الاثنين، 27 يونيو 2022

تفسير القرطبي 1. و2.

 

الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي
(المتوفى : 671هـ)

ـ[الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي]ـ
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)
تحقيق : أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
الناشر : دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة : الثانية ، 1384هـ - 1964 م
عدد الأجزاء : 20 جزءا (في 10 مجلدات)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، وهو مذيل بالحواشي ، وضمن خدمة مقارنة تفاسير]
__________
تنبيهات :
1 - الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين ، إحداهما موافقة في ترقيم الصفحات (ط عالم الكتب) ، والأخرى هي ط الرسالة بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
2- ط دار الكتب المصرية (=الهيئة المصرية العامة للكتاب) ، التي أُخذت عنها هذه النسخة الإلكترونية : مقابلة على 24 نسخة مخطوطة ومُراجعة على كتب التفسير والقراءات، وكتب الحديث والإعراب التي رجع إليها المؤلف، وخاصة قراءة نافع التي جعلها المؤلف أصلاً لتفسيره.
ثم طبعتها كثير من دور النشر بعد ذلك بنفس أرقام أجزائها وصفحاتها وحواشيها ، منها : دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 هـ - 1985 م ، ومنها دار عالم الكتب 1423 هـ - 2003 م

- ط -
مقدمة الطبعة الثانية
(بسم الله الرحمن الرحيم)
مقدمة الطبعة الثانية
لعلنا في غير حاجة إلى تعريف القراء بهذا التفسير العظيم، بعد ان عرفوه في طبعته الاولى فأقبلوا عليه إقبالا منقطع النظير. إذ لم يكد يخرج منه جزء حتى تهافت عليه الجمهور، ممن عرفوا فضل القرطبي وعلمه وأدبه، ودقته في تأويل كتاب الله تعالى، وعرض اقوال الأئمة من جهابذة المحققين، وأولي البصر بكتاب الله من أعلام المجتهدين. ولقد رأى القراء حين طلع عليهم تفسير القرطبي مبلغ ما بذله مؤلفه من جهد كبير، وعناية فائقة، يدلان على عمقه في البحث، ومقدرته على فهم كتاب الله، وإلمامه بأصول علوم الشريعة وفروعها، من لغة وأدب وبلاغة. يتجلى كل أولئك في استنباطه الأحكام الشرعية من نصوص الآيات الكريمة، حتى ليكاد يستغني به القارئ عن دراسة كتب الفقه، ثم في استشهاده بكثير من النصوص الأدبية من لغة العرب شعرها ونثرها، مما يشهد له بطول البيع وسعة الأفق. وإن أخذ عليه شي فليس إلا هنات يسيرة، لا تنقص من مقداره، ولا تغض من قيمته، فقد ينبو الحسام، وقد يكبو الجواد. فمن ذلك أنه خالف أحيانا ما اشترطه على نفسه في مقدمة كتابه إذ يقول:" ... وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، ولا غنى عنه للتبيين ..."

- ي -
فليس مما لا بد منه أو لا غنى عنه ما ينقله عن كعب الأحبار:" أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها، فألقى في قلبه فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا «1» من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع. قال: فهم لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابة فدخلت في منخره، فعج الى الله منها فخرجت «2» ....". وليس مما لا بد منه:" أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت له العداوة هناك، فلما هبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب «3»". وليس مما لا بد منه ما يرويه عن ابن عباس قال:" سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله «4»". وليس مما لا بد منه ما ذكره عن كلب اصحاب الكهف والاختلاف في لونه وفي اسمه «5». ولا ما يرويه عن الزهري في قوله تعالى" جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ": أن جبريل عليه السلام قال له: يا محمد لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع «6» ....". ولا ما ذكره في قوله تعالى:" وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ": أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال «7» بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش «8»".
__________
(1). اسم الحوت.
(2). راجع ج 1 ص 257.
(3). ج 1 ص 313.
(4). ج 1 ص 327.
(5). راجع ج 10 ص 370.
(6). ج 14 ص 320 والوصع: عصفور صغير.
(7). الأوعال: جمع وعل، وهو التيس الجبلي.
(8). ج 18 ص 267.

- ك -
إلى غير ذلك من الأمثلة التي ترد في مناسبات مختلفة، جارى فيها من سبقه من المفسرين
الذين ينقلون عن الإسرائيليات ولا يتحرون الدقة في المعلومات الكونية، خصوصا في الكلام على خلق السموات والأرض، وتأويل الآيات التي تتعرض للظواهر الطبيعية، أو تشير إلى المسائل العلمية. وللمؤلف في ذلك كثير من العذر، لأنه- رحمه الله- تابع فيه ثقافة عصره، وما تجري به ألسنة العلماء في ذلك الزمان. وقد رأت الدار- بعد أن تحققت حاجة الناس إلى هذا الكتاب، ورغبة الكثير من العلماء في الأقطار الإسلامية في ذيوعه- أن تقرر إعادة طبعها تعميما للفائدة. هذا وسيرى القارئ أننا حرصنا على أن تكون هذه الطبعة موافقة لسابقتها في أجزائها وصفحاتها وأرقامها، إلا في تفاوت يسير، يستطيع القارئ أن يدركه في الصفحة التالية أو السابقة. كما أننا نبهنا في هذه الطبعة إلى أمر لم يكن في سابقتها، فعند ما يذكر المؤلف عبارة: (على ما يأتي بيانه) نوضح ذلك في الهامش، مبينين موضعه من الكتاب حتى يسهل على القارئ متابعة الدراسة، وربط الكلام بعضه ببعض، دون جهد أو عناء. ولا يفوتني أن أنوه بفضل حضرات الزملاء الذين اشتركوا معي في تصحيح هذا الكتاب في طبعته الأولى بعد جزئه الرابع، وهم السادة: الشيخ إبراهيم أطفيش، والشيخ بشندي خلف الله، والشيخ محمد محمد حسنين. والله المسئول أن ينفع بهذا التفسير الجليل، وأن يجزي مؤلفه خير الجزاء، وأن يعين القائمين بنشر التراث الإسلامي من أمثال هذا الكتاب العظيم. وأن يوفق" الدار" في تأدية رسالتها حتى تنهض بهذا العبء الكبير، وتقدم للعالم أجمع خير تراث تركه الأقدمون. وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
مصححه أحمد عبد العليم البردوني
16 من المحرم سنة 6 (1372 من أكتوبر سنة 1952).

- ل -
ترجمة أبي عبد الله القرطبي مؤلف هذا التفسير «1»

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح (بإسكان الراء وبالحاء المهملة)، الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة. أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف.
مؤلفاته- جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا، سماه كتاب" الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان" وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والاعراب والناسخ والمنسوخ (وهو هذا التفسير). وله كتاب" الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى". وكتاب" التذكار، في أفصل الاذكار". وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علما. وكتاب" التذكرة، بأمور الآخرة". وكتاب" شرح التقصي". وكتاب" قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة". قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه. وله" أرجوزة جمع فيها أسماء النبي صلى الله عليه وسلم". وله تآليف وتعاليق مفيدة غير هذا. وكان مطرحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. قال صاحب نفح الطيب: إنه من الراحلين من الأندلس.
__________
(1). عن الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (مذهب مالك) لابن فرحون، ونفح الطيب للمقرى.

- م -
شيوخه - سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي بعض شرحه" المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم". وحدث عن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري، وحدث أيضا عن الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وغيرهما. وكان مستقرا بمنية ابن خصيب، وتوفي ودفن بها في ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة 671، رحمه الله ورضي عنه.

الجزء الأول

[المدخل ]
[خطبة الكتاب وفيها الكلام على علو شأن المفسرين ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. قال الشيخ الفقيه الامام العالم العامل العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي، رضى الله عنه: الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه قبل ان يحمده حامد، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرب الصمد الواحد، الحي القيوم الذي لا يموت، ذو الجلال والإكرام، والمواهب العظام، والمتكلم بالقرآن، والخالق للإنسان، والمنعم عليه بالايمان، والمرسل رسوله بالبيان، محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اختلف الملوان «1»، وتعاقب الجديدان، أرسله بكتابه المبين، الفارق بين الشك واليقين، الذي أعجزت الفصحاء معارضته، وأعيت الألباء مناقضته، وأخرست البلغاء مشاكلته، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها، أوامره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرق فيه بين الحلال والحرام، وكرر فيه المواعظ والقصص للافهام، وضرب فيه الأمثال، وقص فيه غيب الأخبار، فقال تعالى" ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «2»". وخاطب به أولياءه ففهموا، وبين لهم فيه مراده فعلموا. فقرأة القرآن حملة سر الله المكنون، وحفظة علمه المخزون، وخلفاء أنبيائه وأمناؤه، وهم أهله وخاصته وخيرته وأصفياؤه، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:" إن لله أهلين منا «3»" قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال:" هم أهل القرآن أهل الله وخاصته" أخرجه ابن ماجة في سننه، وأبو بكر البزار في مسنده. فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر
__________
(1). الملوان: الليل والنهار.
(2). آيه 38 سورة الأنعام.
(3). في سنن ابن ماجة:" من الناس".

ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه. فانه حمل أعباء الرسل، وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل، قال الله تعالى:" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «1»". ألا وإن الحجة على من علمه فأغفله، أوكد منها على من قصر عنه وجهله. ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحا، ومن الجرائم فضوحا، كان القرآن حجه عليه، وخصما لديه، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" القرآن حجه لك أو عليك" خرجه مسلم. فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه، قال الله تعالى:" كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ «2»". وقال الله تعالى:" أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «3»". جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته، ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لإعلامه الظاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فانه أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم جعل إلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيان ما كان منه مجملا، وتفسير ما كان منه مشكلا، وتحقيق ما كان منه محتملا، ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به، ومنزلة التفويض إليه، قال اله تعالى:" وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «4»". ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استنباط ما نبه على معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم، قال الله تعالى:" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ «5»". فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا، واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا. فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه، وآذاننا موارد سنن نبيه، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما، طالبين بذلك رضا رب العالمين، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين. (وبعد فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء الى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ
__________
(1). آية 143 سورة البقرة.
(2). آية 29 سورة ص. [.....]
(3). آية 24 سورة القتال.
(4). آية 44 سورة النحل.
(5). آية 11 سورة المجادلة.

فيه منتي «1»، بأن أكتب تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات، والاعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيهما، ومبينا ما أشكل منهما، بأقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف. وعملته تذكرة لنفسي، وذخيرة ليوم رمسي، وعملا صالحا بعد موتي. قال الله تعالى:" يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
«2»". وقال تعالى:" عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ «3»". وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال الى قائليها، والأحاديث الى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول الى قائله. وكثيرا ما يجئ الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما، لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لأخبره له بذلك حائرا، لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به، ولا الاستدلال حتى يضيفه الى من خرجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام. ونحن نشير الى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، إلا مالا بد منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تفسير عن معناها، وترشد الطالب الى مقتضاها، فضمنت كل آية لتضمن حكما أو حكمين فما زاد، مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا الى آخر الكتاب. وسميته ب (الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) جعله الله خالصا لوجهه، وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه، إنه سميع الدعاء، قريب مجيب، آمين.
__________
(1). المنة (بالضم): القوة.
(2). آية 13 سورة القيامة.
(3). آية 5 سورة الانفطار.

باب ذكر جمل من فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضل طالبه وقارئه ومستمعه والعامل به
اعلم أن هذا الباب واسع كبير، ألف فيه العلماء كتبا كثيرة، نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله، وما أعده الله لأهله، إذا أخلصوا الطلب لوجهه. وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين، غير مخلوق، كلام من ليس كمثله شي، وصفه من ليس له شبيه ولا ند، فهو من نور ذاته جل وعز، وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم، وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات، وندبا في كثير من الأوقات، ويزجرون «1» عنها إذا أجنبوا، ويثابون عليها ويعاقبون على تركها. وهذا مما أجمع عليه المسلمون أهل الحق، ونطقت به الآثار، ودل عليها المستفيض من الأخبار، ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من اكتساب العباد، على ما يأتي بيانه. ولولا أنه- سبحانه- جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله، ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يقول- تعالى جده- وقوله الحق:" لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «2»". فأين قوت القلوب من قوة الجبال! ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة. وأما ما جاء من الآثار في هذا الباب- فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين- قال:- وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبد الله قال: السبع الطول مثل التوراة، والمئون مثل الإنجيل، والمثاني مثل الزبور، وسائر القرآن بعد فضل. وأسند عن الحارث
__________ (1). في نسخة: ويؤجرون عنها إذا أجيبوا.
(2). آية 21 سورة الحشر.

عن على رضي الله عنه وخرجه الترمذي قال: سمعت «1» رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" ستكون فتن كقطع الليل المظلم. قلت يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أصله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع من العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور «2»"." الحارث" رماه الشعبي بالكذب وليس بشيء، ولم يبن من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حب على وتفضيله له على غيره. ومن هاهنا- والله أعلم- كذبه الشعبي، لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر، وإلى أنه أول من أسلم. قال أبو عمر عبد البر: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أد الكذابين. وأسند أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب" الرد على من خالف مصحف عثمان" عن عبد الله بن مسعود قال قال: رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعيب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشرة حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله". وقال أبو عبيد في غريبة عن عبد الله قال: إن هذا القرآن مأدبة
__________
(1). ورد هذا الحديث في صحيح الترمذي (ج 2 ص 149 طبع بولاق) مع اختلاف في بعض كلماته. زيادة ونقص.
(2). قوله: يا أعور: لقب الحارث بن عبد اله المذكور ف يسند هذا الحديث

الله فمن دخل فيه فهو آمن. قال: وتأويل الحديث أنه مثل، شبه القرآن بصنيع صنعه الله عز وجل للناس، لهم فيه الخير ومنافع، ثم دعاهم إليه. يقال: مأدبة ومأدبة، فمن قال: مأدبة، أراد الصنيع يصنعه الإنسان فيدعو إليه الناس. ومن قال: مأدبة، فأنه يذهب به إلى الأدب، يجعله مفعلة من الأدب، ويحتج بحديثه الآخر:" إن هذا القرآن مأدبة الله عز وجل فتعلموا من مأدبته". وكان الأحمر يجعلها لغتين بمعنى واحد، ولم أسمع أحدا يقول هذا غيره. [قال:] والتفسير الأول أعجب إلى. وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر". وفي رواية:" مثل الفاجر" بدل المنافق". وقال البخاري:" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ..." وذكر الحديث. وذكر أبو بكر الأنباري: وقد أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم «1»، ح. وأنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب: أن أبا عبد الرحمن
__________
(1). جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار الى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا" ثنا" وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء. ويكتبون من أخبرنا" أنا" ولا تحسن زيادة الباء قبل" نا"، وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد الى إسناد" ح" وهي حاء مهملة، والمختار أنها. مأخوذة من التحول، لتحوله من إسناد الى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها:" ح" ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الإسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، بل وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز الى قوله:" الحديث". وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا، وهي كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في صحيح البخاري. (عن مقدمة النووي على صحيح مسلم).

السلمى كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا، اتق الله! فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت. وروى الدارمي عن وهب الذماري قال: من آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، وعمل بما فيه ومات على طاعة، بعثه الله يوم القيامة مع السفرة والأحكام. قال سعيد «1»: السفرة الملائكة، والأحكام «2» الأنبياء. وروى مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران". التتعتع: التردد في الكلام عيا وصعوبة، وإنما كان له أجران من حيث التلاوة ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله، لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة. والله أعلم. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف". قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى موقوفا. وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في الصفة، فقال:" أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين «3» في غير إثم ولا قطع رحم" فقلنا: يا رسول الله، كلنا نحب ذلك، قال:" أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم «4» أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل". وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه
__________
(1). سعيد هذا، هو سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي، أحد رجال سند هذا الحديث. وفي الأصول:" سعد" وهو تحريف.
(2). هكذا في نسخ الأصل وسنن الدارمي. ولعل الغرض وذوو الأحكام، أو هو جمع حكيم كشريف وأشرف أو حكم كبطل وأبطال.
(3)." كوماوين" تثنية كوماء، أي مشرفة السنام عاليته. [.....]
(4). قوله: فيعلم. ضبط بنصب الفعل ورفعه وبتشديد اللام من التعلم، وبتخفيفها من العلم

في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له شريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به علمه لم يسره به نسبه". وروى أبو داود والنسائي والدارمي والترمذي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة". قال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يجئ القرآن «1» يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة". قال: حديث صحيح. وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شي معه". وأسند أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من أعطى ثلث القرآن فقد أعطى ثلث النبوة ومن أعطى ثلثي القرآن أعطى ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله فقد أعطى النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من القرآن ثم يقال له اقبض فيقبض ثم يقال له اتدري ما في يديك فإذا في يده اليمنى الخلد وفي اليسرى النعيم". حدثنا إدريس بن خلف حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام عن الحسن قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ ثلث النبوة ومن أخذ
__________
(1). الذي في نسخ الأصل:" يجئ صاحب القرآن". والتصويب عن سنن الترمذي.

نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نصف النبوة ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها. قال: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي أنبأنا محمد وهو ابن سعدان حدثنا الحسن بن محمد عن حفص عن كثير بن زياد عن عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قرأ القرآن وتلاه وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كل قد وجبت له النار". وقالت أو الدرداء: دخلت على عائشة رضى الله عنه فقلت لها: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأه ممن دخل الجنة؟ فقالت عائشة رضى الله عنه: إن عدد اي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن. ذكره أبو محمد مكي. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول" فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى «1»". قال ابن عباس: فضمن الله لمن اتبع القرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وذكره مكي أيضا. وقال الليث يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «2»". و" لعل" من الله واجبة. وفي مسند أبي داود الطيالسي وهو أول مسند «3» ألف في الإسلام- عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" والآثار في معنى هذ الباب كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية، والله الموفق للهداية.
__________
(1). آية 123 سورة طه.
(2). آية 204 سورة الأعراف.
(3). قوله:" وهو أول مسند" إلخ. قال صاحب الظنون:" والذي حمل قائل هذا القول تقدم عصره على أعصار من صنف المسانيد، وظن أنه هو الذي صنفه وليس كذلك، فانه ليس من تصنيف أبي داود، وإنما بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يوسف بن حبيب خاصة عن أبي داود. ولأبي داود من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر، كما ذكره البقاعي في حاشية الألفية". وقد توفي الطيالسي سنة 204 هـ.

باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك
روى البخاري عن قتادة قال: سألت رسول الله صلى عليه وسلم فقال: كان يمد مدا [إذا] قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. وروى الترمذي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقطع قراءته يقول:" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" ثم يقف" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ثم يقف، وكان يقرؤها" ملك يوم الدين". قال: حديث غريب. وأخرجه أبو داود بنحوه. وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته «1» يخشى الله تعالى". وروى عن زياد النميري أنه جاء مع القراء ألى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ. فرقع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: يا هذا، ما هكذا كانوا يفعلون! وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه. وروى عن قيس بن عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرهون رفع الصوت عند الذكر. وممن روى عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن سعيد ين المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم، وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل، كلهم كره رفع الصوت. بالقرآن والتطريب فيه. روى عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن عبد العزيز يؤم الناس فطرب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله! إن الأئمة لا تقرأ هكذا. فترك عمر التطريب بعد. وروى عن القاسم بن محمد: أن رجلا قرأ في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فطرب، فأنكر ذلك القاسم وقال يقول الله عز وجل:" وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «2»" الآية. وروى عن مالك أنه سئل عن النبر في قراءة القرآن في الصلاة، فأنكر وكرهه كراهة شديدة، وأنكر رفع الصوت به. وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة
__________
(1). رأي هنا بمعنى علم، وفي بعض النسخ:" رأيته" بالبناء للمجهول، ومعناه الظن.
(2). آية 41، 42 سورة فصلت

فقال: لا يعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم. وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به، وذلك لأنه إذا حسن الصوت به كان أوقع في النفوس وأسمع في القلوب، واحتجوا بقوله عليه السلام:" زينوا القرآن بأصواتكم" رواه البراء بن عازب. أخرجه أبو داود والنسائي. وبقوله عليه السالم:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أخرجه مسلم. وبقول أبي موسى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا. وبما رواه عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح في مسير له سورة" الفتح" على راحلته فرجع في قراءته. وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنظر بن شميل، وهو اختيار أبي جعفر الطبري وأبي الحسن بن بطال والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. قلت: القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي. وأما ما احتجوا به من الحديث الأول فليس على ظاهره وإنما هو من باب المقلوب، أي زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطابي: وكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا هو من باب المقلوب، كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة، وإنما هو عرضت الناقة على الحوض. قال: ورواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو صحيح. قال الخطابي: ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" زينوا القرآن بأصواتكم" أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم. اتخذوه شعارا وزينة، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه. وقد روى عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" زينوا أصواتكم بالقرآن". وروى عن عمر أنه قال:" حسنوا أصواتكم بالقرآن". قلت: وإلى هذا المعنى يرجع قوله عيلة السلام:" وليس منا من لم يتغن بالقرآن" أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن، كذلك تأوله عبد الله بن أبي مليكة. قال عبد الجبار ابن الورد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه

حتى دخل بيته، فإذا رجل رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول،" ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. ذكره أبو داود، وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن، وزينته ورتلته. وهذا يدل [على ] أنه كان يهذ «1» في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه. والتحبير: التزيين والتحسين، فلو علم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها، كما كان يقرأ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة. ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه. وقد قيل: إن الامر بالتزيين اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك، أي زينو القراءة بأصواتكم، فيكون القرآن بمعنى القراءة، كما قال تعال" وَقُرْآنَ الْفَجْرِ «2»" أي قراءة الفجر، وقوله:" فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
«3»" أي قراءته. وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام، ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، أي قراءة. وقال الشاعر «4» في عثمان رضى الله عنه:
ضحوا بأشمط «5» عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها- على ما نبينه- فيمتنع. وقد قيل: إن معنى يتغنى به، يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، لا من الغناء، يقال: تغنيت وتغانيت بنعنى استغنيت. وفي الصحاح: تغنى
__________
(1). الهذ والهذذ: سزعة القطع وسرعة القراءة.
(2). آية 78 سورة الإسراء.
(3). آية 18 سورة القيامة.
(4). هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.
(5). الشمط بالتحريك: بياض شعر الرأس يخالطه سواده. وقيل: الشمط في الرجل شيب اللحية.

الرجل بمعنى استغنى، وأغناه الله. وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض. قال المغيرة بن حبناء التميمي:
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ورواه سفيان عن سعد بن أبى وقاص. وقد روى عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه، أي يستغني به عما سواه من الأحاديث. والى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى" أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ «1»". والمراد الاسستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل. وقيل: إن معنى يتغنى به، يتحزن به، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته، وليس من الغنية، لأنه لو كان من الغنية لقال: يتغانى به، ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء: منهم الإمام أبو محمد ابن حبان البستي، واحتجوا بما رواه مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. الأزيز (بزايين): صوت الرعد وغليان القدر. قالوا: ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزن، وعضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمة عن عبد الله قال قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اقرأ على" فقرأت عليه سورة" النساء" حتى إذا بلغت" فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً" «2» فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان. فهذه أربع تأويلات، ليس فيها ما يدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها. وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن" قال: كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم «3» مكان الغناء، فقال:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن". التأويل الخامس- ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب، فذكر عمر بن شبة قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأول ابن عيينة في قوله:" يتغن" يستغنى، فقال:
__________
(1). آية 51 سورة العنكبوت.
(2). آية 41 سورة النساء. [.....]
(3). هجيراهم: دأبهم وعادتهم.

لم يضع ابن عيينة شيئا. وسيل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا، ولو أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاستغناء لقال: من لم يستغن، ولكن قال" يتغن" علمنا أنه أراد التغني. قال الطبري: المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع. وقال الشاعر:
تغن بالشعر مهما كنت قائله ... إن الغناء بهذا الشعر مضمار
قال: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها، ولا نعلم أحد من أهل العلم قاله، وأما احتجاجه بقول الأعشى:
وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن
وزعم أنه أراد الاستغناء فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة، من قول العرب: غني فلان بمكان كذا أي أقام، ومنه قوله تعالى:" كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا «1»" وأما استشهاده بقوله:
ونحن إذا متنا أشد تغانيا

فإنه إغفال منه، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه. ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد، فغير جائز أن يقال: تغانى زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى بمعنى استغنى. قلت: ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى، فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا، وذكره الهروي أيضا. وأما قوله: إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في ما ضيع كثيرة، منها قول ابن عمر: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام. وتقول العرب: طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل، وهو كثير، فيكون تغاني منها. وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام:" يتغن" الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الآخر، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره، لأنه مروي عن
__________ (1). آية 92 سورة الأعراف.

صحابي كبير كما ذكر سفيان. وقد قال ابن وهب في حق سفيان: ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة، ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره. وتأويل سادس- وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" ما أذن الله «1» لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". قال الطبري ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. قلنا قوله:" يجهر به" لا يخلو أن يكون من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو من قول أبي هريرة أو غيره، فإن كان الأول وفية بعد، فهو دليل على عدم التطريب والترجيع، لأنه لم يقل: يطرب به، وإنما قال: يجهر به: أي يسمع نفسه ومن يليه، بدليل قوله عليه السلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل:" أيها الناس اربعوا «2» على أنفسكم فإنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا ...." الحديث، وسيأتي. وكذلك إن كان من صحابي أو غيره فلا حجة فيه على ما راموه، وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال: وهذا أشبه، لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به غانيا، وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء. قال: وعلى هذا فسره الصحابي، وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد احتج أبو الحسن لمذهب الشافعي فقال: وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا «3» من المخاض من العقل". قال علمائنا: وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم على القطع والبتات من قراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ، جيلا فجيلا إلى العصر الكريم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليس فيها تلحين
__________
(1). قوله: ما أذن .... إلخ قال المناوي: يعني ما رضى الله من المسموعات شيئا هو أرضى عنده ولا أحب إليه من قول نبي يتغنى بالقرآن، أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع وتحزن، وأراد بالقران ما يقرأ من الكتب المنزلة.
(2). قوله:" اربعوا" أي كفوا وارفقوا.
(3). التفصي: التقلب والخروج.

ولا تطريب، مع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات. ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود، فترجيع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبه «1» الواحدة شبهات، فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات، والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لأغير، إما ممدودة وإما مقصورة. فإن قيل: فقد روى عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير له سورة" الفتح" على راحلته فرجع في قراءته، وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع: آء آء آء، ثلاث مرات. قلنا: ذلك محمول على إشباع المد في موضعه، ويحتمل أن يكون صوته عند هز الراحلة، كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من اضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب، وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه. وقد خرج أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: كانت قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذن يطرب، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذن". أخرجه الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن، فقال وقوله الحق:" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «2»". وقال تعالى:" لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «3»". قلت: وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب
__________
(1). سيذكر المؤلف في باب (ذكر معنى الصورة والآية) إلخ: أن الشبهات هي الحروف، ولم أر هذا التعبير لغيره.
(2). آية 9 سورة الحجر.
(3). آية 42 سورة فصلت.

عملهم، فسيحتلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم، ومروقا عن سنة نبيهم، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لكن أخبر الصادق أن ذلك يكون، فكان كما أخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ذكر الامام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبد الله الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" من حديث حذيفة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز جناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". اللحون: جمع لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء. قال علمائنا: ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها، ما نهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والترجيع في القراءة: ترديد الحرف كقراءة النصارى. والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، قال الله تعالى:" وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «1»". وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته! [كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح «2»]، ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا. أخرجه النسائي وأبو دائد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.

باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره
قال الله تعالى:" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً" «3». وقال تعالى:" فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً" «4». روى مسلم عن أبي هريرة
__________
(1). آية 4 سورة المزمل.
(2). الزيادة عن سنن الترمذي وأبي داود.
(3). آية 36 سورة النساء.
(4). آية 110 سورة الكهف.

قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرا القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال علام وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أنصاف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار". يقال الترمذي في هذا الحديث: ثم ضرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ركبتي فقال:" يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة". أبو هريرة اسمه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقال: كنيت أبا هريرة لأني حملت هرة في كمي، فرآني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" ما هذه"؟ قلت: هرة، فقال:" يا أبا هريرة". قال ابن عبد البر: وهذا الحديث فيمن لم يرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى. وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" من طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار". وخرج ابن المبارك في رقائقه عن العباس بن عبد المطلب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا" ثم التفت إلى أصحابه فقال:" هل ترون في أولئكم من خير" قالوا: لا. قال:" أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار". وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من تعلم علما مما يبتغي به وجه لله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة". يعني ريحها. قال الترمذي: حديث

حسن. وروى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تعوذوا بالله من جب الحزن" قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال:" واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كل يوم مائة مرة" قيل: يا رسول الله ومن يدخله؟ قال:" القراء المراءون بأعملهم" قال: هذا حديث غريب. وفي كتاب أسد بن موسى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب وإن فط الجب لحية وإن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع مرات أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله". فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله، فإن كان تقدم له شي مما يكره فليبادر التوبة التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب. عمله. فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره، كما أن له من الأجر ما ليس لغيره. وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أنزل اله في بعض الكتب- أو أوحى- إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخر يلبسون للناس مسوك «1» الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران". وخرج الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا المحاربي عن عمرو بن عامر البجلي عن ابن صدقة عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو من حدثه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر". قالوا يا رسول الله، وكيف يخادع
الله؟ قال:" تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره واتقوا الرياء فإنه الشرك وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رءوس الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا خاسر يا غادر يا فاجر ضل عملك وبطل
__________
(1). المسوك (جمع مسك، بفتح ثم سكون): الجلد.

أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع. وروى علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم! لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شي قيل: غيرت السنة. قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم. قل فقهائكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين. وقال سفيان بن عيينة: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: لو إن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله، ولكن ي لبوا به الدنيا فأبغضهم الله، وهانوا على الناس. وروى عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى:" فَكُبْكِبُوا «1» فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ" قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم، وخالفوه إلى غيره .. سيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى.

باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه
فأول ذلك أن يخلص في طلبه لله عز وجل كما ذكرنا، وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره، في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه. وروى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه وينبغي له أن يكون لله حامدا، ولنعمه شاكرا، وله ذاكرا، وعليه متوكلا، وبه مستعينا وإليه راغبا، وبه معتصما، وللموت مستعدا. وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه، راجيا عفو ربه، ويكون الخوف في صحته أغلب عليه، إذا لا يعلم بما يختم له، ويكون الرجاء عند حضور أجله أقوى في نفسه، لحسن الظن بالله، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن". أي أنه يرحمه ويغفر له. وينبغي له أن يكون عالما بأهل زمانه، متحفظا من سلطانه، ساعيا في خلاص نفسه، ونجاة مهجته، مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه، مجاهدا لنفسه في ذلك ما استطاع. وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في دينه، واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه.
__________
(1). آية 94 سورة الشعراء. [.....]

وقال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مستيقضون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخضوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. وقال عبد الله بن عمرو: لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من يجهل، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن، لأن في جوفه كلام الله تعالى. وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات، ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار. وينبغي له أن يتواضع للفقراء، ويتجنب التكبر والإعجاب، ويتجافى عن الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة، ويترك الجدال والمراء، ويأخذ نفسه بالرفق والأدب. وينبغي له أن يكون ممن يؤن شره، ويرجى خيره ويسلم من ضره، والا يسمع ممن نم عنده، ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه، وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا. وينبغي له أن يعرف المكي من المدني ليفرق بذلك بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخر الإسلام، وما افترض الله في أول الإسلام، وما زاد عليه من الفرائض في آخره. فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن، ولا يمكن أن ينسخ المكي المدني، لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له. ومن كماله أن يعرف الإعراب والغريب، فذلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ، ويزيل عنه الشك فيما يتلو. وقد قال أبو جعفر الطبري سمعت الجرمي يقول: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه. قال محمد بن يزيد: وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير. ثم في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فيما يصل إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا، وقد قال الضحاك في قوله تعالى:" وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ «1»". قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها. وذكر ابن أبي الجوزي قال: أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعض القوم: إن كان خارجا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن، فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة، فقلنا: السلام عليك ورحمة الله، فقال وعليكم السلام، فقلنا: كيف أنت يا أبا علي، وكيف حالك؟ فقال: أنا من الله في عافية ومنكم في أذى، وإن ما أنتم فيه حديث في الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم، فنجلس دونهم ونسترق السمع، فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل، وقد ضيعتم كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون، قال: قلنا قد تعلمنا القرآن، قال: إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم، قلنا: كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرف. اإعرابه، ومحكمه من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة،، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم" يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «2»". قلت: فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا بالقرآن، وعالما بالفرقان، وهو قريب على من قربه عليه، ولا ينتفع بشيء مما ذكرنا حتى يخلص النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم. فقد يبتدئ الطالب للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا، فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية
لله تعالى فينتفع بذلك ويحسن حاله. قال الحسن: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة. وقاله سفيان الثوري. وقال بن أبي ثابت: طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد.
__________
(1). آية 79 سورة آل عمران.
(2). ايتا 57، 58 سورة يونس.

باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربا
قال أبو بكر الأنباري: جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم من تفضيل إعراب القرآن، والحصن على تعليمه، وذم اللحن وكراهيته ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه. من ذلك ما حدثنا يحيى بن سليمان الضبي قال حدثنا محمد يعني ابن سعيد قال حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه". حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم ابن الهيثم قال حدثنا آدم يعني ابن إياس قال حدثنا أبو الطيب المروزي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة". وروى جويبر عن الضحاك قال قال عبد الله ابن مسعود: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، واعربوه فإنه عربي، والله يحب ان يعرب به. وعن مجاهد عن ابن عمر قال: أعربوا القرآن. وعن محمد بن عبد الرحمن ابن زيد قال قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه. وعن الشعبي قال قال عمر رحمه الله: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله اجر شهيد. وقال مكحول: بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب. وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي". وروى سفيان عن أبي حمزة قال قيل للحسين في قوم يتعلمون العربية قال: أحسنوا، يتعلموا لغة نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل للحسن: إن لنا أماما يلحن، قال: أخروه.

