إلى قوله- لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ فلما بلغ قوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15] قال: ما هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ- إلى قوله- رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله اعلم. الثالثة- روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر. وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد «2» العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم، لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك، فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش، فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة. ومن أبى أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه قسم خيبر، لان اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شي أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه
__________
(1). سرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن. والسرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل.
(2). سواد البلدة: ما حولها من الريف والقرى.

تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ- إلى قوله- رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ على ما تقدم. والله اعلم «1». الرابعة- واختلف العلماء في قسمة العقار، فقال مالك: للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: الامام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح المسلمين. وقال الشافعي: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال. فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعله وقفا عليهم فله. ومن لم تطب نفسه فهو أحق بمال. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم. قلت: وعلى هذا يكون «2» قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: 10] مقطوعا مما قبله، وانهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم. الخامسة- قال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: إن المدينة تبوئت بالايمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ الآية. وقد مضى الكلام في هذا، وفي فضل الصلاة في المسجدين: المسجد الحرام ومسجد المدينة، فلا معنى للإعادة. السادسة- قوله تعالى: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره، كذلك قال الناس. وفية تقدير حذف مضافين، المعنى مس حاجة من فقد ما أوتوا. وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم قال: (إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم (. فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله
__________
(1). جملة" والله أعلم" ساقطة من س.
(2). في ح، س:" وعلى هذا يجئ".

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار). وأعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم «1». ويحتمل أن يريد به وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا إذا كان قليلا بل يقنعون به ويرضون عنه. وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحكم الدنيا. وقد أنذرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: (سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). السابعة- قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) في الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلا بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال: هذا حديث حسن صحيح. خرجه مسلم أيضا. وخرج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شي؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم «2» بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (قد عجب «3» الله عز وجل- من صنيعكما بضيفكما الليلة). وفي رواية عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه. فقال: (ألا رجل يضيف هذا رحمه الله)؟ فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله ...، وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزول الآية. وذكر المهدوي عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل
__________
(1). راجع ص 11 من هذا الجزء.
(2). علله بكذا: شغله ولهاه به.
(3). أي عظم ذلك عنده وكبر عليه، وإطلاق العجب على الله مجاز، لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء.

من الأنصار- نزل به ثابت- يقال له أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية، وقدم ما كان عنده إلى ضيفه. وكذا ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار- يقال له أبو المتوكل- ثابت بن قيس ضيفا، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية، فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ- إلى قوله- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وقيل: إن فاعل ذلك أبو طلحة. وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ. ذكره الثعلبي عن أنس قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهودا فوجه به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزلت: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية. وقال ابن عباس قال النبي للأنصار يوم بني النضير: (إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا) فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة، فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية. والأول أصح. وفي الصحيحين عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه. لفظ مسلم. وقال الزهري عن أنس بن مالك: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شي، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمئونة، وكانت أم أنس بن مالك تدعي أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخا لأنس لامه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عذاقا «1» لها، فأعطاها رسول الله صلى
__________
(1). العذاق- بكسر العين جمع عذق بفتحها- ومعناها النخلات. [.....]

الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، ثم أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم أيمن مكانهن من حائطه. خرجه مسلم أيضا. الثامنة- الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. يقال: آثرته بكذا، أي خصصته به وفضلته. ومفعول الإيثار محذوف، أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها، حسب ما تقدم بيانه. وفي موطأ مالك:" أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا: شاة وكفنها «1». فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجل منه ما يشاء ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئا لله لم يجد فقده. وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وقى شح نفسه وأفلح فلاحا لا خسارة بعده. ومعنى (شاة وكفنها) فإن العرب- أو بعض العرب أو بعض وجوههم- كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله بعجين البر وكفنوه به ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شي إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم. وروى النسائي عن نافع
__________
(1). أي أنها كانت ملفوفة بالرغف، وسيأتي معناه بأوضح من هذا. وقولها:" ما كان يهدى لنا" تريد أن عائشة رضى الله عنها لم تعلم بذلك ولم تحتسب به فتثق به وتعول عليه، ولكن الله سبحانه عوضها من حيث لا تحتسب. (شرح الموطإ).

أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبا، فاشترى له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل، فقال: أعطوه إياه، فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين فسأل، فقال: أعطوه إياه، ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه، فأراد السائل أن يرجع فمنع. ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه، لان ما خرج لله لا يعود فيه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرف قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبئت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من بعض. ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها، وكان عشرة آلاف وكان المنكدر دخل عليها «1». فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء، قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ «2» [البقرة: 177]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر
__________
(1). بعد كلمة" عليها" بياض في ح، ز، س، هـ، نبه عليه الناسخ بقوله: بياض في الأصل.
(2). راجع ج 2 ص 243.

ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه صدقة، فرماه بها وقال: (يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس). والله اعلم. التاسعة:- والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال السائرة:
والجود بالنفس أقصى غاية الجود «1»

ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد المحبة: أنها الإيثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف عليه السلام، آثرته على نفسها فقالت: أنا راودته عن نفسه. وأفضل الجود بالنفس الجوة على حماية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتطلع ليرى القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله! لا يصيبونك! نحري دون نحرك ووقى بيده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشلت. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي- ومعي شي من الماء- وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وقال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ! قدم علينا حاجا فقال لي: يا با يزيد، ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا.
__________
(1). هو من بيت لمسلم بن الوليد، صدره:
تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها

يقول: تجود بنفسك في الحرب إذ أنت الضنين بها في الذم. ويروى:
يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها

فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا. فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا. وسيل ذو النون المصري: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على نفسه. العاشرة: قوله تعالى «1»: وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الخصاصة: الحاجة التي تختل بها الحال. واصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة الانفراد بالحاجة، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر:
أما الربيع إذا تكون خصاصة ... عاش السقيم به وأثرى المقتر
الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الشح والبخل سواء، يقال: رجل شحيح بين الشح والشح والشحاحة. قال عمرو بن كلثوم:
ترى اللحز الشحيح إذا أمرت ... عليه لماله فيها مهينا «2»
وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. وفي الصحاح: الشح البخل مع حرص، تقول: شححت (بالكسر) تشح. وشححت أيضا تشح وتشح. ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحة. والمراد بالآية: الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شا كل ذلك. فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه. وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال:
__________
(1). جملة" قوله تعالى" ساقطة من س.
(2). في شرح التبريزي:" اللحز: الضيق البخيل. وقيل: هو السيئ الخلق اللئيم. وقوله: إذا أمرت عليه. أي أديرت، والمعنى: أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله، يقال: فلا مهين لماله، إذا كان سخيا. وفلان معز لماله، إذا كان بخيلا".

وما ذاك؟ قال: سمعت الله عز وجل يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا. فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادخار الحرام. ابن عيينة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل الايمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شي أمره الله به، فقد وقاه الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة). وعنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يدعو (اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها). وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلا في الطواف يدعو: اللهم قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك شيئا، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن ابن عوف. قلت: يدل على هذا قول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم (. وقد بيناه في آخر" آل عمران" «1». وقال كسرى لأصحابه: أي شي أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر، لان الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا.
__________
(1). راجع ج 4 ص 293.

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)

[سورة الحشر (59): آية 10]
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والايمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن شمسا، فإن لم تستطع فكن قمرا، فإن لم تستطع فكن كوكبا مضيئا، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا، ومن جهة النور لا تنقطع. ومعنى هذا: كن مهاجريا. فإن قلت: لا أجد، فكن أنصاريا. فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد ابن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه، أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخى أنت من قوم قال الله فيهم: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الآية. قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية «1» فأنت من قوم قال الله فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الآية. قال لا قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الآية. وقد قيل: إن محمد ابن علي بن الحسين، رضي الله عنهم، روى عن أبيه: أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه، فسبوا أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- ثم عثمان- رضي الله عنه- فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوءوا الدار والايمان من
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من س، هـ.

قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قوموا، فعل الله بكم وفعل!! ذكره النحاس. الثانية- هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا إنه لا حق له في الفيء، روي ذلك عن مالك وغيره. قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في في المسلمين، ثم قرأ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية. الثالثة- هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، وإبقاء العقار والأرض شملا «1» بين المسلمين أجمعين، كما فعل عمر رضي الله عنه، إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن هذه الآية قاضية بذلك، لان الله تعالى أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار- وهم معلمون- وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ. فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين. وفي الحديث الصحيح: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أن رأيت «2» إخواننا) قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ فقال: (بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض). فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم، لا كما قال السدي والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضا وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ من قصد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة.
__________
(1). كذا في الأصول. والمراد جعلها عامة شاملة بين المسلمين.
(2). في صحيح مسلم:" أنا قد رأينا ...".

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)

الرابعة- قوله تعالى: (يَقُولُونَ) نصب في موضع الحال، أي قائلين. (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) فيه وجهان: أحدهما- أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الامة من مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة رضي الله عنها فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم. الثاني: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يعلم أنهم سيفتنون. وقالت عائشة: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم، سمعت نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (لا تذهب هذه الامة حتى يلعن آخرها أولها) وقال ابن عمر: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعن الله أشركم). وقال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الامة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله وإياكم من الاهواء المضلة. وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي حقدا وحسدا (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)

[سورة الحشر (59): آية 11]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (11)

لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12)

تعجب «1» من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنهم لا يعتقدون دينا ولا كتابا. ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد. وقيل: رافعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، وقالوا ليهود قريظة والنضير: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ). وقيل: هو من قول بني النضير لقريظة. وقوله: (وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً) يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا نطيعه في قتالكم. وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جهة علم الغيب، لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم، كما قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) أي في قولهم وفعلهم.

[سورة الحشر (59): آية 12]
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12)
قوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ أي منهزمين. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ قيل: معنى لا يَنْصُرُونَهُمْ طائعين. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ مكرهين لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ. وقيل: معنى لا يَنْصُرُونَهُمْ لا يدومون على نصرهم. هذا على أن الضميرين متفقان. وقيل: إنهما مختلفان، والمعنى لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولين قوتلوا لا ينصرونهم. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولين نصر اليهود المنافقين لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ. وقيل: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ أي علم الله منهم أنهم لا يخرجون إن أخرجوا. وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ أي علم الله منهم ذلك. ثم قال: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ فأخبر عما قد أخبر أنه لا يكون كيف كان يكون لو كان؟ وهو كقوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا «2» عَنْهُ [الانعام: 28]. وقيل: معنى وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولين شئنا أن ينصروهم زينا ذلك لهم. لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ.
__________
(1). في أ:" عجب".
(2). راجع ج 6 ص 410.

لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)

[سورة الحشر (59): آية 13]
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13)
قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ) يا معشر المسلمين (أَشَدُّ رَهْبَةً) أي خوفا وخشية (فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) يعني صدور بني النضير. وقيل: في صدور المنافقين. ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم ذلك الخوف. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.

[سورة الحشر (59): آية 14]
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)
قوله تعالى: (لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً) يعني اليهود (إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) أي بالحيطان والدور، يظنون أنها تمنعهم منكم. (أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) أي من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. وقراءة العامة جُدُرٍ على الجمع، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، لأنها نظير قوله تعالى: فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ وذلك جمع. وقرا ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو" جدار" على التوحيد، لان التوحيد يؤدي عن الجمع. وروي عن بعض المكيين" جدر" (بفتح الجيم وإسكان الدال)، وهي لغة في الجدار. ويجوز أن يكون معناه من وراء نخيلهم وشجرهم، يقال: أجدر النخل إذا طلعت رءوسه في أول الربيع. والجدر: نبت واحدته جدره. وقرى" جدر" (بضم الجيم وإسكان الدال) جمع الجدار. ويجوز أن تكون الالف في الواحد كألف كتاب، وفي الجمع كألف ظراف. ومثله ناقة هجان ونوق هجان، لأنك تقول في التثنية: هجانان، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى، قاله ابن جني.

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)

قوله تعالى: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) يعني عداوة بعضهم لبعض. وقال مجاهد: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. وقيل: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي إذا لم يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لقوا العدو انهزموا. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يعني اليهود والمنافقين، قاله مجاهد. وعنه أيضا يعني المنافقين. الثوري: هم المشركون واهل الكتاب. وقال قتادة: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً أي مجتمعين على أمر وراي. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة. فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضا: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا ليقوي أنفس المؤمنين عليهم. وقال الشاعر:
إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي أمس جمع
وفي قراءة ابن مسعود" وقلوبهم أشت" يعني أشد تشتيتا، أي أشد اختلافا. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) أي ذلك التشتيت والكفر بأنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله.

[سورة الحشر (59): آية 15]
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15)
قال ابن عباس: يعني به قينقاع، أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال قتادة: يعني بني النضير، أمكن الله منهم قبل قريظة. مجاهد: يعني كفار قريش يوم بدر. وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني الضير من نوح إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومعنى وَبالَ جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة، جعل وَبالَ أَمْرِهِمْ نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وهو قول الضحاك. ومن قال المراد بنو النضير قال: وَبالَ أَمْرِهِمْ الجلاء والنفي. وكان بين النضير وقريظة سنتان. وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، فلذلك قال: قَرِيباً وقد قال قوم: غزوة بني النضير بعد وقعة أحد. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «1» في الآخرة.
__________
(1). كلمة أَلِيمٌ ساقطة من هـ.

كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)

[سورة الحشر (59): الآيات 16 الى 17]
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (17)
قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) هذا ضرب مثل للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم. وحذف حرف العطف، ولم يقل: وكمثل الشيطان، لان حذف حرف العطف كثير كما تقول: أنت عاقل أنت كريم أنت عالم. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر، راهب تركت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفا أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد له أنجاه منهم، فسجد له فتبرأ منه فأسلمه. ذكره القاضي إسماعيل وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وذكر خبره مطولا ابن عباس ووهب بن منبه. ولفظهما مختلف. قال ابن عباس في قوله تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ: كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، حتى أعيا إبليس، فجمع إبليس مردة الشياطين فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند فذلك قوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «1» [التكوير: 20] فقال: أنا أكفيكه، فانطلق فتزيا بزي الرهبان، وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل من صلاته إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشره أيام، وكان يواصل العشرة
__________
(1). راجع ج 19 ص 238. [.....]