وعن ابن أبي مليكه قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: من يقرئني مما أنزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فأقرأه رجل" براءة"، فقال:" أَنَّ اللَّهَ بَرِي ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورسوله". بالجر فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله برئ من رس. له فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي: فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولأعلم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة" براءة" فقال:" أَنَّ اللَّهَ بَرِي ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورسوله"، فقلت أو قد برئ الله من رسوله، أن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال" أَنَّ اللَّهَ بَرِي ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ" فقال الأعرابي: وأنا أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ألا يقرئ الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود «1» فوضع النحو. وعن علي بن الجعد قال سمعت شعبة يقول: مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية مثل الحمار عليه مخلاة لا علف فيها. وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث ولم يعلم النحو أو قال العربية فهو كمثل الحمار تعلق عليه مخلاة ليس فيها شعير. قال ابن عطية: إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع. قال ابن الأنباري: وجاء عن أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتابعيهم رضوان الله عليهم، من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بين صحة مذهب النحويين في ذلك، وأوضح فساد مذهب من أنكر ذلك عليهم. من ذلك ما حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز قال حدثنا ابن أبي مريم قال: أنبأنا ابن فروخ قال أخبرني أسامة قال أخبرني عكرمة أن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب. وحدثنا إدريس بن عبد الكريم قال حدثنا خلف قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان قال سمعت سعيد بن جبير ويوسف بن مهران يقولان: سمعنا ابن عباس يسال عن الشيء بالقرآن، فيقول فيه هكذا وهكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا. وعن عكرمة
__________
(1). يجوز أن يكون أمر أبي الأسود بوضع النحو تكرر من عمر ومن علي.

عن ابن عباس، وسأله رجل عن قول الله عز وجل:" وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «1»" قال: لا تلبس ثيابك على غدر، وتمثل بقول غيلان الثقفي:
فإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من سوءة أتقنع «2»

وسأل رجل عكرمة عن الزنيم قال: هو ولد الزنى، وتمثل ببيت شعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم
وعنه أيضا الزنيم: الداعي الفاحش اللئيم، ثم قال:
زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع «3».
وعنه في قوله تعالى:" ذَواتا أَفْنانٍ «4»" قال: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر:
ما هاج شوقك من هديل حمامة ... تدعو على فنن الغصون حماما
تدعو أبا فرخين صادف طائرا ... ذا مخلبين من الصقور قطاما
وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى:" فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ «5»" قال: الأرض، قاله ابن عباس. وقال أمية بن أبي الصلت،" عندهم «6» لحم بحر ولحم ساهرة". قال ابن الأنباري: والرواة يروون هذا البيت:
وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم
وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل:" لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ" ما السنة؟ قال: النعاس، قال زهير بن أبي سلمى:
لا سنة في طول الليل تأخذه ... ولا ينام ولا في أمره فند «7»
__________
(1). آية 4 سورة المدثر.
(2). أورد المؤلف في تفسير سورة المدثر ج 19 ص 62 هذا البيت برواية أخرى هكذا: فاني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع.
(3). كذا في اللسان والكامل للمبرد. وفي الأصول: أكارعه".
(4). آية 48 سورة الرحمن.
(5). آية 14 سورة النازعات.
(6). كذا في الأصول، ولعل ابن عباس يريد ما تضمنه البيت الذي قاله أمية والذي ذكره ابن الأنباري فيما يلي، وسيأتي للمصنف في تفسير سورة النازعات ج 19 ص 197 هذا البيت.
(7). الفند (بالتحريك): ضعف الرأي من الكبر، وقد يستعمل في غير الكبر.

باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين، فمن ذلك: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداءك! تصف جابر بالعلم وأنت أنت! فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «1»". وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل. وقال الحسن: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعني بها. وقال الشهبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام: فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها. وقال عكرمة في قوله عز وجل:" وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ «2»" طلبت اسم هذا الرجل [الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله «3»] أربع عشرة سنة حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب، وسيأتي. وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى اله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته فقال: هي حفصة وعائشة. وقال أياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب.

باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو، وفي من عاداه
قال أبو عمر: روى من وجوه فيها لين عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه". وقال أبو عمر: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون بما فيه. وروى أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" القرآن أفضل من كل شي فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن استخف بحق الله تعالى حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله الملبسون نور الله فمن والهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق الله تعالى".
__________
(1). آية 85 سورة القصص.
(2). آية 100 سورة النساء.
(3). الزيادة من تفسير قطب الدين الشيرازي.

باب ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول:" فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلا طاهرا. ومن حرمته أن يقرأه على طهارة. ومن حرمته أن يستاك ويتحلل فيطيب فاه، إذ هو طريقه. قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها ونظفوها ما استطعتم. ومن حرمته أن يتلبس «1» كما يتلبس للدخول على الأمير لأنه مناج. ومن حرمته أن يستقبل القبلة لقراءته. وكان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وارتدى واستقبل القبلة. ومن حرمته أن يتمضمض كلما تنخع «2». روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: أنه كان يكون بين يديه تور «3» إذا تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر، وكان كلما تنخع مضمض. ومن حرمته إذا تثائب أن يمسك عن القراءة لأنه أذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما حتى يذهب تثاؤبك. وقاله عكرمة. يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقرآن. ومن حرمته أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة أو من حيث بلغ. ومن حرمته إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة. ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء. ومن حرمته أن يراه على تؤدة وترسيل وترتيل. ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به. ومن حرمته أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه. ومن حرمته أن يقف على أمثاله فيتمثلها. ومن حرمته أن يلتمس غرائبه «4». ومن حرمته أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن بكل حرف عشر حسنات. ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ
__________
(1). يقال: تلبس بالثوب بمعنى لبسه. [.....]
(2). تنخع كتنخم وزنا ومعنى.
(3). التور، إناء يشرب فيه.
(4). في نوادر الأصول:" إعرابه". وكلاهما مروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد روى أبو هريرة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" رواه الحاكم والبيهقي.

لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت رب وبلغت رسلك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، ثم يدعو بدعوات. ومن حرمته إذا قرأه ألا يلتقط الآي من كل سورة فيقرأها، فإنه روى لنا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ السورة كلها أو كما قال عليه السلام. ومن حرمته إذا وضع المصحف ألا يتركه منشورا، والا يضع فوقه شيئا من الكتب حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب، علما كان أو غيره. ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأه أو على شي بين يديه ولا يضعه بالأرض. ومن حرمته ألا يمحوه من اللوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء. ومن حرمته إذا غسل بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع، والماقع التي توطأ، فإن لتلك الغسالة حرمة، وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفى بغسالته. ومن حرمته ألا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب، فإن ذلك جفاء عظيم، ولكن يمحوها بالماء. ومن حرمته ألا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة، وكان أبو موسى يقول: إني لأستحيي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة. ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما من، فإن العين نؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس، فإذا نظر في الخط كانت العين والاذن قد اشتركتا في الأداء وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت العين حظها كالأذن. روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أعطوا أعينكم حظها من العبادة" قالوا: يا رسول الله وما حظها من العبادة؟ قال:" النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه". وروى مكحول عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا". ومن حرمته ألا يتأوله عند ما يعرض له شي من أمر أدنيا. حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي قال حدثنا هشيم بن بشير عن المغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتأول شي من القرآن عند ما يعرض له شي من أمر الدنيا، والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك: جِئْتَ عَلى قَدَرٍ

يا مُوسى
، ومثل قوله تعالى:" كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ «1»" هذا عند حضور الطعام وأشباه هذا. وو من حرمته ألا يقال: سورة كذا، كقولك: سورة النحل وسورة البقرة والنساء، ولكن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا. قلت: هذا يعارضه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه" خرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود. و. من حرمته ألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، يلتمس أحدهم بذلك أن يرى الحذق من نفسه والمهارة، فإن تلك مخالفة. ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين المتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفا، فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه. ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء لحون أهل الفسق، ولا بترجيع النصارى ولا نوح الرهبانية، فإن ذلك كله زيغ وقد تقدم. ومن حرمته أن يجلل تخطيطه إذا خطه. وعن أبي حكيمة أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة، فمر علي رضى الله عنه فنظر إلى كتابته فقال له: أجل قلمك، فأخذت القلم فقططته من طرفه قطا، ثم كتبت وعلي رضى الله قائم ينظر إلى كتابتي، فقال: هكذا، نوره كما نوره الله عز وجل. ومن حرمته ألا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة. ومن حرمته ألا يماري ولا يجادل فيه في القراءات، ولا يقول لصاحبه: ليس هكذا هو، ولعله أن تكون تلك القراءة صحيحة جائزة من القرآن، فيكون قد جحد كتاب الله. ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، هذا لمروره بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء. ومن حرمته ألا يتوسد المصحف ولا
يعتمد عليه، ولا يرمى به ألى صاحبه إذا أراد أن يناوله. ومن حرمته ألا يصغر المصحف، روى الأعمش عن إبراهيم عن علي رضى الله عنه قال: لا يصغر المصحف. قلت: وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه رأى مصحفا في يد رجل فقال: من كتبه؟ قال: أنا، فضربه بالدرة، وقال: عظموا القرآن. وروى عن رسول
__________
(1). آية 24 سورة الحاقة.

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى أن يقال: مسيجد أو مصيحف. ومن حرمته ألا يخلي فيه مليس منه. ومن حرمته ألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنية: وروى مغيرة عن إبراهيم: أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب بالذهب أو يعلم عند رءوس الآي أو يصغر. وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار «1» عليكم". وقال ابن عباس وقد رأى مصحفا زين بفضة: تغرون به السارق وزينته في جوفه. ومن حرمته ألا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد المحدثة. حدثنا محمد بن علي الشقيقي عن أبيه عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن محمد بن الزبير قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث قال: مر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتاب في أرض، فقال لشاب من أهل هذيل:" ما هذا: قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال:" لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه". قال محمد بن الزبير: رأى عمر بن عبد العزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه. ومن حرمته أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم ألا يصبه على كناسة، ولا في موضع نجاسة، ولا على موضع يوطأ، ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا يطؤه الناس، أو يحفر حفيرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفيرة ثم يكبسها، أو في نهر كبير يختلط بمائه فيجري. ومن حزمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور، ولذلك كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، لئلا يكون في هيئة المهجور. وروى ابن عباس قال جاء رجل فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال:" عليك بالحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال:" صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ار تحل". قلت: ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله. وذكر أبو بكر لأنباري أنبأنا إدريس حدثنا حلف حدثنا وكع عم معسر عن قتادة: أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع.
__________
(1). الدبار: الهلاك. وفي نوادر الأصول:" فالدمار" بالميم بدل الباء الموحد.

اهله ودعا. وأخبرنا إدريس حدثنا جرير عن منصور عن الحكم قال: كان مجاهد وعبدة بن لبابة وقوم يعرضون المصاحف، فإذا أرادوا ان يختموا وجهوا إلينا: احضرونا، فإن الرحمة تنزل عند ختم القران. وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام عن ابراهيم التيمي قال: من ختم القران أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي ومن ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، قال: فكانوا يستحبون ان يختموا أول الليل وأول النهار. ومن حرمته الا يكتب التعاويذ منه ثم يدخل به في الخلاء الا ان يكون في غلاف من أدم أو فضة أو غيره، فيكون كأنه في صدرك ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فان الله يؤتيه على قدر نيته. روى ليث عن مجاهد قال: لا بأس ان تكتب القرآن ثم تسقيه المريض. وعن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب" يس" في جام بزعفران ثم يشربه. قلت: ومن حرمته الا يقال: سورة صغيرة وكره أبو العالية ان يقال: سورة صغيرة أو كبيرة وقال لمن سمعه قالها: أنت أصغر منها، واما القران فكله عظيم، ذكره مكي رحمه الله. قلت: وقد روى أبو داود ما يعارض هذا من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده انه قال: مأمن المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة الا قد سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤم بها الناس في الصلاة.

باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأى، والجرأة على ذلك، ومراتب المفسرين
روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفسر من كتاب الله الا أيا بعدد: علمه اياهن جبريل. قال ابن عطية: ومعنى هذا الحديث في مغيبات القران، وتفسير مجمله ونحوا هذا، مما لا سبيل إليه الا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به، كوقت قيام الساعة ونحوها مما يستقرى من ألفاظه، كعدد

النفخات في الصور، وكربته خلق خلق السموات والأرض. روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اتقوا الحديث على الا ما علمتم فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وروى ايضا عن جندب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال في القران برأيه فأصاب فقد أخطأ. قال: هذا حديث غريب. وأخرجه أبو داود وتكلم في احد رواته «1». وزاد رزين: ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر. قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد: فسر حديث ابن عباس تفسيرين، أحدهما من قال في مشكل القران بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله. والجواب الأخر وهو اثبت القولين وأصحهما معنى: من قال القران قولا يعلم ان الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار. ومعنى يتبوأ: ينزل ويحل، قال الشاعر:
وبوّئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوّؤها «2»
وقال في حديث جندب: فحمل بعض اهل العلم هذا الحديث على ان الرأى معنى به الهوى، من قال في القران قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن ائمة السلف فأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القران بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذهب اهل الأثر والنقل فيه. وقال ابن عطية:" ومعنى هذا ان يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عز وجل فيتسور «3» عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث ان يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه".
__________
(1). قوله: احد رواته. هو سهيل بن أبي حزم واسمه مهران ويقال: عبد الله.
(2). جاء في لسان العرب مادة بوأ تفسيرا لهذا البيت:" اي نزلت من الكرم في صميم النسب".
(3). قوله: فيتسور عليه. تسور الحائط. هجم مثل اللص. ويغنى به هنا التهجم والاقدام بغير بصيرة ولا تدبر.

قلت: هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وان من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح. وقال بعض العلماء: ان التفسير موقوف على السماع، لقوله تعالى:" فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" «1» وهذا فاسد لأن النهي عن تفسير القران لا يخلو: اما ان يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به امرا أخر. وباطل ان يكون المراد به الا يتكلم احد في القران الا بما سمعه، فإن الصحابة رضى الله عنهم قد قرءوا القران واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك! وهذا بين لا اشكال فيه، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة" النساء" ان شاء الله تعالى، وانما النهي يحمل على احد وجهين: أحدهما ان يكون له في الشيء رأي، واليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القران على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأى والهوى لكان لا يلوح له من القران ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القران على تصحيح بدعته، وهو يعلم ان ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده ان يلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه الى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه اي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القران ويستدل عليه بما يعلم انه ما أريد به، كمن يدعو الى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى:" اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى " «2» ويشير الى قلبه، ويومئ الى انه المراد بفرعون، هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع لأنه قياس في اللغة، وذلك غير جائز. وقد تستعمله
__________
(1). آية 59 سورة النساء.
(2). آية 24 سورة طه.

الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم الى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القران على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا انها غير مرادة. فهذه الفنون احد وجهى المنع من التفسير بالرأى. الوجه الثاني ان يتسارع الى تفسير القران بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القران وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة «1»، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر الى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القران بالرأى، والنقل والسماع لا بدله منه في ظاهر التفسير أولا ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم الا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصل الى الباطن قبل احكام الظاهر، الا ترى ان قوله تعالى:" وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها" «2» معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر الى ظاهر العربية يظن ان المراد به ان الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بما ذا ظلموا، وانهم ظلموا غيرهم وأنفسهم، فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال هذا في القران كثير، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهى إليه. والله اعلم. قال ابن عطية:" وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القران ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم". قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القران، فبعض يقدر ان الذي يفسره لا يوافق مراد الله عز وجل فيحجم عن القول. وبعض يشفق من ان يجعل في التفسير اماما يبني على مذهبه ويقتفي طريقه. فلعل متأخرا ان يفسر حرفا برأيه ويخطئ فيه ويقول: امامى في تفسير القران رضي الله عنه عن تفسير حرف من القران فقال: اي سماء تظلني، وأى ارض تقلني! وأين أذهب! كيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى.
__________ (1). هكذا في كل النسخ التي بأيدينا.
(2). آية 59 سورة الاسراء.

قال ابن عطية" وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرون القران وهم أبقوا «1» على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم، فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن عباس وهو تجرد للأمر وكمله، وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك اكثر من المحفوظ على على". وقال ابن عباس: ما أخذت من تفسير القران لعن على بن أبي طالب. وكان على رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويحض على الأخذ عنه، وكان ابن عباس يقول: نعم ترجمان القران عبد الله بن عباس. وقال عنه على رضي الله عنه: ابن عباس كأنما ينظر الى الغيب من ستر رقيق. ويتلوه عبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص. وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن مقدم لشهودهم التنزيل ونزوله بلغتهم. وعن عامر بن واثلة قال: شهدت على بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شي يكون الى يوم القيامة الا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية الا انا اعلم أبليل نزلت اما بنهار، ام في سهل نزلت ام في جبل، فقام إليه ابن الكواء «2» فقال: يا امير المؤمنين، ما الذاريات ذروا؟ وذكر الحديث. وعن المنهال بن عمرو قال قال عبد الله ابن مسعود: لو اعلم أحدا اعلم بكتاب الله منى تبلغه المطي لأتيته، فقال له الرجل: اما لقيت علي بن أبي طالب؟ فقال: بلى، قد لقيته. وعن مسروق قال: وجدت اصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل الاخاذ يروى الواحد والاخاذ يروى الاثنين، والاخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم، وان عبد الله بن مسعود من تلك الاخاذ «3». ذكر هذه المناقب أبو بكر الأنباري في كتاب الرد، وقال: الاخاذ عند العرب: الموضع الذي يحبس الماء كالغدير. قال أبو بكر: حدثنا احمد بن الهيثم بن خالد حدثنا احمد بن عبد الله بن يونس حدثنا سلام عن
__________
(1). من قولهم: أبقيت على فلان إذا أشفقت عليه روحمته.
(2). اسمه عبد الله بن أبي أو في اليشكري كما في تاريخ الطبري في عدة مواضع. [.....]
(3). قوله: من تلك الإخاذ. يعني ان فيهم والكبير، والعالم والأعلم.