الأيام والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أن أكون معك، فأتأدب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة، فقال: إني في شغل عنك، ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض أيضا على الصلاة، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ فقال: أن تأذن لي فارتفع إليك. فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر إلا في كل أربعين يوما يوما واحدا، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه. ثم قال الأبيض: عندي دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلي والمجنون، فعلمه إياها. ثم جاء إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. ثم تعرض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله- وقد تصور في صورة الآدميين-: إن بصاحبكم جنونا أفأطبه؟ قالوا نعم. فقال: لا أقوى على جنيته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فجاءوه فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون. فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل فعذبها وخنقها. ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت، فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا، قال: فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانة عندك فاحتسب فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية، فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها. وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: ويحك! واقعها، فما تجد

مثلها ثم تتوب بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها. فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت. فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح، فإن جاءوك وسألوك فقل جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلا، فأخذ الشيطان طرف ثوبها حتى بقي خارجا من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته. ثم جاء الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال: إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا، فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت أختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانها، فصدقوه وانصرفوا. ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ردائها خارج من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله. فلما صلب قال الشيطان: أتعرفني؟ قال لا والله قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله أما استحيت وأنت أعبد بني إسرائيل ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس فان مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال تسجد لي سجدة واحدة، فقال: أنا أفعل، فسجد له من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك، كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني برئ منك، إني أخاف الله رب العالمين. وقال وهب ابن منبه: إن عابدا كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكرا، ليست لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم، فلم يدروا عند من يخلفون أختهم، ولا عند من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها. قال فاجتمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من غزاتهم، فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله منهم ومن أختهم. قال فلم يزالوا به حتى أطمعهم «1» فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي، فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا، ينزل إليها الطعام من
__________
(1). كذا في الأصول. ولعلها" أطاعهم".

صومعته، فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها. قال: فلبث بذلك زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك، قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها قال: فلبثت بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، وقال: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدثها زمانا يطلع عليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد على باب بيتها فتحدثك كان أنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها، وتخرج الجارية من بيتها، فلبثا زمانا يتحدثان، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من باب بيتها كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل. قال: فلبثا زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت من باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها، ففعل. فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدثها. فلبثا بذلك حينا ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت معها تحدثها ولم تتركها تبرز وجهها لاحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل يحدثها نهاره كله، فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلاما، فجاءه إبليس فقال له: أرأيت أن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك! كيف تصنع! لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك! فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها، ففعل. فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها! خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها. فلم يزل به حتى ذبحها

وألقاها في الحفيرة مع ابنها، وأطبق عليها صخرة عظيمة، وسوى عليها التراب، وصعد في صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتى قفل إخوتها من الغزو، فجاءوه فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها، وبكى لهم وقال: كانت خير أمة، وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا على قبرها وترحموا عليها، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها، وكيف أراهم موضع قبرها، فكذبه الشيطان وقال: لم يصدقكم أمر أختكم، إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله. فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما هنالك جميعا كما أخبرتكم. قال: وأتى الأوسط في منامه وقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض، يقول كل واحد منهم: لقد رأيت عجبا، فأخبر بعضهم بعضا بما رأى. قال أكبرهم: هذا حلم ليس بشيء، فامضوا بنا ودعوا هذا. قال أصغرهم: لا أمضي حتى أتي ذلك المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعا حتى دخلوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم، فسألوا العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا «1» عليه ملكهم، فأنزل من صومعته فقدموه ليصلب، فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال له: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحت ابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه. قال: فكفر العابد بالله، فلما كفر خلى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال: ففيه نزلت هذه الآية: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ- إلى
قوله- جَزاءُ الظَّالِمِينَ.
__________
(1). أي استعانوا به فأنصفهم منه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)

قال ابن عباس: فضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود. وذلك أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يجلي بنى النضير من المدينة، فدس إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخذلهم المنافقون، وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتقية «1» والكتمان. وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أم جريج الراهب، وبرأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم «2» لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي «3» جارٌ لَكُمْ [الأنفال: 48] الآية. وقال مجاهد المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. ومعنى قول تعالى: إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ أي أغواه حتى قال: إني كافر. وليس قول الشيطان: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ حقيقة، إنما هو على وجه التبرؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: إِنِّي بَرِي ءٌ مِنْكَ وفتح الياء من (إني) نافع وابن كثير وأبو عمرو. وأسكن الباقون. (فَكانَ عاقِبَتَهُما) أي عاقبة الشيطان وذلك الإنسان (أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها) نصب على الحال. والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان. ومن جعلها في الجنس فالمعنى: وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. ونصب عاقِبَتَهُما على أنه خبر كان. والاسم أَنَّهُما فِي النَّارِ وقرا الحسن (فكان عاقبتهما) بالرفع على الضد من ذلك. وقرا الأعمش" خالدان فيها" بالرفع وذلك خلاف المرسوم. ورفعه على أنه خبر" أن" والظرف ملغى.

[سورة الحشر (59): آية 18]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)
__________
(1). أي يظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك.
(2). في أ:" وعدهم".
(3). راجع ج 8 ص 26.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)

قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) يعني يوم القيامة. والعرب تكني عن المستقبل بالغد. وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة، كما قال الشاعر:
وإن غدا للناظرين قريب «1»

وقال الحسن وقتادة: قرب الساعة حتى جعلها كغد. ولا شك أن كل آت قريب، والموت لا محالة آت. ومعنى ما قَدَّمَتْ يعني من خير أو شر. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أعاد هذا تكريرا، كقولك: اعجل اعجل، ارم ارم. وقيل التقوى الاولى التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) قال سعيد بن جبير: أي بما يكون منكم. والله اعلم.

[سورة الحشر (59): آية 19]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (19)
قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي تركوا أمره (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أن يعلموا لها خيرا، قاله ابن حبان. وقيل: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، قاله سفيان. وقيل: نَسُوا اللَّهَ بترك شكره وتعظيمه. فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا، حكاه ابن عيسى. وقال سهل بن عبد الله: نَسُوا اللَّهَ عند الذنوب فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
عند التوبة. ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في فَأَنْساهُمْ إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه الذي تركوه. وقيل: معناه وجدهم تاركين أمره ونهيه، كقولك: أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا. وقيل: نَسُوا اللَّهَ في الرخاء (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ في الشدائد. (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) قال ابن جبير: العاصون. وقال ابن زيد: الكاذبون. واصل الفسق الخروج، أي الذين خرجوا عن طاعة الله.
__________
(1). في فرائد اللئالي: أن قائل هذا هو فراد بن أجدع للنعمان بن المندز. ولفظ البيت:
فإن بك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب

[سورة الحشر (59): آية 20]
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (20)

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)

قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) أي في الفضل والرتبة (أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) أي المقربون المكرمون. وقيل: الناجون من النار. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في" المائدة" عند قوله تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ «1». [المائدة: 100] وفي سورة" السجدة" عند قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ «2» [السجدة: 18]. وفي سورة" ص" أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ «3» كَالْفُجَّارِ [ص: 28] فلا معنى للإعادة، والحمد لله «4».

[سورة الحشر (59): آية 21]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)
21 قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً) حث على تأمل مواعظ القرآن وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي متشققة من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. وقيل: خاشِعاً لله بما كلفه من طاعته. مُتَصَدِّعاً من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: هو على وجه المثل للكفار. قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) أي إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدع لوعيده وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من
__________
(1). راجع ج 6 ص ص 327.
(2). راجع ج 14 ص 105.
(3). راجع ج 15 ص 101.
(4). جملة" والحمد لله" ساقطة من أ.

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)

وعيده وقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال. وقيل: إنه خطاب للامة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله. والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب.

[سورة الحشر (59): آية 22]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (22)
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) قال ابن عباس: عالم السر والعلانية. وقيل: ما كان وما يكون. وقال سهل. عالم بالآخرة والدنيا. وقيل: الْغَيْبِ ما لم يعلم العباد ولا عاينوه. وَالشَّهادَةِ ما علموا وشاهدوا. (هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) تقدم».

[سورة الحشر (59): آية 23]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) أي المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب. والقدس (بالتحريك): السطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر به. ومنه القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء من البئر بالسانية «2». وكان سيبويه يقول: قدوس وسبوح، بفتح أولهما. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يكني أبا الدينار يقرأ الْقُدُّوسُ بفتح القاف. قال ثعلب: كل اسم على
__________
(1). راجع ج 1 ص 103.
(2). من معنى السانية: الدلو وأدواته. والمراد هنا الأدوات إلى يستخرج بها الماء.

فعول فهو مفتوح الأول، مثل سفود «1» وكلوب وتنور وسمور وشبوط، إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان. وكذلك الذروح «2» بالضم وقد يفتح. (السَّلامُ) أي ذو السلامة من النقائص. وقال ابن العربي: اتفق العلماء رحمة الله عليهم على أن معنى قولنا في الله السَّلامُ: النسبة، تقديره ذو السلامة. ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال: الأول: معناه الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل نقصى. الثاني: معناه ذو السلام، أي المسلم على عباده في الجنة، كما قال: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]. الثالث: أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. قلت: وهذا قول الخطابي، وعليه والذي قبله يكون صفة فعل. وعلى أنه البرئ من العيوب والنقائص يكون صفة ذات. وقيل: السَّلامُ معناه المسلم لعباده. الْمُؤْمِنُ) أي المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقيل: المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه ويؤمن عباده من ظلمه، يقال: آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف، كما قال تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «3» [قريش: 4] فهو مؤمن، قال النابغة:
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند «4»
وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ «5» [آل عمران: 18]. وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار. وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتى إذا لم يبق فيها من يوافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم: أنتم
__________
(1). السفود: حديدة يشوى عليها اللحم، والجمع سفافيد. والكلوب: حديدة معطوفة كالخطاف. والتنور: الكانون يخبز فيه. والسمور: حيوان برى يشبه السنور يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها وخفتها وادفائها وحسنها. والشبوط: سمك رقيق الذنب عريض الوسط لين المس صغير الرأس. والجمع شبابيط.
(2). الذروح: دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهى من السموم القاتلة. [.....]
(3). راجع ج 20 ص 209.
(4). العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير. والغيل: الشجر الكثير الملتف. والسند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح.
(5). راجع ج 4 ص 40.

المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين. (الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ) تقدم الكلام في المهيمن في" المائدة" «1» وفى الْعَزِيزُ في غير موضع «2»، (الْجَبَّارُ) قال ابن عباس: هو العظيم. وجبروت الله عظمته. وهو على هذا القول صفة ذات، من قولهم: نخلة جبارة. قال امرؤ القيس:
سوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنوانا من البسر أحمرا «3»
يعني النخلة التي فاتت اليد. فكان هذا الاسم يدل على عظمة الله وتقديسه عن أن تناله النقائص وصفات الحدث. وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم فجبر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو فعال من جبر إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير. وقال الفراء: هو من أجبره على الامر أي قهره. قال: ولم أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار ودراك من أدرك. وقيل: الْجَبَّارُ الذي لا تطاق سطوته. (الْمُتَكَبِّرُ) الذي تكبر بربوبيته فلا شي مثله. وقيل: الْمُتَكَبِّرُ عن كل سوء المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم. واصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد. وقال حميد بن ثور:
عفت مئل ما يعفو الفصيل فأصبحت ... بها كبرياء الصعب وهي ذلول
والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار (. وقيل: المتكبر معناه العالي. وقيل: معناه الكبير لأنه أجل من أن يتكلف كبرا. وقد يقال: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى شتم، واستقر بمعنى قر. كذلك المتكبر بمعنى الكبير. وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف بتفعل إذا نسب إلى ما لم يكن منه. ثم نزه نفسه فقال: (سُبْحانَ اللَّهِ) أي تنزيها لجلالته وعظمته عَمَّا يُشْرِكُونَ.
__________
(1). راجع ج 6 ص 210.
(2). راجع ج 2 ص 131.
(3). سوامق: مرتفعات. والاثيث: الملتف. والقنوان: العذق.

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)

[سورة الحشر (59): آية 24]
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) الْخالِقُ هنا المقدر. والْبارِئُ المنشئ المخترع. والْمُصَوِّرُ مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفه. فالتصوير مرتب على الخلق والبراية «1» وتابع لهما. ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل. وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعله صورة وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. وقال النابغة:
الخالق البارئ المصور في ال ... أرحام ماء حتى يصير دما
وقد جعل بعض الناس الخلق بمعنى التصوير، وليس كذلك، وإنما التصوير آخرا والتقدير أولا والبراية بينهما. ومنه قول الحق: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ «2» [المائدة: 110]. وقال زهير:
ولانت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
يقول: تقدم ما تقدر ثم تفريه، أي تمضيه على وفق تقديرك، وغيرك يقدر ما لا يتم له ولا يقع فيه مراده، إما لقصوره في تصور تقديره أو لعجزه عن تمام مراده. وقد أتينا على هذا كله في" الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" والحمد لله. وعن حاطب ابن أبي بلتعة أنه قرأ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ بفتح الواو ونصب الراء، أي الذي يبرأ المصور، أي يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات. ذكره الزمخشري. (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تقدم الكلام فيه «3». وعن أبي هريرة قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اسم الله الأعظم فقال: (يا أبا هريرة،
__________
(1). كذا في نسخ الأصل. والذي في كتب اللغة:" برأ الله الخلق برءا وبروءا".
(2). راجع ج 6 ص 362
(3). راجع ج 1 ص 287 وج 2 ص 131 وج 10 ص 266)
(

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)

عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها) فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي. وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وعن أبي أمامة قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو ذلك اليوم فقد أوجب الله له الجنة (.

[تفسير سورة الممتحنة]
سورة الممتحنة مدنية في قول الجميع، وهى ثلاث عشرة آية الممتحنة (بكسر الحاء) أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة" براءة" المبعثرة والفاضحة، لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحنة (بفتح الحاء) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى: فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ [الممتحنة: 10] الآية «1». وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الممتحنة (60): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (1)
__________
(1). راجع ص 61 من هذا الجزء.

قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) عدى اتخذ إلى مفعولين وهما عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ. والعدو فعول من عدا، كعفو من عفا. ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد. وفى هذه الآية سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) روى الأئمة- واللفظ لمسلم- عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا والزبير والمقداد فقال: (ائتوا روضة خاخ «1» فإن بها ظعينة «2» معها كتاب فخذوه منها) فانطلقنا تعادى «3» بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة ... إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا حاطب ما هذا؟ قال لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش قال سفيان: كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صدق). فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ. قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش. وكان في الكتاب: أما بعد، فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لاظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره. ذكره بعض المفسرين.
__________
(1). موضع بين مكة والمدينة على اثنى عشر ميلا من المدينة.
(2). الظعينة: هي المرأة في الهودج. ولا يقال ظعينة إلا وهى كذلك.
(3). أي تجرى.

وذكر القشيري والثعلبي: أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن، وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام. وقيل: كان حليفا للزبير بن العوام، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتجهز لفتح مكة. وقيل: كان هذا في زمن الحديبية، فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أمهاجرة جئت يا سارة). فقالت لا. قال: (أمسلمة جئت) قالت لا. قال: (فما جاء بك) قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي- تعني قتلوا يوم بدر- وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عليه الصلاة والسلام: (فأين أنت عن شباب أهل مكة) وكانت مغنية، قالت: ما طلب مني شي بعد وقعة بدر. فحث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة. وكتب في الكتاب: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريدكم فخذوا حذركم. فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي. وفي رواية: عليا والزبير والمقداد. وفي رواية: أرسل عليا وعمار بن ياسر. وفي رواية: عليا وعمار اوعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد- وكانوا كلهم فرسانا- وقال لهم: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فان لم تدفعه لكم فأضربوا عنقها) فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذبنا! وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها- وفي رواية من حجزتها «1»- فخلوا سبيلها ورجحوا بالكتاب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأرسل إلى حاطب فقال:
__________
(1). الحجزة: معقد الإزار. وموضع التكة من السراويل. [.....]

(هل تعرف الكتاب؟) قال نعم. وذكر الحديث بنحو ما تقدم. وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم. الثانية- السورة أصل في النهي عن مولاة الكفار. وقد مضى ذلك في غير موضع «1». من ذلك قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران 28]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: 118]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: 51]. ومثله كثير. وذكر أن حاطبا لما سمع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا غشي عليه من الفرح بخطاب الايمان. الثالثة- قوله تعالى: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يعني بالظاهر، لان قلب حاطب كان سليما، بدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: (أما صاحبكم فقد صدق) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. والباء في بِالْمَوَدَّةِ زائدة، كما تقول: قرأت السورة وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي. ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول تُلْقُونَ محذوف، معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وكذلك تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي بسبب المودة. وقال الفراء: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ من صلة أَوْلِياءَ ودخول الباء في المودة وخروجها سواء. ويجوز أن تتعلق ب لا تَتَّخِذُوا حالا من ضميره. وب أَوْلِياءَ صفة له، ويجوز أن تكون استئنافا. ومعنى تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم، وقاله الزجاج. الرابعة: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين.
__________
(1). راجع ج 4 ص 57 و178 وج 6 ص 216.

الخامسة- إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف الناس فيه، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الامام. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس- وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لان حاطبا أخذ في أول فعله. والله أعلم. السادسة- فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي: يكون نقضا لعهده وقال أصبغ: الجاسوس الربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فأمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخلى سبيله. ثم قال: (إن منكم من أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حيان). وقوله: وَقَدْ كَفَرُوا حال، إما من لا تَتَّخِذُوا وإما من تُلْقُونَ أي لا تتولوهم أو توادوهم، وهذه حالهم. وقرا الجحدري (لما جاءكم) أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق. السابعة- قوله تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من كَفَرُوا. وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ تعليل ل يُخْرِجُونَ المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لان تؤمنوا بالله أي لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي شرط وجوابه مقدم. والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. ونصب جِهاداً وابْتِغاءَ لأنه مفعول له. وقوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ بدل من

إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)

تُلْقُونَ ومبين عنه. والافعال تبدل من الافعال، كما قال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ «1» [الفرقان: 69- 68]. وأنشد سيبويه:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقيل: هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة، فيكون استئنافا. وهذا كله معاتبة لحاطب. وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه «2». كما قال:
أعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما رابني منه اجتناب
إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب
ومعنى بِالْمَوَدَّةِ أي بالنصيحة في الكتاب إليهم. والباء زائدة كما ذكرنا، أو ثابتة غير زائدة. قوله تعالى: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ) أضمرتم وَما أَعْلَنْتُمْ أظهرتم. والباء في بِما زائدة، يقال: علمت كذا وعلمت بكذا. وقيل: وأنا اعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون، فحذف من كل أحد. كما يقال فلان اعلم وأفضل من غيره. وقال ابن عباس: وأنا اعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ) أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أي أخطأ قصد الطريق.

[سورة الممتحنة (60): آية 2]
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)
قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) يلقوكم ويصادفوكم، ومنه المثاقفة، أي طلب مصادفة الغرة في المسايفة وشبهها. وقيل: يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم ويتمكنوا منكم
__________
(1). راجع ج 13 ص 75.
(2). في ح، ز، س:" لحبيب".

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)

(يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) أي أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالشتم. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) بمحمد، فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم.

[سورة الممتحنة (60): آية 3]
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)
قوله تعالى: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ) لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك. (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار. وفي يَفْصِلُ قراءات سبع: قرأ عاصم" يفصل" بفتح الياء وكسر الصاد مخففا. وقرا حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم فاعله. وقرا طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة. وروي عن علقمة كذلك بالنون مخففة. وقرا قتادة وأبو حيوة" يفصل" بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل. وقرا الباقون" يفصل" بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، واختاره أبو عبيد. فمن خفف فلقوله: وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ «1» [الانعام: 57] وقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ «2» [الدخان: 40]. ومن شدد فلان ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد. ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلان الفاعل معروف. ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى. ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم. (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

[سورة الممتحنة (60): الآيات 4 الى 5]
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)
__________
(1). راجع ج 6 ص 483.
(2). ج 16 ص 147.

قوله تعالى: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ) لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار، أي فاقتدوا به وأتموا، إلا في استغفاره لأبيه. والأسوة والأسوة ما يتأسى به، مثل القدوة والقدوة. ويقال: هو أسوتك، أي مثلك وأنت مثله. وقرا عاصم أُسْوَةٌ بضم الهمزة لغتان. (وَالَّذِينَ مَعَهُ) يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين. وقال ابن زيد: هم الأنبياء (إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ) الكفار (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي الأصنام. وبُرَآؤُا جمع برئ، مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء. وقراءة العامة على وزن فعلاء. وقرا عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق" براء" بكسر الباء على وزن فعال، مثل قصير وقصار، وطويل وطوال، وظريف وظراف. ويجوز ترك الهمزة حتى تقول: برا، وتنون. وقرى" براء" على الوصف بالمصدر. وقرى" براء" على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب «1». والآية نص في الامر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله. وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله. (كَفَرْنا بِكُمْ) أي بما آمنتم به من الأوثان. وقيل: أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق. (وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً) أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين، فإنه كان عن
__________
(1). رخال: جمع رخل، الأنثى من أولاد الضأن. والرباب: جمع الربى، الشاة التي وضعت حديثا. وقيل: إذا مات ولدها.

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)

موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة" التوبة" «1». وفى هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «2» [الحشر: 7] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله. وقيل: هو استثناء منقطع، أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه. وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن، فلم توالوهم. (وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه، أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به. (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه. وقيل: علم المؤمنين أن يقولوا هذا. أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا أي اعتمدنا (وَإِلَيْكَ أَنَبْنا) أي رجعنا (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) لك الرجوع في الآخرة (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك. وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا. (وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

[سورة الممتحنة (60): الآيات 6 الى 7]
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)
قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ) أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء. (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي في التبرؤ من الكفار. وقيل: كرر للتأكيد. وقيل: نزل الثاني بعد
__________
(1). راجع ج 8 ص 274.
(2). راجع ص 17 من هذا الجزء.

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

الأول بمدة، وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) أي عن الإسلام وقبول هذه المواعظ (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ) أي لم يتعبدهم لحاجته إليهم. (الْحَمِيدُ) في نفسه وصفاته. ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) وهذا بأن يسلم الكافر. وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون، كأبي سفيان ابن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. وقيل: المودة تزويج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلانت عند ذلك «1» عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة. قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة. فأما زوجها فتنصر وسألها أن تتابعه على دينه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية. فبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى النجاشي فخطبها، فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص. قال فزوجها من نبيكم. ففعل، وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار. وقيل: خطبها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عثمان بن عفان، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها، فساق عنه المهر وبعث بها إليه. فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته: ذلك الفحل لا يقدع أنفه." يقدع" بالدال غير المعجمة، يقال: هدا فحل لا يقدع أنفه، أي لا يضرب أنفه. وذلك إذا كان كريما.

[سورة الممتحنة (60): آية 8]
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)
__________
(1). العريكة: الطبيعة. ولانت عريكته: إذا انكسرت نخوته. والشكيمة: الأنفة. ومن اللجام: الحديدة المعترضة في الفم.

قوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) فيه ثلاث مسائل: الاولى- هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الامر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «1» [التوبة: 5]. وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه، قاله الحسن. الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. حكاه بعض المفسرين. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة. واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: (نعم) خرجه البخاري ومسلم. وقيل: إن الآية فيها نزلت. روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين كفار قريش، فأهدت، إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطا وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ. ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. الثانية- قوله تعالى: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) أَنْ في موضع خفض على البدل من الَّذِينَ، أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم. وهم خزاعة، صالحوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم، حكاه الفراء. (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة. وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، قاله ابن العربي.
__________
(1). راجع ج 8 ص 136.

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)

الثالثة- قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له:" استدل به بعض من تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر. وهذه وهلة «1» عظيمة، إذ الاذن في الشيء أو ترك النهى عنه لا يدل على وجوبه، وإنما يعطيك الإباحة خاصة. وقد بينا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل عليه ذمي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم".

[سورة الممتحنة (60): آية 9]
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)
قوله تعالى: (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ) أي جاهدوكم على الدين (وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) وهم عتاة أهل مكة. (وَظاهَرُوا) أي عاونوا على إخراجكم وهم مشركو أهل مكة (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) أَنْ في موضع جر على البدل على ما تقدم في أَنْ تَبَرُّوهُمْ. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ) أي يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا (فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

[سورة الممتحنة (60): آية 10]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)
__________
(1). وهل عن الشيء وفى الشيء- بالكسر-: إذا غلط فيه رمها.

قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) فيه ست عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ) لما أمر المسلمين بترك مولاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية، على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت سعيدة «1» بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحديبية بعد، فأقبل زوجها وكان كافرا- وهو صيفي بن الراهب. وقيل: مسافر المخزومي- فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك! وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يردها. وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخويها وحبسها، فقالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ردها علينا للشرط، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كان الشرط في الرجال لا في النساء) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن عروة قال: كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الحديبية: ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل، يومئ إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك. وقيل إن التي جاءت أميمة بنت بشر، كانت عند ثابت بن الشمراخ ففرت منه وهو يومئذ كافر، فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله، قاله زيد بن حبيب. كذا قال الماوردي: أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ. وقال المهدوي: وروى ابن وهب عن خالد أن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف. وهي امرأة حسان بن الدحداح، وتزوجها بعد هجرتها سهل بن حنيف. وقال مقاتل: إنها سعيدة «2» زوجة صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة. والأكثر من أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة.
__________
(1). في الأصل المطبوع:" سبيعة" وهو تحريف. راجع أسد الغابة ج 5 ص 745.
(2). في الأصل المطبوع:" سبيعة" وهو تحريف. راجع أسد الغابة ج 5 ص 745.

الثانية- واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظا أو عموما، فقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردهن في عقد المهادنة لفظا صريحا فنسخ الله ردهن من العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان. وهذا يدل على أن للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجتهد رأيه «1» في الأحكام، ولكن لا يقره الله على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظا، وإنما أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال. فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه. وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني- أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم. فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. الثالثة- قوله تعالى: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلذلك أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقوال: الأول: قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا، بل حبا لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها، فذلك قوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ. الثاني- أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قاله ابن عباس ايضا. الثالث- بما بينه في السورة بعد من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ [الممتحنة: 12] قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمتحن إلا بالآية التي قال الله: إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ [الممتحنة: 12] رواه معمر عن الزهري عن عائشة. خرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
__________
(1). الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الامر. [.....]

الرابعة- أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا، من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما، فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء: كله منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الامام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلما، لان إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز. وهذا مذهب الكوفيين. وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك. وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه إلى قوم من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنصف الدية، وقال" أنا برئ من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى نارهما»
قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ. قال الشافعي: وليس لاحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره، لأنه يلي الأموال كلها. فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود. الخامسة- قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ) أي هذا الامتحان لكم، والله اعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر. (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) أي بما يظهر من الايمان. وقيل: إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في مذهب مالك
__________ (1). الأصل في" تراءى" تتراءى. والترائي تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا وإسناد الترائي إلى النارين مجاز. أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله. ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان وحث المسلمين على الهجرة. (عن نهاية ابن الأثير).