زيد العمى «1» عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ارحم أمتي بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأفرضهم زيد واقرءوهم لكتاب الله عز وجل أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجرح وأبو هريرة وعاء من العلم وسلمان بحر من علم لا يدرك وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أو قال البطحاء من ذي لهجة اصدق من أبي ذر". قال ابن عطية:" ومن المبرزين في التابعين الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة. قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة والضحاك وان كان لم يلق ابن عباس، وانما أخذ عن ابن جبير، واما السدى فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى ابى صالح، لأنه يراهما مقصرين في النظر". قلت: وقال يحيى بن معين: الكلبي ليس بشيء. وعن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان قال قال الكلبي قال أبو صالح: كل ما حدثتك كذب. وقال حبيب بن أبي ثابت: كنا نسميه الدروغ زن «2» يعني أبا صالح مولى ام هانئ والدروغ زن: هو الكذاب بلغة الفرس. ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". خرجه أبو عمر وغيره. قال الخطيب أبو بكر احمد بن على البغدادي: وهذه شهادة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهم اعلام الدين وائمة المسلمين لحفظهم الشريعة من التحريف، والانتحال للباطل، ورد تأويل الأبله الجاهل، وانه يجب الرجوع إليهم، والمعول في امر الدين عليهم، رضي الله عنهم.
__________
(1). جاء في حاشية بهامش الأصل: انه سمى زيدا العمى لأنه كان ينادى من رآه بيا عم. وجاء في تهذيب التهذيب عند الكلام على اسم زيد المذكور: انه زيد بن الحوارى أبو الحوارى العمى، وهو مولى زياد بن أبيه ولقب بذلك لأنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: حتى اسأل عمي.
(2). اسمه باذام، وقيل: باذان، بمعجمة بين ألفين. يروي عن علي وابن عباس ومولاته ام هاني، كما في تهذيب التهذيب.

قال ابن عطية:" وألف الناس فيه كعبد الرزاق والمفضل وعلي بن أبي طلحة والبخاري وغيرهم. ثم ان محمد بن جرير رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد منها وشفى في الاسناد ومن المبرزين من المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي، واما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثير ما استدرك الناس عليهما. وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأبو العباس المهدوي متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر وجوههم". باب تبيين الكتاب بالسنة، وما جاء في ذلك قال الله تعالى:" وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" «1». وقال تعالى:" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" «2». وقال تعالى:" وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" «3» وفرض طاعته في غير آية من كتابه وقرنها بطاعته عز وجل، وقال تعالى:" وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" «4» ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم له عن عبد الرحمن بن زيد: انه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم، فقال: ايتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، قال: فقرأ عليه" وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا". وعن هشام بن حجير قال: كان طاوس يصلى ركعتين بعد العصر، فقال ابن عباس: أتركهما، فقال: انما نهى عنهما ان تتخذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صلاة بعد العصر، فلا ادري أتعذب عليهما ام تؤجر، لان الله تعالى قال:" وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" «5». وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انه قال:" الا واني قد أوتيت الكتاب ومثله معه الا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول عليكم بهذا القران فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه
__________
(1). آية 44 سورة النحل.
(2). آية 63 سورة النور.
(3). آية 52 سورة الشورى.
(4). آية 7 سورة الحشر.
(5). آية 36 سورة الأحزاب.

الا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد الا ان يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم ان يقرؤه فإن لم يقرؤه فله ان يعقبهم بمثل قراه". قال الخطابي: قوله" أوتيت الكتاب ومثله معه" يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما ان معناه انه اوتى من الوحى الباطن غير المتلو، مثل ما اعطى من الظاهر المتلو. والثاني انه اوتى الكتاب وحيا يتلى، واوتى من البيان مثله، اي اذن له ان يبين ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القران. وقوله:" يوشك رجل شبعان" الحديث. يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القران ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلقوا بظاهر القران وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، قال: فتحيروا وضلوا، قال والأريكة: السرير، ويقال: انه لا يسمى اريكة حتى يكون في حجلة «1»، قال: وانما أراد بالاريكة اصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت لم يطلبوا العلم من مظانه. وقوله:" الا ان يستغنى عنها صاحبها" معناه ان يتركها صاحبها لمن أخذها استغناء عنها، كقوله:" فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ «2» معناه تركهم الله استغناء عنهم. وقوله:" فله ان يعقبهم بمثل قراه هذا في حال المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف التلف على نفسه، فله ان يأخذ من مالهم بقدر قراه عوض ما حرموه من قراه." ويعقبهم" يروى مشددا ومخففا من المعاقبة، ومنه قوله تعالى:" وَإِنْ عاقَبْتُمْ" «3» اي فكانت الغلبة لكم فغنتم منهم، وكذلك لهذا ان يغنم من أموالهم بقدر قراه. قال: وفي الحديث دلالة على انه لا حاجة بالحديث الى ان يعرض على الكتاب، فانه مهما ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان حجة بنفسه، قال: فأما ما رواه بعضهم انه قال:" إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فخذوه وان لم يوافقه فردوه" فانه حديث لا اصل له. ثم البيان منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ضربين: بيان لمجمل في الكتاب، كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي
__________
(1). الحجلة: مثل القبة.
(2). آية 6 سورة التغابن.
(3). آية 126 سورة النحل.

تؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ حج بالناس:" خذوا عنى مناسككم". وقال:" صلوا كما رأيتموني اصلي". أخرجه البخاري. وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين انه قال لرجل أحمق، أتجد الظهر في الكتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة! ثم عدد عليه الصلاة الزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا! ان كتاب الله تعالى أبهم هذا، وان السنة تفسر هذا. وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك. وروى سعيد بن منصور: حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال: القران أحوج الى السنة من السنة الى القران. وبه عن الأوزاعي قال قال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يعني احمد بن حنبل وسيل عن هذا الحديث الذي روى ان السنة قاضية على الكتاب فقال: ما أجسر على هذا ان أقوله، ولكني أقول: ان السنة تفسر الكتاب وتبينه. وبيان أخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك، على ما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما جاء أنه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه
ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي: ان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها الى عشر اخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القران والعمل جميعا. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عطاء ابن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمى قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القران لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها. وفى موطإ مالك: انه بلغه ان عبد الله

ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. وذكر أبو بكر احمد بن علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمى «1»" اسماء من روى عن مالك": عن مرداس بن محمد ابى بلال الأشعري قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا. وذكر أبو بكر الأنباري: حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيد الله بن موسى عن زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال قال عبد الله بن مسعود: انا صعب علينا حفظ ألفاظ القران، وسهل علينا العمل به، وان من بعدنا يسهل عليهم حفظ القران، ويصعب عليهم العمل به. حدثنا ابراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا إسماعيل ابن ابراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفضل من اصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صدر هذه الامة لا يحفظ من القران الا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقران، وان أخر هذه الامة يقرءون القران منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. حدثني حسن بن عبد الوهاب أبو محمد بن أبي العنبر حدثنا أبو بكر بن حماد المقرئ قال: سمعت خلف بن هشام البزار يقول: ما أظن القران الا عارية في أيدينا، وذلك انا روينا ان عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرا لله، وان الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القران لا يسقط منه حرفا، فما احسب القران الا عارية في أيدينا. وقال اهل العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث ان يقتصر على سماع الحديث وكتبه، دون معرفته وفهمه، فيكون قد اتعب نفسه من غير ان يظفر بطائل، ولكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الليالي والأيام. وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث شعبة وابن علية ومعمر، قال معمر: سمعت الزهري يقول: من طلب العلم جملة فاته جملة، وانما يدرك العلم حديثا وحديثين، والله اعلم. وقال معاذ بن جبل: اعلموا ما شئتم ان تعلموا فلن يأجركم بعلمه حتى تعلموا. وقال ابن عبد البر: وروى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). في الأصول:" المسمي في ذكر اسماء ... إلخ".

مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبد الصمد، وفية زيادة: ان العلماء همتهم الدراية، وان السفهاء همتهم الرواية. وروى موقوفا وهو اولى من رواية من رواه مرفوعا، وعباد بن عبد الصمد ليس ممن يحتج به. ولقد احسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة الغراء:
ان العلوم وإن جلت محاسنها ... فتاجها ما به الايمان قد وجبا
هو الكتاب العزيز الله يحفظه ... وبعد ذلك علم فرج الكربا
فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه ... نور النبوة سن الشرع والأدبا
وبعد هذا علوم لا انتهاء لها ... فاختر لنفسك يا من آثر الطلبا
والعلم كنز تجده في معادنه ... يا أيها الطالب ابحث وانظر الكتبا
واتل بفهم كتاب الله فيه أتت ... كل العلوم تدبره تر العجبا
واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن ... مولاك ما تشتهي يقضى لك الأربا
من ذاق طعما لعلم الدين سرّ به ... إذا تزيّد منه قال وا طربا

باب معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ"
روى مسلم عن أبي بن كعب: ان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عند أضاه «1» بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ أمتك القران على حرف، فقال:" اسأل الله معافاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك". ثم أتاه الثانية فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ أمتك القران على حرفين، فقال:" اسأل الله معافاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الثالثة فقال: ان الله يأمرك ان تقرأ القران على ثلاثة أحرف، فقال:" اسأل الله معفاته ومغفرته وان أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الرابعة فقال: ان الله يأمرك
__________
(1). الاضاء (كحضاة): غدير صغير وقيل: هو مسيل الماء الغدير وهو موضع قريب من مكة فوق سرف. وغفار: قبيلة من كنانة.

ان تقرأ أمتك القران على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. وروى الترمذي عنه فقال: لقى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جبريل فقال:" يا جبريل بعثت الى أمة أمية منهم العجوز والشيخ والكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط فقال لي يا محمد ان القران انزل على سبعة أحرف". قال هذا: حديث صحيح. وثبت في الأمهات: البخاري ومسلم والموطإ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في أخر الباب مبينا ان شاء الله تعالى. وقد اختلف العلماء في المراد بالاحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة اقوال: الأول وهو الذي عليه اكثر اهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: ان المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو اقبل وتعال وهلم. قال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل الى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استرده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استرده، حتى بلغ الى سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف الا ان تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال واقبل واذهب واسرع وعجل. وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب ان كان يقرأ" لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا" «1»: للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا. وبهذا الاسناد عن أبي انه كان يقرأ" كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ" «2»: مروا فيه، سعوا فيه. وفي البخاري ومسلم قال الزهري: انما هذه الأحرف في الامر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام. قال الطحاوي: انما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القران على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب الا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة ان يتحول الى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له الا بمشقة عظيمة، فوسع لهم
__________
(1). آية 13 سورة الحديد. [.....]
(2). آية 20 سورة البقرة.

في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم الى لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ ان يقرءوا بخلافها. قال ابن عبد البر: فبان بهذا ان تلك السبعة الأحرف انما كان في وقت خاص لضرورة دعت الى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القران على حرف واحد. روى أبو داود عن أبي قال قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يا أبي اني اقرئت القران فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على حرفين فقيل لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال ليس منها إلا شاف كاف ان قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب". وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه. قال القاضي ابن الطيب «1»: وإذا ثبت هذه الرواية يريد حديث أبي حمل على ان هذه كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس ان يبدلوا اسما الله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف. القول الثاني قال قوم: هي سبع لغات في القران على لغات العرب كلها، يمنها ونزارها، لان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يجهل شيئا منها، وكان قد اوتى جوامع الكلم، وليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القران، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابي: على ان في القران ما قد قرئ بسبعة أوجه، وهو قوله:" وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" «2». وقوله:" أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ" «3» وذكر وجوها، كأنه يذهب الى ان بعضه انزل على سبعة أحرف لا كله. والى هذا القول بأن القران انزل على سبعة أحرف، على سبع لغات ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد: وبعض الأحياء
__________
(1). هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاضي أبو بكر الباقلاني.
(2). آية 60 سورة المائدة.
(3). آية 12 سورة يوسف.

اسعد واكثر حظا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب عن انس ان عثمان قال لهم حين أمرهم ان يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فانه نزل بلغتهم. ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال: نزل القران بلغة الكعبين، كعب قريش وكعب خزاعة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة. قال أبو عبيد: يعني ان خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه: معنى قول عثمان نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على ان القران بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى:" إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا" «1» ولم يقل قرشيا، هذا يدل على انه منزل بجميع لسان العرب، وليس لاحد ان يقول: انه أراد قريشا من العرب دون غيرها، كما انه ليس له ان يقول: أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر، لان اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا. وقال ابن عبد البر: قول من قال ان القران نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله اعلم، لان غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية: معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" انزل القران على سبعة أحرف" اي فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القران، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والاوجز في اللفظ، الا ترى ان" فطر" معناه عند غير قريش: ابتدأ (خلق الشيء وعمله) «2» فجاءت في القران فلم تتجه لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما: انا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى" فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ". وقال ايضا: ما كنت ادري معنى حينئذ موضع قوله تعالى" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «3» حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها:" تعال أفاتحك، اي أحاكمك. وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى" أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ" «4» اي على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ
__________
(1). آية 3 سورة الزخرف.
(2). زيادة عن ابن عطية.
(3). آية 89 سورة الأعراف.
(4). آية 47 سورة النحل.

سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في الصلاة:" وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ" «1» ذكره مسلم في باب (القراءة في صلاة الفجر) الى غير ذلك من الأمثلة. القول الثالث: ان هذه اللغات السبع انما تكون في مضر، قاله قوم، واحتجوا بقول عثمان: نزل القران بلغة مضر، وقالوا: جائز ان يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضبة، ومنها لقيس، قالوا: هذه قبائل مصر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحب ان يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون ان تكون كلها من مضر، وقالوا: في مضر شواذ لا يجوز ان يقرأ القران بها، مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم، فأما كشكشة قيس فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في" جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا" «2»: جعل ربش تحتش سريا، واما تمتمة تميم فيقولون في الناس: النات، وفي أكياس. قالوا: هذه لغات يرغب عن القران بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شي. وقال آخرون: اما ابدال الهمزة عينا وابدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: ليسجننه عتى حين، ذكرها أبو داود، وبقول ذي الرمة:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك إلا عنّها غير طائل
يريد إلا أنها. القول الرابع: ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا: منها ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل:" هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ" ... واطهر، ..." وَيَضِيقُ صَدْرِي" ويضيق. ومنها مالا تتغير صورته ويتغير معناه بالاعراب، مثل:" رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا" وباعد. ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله:" نُنْشِزُها" وننشرها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه:" كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ" وكالصوف المنفوش.
__________
(1). آية 10 سورة ق.
(2). آية 24 سورة مريم.

ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل:" وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ" وطلع منضود. ومنها بالتقديم والتأخير كقوله:" وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ" وجاءت (سكرة الحق) الحق بالموت. ومنها بالزيادة والنقصان، مثل قوله: تسع وتسعون نعجة أنثى، وقوله: واما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، وقوله: فان الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. القول الخامس: ان المراد بالاحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي امر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال. قال ابن عطية وهذا ضعيف لان هذا لا يسمى أحرفا، وايضا فالإجماع على ان التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغير شي من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وانما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، منه قوله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" «1» فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك. وقد قيل: ان المراد بقوله عليه السلام" انزل القران على سبعة أحرف" القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة، لأنها كلها صحت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه على ما يأتي.

(فصل) [قول كثير من العلماء أن القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القرّاء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة]
قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وانما هي راجعة الى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره. وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك ان كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والاولى، فالتزمه طريقة ورواه واقرأ به واشتهر عنه، وعرف به ونسب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختار الأخر ولا أنكره بل سوغه وجوزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختار ان أو اكثر، وكل صحيح. وقد اجمع المسلمون في هذه الاعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه وراؤه من القراءات وكتبوا
__________
(1). آية 11 سورة الحج.

في ذلك مصنفات، فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما. قال ابن عطية: ومضت الاعصار والأمصار على قراءة السبعة وبها يصلى لأنها ثبتت بالإجماع، واما شاذ القراءات فلا يصلى له لأنه لم يجمع الناس عليه، اما ان المروي منه عن الصحابة رضى الله عنهم وعن علماء التابعين فلا يعتقد فيه الا انهم رووه، واما ما يؤثر عن أبي السمال «1» ومن قارنه فانه لا يوثق به. قال غيره: اما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقران، ولا يعمل بها على انها منه، واحسن محاملها ان تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه كقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة ايام متتابعات. فأما لو صرح الراوي بسماعها من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاختلف العلماء في العمل بذلك على قولين: النفي والإثبات، وجه النفي ان الراوي لم يروه في معرض الخبر بل في معرض القران، ولم يثبت فلا يثبت. والوجه الثاني انه وان لم يثبت كونه قرانا فقد ثبت كونه سنة، وذلك يوجب العمل كسائر اخبار الآحاد.

فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام [في أن القرآن نزل على سبعة أحرف ]
قال ابن عطية: أباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل عليه السلام في عرضاته على الوجه الذي فيه الاعجاز وجودة الرصف، ولم تقع الإباحة في قوله عليه السلام:" فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ" بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد ان يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب اعجاز القران، وكان معرضا ان يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وانما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليوسع بها على أمته، فأقرأ مرة لابي بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضه به ايضا، وعلى هذا تجئ قراءة عمر بن الخطاب لسورة" الفرقان" وقراءة
__________
(1). أبو السمال (بفتح السين وتشديد الميم وباللام): هو قعنب بن أبي قعنب العدوى البصري، له اختيار في القراءات شاذ عن العامة. وقد ذكر في الطبعة الاولى في هذا الموضع وفي ص 368 محرفا، والتصويب عن طبقات القراء.

هشام بن حكيم لها، والا فكيف يستقيم ان يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل قراءة منهما وقد اختلفا:" هكذا اقرأني جبريل" هل ذلك الا انه اقرأه مرة بهذه ومرة بهذه، وعلى هذا يحمل قول انس حين قرأ:" ان ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا" فقيل له: انما نقرأ" وَأَقْوَمُ قِيلًا". فقال انس: وأصوب قيلا، وَأَقْوَمُ قِيلًا واهيا، واحد، فإنما معنى هذا انها مروية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والا فلو كان هذا لاحد من الناس ان يضعه لبطل معنى قوله تعالى:" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ" «1». روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب: قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة" الفرقان" على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرأنيها، فكدت ان اعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته «2» بردائه، فجئت به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت يا رسول الله، اني سمعت هذا يقرأ سورة" الفرقان" على غير ما اقرأتنيها! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أرسله اقرأ" «3» فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" هكذا أنزلت" ثم قال لي:" اقرأ" فقرأت فقال:" هكذا أنزلت ان هذا القران انزل على سبعة أحرف فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ". قلت: وفى معنى حديث عمر هذا، ما رواه مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلى، قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل أخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: ان هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل أخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقرأ، فحسن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما انظر الى الله تعالى فرقا، فقال لي:" يا أبي أرسل الى ان اقرأ القران على حرف فرددت إليه ان هون على أمتي فرد الى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه ان هون على أمتي
__________
(1). آية 9 سورة الحجر.
(2). قوله: لببته بردائه. اي جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته. [.....]
(3). أرسل الشيء: أطلقه.

فرد الى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة فقلت اللهم اغفر لامتي اللهم اغفر لامتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب الى فيه الخلق كلهم حتى ابراهيم عليه السلام". قول أبي رضي الله عنه:" فسقط في نفسي" معناه اعترتني حيرة ودهشة، اي اصابته نزعة من الشيطان ليشوش عليه حاله، ويكدر عليه وقته، فأنه عظم عليه من اختلاف القراءات ما ليس عظيما في نفسه، والا فأي شي يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات ولم يلزم ذلك والحمد لله في النسخ الذي هو أعظم، فكيف بالقراءة! ولما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اصابه من ذلك الخاطر نبهه بأن ضربه في صدره، فأعقب ذلك بأن نشرح صدره وتنور باطنه، حتى آل به الكشف والشرح الى حالة المعاينة، ولما ظهر له قبح ذلك الخاطر من الله تعالى وفاض بالعرق استحياء من الله تعالى، فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سألوه: انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم به قال:" وقد وجدتموه"؟: نعم، قال:" ذلك صريح الايمان". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وسيأتي الكلام عليه في سورة" الأعراف" ان شاء الله تعالى.

باب ذكر جمع القرآن، وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها، وذكر من حفظ القرآن من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كان القران في مدة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متفرقا في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد وفي لحاف وظرر وفي خزف وغير ذلك قال الأصمعي: اللخاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها. والظرر: حجر له حد كحد السكين، والجمع ظرار، مثل رطب ورطاب، وربع ورباع، وظران ايضا مثل صرد وصردان فلما استحر «1» القتل
__________
(1). قوله: استحر، اي اشتد وكثر.

بالقراءة يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه، وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القران مخافة ان يموت أشياخ القراء، كأبي وابن مسعود وزيد، فندبا زيد بن ثابت الى ذلك، فجمعه غير مرتب السور، بعد تعب شديد، رضي الله عنه. روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل الى أبو بكر مقتل اهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: ان عمر اتاني فقال ان القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وانى أخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القران الا ان تجمعوه، واني لأرى ان تجمع القران، قال أبو بكر: فقلت لعمر كيف افعل شيئا لم يفعله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم، فقال لي أبو بكر: انك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحى لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتتبع القران، فاجمعه، فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القران، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال أبو بكر: هو الله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القران اجمعه من الرقاع والأكتاف «1» والعسب «2» وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة" التوبة" آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره" لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ" الى أخرها. فكانت الصحف التي جمع فيها القران عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بن عمر. وقال الليث حدثني عبد الرحمن ابن غالب عن ابن شهاب وقال: مع أبي خزيمة الأنصاري. وقال أبو ثابت حدثنا ابراهيم وقال: مع خزيمة أو أبي خزيمة" فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ".
__________
(1). الأكتاف: جمع كتف وهو عظم عريض يكون في اصل كتف الحيوان كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم.
(2). العسب: جمع عسيب وهو جريد النخل إذا نزع منه خوصة.

وقال الترمذي في حديثه عنه: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت" لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ". قال: حديث حسن صحيح. وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة" الأحزاب" كنت اسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرؤها، لم أجدها مع احد الا مع خزيمة الأنصاري «1» الذي جعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهادته بشهادة رجلين" رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ". وقال الترمذي عنه: فقدت آية من سورة" الأحزاب" كنت اسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرؤها" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ" فالتمستها فوجدتها عند خزيمة بن ثابت أو أبى خزيمة، فألحقتها في سورتها. قلت: فسقطت الآية الاولى من أخر" براءة" في الجمع الأول، على ما قاله البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة" الأحزاب". وحكى الطبري: ان آية" براءة" سقطت في الجمع الأخير، والأول أصح والله اعلم. فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر الى ذلك وفرغ منه، قيل له: ان عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف، الا ترى كيف أرسل الى حفصة: ان أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، على ما يأتي. وانما فعل ذلك عثمان لان الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الامر في ذلك وعظم اختلافهم وتشبثهم، ووقع بين اهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة رضي الله عنه. وذلك انهم اجتمعوا في غزوة ارمينية فقرأت كل طائفة بما روى لها، فاختلفوا وتنازعوا واظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاري والترمذي دخل الى عثمان قبل ان يدخل الى بيته، فقال: أدرك هذه الامة قبل ان تهلك! قال: فيما ذا؟ قال: في كتاب الله، اني حضرت
__________
(1). خزيمة ذو الشهادتين غير أبي خزيمة بالكنية (القسطلاني).

هذه الغزوة، وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز، فوصف له ما تقدم وقال: اني أخشى عليهم ان يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى. قلت: وهذا ادل دليل على بطلان من قال: أمن المراد بالاحرف السبعة قراءات القراء السبعة، لأن الحق لا يختلف فيه، وقد روى سويد بن غفلة عن علي بن أبي طالب ان عثمان قال: ما ترون في المصاحف؟ فان الناس قد اختلفوا في القراء حتى ان الرجل ليقول: قرءاتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتي. وهذا شبيه بالكفر، قلنا: ما الرأي عندك يا امير المؤمنين؟ قال: الرأي رأيك يا ما امير المؤمنين، فأرسل عثمان الى حفصة: ان أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه فأمر زيد ابن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي وعبد الرحمن بن الحارث به هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شي من القران فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف الى حفصة، وأرسل الى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وامر بما سوى ذلك من القران في كل صحيفة أو مصحف ان يحرق. وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد ان جمع المهاجرين والأنصار وجلة اهل الإسلام وشاورهم واطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه وكان رأيا سديدا موقفا، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الطبري فيما روى: ان عثمان قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاصي وحده، وهذا ضعيف. وما ذكره البخاري والترمذي وغيرهما أصح. وقال الطبري ايضا: ان الصحف التي كانت عند حفصة جعلت اماما في هذا الجمع الأخير، وهذا صحيح. وقال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله ان عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال يا معشر المسلمين، اعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل،

والله لقد أسلمت وانه لفي صلب رجل كافر! يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبد الله ابن مسعود: يأهل العراق، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله عز وجل يقول:" ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" فالقوا الله بالمصاحف خرجه الترمذي. وسيأتي الكلام في هذا في سورة" آل عمران" «1» ان شاء الله تعالى. قال أبو بكر الأنباري: ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبد الله ابن مسعود في جمع القران، وعبد الله أفضل من زيد، واقدم في الإسلام، واكثر سوابق، وأعظم فضائل، الا لأن زيدا كان احفظ للقرآن من عبد الله إذ وعاه كله ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي، والذي حفظ منه عبد الله في حياة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نيف وسبعون سورة، ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذي ختم القران وحفظه ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي اولى بجمع المصاحف وأحق بالإيثار ولاختيار. ولا ينبغي ان يظن جاهل ان في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود، لأن زيدا إذا كان احفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه، لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيد احفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب. قال أبو بكر: وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك فشيء نتجه الغضب، ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يشك في ان رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من اصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم. فالشائع الذائع المتعالم عند اهل الرواية والنقل: ان عبد الله بن مسعود تعلم بقية القران بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل ان يختم القران. قال يزيد بن هارونه المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران، من زعم انهما ليستا من القران فهو كافر بالله العظيم، فقيل له: فقول عبد الله بن مسعود فيهما؟ فقال: لا خلاف بين المسلمين في ان عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القران كله. قلت: هذا فيه نظر، وسيأتي. وروى إسماعيل بن إسحاق وغيره
قال حماد أظنه عن انس بن مالك، قال: كانوا يختلفون في الآية فيقولون اقرأها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). في آية 161 راجع ج 4 ص 256.

فلان بن فلان، فعسى ان يكون من المدينة على ثلاث ليال فيرسل إليه فيجاء به، فيقال: كيف أقرأك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية كذا وكذا؟ فيكتبون كما قال. قال ابن شهاب: واختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوه. وقال ابن الزبير وسعيد بن العاصي: التابوت، فرفع اختلافهم الى عثمان فقال: اكتبوه بالتاء، فإنه نزل بلسان قريش. أخرجه البخاري والترمذي. قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء والقرشيون بالتاء، فأثبتوه بالتاء، وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدهر، ونسخ منها عثمان نسخا. قال غيره: قيل سبعة، وقيل اربعة وهو الأكثر، ووجه بها الى الآفاق، فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قراء الأمصار معتمد اختياراتهم، ولم يخالف احد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه، وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك لان كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه، إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض اشعارا بأن كل ذلك صحيح، وان القراء بكل منها جائزة. قال ابن عطية: ثم ان عثمان امر بما سواها من المصاحف ان تحرق أو تخرق، تروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى ثم تدفن، ورواية الحاء غير منقوطة احسن. وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجه يقول: يا معشر الناس، اتقوا الله! وإياكم والغلو في عثمان، وقولكم: حراق المصاحف، فو الله ما حرقها الا عن ملا منا اصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عمير بن سعيد قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. قال أبو الحسن بن بطال: وفي امر عثمان بتحريق المصحف والمصاحف حين جمع القران جواز تحريق الكتب التي فيها اسماء الله تعالى، وان ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالاقدام، وطرحها في ضياع من الأرض. روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه: انه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم. وحرق عروة ابن الزبير وكتب فقه عنده يوم الحرة، وكره ابراهيم ان تحرق الصحف إذا كان فيها

ذكر الله تعالى، وقول من حرقها اولى بالصواب، وقد فعله عثمان. وقد قال القاضي أبو بكر لسان الامة: جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القران، إذا اداه الاجتهاد الى ذلك.

فصل [في الرد على الحيلولة والحشوية القائلين بقدم الحروف والأصوات ]
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وفي فعل عثمان رضي الله عنه رد على الحيلولة «1» والحشوية القائلين بقدم الحروف والأصوات، وان القراءة والتلاوة القديمة، وان الايمان قديم، الروح قديم، وقد أجمعت الامة وكل أمة من النصارى واليهود والبراهمة يل كل ملحد وموحد ان القديم لا يفعل ولا تتعلق به قدرة قادر بوجه ولا بسبب، ولا يجوز العدم على القديم وان القديم لا يصير محدثا، والمحدث لا يصير قديما، وان القديم ما لا أول لوجوده، وان المحدث هو ما كان بعد ان لم يكن، وهذه الطائفة خرقت اجماع العقلاء من اهل الملل وغيرهم، فقالوا: يجوز ان يصير المحدث قديما، وان العبد إذا قرأ كلام الله تعالى فعل كلاما لله قديما، وكذلك إذا نحت حروفا من الأجر والخشب، أو صاغ أحرفا من الذهب والفضة، أو نسج ثوبا فنقش عليه آية من كتاب الله فقد فعل هؤلاء كلام الله قديما، وصار كلامه منسوجا قديما ومنحوتا قديما ومصوغا قديما، فيقال لهم: ما تقولون في كلام الله تعالى، أيجوز ان يذاب ويمحى ويحرق؟ فان قالوا: نعم، فارقوا الدين، وان قالوا: لا، قيل لهم: فما قولكم في حروف مصورة آية من كتاب الله تعالى من شمع، أو ذهب أو فضه أو خشب أو كاغد فوقعت في النار فذابت واحترقت، فهل تقولون: ان كلام الله احترق؟ فإن قالوا: نعم، تركوا قولهم، وان قالوا: لا، قيل لهم أليس قلتم، ان هذه الكتابة كلام الله وقد احترقت! وقلتم: ان هذه الأحرف كلامه وقد ذابت، فإن قالوا: احترقت الحروف وكلامه تعالى باق، رجعوا الى الحق والصواب ودانوا بالجواب، وهو الذي قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، منها على ما يقول اهل الحق: ولو كان القران في إهاب ثم وقع في النار ما احترق. وقال عز وجل:" أنزلت عليك كتابا لا يغسله تقرؤه نائما ويقظان" الحديث، أخرجه مسلم. فثبت بهذا
__________
(1). الحلولية: فرقة من المتصوفة تقول: ان الله حال في كل شي وفي كل جزء منه متحد بن حتى جوزوا ان يطلق على كل شي انه الله. والحشوية: طائفة من المبتدعة تمسكوا بالظواهر وذهبوا الى التجسيم وغيره.

ان كلامه سبحانه ليس بحرف ولا يشبه الحروف. والكلام في هذه المسأله يطول، وتتميمها في كتب الأصول، وقد بيناها في (الكتاب الأسنى، في شرح اسماء الله الحسنى).

فصل [في طعن الرافضة في القرآن ]
وقد طعن الرافضة قبحهم الله تعالى في القران، وقالوا: ان الواحد يكفى في نقل الآية والحرف كما فعلتم فإنكم أثبتم بقول رجل واحد وهو خزيمة بن ثابت وحده أخر سورة" براءة" وقوله:" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ". فالجواب ان خزيمة رضى الله عنه لم جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما، ولذلك قال: فقدت ايتين من أخر سورة" التوبة". ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أولا، فالآية انما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده. جواب ثان انما ثبتت بشهادة خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية" الأحزاب" فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وأبي خزيمة لسماعهما إياها من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال معناه المهلب، وذكر أن خزيمة غير أبي خزيمة، وأن أبا خزيمة الذي وجدت معه آية التوبة معروف من الأنصار، وقد عرفه أنس وقال: نحن ورثناه، والتي في الأحزاب وجدت مع خزيمة بن ثابت فلا تعارض، والقضية غير القضية لا إشكال فيها ولا التباس. وقال ابن عبد البر" أبو خزيمة لا يوقف على صحة اسمه وهو مشهور بكنيته، وهو أبو خزيمة بن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وتوفى في خلافة عثمان بن عفان، وهو أخو مسعود بن أوس. قال ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت: وجدت آخر التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري وهو هذا، وليس بينه وبين الحارث بن خزيمة أبي خزيمة نسب إلا اجتماعهما في الأنصار، أحدهما أوسي والآخر خزرجي". وفي مسلم والبخاري عن أنس بن مالك قال: جمع القرآن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وقلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. وفي البخاري أيضا عن أنس قال: مات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل،

وزيد، وأبو زيد، [قال «1»]: ونحن ورثناه. وفي أخرى قال: مات أبو زيد ولم يترك عقبا، وكان بدريا، واسم أبي زيد سعد بن عبيد. قال ابن الطيب رضى الله عنه: لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلي وتميم الداري وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص. فقول أنس لم يجمع القرآن غير أربعة، يحتمل أنه لم يجمع القرآن واخذه تلقينا من رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير تلك الجماعة، فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه من غيره، وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم. قلت: لم يذكر القاضي، عبد الله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة رضى الله عنهم فيما رأيت، وهما ممن جمع القرآن. روى جرير عن عبد الله بن يزيد الصهباني عن كميل قال قال عمر بن الخطاب: كنت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أبو بكر ومن شاء الله، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من هذا الذي يقرأ القرآن". فقيل له: هذا عبد الله بن أم عبد، فقال:" إن عبد الله يقرأ القرآن غضا كما أنزل" الحديث. قال بعض العلماء: معنى قوله:" غضا كما أنزل" أي إنه كان يقرأ الحرف الأول الذي أنزل عليه القرآن دون الحروف السبعة التي رخص لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قراءته عليها بعد معارضة جبريل عليه السلام القرآن إياه في كل رمضان. وقد روى وكيع وجماعة مع عن الأعمش عن أبي ظبيان قال قال لي عبد الله بن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد، فقال لي: بل هي الآخرة، إن رسول الله صلى الله عليهم وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرضه عليه مرتين، فحضر ذلك عبد الله فعلم ما
نسخ من
__________
(1). زيادة عن البخاري. وقوله: ونحن ورثناه. أي أبا زيد.