بل عبارة. والصحيح الأول، لان الله تعالى قال: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام وليس باختلاف الدار. والله اعلم. وقال أبو عمر: لا فرق بين الدارين لا في الكتاب ولا في السنة ولا في القياس، وإنما المراعاة في ذلك الدينان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار. والله المستعان. السادسة- قوله تعالى: (وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام، أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. السابعة- ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا. فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع. وإن كان المسمى خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا، لأنه لا قيمة له. وللشافعي في هذه الآية قولان: أحدهما: أن هذا منسوخ. قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الامام في دار السلام أو في دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض. وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان: أحدهما- يعطي العوض، والقول ما قال الله عز وجل،. وفية قول آخر: أنه لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض. فإن شرط «1» الامام رد النساء كان الشرط ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يرد النساء كان شرط من شرط رد النساء منسوخا وليس عليه عوض، لان الشرط المنسوخ باطل ولا عوض الباطل.
__________
(1). ما بين المربعين هكذا ورد في جميع نسخ الأصل، وهو مضطرب. وقد نقل المؤلف رحمه الله هذه المسألة من كتاب الناسخ والمنسوخ لابي جعفر النحاس ونصها فيه: وإن شرط الامام رد النساء كان الشرط متنقضا. ومن قال هذا قال: إن شرط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل الحديبية فيه إن يرد من جاء منهم، وكان النساء منهم كان شرطا صحيحا، فنسخه الله ورد العوض، فلما قضى الله عز وجل ثم رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يرد النساء كان شرط شرط رد النساء منسوخا وليس عليه أن يعوض، لان شرطه المنسوخ باطل ولا عوض الباطل".

الثامنة- أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الامام ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له مصرف. وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شي. وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق. والامر كما قاله «1». التاسعة- قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يعني إذا أسلمن وانقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدة. فإن أسلمت قبل الدخول «2» ثبت النكاح في الحال ولها التزوج. العاشرة- قوله تعالى: (إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أباح نكاحها بشرط المهر، «3» لان الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك. وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: 231]. وقرا الحسن وأبو العالية وأبو عمرو" ولا تمسكوا" مشددة من التمسك. يقال: مسك يمسك تمسكا، بمعنى أمسك يمسك. وقرى" ولا تمسكوا" بنصب التاء، أي لا تتمسكوا والعصم جمع العصمة، وهو ما اعتصم به. والمراد بالعصمة هنا النكاح. يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يتزوجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك «4» في هذه الآية. فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة. وام كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما. فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك، فأبي معاوية من ذلك. وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى
__________
(1). في ح، ز، س:" كما قاله رحمه الله".
(2). ما بين المربعين ساقط من ح، ز، هـ.
(3). في س:" بشرط الإسلام، لان المهر والإسلام ...".
(4). كلمة:" ذلك" ساقطة من ح، س.

بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا. وزوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب ابنته- وكانت كافرة- من أبي العاص بن الربيع، ثم أسلمت وأسلم زوجها بعدها. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب قال: أسلمت زينب بنت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهاجرت بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الهجرة الاولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العزى مشرك بمكة. الحديث. وفية: أنه أسلم بعدها. وكذلك قال الشعبي. قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة أبي العاص بن الربيع، فأسلمت ثم لحقت بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أتى زوجها المدينة فأمنته فأسلم فردها عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس: بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا. قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. وقال الحسن بن علي: بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين: إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أن الامر فيها منسوخ بقول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [البقرة: 228] يعني في عدتهن. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء أنه عني به العدة. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة" براءة" بقطع العهود بينهم وبين المشركين. والله اعلم. الثانية عشرة- قوله تعالى: (بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان من لا يجوز ابتداء نكاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب. وقيل: هي عامة، نسخ منها نساء أهل الكتاب. ولو كان إلى ظاهر الآية لم تحل كافرة بوجه. وعلى القول الأول إذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق بينهما. وهذا قول بعض أهل العلم. ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة. فمن قال يفرق بينهما في الوقت ولا ينتظر تمام العدة إذا عرض عليها الإسلام ولم تسلم- مالك بن أنس. وهو قول الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء

وعكرمة وقتادة والحكم، واحتجوا بقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ. وقال الزهري: ينتظر بها العدة. وهو قول الشافعي وأحمد. واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمر الظهران «1» ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت بعده بأيام، فاستقرا على نكاحهما لان عدتها لم تكن انقضت. قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما. قال الشافعي: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ لان نساء المسلمين محرمات على الكفار، كما أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر والوثنيات ولا المجوسيات بقول الله عز وجل: ولا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ثم بينت السنة أن مراد الله من قوله هذا أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الباقي منهما في العدة. وأما الكوفيون وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا في الكافرين الذميين: إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. قالوا: ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعا في دار الحرب أو في دار الإسلام. وإن كان أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب انقطعت العصمة بينهما فراعوا الدار، وليس بشيء. وقد تقدم. الثالثة عشرة- هذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا نعلم اختلافا في انقطاع العصمة بينهما، إذ لا عدة عليها. كذا يقول مالك في المرأة ترتد زوجها مسلم: انقطعت العصمة بينهما. وحجته وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي. ومذهب الشافعي وأحمد أنه ينتظر بها تمام العدة. الرابعة عشرة- فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضا اختلاف. ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة. وهو قول مجاهد. وكذا الوثني تسلم زوجته، إنه إن أسلم في عدتها فهو
أحق بها، كما كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل
__________
(1). مر الظهران: قرية قرب مكة.

وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)

أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما، على حديث ابن شهاب. ذكره مالك في الموطأ. قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن علقمة: أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق عمر بينهما رضي الله عنه، وهو قول طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: لا سبيل عليها إلا بخطبة. الخامسة عشرة- قوله تعالى: (وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها. وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الامة، قال ابن العربي. السادسة عشرة- قوله تعالى: (ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ) أي ما ذكر في هذه الآية، (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) تقدم في غير موضع «1».

[سورة الممتحنة (60): آية 11]
وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ) في الخبر: أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ
__________
(1). راج ج 1 ص 287

أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا. وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حكم الله عز وجل بينكم فقال جل ثناؤه: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شي فوجهوا به، فأنزل الله عز وجل: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا
. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض. قال الزهري: ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا. وقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أيعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة. وقالا: هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد. وقالا: ومعنى فَعاقَبْتُمْ فاقتصصتم. فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا يعني الصدقات. فهي عامة في جميع الكفار. وقال قتادة أيضا: وإن فاتكم شي من أزواجكم إلى الكفار الذين «1» بينكم وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا. ثم نسخ هذا في سورة" براءة". وقال الزهري: انقطع هذا عام الفتح. وقال سفيان الثوري: لا يعمل به اليوم. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضا. حكاه القشيري. الثانية- قوله تعالى: (فَعاقَبْتُمْ) قراءة العامة فَعاقَبْتُمْ وقرا علقمة والنخعي وحميد والأعرج" فعقبتم" مشددة. وقرا مجاهد" فأعقبتم" وقال: صنعتم كما صنعوا بكم. وقرا الزهري" فعقبتم" خفيفة بغير ألف. وقرا مسروق وشقيق بن سلمة" فعقبتم" بكسر القاف خفيفة. وقال: غنمتم. وكلها لغات بمعنى واحد. يقال: عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم. وقال القتبي فَعاقَبْتُمْ فغزوتم معاقبين غزوا بعد غزو. وقال ابن بحر: أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين.
__________
(1). في ح، ز، س، ط، ل، هـ" إلى الكفار الذين ليس بينكم وبينهم عهد" بزيادة" ليس".

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)

الثالثة- قوله تعالى: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا) قال ابن عباس: يقول إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس. وقال الزهري: يعطي من مال الفيء. وعنه يعطى من صداق من لحق بنا. وقيل: أي إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم. قال الأعمش: هي منسوخة. وقال عطاء: بل حكمها ثابت. وقد تقدم جميع هذا. القشيري: والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها عياض ابن غنم القرشي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام. وحكى الثعلبي عن ابن عباس: هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري «1». وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، فلما هاجر عمر أبت وارتدت. وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص. وام كلثوم بنت جرول تحت عمر بن الخطاب. وشهبه بنت غيلان. فأعطاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهور نسائهم من الغنيمة. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به.

[سورة الممتحنة (60): آية 12]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
فيها ثماني مسائل
__________
(1). هو عياض بن غنم بن زهير بن أبى شداد القرشي الفهري.

الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ) «1» لما فتح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن. وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمتحن بقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انطلقن فقد بايعتكن) ولا والله ما مست يد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل، وما مست كف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن (قد بايعتكن كلاما). وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن. وروي أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن. ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح. وقالت أم عطية: لما قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليكن، ألا تشركن بالله شيئا. فقلن نعم. فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه. الثانية: روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قال: (عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً) قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال وكان بايع الرجال
__________
(1). ما بين المربعين ساقط من ل، ز.

يومئذ على الإسلام والجهاد فقط- فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ولا يسرفن) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا. فقال أبو سفيان: هو لك حلال. فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعرفها وقال: (أنت هند)؟ فقالت: عفا الله عما سلف. ثم قال: (وَلا يَزْنِينَ) فقالت هند: أو تزني الحرة! ثم قال: (وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ) أي لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة. فقالت هند: ربينا هم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، فأنتم وهم أبصر. وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وأنتم وهم اعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بكرها قتل يوم بدر. ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قيل: معنى بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ ألسنتهن بالنميمة. ومعنى بين أَرْجُلِهِنَّ فروجهن. وقيل: ما كان بين أيديهن من قبلة أو جسه، وبين أرجلهن الجماع وقيل: المعنى لا يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم. وهذا قول الجمهور. وكانت المرأة تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد، لان بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها. وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى. وروي أن هندا لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، ما تأمر إلا بالارشد ومكارم الأخلاق!. ثم قال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال قتادة: لا ينحن. ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم. وقال سعيد بن المسيب، ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم: هو إلا يخمشن وجها. ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم. وروت أم عطية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك في النوح. وهو قول ابن عباس. وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فقال: (هو النوح). وقال مصعب بن نوح: أدركت عجوزا ممن بايع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قول: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فقال:

(النوح). وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية: يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً- إلى قوله- وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: (كان منه النياحة) قالت: فقلت يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال، رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إلا آل فلان). وعنها قالت: أخذ علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع البيعة إلا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وام العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ. وقيل: إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله، قاله ميمون بن مهران. وقال بكر بن عبد الله المزني: لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن الكلبي: هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به. فروي أن هندا قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسا هذا وفي أنفسا أن نعصيك في شي. الثالثة: ذكر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الامر. وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة. وذلك لان النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا. ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس: (وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت) «1» فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها.
__________
(1). الدباء: هو القرع اليابس. والحنتم: الجرة. والنقير: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. والمزفت: الإناء الذي طلى بالزفت. قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية:" عن أبى بكرة قال: أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت. وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. وأما المزفت فهي الأوعية التي فيها الزفت ... ومعنى النهى عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار فربما يشرب منها من إلا يشعر بذلك. ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهى عن شرب كل مسكر".

الرابعة: لما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البيعة: (وَلا يَسْرِقْنَ) قالت هند: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي؟ قال (لا إلا بالمعروف) فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا) ألا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربي وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجابه ولا يضبط عليه بقفل فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصى به وتقطع يدها الخامسة: قال عبادة بن الصامت: أخذ علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أخذ على النساء: (إلا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا ولا تعصوا في معروف أمركم به (. معنى" يعضه" يسحر. والعضة: السحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ إنه السحر. وقال الضحاك: هذا نهى عن البهتان، أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة بِبُهْتانٍ أي بسحر. والله اعلم. يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ والجمهور على أن معنى بِبُهْتانٍ بولد يفترينه بين أيديهن" ما أخذته لقيطا." وأرجلهن" ما ولدته من زنى. وقد تقدم. السادسة- قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. واختلف في معناه على ما ذكرنا. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وينهى عنه، فيدخل فيه النوح وتخريق الثياب وجز الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك. وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) فذكر منها النياحة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين صفا عن اليمين وصفا عن اليسار ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم

كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار (. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة «1» (وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها. فقيل: يا أمير المؤمنين، المرأة المرأة! قد وقع خمارها. فقال: إنها لا حرمة لها. أسند جميعه الثعلبي رحمه الله. أما تخصيص قوله: فِي مَعْرُوفٍ مع قوة قوله: وَلا يَعْصِينَكَ ففيه قولان: أحدهما- أنه تفسير للمعنى على التأكيد، كما قال تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ «2» بِالْحَقِّ [الأنبياء: 112] لأنه لو قال احكم لكفى. الثاني- إنما شرط المعروف في بيعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك وألزم له وأنفى للاشكال. السابعة- روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (أتبايعوني على إلا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا) قرأ آية النساء. وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية (فمن وفى منكم فأجر هـ على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها (. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب، فنزل نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكأني انظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ- حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ-: أنتن على ذلك (؟ فقالت: امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن «3» من هي. قال: (فتصدقن) وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ «4» والخواتيم في ثوب بلال. لفظ البخاري.
__________
(1). الارنان: الصيحة الشديدة والصوت الحزين عند الغناء أو البكاء، يقال: رنت المرأة ترن رنينا، وأرنت، صاحت.
(2). راجع ج 11 ص (350) [.....]
(3). هو الحسن بن مسلم راوي الحديث.
(4). الفتخ (بفتحات وآخره خاء معجمة): الخواتيم العظام، أو حلق من فضة لا فص فيها.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)

الثامنة- قال المهدوي: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والامر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض أهل النظر: إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة.

[سورة الممتحنة (60): آية 13]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (13)
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) يعني اليهود. وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم فنهوا عن ذلك. (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) يعني اليهود قاله ابن زيد. وقيل: هم المنافقون. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. قال ابن مسعود: معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا. وقيل: المعنى يئسوا من ثواب الآخرة، قاله مجاهد. ومعنى (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ) أي الأحياء من الكفار. (مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) أن يرجعوا إليهم، قاله الحسن وقتادة. قال ابن عرفة: وهم الذين قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ «1» [الجاثية 24]. وقال مجاهد: المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. وقيل: إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، وهى خطاب لحاطب بن أبى بلتعة وغيره. قال ابن عباس: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا أي لا توالوهم ولا تناصحوهم، رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبى بلتعة. يريد أن كفار قريش قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس الكفار المقبورون من حظ يكون لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى. وقال القاسم بن أبى بزة في قوله تعالى قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: من مات من الكفار يئس من الخير. والله أعلم.
__________
(1). راجع ج 16 ص 170

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)

[تفسير سورة الصف ]
سورة الصف مدنية في قول الجميع، فيما ذكر الماوردي. وقيل: إنها مكية، ذكره النحاس عن ابن عباس. وهي أربع عشرة آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الصف (61): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)
تقدم «1».

[سورة الصف (61): الآيات 2 الى 3]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (3)
فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ حتى ختمها. قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا «2» محمد. وقال ابن عباس قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله
__________
(1). راجع ج 17 ص (235)
(2). هذا الحديث كما ورد في مسند الدارمي. وقد ذكر في الأصول مضطربا.

لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه. وقال الكلبي: قال المؤمنون يا رسول الله، لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليها، فنزلت هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «1» [الصف: 10] فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلهم الله تعالى عليها بقول: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصف: 11] الآية. فابتلوا يوم أحد ففروا، فنزلت تعيرهم بترك الوفاء. وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: اللهم أشهد! لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فعيرهم الله بذلك. وقال قتادة والضحاك: نزلت في قوم كانوا يقولون نحن جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا. وقال صهيب: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأنكاهم فقتلته. فقال رجل يا نبي الله، إني قتلت فلانا، ففرح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك. فقال عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: يا صهيب، أما أخبرت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنك قتلت فلانا! فإن فلانا انتحل قتله، فأخبره فقال: (أكذلك يا أبا يحيى)؟ قال نعم، والله يا رسول الله، فنزلت الآية في المنتحل. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا، فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. الثانية- هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها. وفي صحيح مسلم عن أبي «2» موسى أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ب" براءة" فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها" لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب". وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني
__________
(1). راجع ص 87 من هذه السورة.
(2). الذي في صحيح مسلم: حدثني سويد بن سعيد حدثنا على ابن مسحر؟ عن داود عن أبى حرب بن أبى الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى ... إلخ".

حفظت منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي: وهذا كله ثابت في الدين. أما قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه السورة. وأما قول:" شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة" فمعنى ثابت في الدين، فإن من التزم شيئا لزمه شرعا. والملتزم على قسمين: أحدهما: النذر، وهو على قسمين، نذر تقرب مبتدأ كقول: لله علي صلاة وصوم وصدقة، ونحوه من القرب. فهذا يلزم الوفاء به إجماعا. ونذر مباح وهو ما علق بشرط رغبة، كقوله: إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو علق بشرط رهبة، كقوله: إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة. فاختلف العلماء فيه، فقال مالك وأبو حنيفة، يلزمه الوفاء به. وقال الشافعي في أحد أقواله: إنه لا يلزمه الوفاء به. وعموم الآية حجة لنا، لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط. وقد قال أصحابه: إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة. وهذا وإن كان من جنس القربة لكنه لم يقصد به القربة، وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو الاقدام على فعل. قلنا: القرب الشرعية مشقات وكلف وإن كانت قربات. وهذا تكلف التزام هذه القربة بمشقة لجلب نفع أو دفع ضر، فلم يخرج عن سنن التكليف ولا زال عن قصد التقرب. قال ابن العربي: فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا «1». فهذا لازم إجماعا من الفقهاء. وإن كان وعدا مجردا فقيل يلزم بتعلقه «2». وتعلقوا بسبب الآية، فإنه روي أنهم كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهو حديث لا بأس به. وقد روي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل. والصحيح عندي: أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر.
__________
(1). زيادة عن ابن العربي.
(2). في ابن العربي:" بمطلقه".

قلت: قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى ذلك يلزمه. وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت له من أن يؤدي «1» إليكم، فإن هذا يلزمه. وأما أن يقول نعم أنا أفعل، ثم يبدو له، فلا أرى عليه ذلك. قلت: أي لا يقضي عليه بذلك، فأما في مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم. وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره فقال: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا «2» [البقرة: 177]، وقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: 54] وقد تقدم بيانه «3». الثالثة- قال النخعي: ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ «4» [البقرة: 44]، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ «5» [هود: 88]، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة أن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت «6» قلت:) من هؤلاء يا جبريل (؟ قال:) هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرءون كتاب الله ولا يعملون (. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فسكت. ثم قيل له: حدثنا. فقال: أترونني «7» أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله!. الرابعة- قوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا، وكلاهما مذموم. وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ أي لم تقولون ما ليس الامر فيه إليكم، فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون. فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول. (هامش)
__________
(1). كذا في أ، وفى ح، س:" من أين"، ولعل صوابها:" وهبت له ما يؤدى إليكم".
(2). راجع ج 2 ص (239)
(3). راجع ج 11 ص (114)
(4). راجع ج 1 ص (365)
(5). راجع ج 9 ص (89) [.....]
(6). وفت: تمت وطالت.
(7). في أ، ط، هـ:" تأمرونى" وفى ح، س:" تأمرونني".

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)

الخامسة- قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) قد يحتج به في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على أحد قولي الشافعي. وأَنْ وقع بالابتداء وما قبلها الخبر، وكأنه قال: قولكم ما لا تفعلون مذموم، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف. الكسائي: أَنْ في موضع رفع، لان كَبُرَ فعل بمنزلة بئس رجلا أخوك. ومَقْتاً نصب بالتمييز، المعنى كبر قولهم ما لا يفعلون مقتا. وقيل: هو حال. والمقت والمقاتة مصدران، يقال: رجل مقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس.

[سورة الصف (61): آية 4]
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (4)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) أي يصفون صفا: والمفعول مضمر، أي يصفون أنفسهم صفا. (كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) قال الفراء: مرصوص بالرصاص. وقال المبرد: هو من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة. وقيل: هو من الرصيص وهو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض. والتراص التلاصق، ومنه وتراصوا في الصف. ومعنى الآية: يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء. وقال سعيد بن جبير: هذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم. الثانية- وقد استدل بعض أهل التأويل بهذا على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس، لان الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. المهدوي: وذلك غير مستقيم، لما جاء في فضل الفارس في الأجر والغنيمة. ولا يخرج الفرسان من معنى الآية، لان معناه الثبات. الثالثة- لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الامام، أو في منفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها. وفي الخروج عن

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)

الصف للمبارزة خلاف على قولين أحدهما: أنه لا بأس بذلك إرهابا للعدو، وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال. وقال أصحابنا: لا يبرز أحد طالبا لذلك، لان فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو. وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر وفي غزوة خيبر، وعليه درج السلف. وقد مضى القول مستوفى في هذا في" البقرة" عند قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «1» [البقرة: 195].

[سورة الصف (61): آية 5]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5)
قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) لما ذكر أمر الجهاد بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما، أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. قوله تعالى: (يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) وذلك حين رموه بالادرة، حسب ما تقدم في آخر سورة" الأحزاب" «2». ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون: إنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور»
. ومن الأذى قولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ «4» آلِهَةٌ [الأعراف: 138]. وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا «5» [المائدة: 24]. وقولهم: إنك قتلت هارون. وقد تقدم «6» هذا. (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) والرسول يحترم ويعظم. ودخلت قَدْ على تَعْلَمُونَ للتأكيد، كأنه قال: وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه. (فَلَمَّا زاغُوا) أي مالوا عن الحق (أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) أي أمالها عن الهدى. وقيل: فَلَمَّا زاغُوا عن الطاعة أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الهداية.
__________
(1). راجع ج 2 ص (361)
(2). راجع ج 14 ص (250)
(3). راجع ج 13 ص (210)
(4). راجع ج 7 ص (273)
(5). راجع ج 6 ص (8 12)
(6). راجع ج 7 ص 294

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)

وقيل: فَلَمَّا زاغُوا عن الايمان أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الثواب. وقيل: أي لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم.

[سورة الصف (61): آية 6]
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)
قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) أي واذكر لهم هذه القصة أيضا. وقال: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولم يقل" يا قوم" كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه. (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) أي بالإنجيل. (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ) لان في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة فتنفروا عني. (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ) مصدقا. وَمُبَشِّراً نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإرسال. وإِلَيْكُمْ صلة الرسول. (يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (من بعدي) بفتح الياء. وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش وأبي بكر عن عاصم. واختاره أبو حاتم لأنه اسم، مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت. الباقون بالإسكان. وقرى (من بعدي اسمه أحمد) بحذف الياء من اللفظ. وأَحْمَدُ اسم نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى أَحْمَدُ أي أحمد الحامدين لربه. والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا. وأما محمد فمنقول من صفة أيضا، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار. فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة. وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به نفسه. فهذا علم

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)

من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ. ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: اسْمُهُ أَحْمَدُ. وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لان حمده لربه كان قبل حمد الناس له. فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته. وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اسمي في التوراة أحيد لاني أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان واسمي في الإنجيل أحمد واسمي في القرآن محمد لاني محمود في أهل السماء والأرض (. وفي الصحيح (لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي وأنا العاقب (. وقد تقدم «1».) (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ) قيل عيسى. وقيل: محمد صلى الله عليهما وسلم. (قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) قرأ الكسائي وحمزة" ساحر" نعتا للرجل وروي أنها قراءة ابن مسعود. الباقون" سحر" نعتا لما جاء به الرسول.

[سورة الصف (61): آية 7]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)
قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) تقدم في غير موضع «2». (وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ) هذا تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما. وقرا طلحة بن مصرف (وهو يدعى) بفتح الياء والدال وشدها وكسر العين، أي ينتسب. ويدعي وينتسب سواء. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي من كان في حكمه أنه يختم له بالضلالة.
__________
(1). راجع ج 14 ص (200)
(2). راجع ج 6 ص 401 وج 7 ص 39

[سورة الصف (61): آية 8]
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (8)

قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ) الإطفاء هو الاخماد، يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور. ويفترق الإطفاء والاخماد من وجه، وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير، والاخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال أخمدت السراج. وفي نُورَ اللَّهِ هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنه القرآن، يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: إنه الإسلام، يريدون دفعه بالكلام، قاله السدي الثالث- أنه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يريدون هلاكه بالأراجيف، قاله الضحاك. الرابع: حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل مضروب، أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها، حكى جميعه الماوردي رحمه الله. (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) أي بإظهاره في الآفاق. وقرا «1» ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ بالإضافة على نية الانفصال، كقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] وشبهه، حسب ما تقدم بيانه في" آل عمران «2»". الباقون مُتِمُّ نُورِهِ لأنه فيما يستقبل، فعمل. (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) من سائر الأصناف.
__________
(1). كلمة" وقرا" ساقطة من ج، س.
(2). راجع ج 4 ص 297

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)

[سورة الصف (61): آية 9]
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ) أي محمدا بالحق والرشاد. (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي بالحجج. ومن الظهور الغلبة باليد في القتال، وليس المراد بالظهور ألا يبقى دين آخر من الأديان، بل المراد يكون أهل الإسلام عالين غالبين. ومن الإظهار ألا يبقى دين سوى الإسلام في آخر الزمان. قال مجاهد: وذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام. وقال أبو هريرة: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بخروج عيسى. وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص «1» فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد). وقيل: لِيُظْهِرَهُ أي ليطلع محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سائر الأديان، حتى يكون عالما بها عارفا بوجوه بطلانها، وبما حرفوا وغيروا منها. عَلَى الدِّينِ أي الأديان، لان الدين مصدر يعبر به عن جمع.

[سورة الصف (61): الآيات 10 الى 13]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)
__________
(1). القلاص (بكسر القاف): الناقة الشابة.

فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ) قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس منى (. فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها، فنزلت. وقيل: أَدُلُّكُمْ أي سأدلكم. والتجارة الجهاد، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [التوبة: 111] الآية «1». وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب. الثانية- قوله تعالى: (تُنْجِيكُمْ) أي تخلصكم (مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي مؤلم. وقد تقدم «2». وقراءة العامة تُنْجِيكُمْ بإسكان النون من الإنجاء. وقرا الحسن وابن عامر أبو حيوة (تنجيكم) مشددا من التنجية. ثم بين التجارة وهى المسألة: الثالثة- فقال: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق. (ذلِكُمْ) أي هذا الفعل (خَيْرٌ لَكُمْ)/ 11 من أموالكم وأنفسكم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وتُؤْمِنُونَ عند المبرد والزجاج في معنى آمنوا، ولذلك جاء يَغْفِرْ لَكُمْ مجزوما على أنه جواب الامر. وفي قراءة عبد الله (آمنوا بالله) وقال الفراء يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الاستفهام، وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى، وذلك أن يكون تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ عطف بيان على قوله: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ كأن التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالايمان والجهاد، فهي هما في المعنى. فكأنه قال: هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم. الزمخشري: وجه قول الفراء أن متعلق الدلالة
__________
(1). راجع ج 8 ص (267) [.....]
(2). راجع ج 1 ص 198

هو التجارة والتجارة مفسرة بالايمان والجهاد. كأنه قيل: هل تتجرون بالايمان والجهاد يغفر لكم. قال المهدوي: فإن لم تقدر هذا التقدير لم تصح المسأله، لان التقدير يصير إن دللتم يغفر لكم، والغفران إنما نعت بالقبول والايمان لا بالدلالة. قال الزجاج: ليس إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقرا زيد بن علي تؤمنوا، وتجاهدوا على إضمار لام الامر، كقوله:
محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شي تبالا «1»
أراد لتفد. وأدغم بعضهم فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ والأحسن ترك الإدغام، لان الراء حرف متكرر قوي فلا يحسن إدغامه في اللام، لان الأقوى لا يدغم في الأضعف. الرابعة- قوله تعالى: (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً) خرج أبو الحسين الآجري عن الحسن قال: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عيلة وسلم عنها فقال: (قصر من لؤلؤة في الجنة فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زبر جدة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطي الله تبارك وتعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله (. فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة. (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي السعادة الدائمة الكبيرة. واصل الفوز الظفر بالمطلوب. الخامسة- قوله تعالى: (وَأُخْرى تُحِبُّونَها) قال الفراء والأخفش: أُخْرى معطوفة على تِجارَةٍ فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع أي ولكم خصلة أخرى وتجارة أخرى تحبونها (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) أي هو نصر من الله، ف نَصْرٌ على هذا تفسير
__________
(1). اختلف في قائله، فقيل إنه لحسان، وقيل لابي طالب عم الرسول صلوات الله عليه، وقيل للأعشى. (راجع خزانة الأدب في الشاهد الثمانين بعد المائة). والتبال: سوء العاقبة، وهو بمعنى الوبال. وقد ورد صدر هذا البيت في ح، وز، وس، ط مضطربا وغير واضح.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)

وَأُخْرى . وقيل: رفع على البدل من أُخْرى أي ولكم نصر من الله. (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) أي غنيمة في عاجل الدنيا، وقيل فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم. (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) برضا الله عنهم.

[سورة الصف (61): آية 14]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (14)
أكد أمر الجهاد، أي كونوا حوارى نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواري عيسى على من خالفهم. وقرا ابن كثير وأبو عمرو ونافع أنصارا لله بالتنوين. قالوا: لان معناه اثبتوا وكونوا أعوانا لله بالسيف على أعدائه وقرا الباقون من أهل البصرة والكوفة والشام أَنْصارَ اللَّهِ بلا تنوين، وحذفوا لام الإضافة من اسم الله تعالى. واختاره أبو عبيدة لقوله: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ولم ينون، ومعناه كونوا أنصارا لدين الله. ثم قيل: في الكلام إضمار، أي قل لهم يا محمد كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله، أي كونوا أنصارا كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد الله أنصارا وكانوا حواريين. والحواريون خواص الرسل. قال معمر: كان ذلك بحمد الله، أي نصروه وهم سبعون رجلا، وهم الذين بايعوه ليلة العقبة. وقيل: هم من قريش. وسماهم قتادة: أبا بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد بن مالك وأبا عبيدة- واسمه عامر- وعثمان بن مظعون وحمزة بن عبد المطلب، ولم يذكر سعيدا فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. (كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ) وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلا، وقد مضت أسماؤهم في" آل عمران" «1»، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. وقال مقاتل:
__________
(1). راجع ج 4 ص 97، ويلاحظ أنه لم تذكر أسماؤهم، بل ذكر سبب تسميتهم.

قال الله لعيسى إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون «1» فاسألهم النصرة، فأتاهم عيسى وقال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن ننصرك. فصدقوه ونصروه. ومعنى من أنصارى إلى الله أي من أنصاري مع الله، كما تقول: الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود. وقيل: أي من أنصاري فيما يقرب إلى الله." وقد مضى هذا في آل عمران «2» (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ) والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء، على ما تقدم في آل عمران" بيانه." فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم الذين كفروا بعيسى. فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي غالبين. قال ابن عباس: أيد الله الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار. وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى. وقيل أيدنا الآن المسلمين على الفرقتين الضالتين، من قال كان الله فارتفع، ومن قال كان ابن الله فرفعه الله إليه، لان عيسى بن مريم لم يقاتل أحدا ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن علي وقتادة: فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ غالبين بالحجة والبرهان، لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل والله تعالى لا يأكل!. وقيل: نزلت هذه الآية في رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والاتباع فطرس وبولس إلى رومية، واندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس. وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق. وفيلبس إلى قرطاجنة وهي إفريقية. ويحنس إلى دقسوس قرية أهل الكهف. ويعقوبس إلى أوريشلم وهي بيت المقدس،. وابن تلما إلى العرابية وهي أرض الحجاز. وسيمن إلى أرض البربر. ويهودا وبردس إلى الإسكندرية وما حولها «3». فأيدهم الله بالحجة. فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي عالين، من قولك: ظهرت على الحائط أي علوت عليه. والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب «4».
__________
(1). القصار: محور الثياب ومبيضها راجع ج 4 ص 97 وص (100)
(2). القصار: محور الثياب ومبيضها راجع ج 4 ص 97 وص (100)
(3). يلاحظ أن هذه الأسماء وردت محرفة في نسخ الأصل، وأئبتناها كما وردت في تاريخ الطبري (ج 3 قسم أول ص 737 طبع أوربا).
(4). ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، ط

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)

[تفسير سورة الجمعة]
سورة الجمعة مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفية أدخل الجنة وفية أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة (. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) نحن الآخرون الأولون «1» يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة «2» بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له- قال- يوم الجمعة فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الجمعة (62): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)
تقدم الكلام فيه. وقرا أبو العالية ونصر بن عاصم (الملك القدوس العزيز الحكيم) كلها رفعا، أي هو الملك.

[سورة الجمعة (62): آية 2]
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميون
__________
(1). زيادة عن صحيح مسلم.
(2)." بيد": بمعنى غير.

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)

الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي الذي يقرأ ولا يكتب. وقد مضى في" البقرة" «1». (رَسُولًا مِنْهُمْ) يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم قرابة وقد ولدوه. قال ابن إسحاق: إلا حي تغلب، فإن الله تعالى طهر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم لنصرانيتهم فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإن بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حال لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. قوله تعالى: (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) يعني القرآن (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يجعلهم أزكياء القلوب بالايمان، قاله ابن عباس. وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل. وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ) يعني القرآن (وَالْحِكْمَةَ) السنة، قاله الحسن. وقال ابن عباس: الْكِتابَ الخط بالقلم، لان الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. وقال مالك بن أنس: الْحِكْمَةَ الفقه في الدين. وقد مضى القول في هذا في" البقرة" «2». (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ) أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم. (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي في ذهاب عن الحق.

[سورة الجمعة (62): آية 3]
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
قوله تعالى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) هو عطف على الْأُمِّيِّينَ أي بعث في الأميين وبعث في آخرين منهم. ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في يُعَلِّمُهُمُ وَيُزَكِّيهِمْ،
__________
(1). راجع ج 2 ص 5 وص 136
(2). راجع ج 2 ص 5 وص 136

ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)

أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين، لان التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه. (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم. قال ابن عمرو سعيد بن جبير: هم العجم. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ نزلت عليه سورة" الجمعة" فلما قرأ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده على سلمان ثم قال: (لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء). في رواية (لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس- أو قال- من أبناء فارس حتى يتناوله لفظ مسلم. وقال عكرمة: هم التابعون. مجاهد: هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقاله ابن زيد ومقاتل ابن حيان. قالا: هم من دخل في الإسلام بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يوم القيامة. وروى سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب- ثم تلا- وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ. والقول الأول أثبت. وقد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (رأيتني أسقي غنما سودا ثم أتبعتها غنما عفرا أولها يا أبا بكر) فقال: يا رسول الله، أما السود فالعرب، وأما الغفر فالعجم تتبعك بعد العرب. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كذا أولها الملك) يعني جبريل عليه السلام. رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.

[سورة الجمعة (62): آية 4]
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)
قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعنى الإسلام، فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله الكلبي. وقيل: يعنى الوحي والنبوة، قاله مقاتل. وقول رابع: إنه المال

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)

ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: (وما ذاك)؟ قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة). قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ). وقول خامس: أنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودخولهم في دينه ونصرته. والله اعلم.

[سورة الجمعة (62): آية 5]
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)
ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حُمِّلُوا التَّوْراةَ أي كلفوا العمل بها، عن ابن عباس. وقال الجرجاني: هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة. (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل، «1» فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. وقال الشاعر: «2»
__________
(1). في ح، ز، س، هـ:" أم ز بل".
(2). هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبى حفصة، يهجو قوما من رواة الشعر.

زوامل للأسفار لا علم عندهم ... وبجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه «1» أو راح ما في الغرائر «2»
وقال يحيى بن يمان: يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب. وقال الشاعر:
إن الرواة على جهل بما حملوا ... مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له ... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
وقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن:
انعق بما شئت تجد أنصارا ... ووزم أسفارا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفار ... يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى ... إن كان ما فيها صوابا وخطاء «3»
إن سئلوا قالوا كذا روينا ... ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحفل ... لأنه قلد «4» أهل الجهل
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها أي لم يعملوا بها. شبههم- والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها- بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة. ويَحْمِلُ في موضع نصب على الحال، أي حاملا. ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف، لان الحمار كاللئيم. قال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني «5»

(بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ) المثل الذي ضربناه لهم، فحذف المضاف. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي من سبق في علمه أنه يكون كافرا.
__________
(1). الوسق (بفتح الواو وسكون السين): حمل البعير. [.....]
(2). الغرائر: جمع الغرارة (بالكسر) الجوالق.
(3). كذا في الأصول، مع هذه الزيادة التي يستقيم بها الوزن. ويحتمل أن يكون صوابه:
أكان ما فيها جمانا أو بري

والجمان (بالضم): اللؤلؤ. والبرى: التراب.
(4). في نسخة:" قدر".
(5). وتمامه:
فضيت ثمت قلت لا يعنيني

قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)

[سورة الجمعة (62): الآيات 6 الى 7]
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)
لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] قال الله تعالى: إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فللأولياء عند الله الكرامة. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي أسلفوه من تكذيب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية. وفي حديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لما نزلت هذه الآية: (والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات). وفى هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد مضى معنى هذه الآية في" البقرة" في قوله تعالى-: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «1» [البقرة: 94].

[سورة الجمعة (62): آية 8]
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)
قال الزجاج: لا يقال: إن زيدا فمنطلق، وها هنا قال: فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ «2» لما في معنى الَّذِي من الشرط والجزاء، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله قوله: الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ثم يبتدئ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ. وقال طرقة:
__________
(1). راجع ج 2 ص (33)
(2). ما بين المربعين ساقط من ح، س.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

وكفى بالموت فاعلم واعظا ... لمن الموت عليه قد قدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره ... إن في الموت لذي اللب عبر
كل شي سوف يلقى حتفه ... في مقام أو على ظهر سفر
والمنايا حوله ترصده ... ليس ينجيه من الموت الحذر

[سورة الجمعة (62): آية 9]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)
فيه ثلاث عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما (الجمعة) بإسكان الميم على التخفيف. وهما لغتان. وجمعهما جمع وجمعات. قال الفراء: يقال الجمعة (بسكون الميم) والْجُمُعَةِ (بضم الميم) والجمعة (بفتح الميم) فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس. كما يقال: ضحكة للذي يضحك. وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جمعة، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن سلمان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إنما سميت جمعة لان الله جمع فيها خلق آدم). وقيل: لان الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شي فاجتمعت فيها المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. ومِنْ بمعنى في، أي في يوم، كقوله تعالى: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ «1» [فاطر: 40] أي في الأرض. الثانية: قال أبو سلمة: أول من قال:" أما بعد" كعب بن لوي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل: أول من سماها جمعة الأنصار.
__________
(1). راجع ج 15 ص 58

قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت. وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه- ونستذكر- أو كما قالوا- فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (أبو أمامة رضي الله عنه) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا. فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم. فهذه أول جمعه في الإسلام. قلت: وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي. وجاء في هذه الرواية: أن الذي جمع بهم وصلي أسعد بن زرارة، وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي. وقال البيهقي: وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب ابن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه. والله اعلم. وأما أول جمعة جمعها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهاجرا حتى نزل بقباء، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى. ومن تلك السنة يعد التاريخ. فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم. ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب. وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: (الحمد لله. أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسول، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع

من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعص الله ورسول فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. واحذروا ما حذركم الله من نفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر «1» الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم. وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ»
[آل عمران: 30]. وهو الذي صدق قول، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «3» [ق: 29]. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً «4» [الطلاق: 5]. ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله تعالى، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (. وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها
:" جواثى" من قرى البحرين. وقيل: إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب، كما تقدم. والله اعلم.
__________
(1). زيادة عن تاريخ الطبري والبداية والنهاية.
(2). ج 4 ص (59)
(3). ج 17 ص (17)
(4). ص 166 من هذا الجزء.

الثالثة: خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم خصه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ «1» [المائدة: 58] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ قال ابن العربي: وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وذلك يفيده، لان النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة. فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام. ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة. الرابعة: فقد تقدم حكم الأذان في سورة" المائدة" مستوفي «2». وقد كان الأذان على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في سائر الصلوات، يؤذن واحد إذا جلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة. ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا «3» على داره التي تسمى" الزوراء «4»" حين كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أقبلوا، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يخطب عثمان. خرجه ابن ماجة في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: ما كان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذن وإذا نزل أقام. وأبو بكر وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها" الزوراء"، فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام. خرجه البخاري من طرق بمعناه. وفي بعضها: أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام. وقال الماوردي: فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها. وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن
__________
(1). آية 58 سورة المائدة.
(2). راجع ج 6 ص 224 وما بعدها.
(3). أي أول الوقت عند الزوال. وسماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الأذان بين يدي الامام والإقامة للصلاة. فهو أول باعتبار الوجود، ثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار. [.....]
(4). الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة، قيل إنه مرتفع كالمنارة. وقيل: حجر كبير عند باب المسجد.

يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد. قال ابن العربي. وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) يعني الأذان والإقامة. ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم. ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الامام تحت المنبر في جماعة.، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية. وكل ذلك محدث. الخامسة- قوله تعالى (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) أختلف في معنى السعي ها هنا على ثلاثة أقوال: أولها: القصد. قال الحسن: والله ما هو بسعي على الاقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية. الثاني: أنه العمل، كقوله تعالى: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ «1» [الاسراء: 19]، وقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
«2» [الليل: 4]، وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «3» [النجم: 39]. وهذا قول الجمهور. وقال زهير:
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم «4»

وقال أيضا:
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم «5»
أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه. الثالث: أن المراد به السعي على الاقدام. وذلك فضل وليس بشرط. ففي البخاري: أن
__________
(1). راجع ج 10 ص (235)
(2). راجع ج 20 ص (82)
(3). راجع ج 17 ص (114)
(4). وعجزه:
فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا

(5). في شرح ديوان زهير:" الساعيان": الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، سعيا في الديات. وقيل: خارجة بن سنان والحارث بن عوف،" سعيا" أي عملا حسنا. و" غيظ بن مرة": حي من غطفان بن سعد. و" تبزل بالدم": أي تشقق. يقول: كان بينهم صلح فتشقق بالدم. يقول: سعيا بعد ما تشقق فأصلحا.

أبا عبس بن جبر- واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة- مشى إلى الجمعة راجلا وقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار). ويحتمل ظاهره رابعا: وهو الجري والاشتداد قال ابن العربي: وهو الذي أنكره الصحابة الاعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر:" فامضوا إلى ذكر الله" فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر. وقرا ابن مسعود كذلك وقال: لو قرأت فَاسْعَوْا لسعيت حتى يسقط ردائي. وقرا ابن شهاب:" فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل". وهو كله تفسير منهم، لا قراءة قرآن منزل. وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو بكر الأنباري: وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، وأن خرشة بن الحر قال: رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فقال لي عمر: من أقرأك هذا؟ قلت أبي. فقال: إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ. ثم قرأ عمر" فامضوا إلى ذكر الله". حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة، فذكره. وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر يقرأ قط إلا" فامضوا إلى ذكر الله". وأخبرنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ" فامضوا إلى ذكر الله" وقال: لو كانت فَاسْعَوْا لسعيت حتى يسقط ردائي. قال أبو بكر: فاحتج عليه بأن الامة أجمعت على فَاسْعَوْا برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه" فامضوا" لان السند غير متصل، إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا، وإنما ورد" فامضوا" عن عمر رضي الله عنه. فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه. والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي، غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش. قال زهير:
سعى ساعيا غيظ بمرة بعد ما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم

أراد بالسعي المضي بجد وانكماش، ولم يقصد للعدو والإسراع في الخطو. وقال الفراء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضي. واحتج الفراء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله، معناه هو يمضي بجد واجتهاد. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
أسعى على جل بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساعي
فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته. قلت: ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة). قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الاقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. وهذا حسن، فإنه جمع الأقوال الثلاثة. وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث. السادسة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمكلفين بإجماع. ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله: ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها، مثل المرض الحابس، أو خوف الزيادة في المرض، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع. ولو يره مالك عذرا له، حكاه المهدوي. ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة. وقد فعل ذلك ابن عمر.

ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الامام أعاد، ولا
يجزيه أن يصلي قبله. وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله. السابعة: قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يختص بوجوب الجمعة على «1» القريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب. واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال. وقال ربيعة: أربعة أميال. وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. وقال الشافعي: اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا، «2» والأصوات هادئة، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد. وفي الصحيح عن عائشة: أن الناس كانوا ينتابون «3» الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار «4» ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لو اغتسلتم ليؤمكم هذا) قال علماؤنا: والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال. والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء. وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إنما الجمعة على من سمع النداء). وقال أبو حنيفة وأصحابه تجب على من في المصر، سمع النداء أو لم يسمعه، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء. حتى سئل: وهل تجب الجمعة على أهل زبارة- بينها وبين الكوفة مجرى نهر-؟ فقال لا. وروي عن ربيعه أيضا: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة. وقد روي عن الزهري: أنها تجب عليه إذا سمع الأذان. الثامنة: قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت، بدليل قوله
__________
(1). التكملة عن ابن العربي.
(2). رجل صيت: شديد الصوت عاليه.
(3). أي يحضرونها نوبا. وفى رواية" يتناوبون".
(4). في ح، ز، س" في العباء" بفتح العين المهملة والمد، جمع عباءة.

عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليومكما أكبر كما) قاله لمالك ابن الحويرث وصاحبه. وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وقد روي عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلي قبل الزوال. وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع: كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ننصرف وليس للحيطان ظل. وبحديث ابن عمر: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. ومثله عن سهل. خرجه مسلم. وحديث سلمة محمول على التبكير. رواه هشام بن عبد الملك عن يعلي بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه. وروى وكيع عن يعلي عن إياس عن أبيه قال: كنا نجمع مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء. وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف، وقياسا على صلاة الظهر. وحديث ابن عمر وسهل، دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة. وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير. وتأول قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة ...) الحديث بكماله إنه كان في ساعة واحدة. وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه. ابن العربي: وهو أصح، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها. التاسعة: فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول: إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية. ونقل عن مالك من لم يحقق: أنها سنة. وجمهور الامة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقول الله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (. وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. وفي سنن ابن ماجة عن أبي الجعد الضمري- وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها

طبع الله على قلبه (. إسناده صحيح. وحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه (. ابن العربي: وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:) الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم (. العاشرة: أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط. وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات، لقوله عز وجل: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6] الآية «1». وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور). وأغربت طائفة فقالت: إن غسل الجمعة فرض. ابن العربي: وهذا باطل، لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت. ومن اغتسل فالغسل أفضل). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من توضأ يوم الجمعة «2» فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ومن مس الحصى «3» فقد لغا «4» وهذا نص. وفي الموطأ: أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب ...- الحديث «5» إلى أن قال:- ما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بالغسل. فأمر «6» عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع، فدل على أنه محمول على الاستحباب. فلم يمكن وقد تلبس بالفرض- وهو الحضور والإنصات للخطبة- أن يرجع عنه إلى السنة، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1). راجع ج 6 ص 6
(2). ما بين المربعين لم يرد في صحيح مسلم.
(3). أي سواه للسجود غير مرة في الصلاة.
(4). اللغو: الكلام المطرح الساقط. [.....]
(5). الحديث كما ورد في الموطإ وشرحه:" دخل رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد يوم الجمعة وعمر يخطب. فقال عمر: أية ساعة هذه؟ (إشارة إلى أن هذه الساعة ليست من ساعات الرواح إلى الجمعة لأنه وقت طويت فيه الصحف)- فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت- (اعتذار منه على أنه لم يشتغل بغير الفرض مبادرة إلى سماع الخطبة والذكر)- فقال عمر: الوضوء أيضا! وقد علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بالغسل. (معناه أنك مع ما فاتك من التهجير فاتتك فضيلة الغسل الذي قد علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر به)
(6). في الأصول:" فأقر" بالقاف. والتصويب عن ابن العربي.

الحادية عشرة- لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال: إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة، لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها. وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي «1» أن يتخلفوا عن الجمعة. وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. والامر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام. وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى. 1] وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [الغاشية: 1] قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. الثانية عشرة- قوله تعالى: (إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) أي الصلاة. وقيل الخطبة والمواعظ، قاله سعيد بن جبير. ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع، وأوله الخطبة. وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة. والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته، لان المستحب لا يحرم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله. الزمخشري: فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك! قلت: ما كان من ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله. فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فهو من ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ «2» [النحل 81]. وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء.
__________
(1). العوالي: أما كن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية.
(2). راجع ج 10 ص 160

فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)

وفي وقت التحريم قولان: إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحاك والحسن وعطاء. الثاني- من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي. ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت. ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. ابن العربي: والصحيح فسخ الجميع، لان البيع إنما منع منه للاشتغال به. فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. المهدوي. وراي بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا، وتأول النهي عنه ندبا، واستدل بقوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. قلت:- وهذا مذهب الشافعي، فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ. وقال الزمخشري في تفسيره: إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع. قالوا: لان البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. وعن بعض الناس أنه فاسد. قلت: والصحيح فساده وفسخه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد). أي مردود. والله اعلم.

[سورة الجمعة (62): آية 10]
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)
قوله تعالى: (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) هذا أمر إباحة، كقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «1» [المائدة: 2]. يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم. (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) أي من رزقه. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت
__________
(1). راجع ج 6 ص 44

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)

فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. وقال جعفر ابن محمد في قوله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ إنه العمل في يوم السبب. وعن الحسن ابن سعيد بن المسيب: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شي من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) أي بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) كي تفلحوا. قال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعا في" البقرة" «1».

[سورة الجمعة (62): آية 11]
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)
فيه سبع عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير «2» من الشام فانفتل «3» الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا- في رواية أنا فيهم- فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً. في رواية: فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد ذكر الكلبي وغيره: أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، «4» وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل: أحد عشر رجلا. قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمانية رجال، حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر
__________
(1). راجع ج 2 ص (171)
(2). العير- بكسر العين-: الإبل محمل الميرة، ثم غلب على كل قافلة. وانفئل الناس: انصرفوا.
(3). العير- بكسر العين-: الإبل محمل الميرة، ثم غلب على كل قافلة. وانفئل الناس: انصرفوا.
(4). أحجار الزيت: مكان في سوق المدينة.

الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع، «1» فالتفتوا إليها وانفضوا إلها وتركوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم. قال: وأنزل الله عز وجل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً). قال الدارقطني: لم يقل في هذا الاسناد" إلا أربعين رجلا" غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين فقالوا: لم يبق مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا اثنا عشر رجلا. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا)، ذكره الزمخشري. وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد. وفية: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد وبلال، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر. قلت: لم يذكر جابرا، وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم، والدارقطني أيضا. فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا، فقال: حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل، رجل فقال: إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة، «2» وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شي، فأنزل الله عز وجل: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. فقدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة. وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يشير إليه
__________
(1). البقيع: مقبرة بالمدينة.
(2). في س، ز، ط، ل، هـ:" قدم بتجارته".

بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يشير إليه بيده. فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج، فأنزل الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً «1» [النور: 63] الآية. قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوجب أن يكون صحيحا. وقال قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات، كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر، لهو لا فائدة فيه، إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الاعراض عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والانفضاض عن حضرته، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وجاء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه). الحديث. وقد مضى في سورة (الأنفال"»
فلله الحمد. وقال جابر بن عبد الله: كانت الجواري إذا نكحن يمررن «3» بالمزامير والطبل فانفضوا إليها، فنزلت وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقرا طلحة بن مصرف" وإذا رأوا التجار واللهو انفضوا إليها". وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته. كما قال:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
وقيل: الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين. الثانية- واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال، فقال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلا. وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان «4» قال: حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق، حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا
__________
(1). راجع ج 12 ص (322)
(2). راجع ج 8 ص (35)
(3). في أ:" يزمرن". [.....]
(4). في بعض المصادر:" سلمان".

المعافي بن عمران حدثنا معقل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. وقال الشافعي: بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشيرازي في (كتاب التنبيه على مذهب الامام الشافعي): كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط. وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. وكتب عمر بن عبد العزيز: أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المصر الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتج بحديث علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم «1». وهذا يرده حديث ابن عباس، قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثى. وحجة الامام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني. وفي سنن ابن ماجة والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة واستغفر له- قال- فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك، فقلت له: يا أبة، استغفارك لابي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ما هو؟ قال: أي بني، هو أول من جمع بالمدينة في هزم «2» من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات، قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقال جابر بن عبد الله:
__________
(1). ما بين المربعين كذا ورد في نسخ الأصل.
(2). الهزم: ما اطمأن من الأرض. وحرة بنى بياضة: قرية على ميل من المدينة. و" بياضة": بطن من الأنصار.

مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا، وذلك أنهم جماعة. خرجه الدارقطني. وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد: قرئ على عبد الملك ابن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة قال حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال: قلت لابي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال حدثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد ابن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك). قال ابن المنذر: وكتب عمر بن عبد العزيز: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة. وروى الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة). يعني بالقرى: المدائن. لا يصح هذا عن الزهري. في رواية (الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم). الزهري «1» لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم «2» هذا «3» متروك. الثالثة- وتصح الجمعة بغير إذن الامام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها الامام أو خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن مسعود بالناس من غير إذنه. وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك: إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها، وليها وال أو لم يلها. الرابعة- قال علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقف. قال ابن العربي: ولا اعلم وجهه.
__________
(1). الزيادة عن الدارقطني.
(2). هو الحكم بن عبد الله، أحد رجال سند هذا الحديث.
(3). الزيادة عن الدارقطني.

قلت: وجهه قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ «1» [الحج: 26]، وقوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ «2» [النور: 36 وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العرف، والله اعلم. الخامسة- قوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قائِماً) شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب. قال علقمة: سئل عبد الله أكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب قائما أو قاعدا؟ فقال: أما تقرأ وَتَرَكُوكَ قائِماً. وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعدا وقال الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً. وخرج عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. وقال أبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها. ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية. وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا. وقيل: إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه. وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري. السادسة: والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها، وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن: هي مستحبة. وكذا فال ابن الماجشون: إنها سنة وليست بفرض. وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلي الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله تعالى: وَتَرَكُوكَ قائِماً. وهذا ذم، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا، ثم إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصلها إلا بخطبة. السابعة: ويخطب متوكئا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجة قال حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن جده
__________
(1). راجع ج 12 ص 36. وص 265
(2). راجع ج 12 ص 36. وص 265

أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا. الثامنة: ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره. ولم يره مالك. وقد روى ابن ماجة من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صعد المنبر سلم. التاسعة: فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك، ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا. وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة، فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم. وهو قول أبي حنيفة. العاشرة: وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القران. ويجب في الثانية أربع كالأولى، إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الاولى الدعاء، قال أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزأه. وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل فصلى. وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم خطبة. وهو قول الشافعي. قال أبو عمر بن عبد البر: وهو أصح ما قيل في ذلك. الحادية عشرة: في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ على المنبر وَنادَوْا يا مالِكُ «1» [الزخرف: 77]. وفية عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] إلا من في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. وقد مضى في أول «2»" ق". وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحمد لله. نحمده ونستعينه ونستغفره،
__________
(1). راجع ج 16 ص (116)
(2). راجع ج 17 ص 1

ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله (. وعنه قال: بلغنا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول إذا خطب: (كل ما هو آت قريب، و«1» لا بعد لما هو آت. لا يعجل الله لعجلة أحد، «2» ولا يخف لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله. لا يكون شي إلا بإذن الله عز وجل. وقال جابر: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: (أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم (. وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة. الثانية عشرة: السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة. والسنة أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع، وهما إن شاء الله في الأجر سواء. ومن تكلم حينئذ لغا، ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت). الزمخشري: وإذا قال المنصت لصاحبه صه، فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
__________
(1). زيادة عن مراسيل أبى داود.
(2). في الأصول:" لعجله آت" والتصويب عن مراسيل أبى داود.

الثالثة عشرة: ويستقبل الناس الامام إذا صعد المنبر، لما رواه أبو داود مرسلا عن أبان بن عبد الله قال: كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة، فلما خرج الامام- أو قال صعد المنبر- استقبله وقال: هكذا أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعلون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. خرجه ابن ماجة عن عدي بن ثابت عن أبيه، فزاد في الاسناد: عن أبيه قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال ابن ماجة: أرجو أن يكون متصلا. قلت: وخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا عبد الله بن محمد ابن ناجية قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن الفضل الخراساني عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور. الرابعة عشرة: ولا يركع من دخل المسجد والامام يخطب، عند مالك رحمه الله. وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره. وفي الموطأ عنه: فخروج الامام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز «1» فيهما). وهذا نص في الركوع. وبه يقول الشافعي وغيره. الخامسة عشرة: .. «2» .... ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون النوم والامام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا. قال ابن عون: ثم لقيني بعد ذلك فقال: تدري ما يقولون؟ قال: يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا، ثم قال: هل تدري ما أخفقوا؟ لم تغنم شيئا. وعن سمرة بن جندب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده).
__________
(1). أي وليخفف أداءهما.
(2). بياض في أ. [.....]

السادسة عشرة: نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره. روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه) وأشار بيده يقللها «1». وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (هي ما بين أن يجلس الامام إلى أن تقضى الصلاة). وروي من حديث أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبطأ علينا ذات يوم، فلما خرج قلنا: احتبست! قال: (ذلك أن جبريل أتاني كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها قلت يا جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير الأيام عند الله وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد (. وذكر الحديث. وذكر ابن المبارك ويحيى ابن سلام قالا: حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبى عبيده بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب «2» من كافور أبيض، فيكونون منه في القرب- قال ابن المبارك- على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه: وهو قوله تعالى: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ «3» [ق: 35]. قلت: قوله في كثيب يريد أهل الجنة. أي وهم على كثيب، كما روى الحسن قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفية نهر جار حافتاه المسك عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن
__________
(1). أي يشير إلى قلة تلك الساعة وعدم امتدادها.
(2). الكثيب: الرمل المستطيل.
(3). راجع ج 17 ص 21

أصوات سمعها الأولون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة) ذكره يحيى بن سلام. وعن أنس قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم «1» هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة) ذكره الثعلبي. وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون ( «2». وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال (الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر) خرجه مسلم بمعناه. وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (. وعن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له
__________
(1). في: ح، س، ط، ل، هـ:" مثل دنياكم".
(2). أي الطالبون وجه الله وثوابه.

إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)

في أمره. ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له. ألا ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه (. وقال ميمون بن أبي شيبة: أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة لا أذهب، ثم أجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9]. السابعة عشرة- قوله تعالى: (قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) فيه وجهان: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم. وقرا أبو رجاء العطاردي: قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ للذين آمنوا. (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.

[تفسير سورة المنافقين ]
سورة المنافقون مدنية في قول الجميع، وهى إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة المنافقون (63): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (1)
قوله تعالى: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول:" لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا". وقال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ

مِنْهَا الْأَذَلَ
فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذبني. فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ- إلى قوله- هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" فأرسل إلي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: (إن الله قد صدقك) خرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الترمذي عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان معنا أناس من الاعراب فكنا نبد الماء، وكان الاعراب يسبقونا إليه فيسبق الاعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع «1» عليه حتى تجئ أصحابه. قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع حجرا «2» فغاض الماء، فرفع الاعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره- وكان من أصحابه- فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله- يعني الاعراب- وكانوا يحضرون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف «3» عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسل إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحلف وجحد. قال: فصدقه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذبني. قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذبك والمنافقون «4». قال: فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع «5» على أحد. قال: فبينما أنا أسير مع رسول
__________
(1). بساط من جلد.
(2). في الترمذي:" فانتزع قباض الماء".
(3). في الترمذي:" وأنا ردف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
(4). في الترمذي:" والمسلمون".
(5). في الترمذي:" فوقع على من الهم ما لم ......".

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال أبشر! ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لابي بكر. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة المنافقين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وسيل حذيفة بن اليمان عن المنافق، فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وهو اليوم شر منهم على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان). وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر (. أخبر عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقا، وخبره صدق. وروي عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وأتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال، شفقا أن تقضي بهم إلى النفاق. وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق. وقد مضى في سورة" براءة" القول في هذا مستوفي والحمد لله «1». وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (المؤمن إذا حدث صدق وإذا وعد أنجز وإذا ائتمن وفى). والمعنى: المؤمن الكامل إذا حدث صدق. والله اعلم. قوله تعالى: (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) قيل: معنى نَشْهَدُ نحلف. فعبر عن الحلف بالشهادة، لان كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب «2» ومنه قول قيس بن ذريح.
وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا
__________
(1). راجع ج 8 ص (212)
(2). في أ:" لأمر معين".

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)

ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعترافا بالايمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) كما قالوه بألسنتهم. (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) أي فيما أظهروا من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم. وقال الفراء: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ بضمائرهم، فالتكذيب راجع إلى الضمائر. وهذا يدل على أن الايمان تصديق القلب، وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب. ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب. وقد مضى هذا المعنى في أول" البقرة" مستوفي «1» وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ «2» [التوبة: 56].

[سورة المنافقون (63): آية 2]
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (2)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) أي سترة. وليس يرجع إلى قوله نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه، حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال. وقال الضحاك: يعني حلفهم بالله انهم لمنكم وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة" براءة" إذ قال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا «3» [التوبة: 74]. الثانية- من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله، فقال في ذلك كله (بالله) فلا خلاف أنها يمين. وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال: أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف، ولم يقل (بالله)، إذا أراد (بالله). وإن لم يرد (بالله) فليس بيمين. وحكاه الكيا عن الشافعي، قال الشافعي: إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يمينا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال
__________
(1). راجع ج 1 ص (192)
(2). راجع ج 8 ص 164 وص 206 [.....]
(3). راجع ج 8 ص 164 وص 206

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)

أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية، لان الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً. وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين، لان قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً ليس يرجع إلى قوله: قالُوا نَشْهَدُ وإنما يرجع إلى ما في" براءة" من قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [التوبة: 74]. الثالثة- قوله تعالى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي أعرضوا، وهو من الصدود. أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي واخذ الأموال، فهو من الصد، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويقتدي بهم غيرهم. وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، بإن يقولوا ها نحن كافرون بهم، ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالا. فبين الله أن حالهم لا يخفي عليه، ولكن حكمه أن من أظهر الايمان أجرى عليه في الظاهر حكم الايمان. (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي بئست أعمالهم الخبيئة- من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله- أعمالا.

[سورة المنافقون (63): آية 3]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3)
هذا إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر. أي أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب. وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي ختم عليها بالكفر (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) الايمان ولا الخير. وقرا زيد بن علي فطبع الله على قلوبهم.

[سورة المنافقون (63): آية 4]
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)
قوله تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) أي هيئاتهم ومناظرهم. (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) يعني عبد الله بن أبي. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما

جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. وقال الكلبي: المراد ابن أبى وجد بن قيس ومعتب ابن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وفي صحيح مسلم: وقوله كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قال: كانوا رجالا أجمل شي كأنهم خشب مسندة، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. وقيل: شبههم بالخشب التي قد تأكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها. وقرا قنبل وأبو عمرو والكسائي خُشُبٌ بإسكان الشين. وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد، لان واحدتها خشبة. كما تقول: بدنة وبدن، وليس في اللغة فعلة يجمع على فعل. ويلزم من ثقلها أن تقول: البدن، فتقرأ (والبدن). وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء، كقوله عز وجل: وَحَدائِقَ غُلْباً واحدتها حديقة غلباء. وقرا الباقون بالتثقيل وهي رواية البزي عن ابن كثير وعياش عن أبي عمرو، وأكثر الروايات عن عاصم. واختاره أبو حاتم، كأنه جمع خشاب وخشب، نحو ثمرة وثمار ثمر. وإن شئت جمعت خشبة على خشبة كما قالوا: بدنة وبدن وبدن. وقد روي عن ابن المسيب فتح الخاء والشين في خُشُبٌ. قال سيبويه: خشبة وخشب، مثل بدنة وبدن، قال: ومثله بغير هاء أسد وأسد ووثن ووثن وتقرأ خشب وهو جمع الجمع، خشبة وخشاب وخشب، مثل ثمرة وثمار وثمر. والاسناد الإمالة، تقول: أسندت الشيء أي أملته. ومُسَنَّدَةٌ للتكثير، أي استندوا إلى الايمان بحقن دمائهم. قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو. ف هُمُ الْعَدُوُّ في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه. يصفهم بالجبن والخور. قال مقاتل والسدي: أي إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب. كما قال الشاعر وهو الأخطل:
ما زلت تحسب كل شي بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)

وقيل: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد، وتقديره: يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم، لان للريبة خوفا. ثم استأنف الله خطاب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هُمُ الْعَدُوُّ وهذا معنى قول الضحاك وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم، ويهتك به أستارهم. وفي هذا المعنى قول الشاعر:
فلو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما
بطن من بني، يربوع. ثم وصفهم الله بقوله: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ حكاه عبد الرحمن ابن أبي حاتم. وفي قوله تعالى: فَاحْذَرْهُمْ وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم. الثاني- فاحذر مما يلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك. (قاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي لعنهم الله قاله ابن عباس وأبو مالك. وهي كلمة ذم وتوبيخ. وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب. وقيل: معنى قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر، لان الله تعالى قاهر لكل معاند. حكاه ابن عيسى. (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)
أي يكذبون، قاله ابن عباس. قتادة: معناه يعدلون عن الحق. الحسن: معناه يصرفون عن الرشد. وقيل: معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل، وهو من الافك وهو الصرف. و(أن) بمعنى كيف، وقد تقدم «1».

[سورة المنافقون (63): آية 5]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)
قوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم. فلووا رؤوسهم، أي حركوها استهزاء وإباء، قاله ابن عباس. وعنه أنه كان
__________
(1). راجع ج 3 ص 92 وج 4 ص 79

لعبد الله بن أبي موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضبان: فأته يستغفر لك، فأبى وقال: لا أذهب إليه. وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزا بني المصطلق على ماء يقال له" المريسيع" من ناحية" قديد" إلى الساحل، فازدحم أجير لعمر يقال له:" جهجاه" مع حليف لعبد الله بن أبي يقال له:" سنان" على ماء" بالمشلل"، فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان بالأنصار، فلطم جهجاه سنانا فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوها! والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز- يعني أبيا- الأذل، يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه. فقال زيد بن أرقم- وهو من رهط عبد الله- أنت والله الذليل المنتقص في قومك، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا. فقال عبد الله: اسكت إنما كنت ألعب. فأخبر زيد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: فأقسم بالله ما فعل ولا قال، فعذره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال زيد: فوجدت في نفسي ولا مني الناس، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليستغفر لك، فألوى برأسه، فنزلت الآيات. خرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه. وقد تقدم أول السورة. وقيل: يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ يستتبكم من النفاق، لان التوبة استغفار. (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الايمان. وقرا نافع" لووا" بالتخفيف. وشدد الباقون، واختاره أبو عبيد وقال: هو فعل لجماعة. النحاس: وغلط في هذا، لأنه نزل في عبد الله بن أبي لما قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرك رأسه استهزاء. فإن قيل: كيف أخبر عنه بفعل الجماعة؟ قيل له: العرب تفعل هذا إذا كنت عن الإنسان. أنشد سيبويه لحسان:
ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتم ... وفينا رسول عنده الوحي واضعه
وإنما خاطب حسان ابن الأبيرق في شي سرقه بمكة. وقصته مشهورة.

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)

وقد يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله. وقيل: قال ابن أبي لما لوى رأسه: أمرتموني أن أو من فقد آمنت، وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد!.

[سورة المنافقون (63): آية 6]
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (6)
قوله تعالى: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) يعنى كل ذلك سواء، لا ينفع استغفارك شيئا، لان الله لا يغفر لهم. نظيره: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»
[البقرة 6]، سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ «2» [الشعراء: 136]. وقد تقدم. (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) أي من سبق في علم الله أنه يموت فاسقا.

[سورة المنافقون (63): آية 7]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7)
ذكرنا سبب النزول فيما تقدم. وابن أبي قال: لا تنفقوا علي من عند محمد حتى ينفضوا، حتى يتفرقوا عنه. فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السموات والأرض له، ينفق كيف يشاء. قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل فقال: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقال الجنيد: خزائن السموات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب، فهو علام الغيوب ومقلب القلوب. وكان الشبلي يقول: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فأين تذهبون. (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) أنه إذا أراد أمرا يسره.
__________
(1). راجع ج 1 ص (184)
(2). راجع ج 13 ص 125

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ م¡