ذلك وما بدل. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول:" خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة". قلت: هذه الأخبار تدل على أن عبد الله جمع القرآن في حياة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلاف ما تقدم، والله أعلم. وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: حدثنا محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر عن أبي إسحاق قال قال عبد الله بن مسعود: قرأت من في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثنتين وسبعين سورة أو ثلاثا وسبعين سورة وقرأت عليه من البقرة إلى قوله تعالى" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ «1»
". قال أبو إسحاق: وتعلم عبد الله بقية القرآن من مجمع بن حارثة الأنصاري. قلت: فإن صح هذا، الإجماع الذي ذكره يزيد بن هارون، فلذلك لم يذكره القاضي أبو بكر الأنباري: حدثني إبراهيم بن موسى «2» الخوزي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود ما كان عبد الله يصنع بسورة الأعراف؟ فقال: ما كان يعلمها حتى قدم الكوفة، قال وقد قال بعض أهلم العلم: مات عبد الله بم مسعود رحمة الله قبل أن يتعلم المعوذتين، فلهذه العلة لم توجدا في مصحفه، وقيل غير هذا على ما يأتي بيانه آخر الكتاب عند ذكر" المعوذتين" إن شاء الله تعالى. قال أبو بكر: والحديث الذي حدثناه إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عمر بن هارون الخراساني عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن كعب القرظي قال: كان ممن ختم القرآن ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، حديث ليس بصحيح هند أهل العلم، إنما هو مقصور على محمد بن كعب، فهو مقطوع لا يؤخذ به ولا يعول عليه.
__________
(1). آية 222 من السورة المذكورة.
(2). كذا في الأصول. والذي في التهذيب وغيره: ابن زيد.

قلت: قوله عليه السلام" خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد" يدل على صحته، ومما يبين لك ذلك أن أصحاب القراءات من أهل الحجاز والشام والعراق كا منهم عزا قراءته التي اختارها إلى رجل من الصحابة قرأها على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يستثن من جملة القرآن شيئا، فأسند عاصم قراءته إلى علي وابن مسعود، وأسند ابن كثير قراءته إلى أبي، وكذلك أبو عمرو بن العلاء أسند قراءته إلى أبي، وأما عبد الله بن عامر فإنه أسند قراءته إلى عثمان وهؤلاء كلهم يقولون: قرأنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسانيد هذه القراءات متصلة ورجالها ثقات. قاله الخطابي.

باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته، وشكله ونقطة، وتحزيبه وتعشيره، وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآيه
قال ابن الطيب: إن قال قائل قد اختلف السلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد، ومنهم من جعل في أوله:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" وهذا أول مصحف علي رضى الله عنه. وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" ثم البقرة ثم النساء، على ترتيب مختلف. ومصحف أبي كان أوله: الحمد لله، ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة، ثم كذلك على اختلاف شديد. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة. وذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير سورة" براءة" وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولما لم يأمر بذلك في أول سورة" براءة" تركت بلا بسملة، هذا أصح ما قيل في ذلك، وسيأتي «1». وذكر ابن وهب في جامعه قال: سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال
__________
(1). راجع ج 8 ص 61.

ربيعة: قال قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد اجتمعوا على علم بذلك، فهذا مما ننتهي إليه، ولا نسأل عنه. وقد ذكر سنيد قال حدثنا معتمر عن سلام بن مسكين عن قتادة قال قال ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال قوم من أهل العلم: إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصاحفنا كان عن توقيف من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما ما روى من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله فإنما كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس عن ابن وهب قال سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، فكله عن محمد خاتم النبيين عليه السلام، عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، والأنعام نزلت قبل البقرة لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول:" ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن". وكان جبريل عليه السلام يقف على مكان الآيات. حدثنا حسن بن الحباب حدثنا أبو هشام حدثنا أبو بكر عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال: أخر ما نزل من القرآن:" يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «1»". عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن:" وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ".
__________
(1). آخر سورة" النساء".

فقال جبرئيل للنبي عليهما السلام: يا محمد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة. قال أبو الحسن بن بطال: ومن قال بهذا القول لا يقول إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف، بل إنما يجب تأليف سورة في الرسم والخط خاصة، ولا يعلم أن أحدا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج قبل الكهف، الا ترى قول عائشة رضى الله عنها للذي سألها: لا يضرك أية قرأت قبل، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها. وأما ما روى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ في القرآن منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة، ويبتدئ من أخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ، وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن، لأنه إفساد لسورة ومخالفة لما قصد بها. ومما يدل على أنه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله ما صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فتوضع في السورة المكية، ألا ترى قول عائشة رضى الله عنه: وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده تعني بالمدينة وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة، ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور. قال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة قال: نزل بالمدينة من القرآن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق،

ويا أيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، هؤلاء السور نزلن بالمدينة، وسائر القرآن بمكة. قال أبو بكر: فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السور على منازلها بمكة والمدينة، لم يدر أين تقع الفاتحة، لاختلاف الناس في موضع نزولها، ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به، ورد على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما حكاه عن ربه تعالى. وقد قيل إن علة تقديم المدني على المكي هو أن الله تعالى خاطب العرب بلغتها، وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها، فلما كان فن من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدم خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا: ما باله عرى من هذا الباب الموجود في كلاكنا المستحلى من نظامنا. قال عبيد بن الأبرص:
أن بدلت منهم وحوشا ... وغيرت حالها الخطوب
عيناك دمعهما سروب ... كأن شأنيهما شعيب
أراد عيناك دمعهما سروب لأن تبدلت من أهلها وحوشا، فقدم المؤخر وأخر المقدم، ومعنى سروب: منصب على وجه الأرض. ومنه للذاهب على وجهه في الأر، قال الشاعر «1»:
أنّى سربت وكنت غير سروب

وقوله: شأنيهما، الشأن واحد الشئون، وهي مواصل الرأس وملتقاها، ومنها يجئ الدمع. شعيب: متفرق.
__________
(1). هو قيس بن الخطيم. وتمام البيت: وتقرب الأحلام غير قريب وفي اللسان مادة" سرب":" قال ابن برى: ابن دريد" سربت" بباء موحدة لقوله: وكنت غير سروب ومن رواه" سريت" بالياء باثنتين فمعناه: كيف سربت ليلا، وأنت لا تسربين نهارا".

(فصل) وأما شكل المصحف ونقطة فروى أن عبد الملك بن مروان أمر به وعمله، فتجرد لذلك الحجاج بواسط وجد فيه وزاد تحزينه، وأمر وهو والى العراق الحسن ويحيى بن يعمر بذلك، وألف إثر ذلك بواسط كتابا في القراءات جمع فيه ما روى من اختلاف الناس فيما وافق الخط، ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا، إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات. وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نقطة له يحيى بن يعمر. (فصل) وأما وضع الأعشار فقال ابن عطية: مر بي في بعض التواريخ أن المأمون العباسي أمر بذلك، وقيل: إن الحجاج فعل ذلك. وذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له عن عبد الله بن مسعود أنه كره التعشير في المصحف، وأنه كان يحكه. وعن مجاهد أنه كره التعشير والطيب في المصحف. وقال أشهب: سمعت مالكا وسيل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان، فكره ذلك وقال: تعشير المصحف بالحبر لا بأس به، وسيل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية، قال: إني أكره ذلك في أمهات المصاحف ن يكتب فيها شي أو يشكل، فأما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا. قال أشهب: ثم أخرج إلينا مصحفا لجده، كتبه إذ كتب عثمان المصاحف، فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر، ورأيته معجوم الآي بالحبر. وقال قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال يحيى بن أبي كثير كان القرآن مردا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له، ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتيم. وعن أبي حمزة قال: رأى إبراهيم النخعي في مصحفي فاتحة سورة كذا وكذا، فقال لي: امحه فإن عبد الله بن مسعود قال: لا تخلطوا في كتبا الله ما ليس فيه. وعن أبي بكر السراج قال قلت لأبي رزين: أأكتب في مصحفي سورة كذا وكذا، قال: إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه فيظنونه من القرآن.

قال الداني رضى الله عنه: وهذه الأخبار كلها تؤذن بأن التعشير والتخميس وفواتح السور ورءوس الآي من عمل الصحابة رضى الله عنهم، قادهم إلى عمله الاجتهاد، وأرى أن من كره ذلك منهم ومن غيرهم إنما كره أن يعمل بالألوان كالحمرة والصفرة وغيرها، والحراج والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه إن شاء الله. (فصل) وأما عدد حروفه وأجزائه فروى سلام أبو محمد الحماني أن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتاب، فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟. قال: وكنت فيهم، فحسبنا فأجمعنا على أن القرآن ثلاثمائة ألف حرف وأربعون ألف حرف وسبعمائة حرف وأربعون حرفا وقال: فأخبروني إلى أي حرف ينتهي نصف القرآن؟ فإذا هو الكهف" وَلْيَتَلَطَّفْ" في الفاء. قال: فأخبروني بأثلاثه، فإذا الثلث الأول رأس مائة من براءة، والثلث الثاني رأس مائة أو إحدى ومائة من طسم الشعراء، والثلث الثالث ما بقي من القرآن. قال فأخبروني بأسباعه على الحرف، فإذا أول سبع في النساء" فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ" في الدال، والسبع الثاني في الأعراف" حَبِطَتْ" في التاء، والسبع الثالث في الرعد" أُكُلُها دائِمٌ" في الألف من آخر أكلها، والسبع الرابع في الحج" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً" في الألف، والسبع الخامس في الأحزاب" وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ" في الهاء، والسبع السادس في الفتح" الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ" في الواو، والسبع السابع ما بقي من القرآن. قال سلام أبو محمد: علمناه في أربعة أشبر، وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربعا، فأول ربعه خاتمة الأنعام. والربع الثاني في الكهف" وَلْيَتَلَطَّفْ"، والربع الثالث خاتمة الزمر، والربع الرابع ما بقي من القرآن. وفي هذه الجملة خلاف مذكور في كتاب البيان لأبي عمرو الداني، من أراد الوقوف عليه وجده هناك. (فصل) وأما عدد القرآن في المدني الأول، فقال محمد بن عيسى: جمع عدد آي القرآن في المدني ستة آلاف آية. قال عمرو: وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة عن أهل المدينة، ولم يسموا في ذلك أحد بعينه يسندونه
إليه.

وأما المدني الأخير فهو قول إسماعيل بن جعفر: ستة ألاف آية ومائتان آية وأربع عشرة آية. وقال الفضل: عدد أي القرآن في قول المكيين ستة آلاف ومائتا آية وتسع عشرة آية. قال محمد بن عيسى: وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين ستة آلاف آية ومائتا آية وثلاثون وست آيات، وهو العدد الذي رواه سليم «1» والكسائي عن حمزة، وأسنده الكسائي إلى على رضى الله عنه. قال محمد: وجميع عدد آي القرآن في عدد البصريين ستة ألاف ومائتان وأربع آيات، وهو العدد الذي مضى عليه سلفهم حتى الآن. وأما عدد أهل الشام فقال يحيى بن الحارث الذماري: ستة آلاف ومائتان وست وعشرون. في رواية ستة آلاف ومائتان ومائتان وخمس وعشرون، نقص آية. قال ابن ذكوان: فظنت أن يحيى لم يعد" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". قال أبو عمرو: فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا، ويعدون بها في سائر الآفاق قديما وحديثا. وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان: جميع كلمات القرآن في قول عطاء بن يسار سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وحروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا. قلت: هذا يخالف ما تقدم عن الحماني قبل هذا. وقال عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلاثمائة ألف حرف واحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفا، وهذا يخالف ما ذكره قبل هذا الحماني من عد حروفه.

باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف
معنى السورة في كلام العرب الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها، وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة. قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك. وقيل سميت لشرفها وارتفاعها كما يقال لما ارتفع من الأرض سور. وقيل سميت بذلك لإن قارئها يشرف على ما لم يكن
__________
(1). في الأصول:" مسلم" والراوي عن حمزة هو سليم بن عيسى الكوفي وهو أخص أصحاب حمزة به (طبقات القراء). [.....]

عنده كسور البناء بغير همزة. وقيل سميت بذلك، لأنها قطعت من القرآن على حد، من قول العرب للبقية: سؤر، وجاء أسآر الناس أي بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل سؤرة بالهمزة ثم خففت فأبدلت واوا لانظمام ما قبلها. وقيل سميت بذلك لتمامها وكمالها من قول العرب للناقة التامة: سورة، وجمع سورة سور بفتح الواو. وقال الشاعر «1»:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور

ويجوز أن يجمع على سورات وسورات. وأما الآية فهي العلامة: بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام قبلها من الذي بعدها وانفصاله، آي هي بائنة من أختها ومنفردة. وتقول العرب: بيني وبين فلان آية، أي علامة، ومن ذلك قوله تعالى" إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ «2»". وقال النابغة:
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
وقيل: سميت آية لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم أي بجماعتهم. قال برج بن مسهر الطائي:
خرجنا من النقبين لا حيّ مثلنا ... بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا
وقيل: سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها. واختلف النحويون في أصل آية، فقال سيبويه: أييه على فعله مثل أكمه وشجرة، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا فصارت آيه بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي: أصلها آيية على وزن فاعلة مثل آمنة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتباسها بالجمع. وقال الفراء: أصلها أيية بتشديد الياء الأولى فقلبت ألفا كراهة التشديد فصارت آية وجمعها آي وآيات وآياء «3». وأنشد أبو زيد: لم يبق الدهر من آيائه غير أثافيه وأرمدائه
__________
(1). هو الراعي. وصدر البيت: هن الحرائر ربات أخمرة
(2). آية 248 سورة" البقرة".
(3). قال في اللسان مادة (أيا) جمع الجمع نادر.

وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات «1» أي الحروف، وأطول الكلم في كتاب الله عز وجل ما بلغ عشرة أحرف، نحو قوله تعالى:" لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ «2»". و" أَنُلْزِمُكُمُوها «3»" وشبههما، فأما قوله" فَأَسْقَيْناكُمُوهُ «4»" فهو عشرة أحرف «5» في الرسم واحد عشر في اللفظ. وأقصرهن ما كان على حرفين نحو ما ولا وله، وما أشبه ذلك. ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة، مثل همزة الاستفهام وواو العطف، إلا أنه لا ينطق به مفردا. وقد تكون الكلمة وحدها آية تامة نحو قوله تعالى:" وَالْفَجْرِ"." وَالضُّحى "." وَالْعَصْرِ". وكذلك" الم". و" المص". و" طه". و" يس". و" حم" في قول الكوفيين، وذلك في فواتح السور، فأما ما في حشوهن فال. قال أبو عمرو الداني: ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله في الرحمن" مُدْهامَّتانِ «6»" لأغير. وقد أتت كلمتان متصلتان وهما آيتان، وذلك في قوله تعالى" حم عسق" على قول الكوفيين لأغير. وقد تكون الكلمة في غير هذا: الآية التامة، والكلام القائم بنفسه، وإن كان أكثر أو أقل، قال الله عز وجل:" وَتَمَّتْ «7» كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا" قيل: إنما يعني بالكلمة هاهنا قوله تبارك وتعالى:" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا «8» فِي الْأَرْضِ" إلى آخر الآيتين، وقال عز وجل" وَأَلْزَمَهُمْ «9» كَلِمَةَ التَّقْوى ". قال مجاهد لا إله إلا الله. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم". وقد تسمى العرب القصيدة بأسرها، والقصة كلها، كلمة فيقولون: قال قس في كلمته كذا، أي في خطبته، وقال زهير في كلمته كذا، أي في قصيدته، وقال فلان في كلمته يعني في رسالته، فتسمى جملة الكلام كلمة إذ كانت الكلمة منها، على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره، وكان بسبب منه، مجازا أو اتساعا. وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة، وقد يسمى الحرف كلمة والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع والمجاز. قال أبو عمرو الداني: فإن قيل فكيف يسمى ما جاء من
__________
(1). لم نر هذا التعبير لغير المؤلف، وقد سبق التعبير به في ص 16 من هذا الجزء.
(2). سورة النور آية 55.
(3). سورة هود آية 28.
(4). سورة الحجر آية 22.
(5). كأنه اعتبر هاء الضمير كلمة أخرى في الرسم فقط.
(6). سورة الرحمن آية 64.
(7). سورة الأعراف آية 137.
(8). سورة القصص آية 5.
(9). سورة الفتح آية 26.

حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو" ص" و" ن" حرفا أو كلمة؟ قلت: كلمة لا حرفا، ولذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في الصورة ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة كانفراد الكلم وانفصالها، فلذلك سميت كلمات لا حروفا. قال أبو عمرو: وقد يكون الحرف في غير هذا: المذهب والوجه، قال الله عز وجل" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" أي على وجه ومذهب، ومن ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي سبعة أوجه من اللغات، والله أعلم.

باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أو لا
لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير العرب، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط. واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من كلام غير العرب، فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب والطبري وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه، وأن القرآن عربي صريح، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم، وذهب بعضهم إلى وجودها فيه، وأن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا، ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه، فالمشكاة: الكوة وو نشأ: قام من الليل، ومنه" إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ" و" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ" أي ضعفين. و" فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ" أي الأسد، كله بلسان الحبشة. والغساق: البارد المنتن بلسان الترك. والقسطاس: الميزان، بلغة الروم. والسجيل: الحجارة والطين بلسان الفرس. والطور الجبل. واليم البحر بالسريانية. والتنور: وجه الأرض بالعجمية. قال ابن عطية:" فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه. وقد كان العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة تحارت، وبرحلتى قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام،

وكفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى ألى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى" فاطر" إلى غير ذلك. قال ابن عطية:" وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين اتفقتا في لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر «1»، لأنا لاندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا". قال غيره: والأول أصح. وقوله: هي أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم، ليس بأولى من العكس، فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطب بها أولا، فإن كان الأول فهي من كلامهم، إذا لا معنى للغتهم وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم، ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم، وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة. فإن قيل: ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه. قلنا: ومن سلم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها، فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية، وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال أن يخاطبهم الله بما لا يعرفون، وحينئذ لا يكون القرآن عربيا نبينا، ولا يكون الرسول مخاطبا لقومه بلسانهم، والله أعلم.

باب ذكر في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، وشرائطها خمسة فإن اختل منها شرط لا تكون معجزة.
__________
(1). في الأصول:" والأخرى فرع، لا أنا ندفع ... إلخ". والزيادة والتصويب عن ابن عطية.

فالشرط الأول من شروطها أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه. وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه أتى آت في زمان يصح فيه مجيء الرسل وادعى الرسالة وجعل معجزته أت يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزه له، ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله، وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر، وانشقاق القمر، وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر. والشرط الثاني هو أن تخرق العادة. وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال المدعى للرسالة: آيتي مجيء الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها، لم يكن فيما ادعا معجزة، لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله، فلم تفعل من أجله، وقد كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه، ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيره، فبان أنه لأوجه له يدل على صدقه، والذي يستشهد به الرسول عليه السلام له وجه يدل على صدقه، وذلك أن يقول: الدليل على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة، فيقلب هذه العصا ثعبانا، ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة، أو ينبع الماء من بين أصابعي كما ينبعه من العين، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات، التي ينفرد بها جبار الأرض والسموات، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه، لو أسمعنا كلامه العزيز وقال: صدق، أنا بعثته و. مثال هذا المسألة ولله ولرسوله المثل الأعلى ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض، وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه: الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل م أفعاله، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي، فإذا سمع الملك كلامه لهم ودعواه فيهم، ثم عمل ما استشهد به على صدقه، قام ذلك مقام قوله لو قال: صدق فيما ادعاه على. فكذلك إذا عمل عملا لا يقدر عليه إلا هو، وخرق به العادة على يد الرسول، قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال: صدق عبدي في دعواي الرسالة، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا.

والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعى الرسالة على الله عز وجل، فيقول: آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها، تزلزلي، فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به. الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له، وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعى للرسالة: آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت: كذب وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال كذب المدعى للرسالة، لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه. وكذلك ما يروى أن مسيلمة الكذاب لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء، فما فعل الله سبحانه من هذا، كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه، لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب. والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة، فإن تم الأمر المتحدي به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة داله على نبوة من ظهرت على يده، فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيا، وخرج عن كونه معجزا ولم يدل على صدقه، ولهذا قال المولى سبحانه:" فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ" وقال:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ". كأنه يقول: إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه، فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله. لا يقال، إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين، وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يظهر على يديه من الآيات العظام، والأمور الجسام، ما هو معروف مشهور، فإنا نقول: ذلك يدعى الرسالة، وهذا يدعى الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثه بعض
الخلق

إلى بعض غير ممتنعة ولا مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة. ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدجال فيه التصوير والتغيير من حال الى حال، وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات، تعالى رب البريات عن أن يشبه شيئا أو يشبهه شي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

فصل [في أن المعجزات على ضربين ]
إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين: الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والثاني ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله، واستفاضت بثبوته ووجوده، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن شروطه أن يكون الناقلون له: خلقا كثيرا وجما غفيرا، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريا، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الأمة رضى الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه، لكثرة العدد ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به. ونظير ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة والشام والعراق وخراسان والمدينة ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة، فالقران معجزة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومعجزة كلى نبي انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغير، كالتوراة والإنجيل.

ووجوه إعجاز القرآن عشرة: منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفى غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شي، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه:" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ". وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء «1» الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا بشعر لما قرأ عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" حم" فصلت، على ما يأتي بيانه هناك «2»، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموشعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا باعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه. ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة" ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «3»" إلى آخرها، وقوله سبحانه:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ «4»" إلى آخر السورة، وكذلك قوله سبحانه:" وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ «5»" إلى آخر السورة. قال ابن الحصار: فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره،. لا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «6»" ولا أن يقول:" وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ «7»". قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كل سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن
__________
(1). أقراء الشعر: أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه. [.....]
(2). راجع ج 15 ص 337.
(3). راجع ج 17 ص 1.
(4). راجع ج 15 ص 277.
(5). راجع ج 9 ص 376.
(6). راجع ج 15 ص 300.
(7). راجع ج 9 ص 296.

ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشر: فهذه سورة" الكوثر" ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين: أحدهما الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل. والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق:" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً. وَبَنِينَ شُهُوداً. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً «1»" ثم أهلك الله سبحان ماله وولده، وانقطع نسله. ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه. ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت تزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته، فتحققوا صدقه. قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة، الأخبار، والا مترددا إلى المتعلم منهم، ولا كان منن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. ومنها: الوفاء بالوعد، المدرك بالحسن في العيان، في كل ما وعد الله سبحان، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه. وإلى مقيد بشرط، كقوله:" وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «2»" ..." وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ «3»" ..." وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «4»" و" إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ «5»، وشبه ذلك ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك:
__________
(1). راجع ج 19 ص 70.
(2). راجع ج 18 ص 161.
(3). راجع ج 18 ص 139.
(4). راجع ج 18 ص 157.
(5). راجع ج 8 ص 44.

ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ «1»" الآية. ففعل ذلك. وكان أبو بكر رضى الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه، ولثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك: فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا، برا وبحرا، قال الله تعالى:" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «2»" وقال:" لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «3»". وقال" وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ «4»" وقال:" الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «5»". فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه. ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام. ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي. ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف: قال الله تعالى:" وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «6»". قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية: أن وجه الإعجاز هو المنع من معارته، والصرفة عند التحدي بمثله. وأن المنة والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن، وذلك أن الله تعال صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله. وهذا فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلوا قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن كونه معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذ كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا. واختلف من قال بهذا الصرفة
__________
(1). راجع ج 8 ص 121.
(2). راجع ج 12 ص 297.
(3). راجع ج 16 ص 289. [.....]
(4). راجع ج 7 ص 369.
(5). راجع ج 14 ص 1.
(6). راجع ج 5 ص 290

على قولين: أحدهما: أنهم صرفوا على القدرة عليه، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه. الثاني أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه. قال ابن عطية:" وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه: أن الله تعالى قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وأحاط بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة. وبهذا النظر يبطل قوال من قال: إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه. والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظه، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد". ومن فصاحة القرآن أن اله تعالى جل ذكره، ذكر في آية واحدة أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين وهو قوله تعالى:" وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «1» الآية. وكذلك فاتحة سورة المائدة: أمر بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن حكمته وقدرته، وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، وأنبأ سبحانه عن الموت، وحسرة الفوت، والدار الآخرة وثوابها وعقابها، وفوز الفائزين، وتردى المجرمين، والتحذير من الاغترار بالدنيا، ووصفها بالقلة بالإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى:" كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «2»" الآية. وأنبأ أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين، وعواقب المهلكين، في شطر آية وذلك في قوله تعالى:" فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
__________
(1). آية 7 سورة القصص.
(2). آية 185 سورة آل عمران.

«1»". وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة، واستقرار السفينة واستوائها، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله عز وجل" وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها" الى قوله:" وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" إلى غير ذلك. فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقوله، أنزل الله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ «2»". ثم أنزل تعجيزا أبلغ من ذلك فقال:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «3»". فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار، إلى مثل سورة من السور القصار، فقال جل ذكره:" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «4»". فأفحموا عن الجواب، وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا ألى الحروب والعناد، وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا، وأبلغ في الحجة وأشد تأثيرا. هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن «5»، وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن «6». فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز والبيان، بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة. هذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع ما أوتي من جوامع الكلم، واختص به من غرائب الحكم، إذا تأملت قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفة الجنان، وإن كان في نهاية الإحسان، وجدته منحطا عن رتبة القرآن، وذلك في قوله عليه السلام:" فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فأين ذلك من قوله عز وجل" وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ". وقوله" فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ". هذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقل حروفا، على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية، لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف، وضاق المقال على القاصر المتكلف، وبهذا قامت الحجة على العرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه السلام على الأطباء، ومعجزة موسى
__________
(1). آية 40 سورة العنكبوت.
(2). آية 33، 34 سوره الطور.
(3). آية 13 سورة هود.
(4). آية 23 سورة البقرة.
(5). اللحن (بالتحريك): الفطنة واللغة.
(6). اللسن (بالتحريك) الفصاحة.

عليه السلام على السحرة، فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحرة في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام، والفصاحة في زمن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره
لا التفات لما وضعه الواضعون، وغير ذلك من فضائل الأعمال، قد ارتكبها جماعة كثيره اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها، فمن قوم من الزنادقة مثل: المغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وغيرهما، وضعوا أحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس، فمما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي إلا ما شاء الله" فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة. قلت: وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب (التمهيد) ولم يتكلم عليه، بل تأول الاستثناء على الرؤيا، فالله أعلم. ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه، قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا. ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، كما روى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. قال أبو عمرو عثمان بن

الصلاح في كتاب (علوم الحديث) له: وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل القرآن سورة سورة، وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع عليه لبين. وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد، قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قلا أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان. واخذ في قصته نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا. قال فوضع أحمد كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما. فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن يجرى مجراهم. يذكر أن الرشيد كان يعجبه الحمام واللهو به، فأهدى إليه حمام وعنده أبو البختري «1»
__________
(1). أبو البختري: هو وهب بن وهب بن وهب بن كثير. انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد فولاه القضاء بعسكر المهدى (المحلة المعروفة بالرصافة بالجانب الشرقي من بغداد) ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد بكار الزبيري وجعل إليه ولاية حربها مع القضاء ثم عزله فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفى سنة مائتين

القاضي فقال: روى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح" فزاد: أو جناح، وهي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: والله لقد علمت أنه كذاب، وأمر بالحمام أن يذبح، فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فترك العلماء حديثه لذلك، ولغيره من موضوعاته، فلا يكتب العلماء حديثه بحال. قلت: فلو اقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء، ورواها الأئمة الفقهاء، لكان لهم في ذلك غنية، وخرجوا عن تحذيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال:" اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فممن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" الحديث. فتخويفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته بالنار على الكذب، دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه. فحذار مما وضعه أعداء الدين، وزنادقة المسلمين، في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررا أقوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم، ثقة منهم بهم، وركونا إليهم فضلوا وأضلوا.

باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان
لا خلاف بين الأمة ولأبين الأئمة أهل السنة، أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معجزة له على نحو ما تقدم وأنه محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة عليه أو نقصانا منه، فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن المنزل عليه ورد قوله تعالى:" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «1»" وأبطل آية رسوله
__________
(1). راجع ج 10 ص 326.

عليه السلام، لأنه إذ ذاك يصير مقدورا عليه 7 حين شيب الباطل، ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أن كون معجزا. فالقائل: بأن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزويج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياما مع ظهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا رد هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب. قال الإمام أبو بكر محمد بن إلقام بن بشار بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته، ما يوجبه الحق والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين وتحريف الزائغين، حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأئمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسها، وينمي فروعها، ويحرسها من معايب أولى الجنف والجور، ومكايد أهل العداوة والكفر. فزعم أن المصحف الذي جمعة عثمان رضى اله عنه باتفاق أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جمع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها، فمنها:" والعصر ونوائب الدهر" فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين" ونوائب الدهر". ومنها:" حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها". فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن:" وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها"، وذكر مما يدعى حروفا كثيرة. وادعى أن عثمان والصحابة رضى الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه، فقرأ في صلاة الفرض والناس يسمعون:" الله الواحد الصمد" فأسقط من القرآن" قُلْ هُوَ" وغير لفظ

" أَحَدٌ" وادعى أن هذا هو الصواب عليه الناس هو الباطل والمحال، وقرا في صلاة الفرض" قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون" وطعن في قراءة المسلمين. وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة، منها:" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «1»" فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة، وأن الصواب:" وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم". وترامى به الغى في هذا وأشكاله حتى ادعى أن المسلمين يصحفون:" وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً" والصواب الذي لم يغير عنده:" وكان عبدا لله وجيها"، وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه:" لا تحرك به لسانك أن علينا جمعه وقراءته فإذا قرأناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأ به". وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سمعوه يقرأ:" ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة". وروى هؤلاء أيضا لنا عنه قال:" هذا صراط علي مستقيم". وأخبرونا أنه أدخل في آية من القرآن ما لا يضاهي فصاحة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله عز وجل فيهم:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ" فقرأ:" أليس قلت للناس" في موضع:" أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" وهذا لا يعرف في نحو المعربين، ولا يحمل على مذاهب النحويين، لأن العرب لم تقل: ليس قمت، فأما: لست قمت، بالتاء فشاذ قبيح خبيث ردئ، لأن ليس لا تجحد الفعل الماضي، ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم: أليس قد خلق الله مثلهم، وهو لغة شاذة لا يحمل كتاب الله عليها. وادعى أن عثمان رضى اله عنه لما أسند جمع القرآن ألى زيد بن ثابت لم يصب، لأن عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أقرأ أمتي أبي بن كعب" ولقوله عليه السلام:" من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد". وقال هذا القائل: لي أن أخالف مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلاء، فقرأ:" إن هذين «2»"،" فأصدق وأكون"، وبشر عبادي الذين" بفتح الياء،" فما أتانى الله" بفتح الياء. والذي في المصحف:" إِنْ هذانِ «3»" بالألف،
__________
(1). آية 118 سورة المائدة. [.....]
(2). بتشديد النون، قراءة نافع.
(3). بتشديد النون، قراءة نافع.

" فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ" بغير واو،" فَبَشِّرْ عِبادِ"،" فما آتان الله" بغير ياءين في الموضعين .. كما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرءوا:" كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ" بإثبات نونين، يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم، وفي المصحف نون واحدة «1»، وكما خالف حمزة المصحف فقرأ:" أتمدون بمال" بنون واحدة ووقف على الياء، وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما، وكما خالف حمزة أيضا المصحف فقرأ:" ألا إن ثمودا كفروا ربهم" بغير تنوين، وإثبات الألف يوجب التنوين، وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلاف للمصحف. قلت: قد أشرنا إلى العد فيما تقدم مما اختلف فيه المصاحف، وسيأتي بيان هذه المواضع في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. قال أبو بكر: وذكر هذا الإنسان أن أبى بن كعب هو الذي قرأ" كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها" وذلك باطل، لأن عبد الله بن كثير قرأ على مجاهد، ومجاهد قرأ على ابن عباس، وابن عباس قرأ القرآن على أبي بن كعب" حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ"، في رواية وقرا أبي القرآن على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا الإسناد متصل بالرسول عليه السلام نقله أهل العدالة والصيانة، وإذا صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر لم يؤخذ بحديث يخالفه. وقال يحيى بن المبارك اليزيدي: قرأت القرآن على أبي عمرو بن العلاء، وقرا أبي عمرو على مجاهد، وقرا مجاهد على ابن عباس، وقرا ابن عباس على أبي بن كعب، وقرا أبي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس فيها" وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها" فمن جحد أن هذه الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيه عليه السلام فليس بكافر ولا آثم. حدثني أبي نبأنا نصر بن الصاغاني نبأنا أبو عبيد قال: ما يروى من الحروف التي تخالف المصحف الذي عليه الإجماع من الحروف التي يعرف أسانيدها الخاصة دون العامة فيما نقلوا عن أبي:" وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها"، وعن ابن عباس
__________
(1). يلاحظ أن الذي في المصحف نونان.

" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج". ومما يحكون عن عمر بن الخطاب أنه قرأ:" غير المغضوب عليهم وغير الضالين" مع نظائر لهذه الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل، ولا على أنها معارض بها مصحف عثمان، لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن كافرا، والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان كافرا، حكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وقال أبو عبيد: لم يزل صنيع عثمان رضى الله عنه في جمعه القرآن يعتد له بأنه من مناقبه العظام، وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ فانكشف عواره، ووضحت فضائحه. قال أبو عبيد: وقد حدثت عن يزيد بن زريع عن عمران بن جرير عن أبى مجلز قال: طعن قوم على عثمان رحمه الله بحمقهم جمع القرآن، ثم قرءوا بما نسخ. قال أبو عبيد: يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم كما أثبت الذي أثبت بعلك. قال أبو بكر: وفي قوله تعالى" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ" دلالة على كفر هذا الإنسان، لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، فإذا قرأ قارئ:" تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف" فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل، وبدل كتابه وحرفه، وحاول ما قد حفظه منه ومنع من اختلاطه به، وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق لأهل الإلحاد، ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عر الإسلام، وينسبونه إلى قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم. وفية إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام، وبثباتة تقام الصلوات، وتؤدي الزكوات وتتحرى المتعبدات. وفي قول الله تعالى:" الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ" دلالة على بدعة هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر، لأن معنى" أُحْكِمَتْ آياتُهُ": منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها أو يعارضوها بمثلها، وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها: وكفى الله المؤمنين القتال بعلى وكان الله قويا عزيزا. فقال في القرآن هجرا، وذكر عليا في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضي عليه الحد، وحكم عليه بالقتل. وأسقط من كلام الله

" قُلْ هُوَ" وغير" أَحَدٌ" فقرأ: الله الواحد الصمد. وإسقاط ما أسقطه نفي له وكفر، ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله وأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صف لنا ربك، أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله جل وعز ردا عليهم:" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" ففي" هُوَ" دلالة على موضع الرد ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، ووضح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقال لهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته: أخبرونا عن القرآن الذي نقرؤه ولا نعرف نحن ولا من كان قبلنا من أسلافنا سواه، هل هو مشتمل على جميع القرآن من أوله إلى آخره، صحيح الألفاظ والمعاني عار عن الفساد والخلل؟ أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الآخر غائب عنا كما غاب عن أسلافنا والمتقدمين من أهل ملتنا؟ فإن أجابوا بأن القرآن الذي معنا مشتمل على جميع القرآن لا يسقط منه شي، صحيح اللفظ والمعاني، سليمها من كل زلل وخلل، فقد قضوا على أنفسهم بالكفر حين زادوا فيه" فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم" فأي زيادة في القرآن أوضح من هذه، وكيف تخلط بالقرآن وقد حرسه الله منها ومنع كل مفتر ومبطل من أن يلحق به مثلها، وإذا تؤملت وبحث عن معناها وجدت فاسدة غير صحيحة، لا تشاكل كلام الباري تعالى ولا تخلط به، ولا توافق معناه، وذلك أن بعدها" لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" فكيف يؤكل الشراب، والذي أتى به قبلها: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ. فهذا متناقض يفسد بعضه بعضا، لأن الشراب لا يؤكل، ولا تقول العرب: أكلت الماء، لكنهم يقولون: شربته وذقته وطعمته
، ومعناه فيما أنزل الله تبارك وتعالى على الصحة في القرآن الذي من خالف حرفا منه كفر." وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ" لا يأكل الغسلين إلا الخاطئون أو لا يأكل الطعام إلا الخاطئون. والغسلين: ما يخرج من أجوافهم من شحم وما يتعلق به من الصديد وغيره، فهذا طعام يؤكل عند البلية والنقمة، والشراب محال أن

يؤكل. فإن ادعى هذا الإنسان أن الباطل الذي زاده من قوله" من عين تجري من تحت الجحيم" ليس بعدها" لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" ونفى هذه الآية من القرآن لتصح له زيادته، فقد كفر لما جحد آية من القرآن. وحسبك بهذا لقوله ردا لقوله، وخزيا لمقاله. وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا أنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى، وكذلك ما نسخ لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن، على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى:" ما ننسخ من آية «1» إن شاء الله تعالى.

القول في الاستعاذة
وفيها اثنتا عشرة مسألة: الأولى أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ" أي إذا أردت أن تقرأ، فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر:
وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى ... من الود واستئناف ما كان في غد
أراد ما يكون في غد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت، كما قال تعالى:" ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى" المعنى فتدلى ثم دنى، ومثله:" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ" وهو كثير. الثانية هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة. واختلفوا فيه في الصلاة. حكى النقاش عن عطاء: أن الاستعاذة واجبة. وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم، وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان. الثالثة أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء في التعوذ لأنه
__________
(1). راجع ج 2 ص 61.

لفظ كتاب الله تعالى. وروى عن ابن مسعود أنه قال: قلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يا ابن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن القلم". الرابعة روى أبو داود وابن ماجة في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي صلاة فقال عمرو «1»: لا أدري أي صلاة هي؟ فقال:" الله اكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه". قال عمرو همزه الموتة، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر. وقال ابن ماجة، الموتة يعني الجنون. والنفث: نفخ الرجل من فيه من غير أن يخرج ريقه. والكبر: التيه. وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام من الليل گبر ثم يقول:" سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثا ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثلاثا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، ثم يقرأ. وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم «2» رحمه الله أن الاستعاذة: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هم السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن عطية:" وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى، كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد، من الشيطان المريد، ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة، ولا أقول: إنه لا يجوز". الخامسة قال المهدوي: أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة سورة" الحمد" إلا حمزة فإنه أسرها .. روى السدي «3» عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتحون القراءة بالبسملة. وذكر أبو الليث السمرقندي عن بعض المفسرين أن التعوذ فرض، فإذا نسيه
__________
(1). لعله عمرو بن مرة المذكور في سند هذا الحديث (انظر سنن ابن ماجة ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
(2). في بعض النسخ:" أبي القاسم".
(3). في بعض النسخ:" المسي".

القارئ وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ، ثم ابتدأ من أوله. وبعضهم يقول: يستعسذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه، وبالأول قال أسانيد الحجاز والعراق، وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر. السادسة حكى الزهراوي قال: نزلت الآية في الصلاة وندبنا إلى الاستعاذة في غير الصلاة وليس بفرض. قال غيره: كانت فرضا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، ثم تأسينا به. السابعة روى عن أبى هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود. قال أبو بكر بن العربي:" انتهى العي بقوم إلى أن قالوا: إذا فرغ القارئ من قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم". وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة، وهذا نص وفإن الفائدة في الاستعاذة من الشيطان الرجيم وقت القراءة؟ قلنا: فائدتها امتثال الأمر، ليس للشرعيات فائدة إلا القيام بحق الوفاء لها في امتثالها أمرا أو اجتنابها نهيا، وقد قيل: فائدتها امتثال الأمر بالاستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة، كما قال تعالى:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «1»". قال ابن العربي:" ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «2»" قال: ذلك بعد قراءة أم القرآن لمن قرأ في الصلاة، وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر، فإن كان هذا كما قال بعض الناس: إن الاستعاذة بعد القراءة كان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة، ولا تشبه أصل مالك ولا فهمه، فالله أعلم بسر هذه الرواية". الثامنة في فضل التعوذ. روى مسلم عن سليمان بن صرد قال: استتب رجلان عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقام إلى الرجل ممن سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هل تدري ما قال
__________
(1). آية 52 سورة الحج.
(2). آية 98 سورة النحل.

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنفا؟ قال:" إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقال له الرجل: أمجنونا تراني! أخرجه البخاري أيضا. وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حلا بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ذاك شيطان يقال له خنزب «1» فإذا أحسسته فتعوذ منه واتفل عن يسارك ثلاثا" قال: ففعلت فأذهبه الله عني. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سافر فأقبل عليه الليل قال:" يأرص ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك ومن أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني البلد ووالد وما ولد. وروت خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل". وأخرجه الموطأ ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح. وما يتعوذ منه كثيرا ثابت في الأخبار، والله المستعان. التاسعة معنى الاستعاذة في كلام العرب، الستجارة والتحيز إلى الشيء على، معنى الامتناع به من المكروه، يقال: عذت بفلان واستعذت به، أي لجأت إليه. وهو عياذي، أي ملجئ. وأعذت غيرى به وعوذته بمعنى. ويقال: عوذ بالله منك، أي أعوذ بالله منك، قال الراجز:
قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
والعرب تقول عند الأمر [تنكره «2»]: حجرا له (بالضم) أي دفعا، وهو استعاذة من الأمر. والعوذة والمعاذة والتعويذ كله بمعنى. واصل أعوذ نقلت الضمة إلى العين لاستثقالها على الواو فسكنت.
__________
(1). قوله: يقال له خنزب. في نهاية ابن الأثير:" قال أبو عمرو: وهو لقب له، والخنزب (بالفتح): قطعة لحم منتنة ويروى بالكسر والضم".
(2). الزيادة عن لسان العرب مادة (حجر).

العاشرة الشيطان واتحد الشياطين، على التكسير والنون أصلية، لأنه من شطن إذا بعد عن الخير. وشطنت داره أي بعدت، قال الشاعر «1»:
نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين
وبئر شطون أي بعيدة القعر. والشطن: الحبل، سمى به لبعد طرفيه وامتداده. ووصف أعرابي فرسا [لا يحفى «2»] فقال: كأنه شيطان في أشطان. وسمي الشيطان شيطانا لبعده عن الحق وتمره، وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، قال جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزل ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: إن شيطانا مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك «3»، فلنون زائدة. وشاط إذا احترق. وشيطت اللحم إذا دخنته ولم تنصحه. واشتاط الرجل إذا احتد غضبا. وناقة مشياط التي يطير فيها السمن. واشتاط إذا هلك، قال الأعشى:
قد نضخب العير من مكنون فائله «4» ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
أي يهلك. ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب تقول: تشيطن فلان أذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بين إنه تفعيل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، ويرد عليهم أيضا بيت أمية بن أبي الصلت:
أيما شاطن عصاه عكاه «5» ... ورماه في السجن والأغلال
فهذا شاطن من شطن لا شك فيه. الحادية عشر الرجيم أي المبعد من الخير المهان. واصل الرجم الرمي بأحجاره، وقد رجمته أرجمه، فهو رجيم ومرجوم. والرجم: القتل واللعن والطرد والشتم، وقد قيل هذا كله في قوله تعالى:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ". وقول أبي إبراهيم:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ". وسيأتي «6» إن شاء اله تعالى.
__________
(1). هو النابغة الذبياني، كما في لسان العرب مادة (شطن).
(2). الزيادة عن لسان العرب مادة (شطن).
(3). في الأصول:" إذا بطل" والتصويب عن اللسان. [.....]
(4). الفائل: عرق في الفخذين يكون في خربة الورك ينحدر في الرجلين.
(5). عكاه في الحديد والوثاق إذا أشده.
(6). راجع ج 1 ص 111 وج 13 ص 121.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

الثانية عشر روى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال علي بن أبي طالب عليه السلام: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه، قلت: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال:" هذا الشيطان الرجيم" فقلت: يا عدو الله: والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك، قال: ما هذا جزائي منك، قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله؟ قال: والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه في رحم أمه.

[الكلام في ] البسملة وفيها سبع وعشرون مسألة
[سورة الفاتحة (1): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
قوله تعالى: الأولى قال العلماء:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري. و" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام. وقال بعض العلماء: إن" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات، وهذا صحيح. الثانية قال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه نظر إلى رجل يكتب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فقال له: جودها فإن رجلا جودها فغفر له. قال سيعد: وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فقبله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها بسم الله وطيبها طيب اسمه «1»، ذكره القشيري. وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله
__________
(1). نص القصة كما في وفيات الأعيان والرسالة القشيرية:" ... وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوبا فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غالية فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلا يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبنك في الدنيا والآخرة فلما انتبه من نومه تاب.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى مثل الذباب". وقال على بن الحسين في تفسير قوله تعالى" وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً «1»" قال معناه: إذا قلت" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ابن مسعود قل: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد. فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم:" عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ" وهم يقولون في كل أفعالهم:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فمن هناك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. قال ابن عطية: ونظير هذا قولهم في ليلة القدر: إنها ليلة سبع وعشرين، مراعاة للفظة" هي" من كلمات سورة" إِنَّا أَنْزَلْناهُ" ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، فلذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". قال ابن عطية: وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم. الثالثة روى الشعبي ولأعمش أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكتب" باسمك اللهم" حتى أمر أن يكتب" بسم الله" فكتبها، فلما نزلت:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ" كتب" بسم الله الرحمن" فلما نزلت:" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" كتبها. وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: إن النبي صلى اله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة" النمل". الرابعة روى عن جعفر الصادق رضى الله عنه أنه قال: البسملة تيجان السور. قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف العلماء في هذا
__________
(1). راجع ج 10 ص 271.

(الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك. (الثالث) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل. واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد «1» بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا قرأتم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فاقرءوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إنها أم القرآن وام الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحد آياتها". رفع هذا الحديث عبد الحميد ابن جعفر، وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور. وحجة ابن المبارك واحد ق. لي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال:" نزلت على آنفا سورة فقرأ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ". وذكر الحديث، وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى «2». الخامسة الصحيح من هذه الأقوال قول ماك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار لآحاد وإنما طريقة التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي:" ويكفيك أنها
__________
(1). ورد هذا الحديث مضطربا في الأصول والتصويب عن سنن الدارقطني وتهذيب التهذيب. وعبد الحميد بن جعفر هذا، يكنى أبا الفضل، ويقال: أبو حفص، وليس من كنيته أبو بكر. وروى عنه أبو بكر الحنفي. راجع تهذيب التهذيب.
(2). راجع 20 ص 216.

ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه". والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول:" قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" قال مجدني عبدي وقال مرة ف. ض إلى عبدي فإذا قال" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". فقوله سبحانه:" قسمت الصلاة" يريد الفاتحة، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع ءايات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله:" هؤلاء لعبدي" أخرجه مالك، ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آية. قال ابن بكير قال مالك:" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي:" كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة" قال: فقرأت" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" حتى أتيت على آخرها أن البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آية، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: الآية السادسة" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ولم يعدوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت، كما نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم وقلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآنا، أو لكونها فاصلة بين السور

كما روى عن الصحابة: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" أخرجه أبو داود أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتابتها في أوائل الكتب والرسائل؟ كل ذلك محتمل. وقد قال الجريري «1»: سئل الحسن عن" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قال: في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" في شي من القرآن إلا في" طس"" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة، والحمد لله. فإن قبل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة في صحيح مسلم قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا يذكرون" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" لأفي أول قراءة ولا في آخرها. ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول، وذلك أن مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله صلى اله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" اتباعا للسنة، وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أول على السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضا.
__________
(1). الجريري (بضم الجيم وفتح الراء وكسر الثانية وسكون ياء بينهما، نسبة الى جرير بن عباد بن ضبيعة): وهو سعيد بن أياس الجريري أبو مسعود البصري.

وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا، ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السور في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لأبد فيها من" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" منهم ابن عمر، وابن شهاب، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين، وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور، والحمد لله. وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة، منهم أبو حنيفة والثوري، وروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير، وهو قول الحكم وحماد، وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو عبيد، وروى عن الأوزاعي مثل ذلك، حكاه أبو عمر بن عبد البر في (الاستذكار). واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يسمعنا قراءة" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وما رواه عمار بن رزيق «1» عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال: صليت خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحد منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قلت: هذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة. وقد روى عن سعيد بن جبير قال: كان المشركون يحضرون بالمسجد، فإذا قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قالوا: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزل:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها". قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله: فبقى ذلك إلى يومنا هذا على
__________
(1). كذا في تهذيب التهذيب وفي الأصول:" عمار عن رزيق" وهو خطأ".

ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة. السادسة اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فر. ى مجالد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وقال الزهري: مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين. قال أبو بكر الخطيب: هو الذي نختاره ونستحبه. السابعة قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله: مبسمل، وهي لغة مولدة، وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة:
لقد بسملت ليلى غذاه لقيتها ... فيا حبذا ذلك الحبيب المبسمل
قلت: المشهور عن أهل اللغة بسمل. قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة: بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله. يقال: قد أكثرت من البسملة، أي من قول بسم الله. ومثله حوقل الرجل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله. وسبحل، إذا قال: سبحان الله. وحمدل، إذا قال: الحمد لله. وحيصل، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال: أدام الله عزك. وحيفل، إذا قال: حي على الفلاح. ولم يذكر المطرز: الحيصلة، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال أدام الله عزك. الثامنة ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل، كالأكل والشرب والنحر، والجماع والطهارة وركوب البحر، وإلى غير ذلك من الأفعال، قال الله تعالى:" فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" ..." وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها". وقال رسول الله صلى الله

عليه وسلم:" أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر «1» إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله". وقال:" لو أن أحدكم أذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا". وقال لعمر بن أبي سلمة:" يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" وقال" إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه" وقال:" من لم يذبح فليذبح باسم الله". وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". هذا كله ثابت في الصحيح. وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله". وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا مس طهوره سمى الله تعالى، ثم يفرغ الماء على يديه. التاسعة قال علماؤنا: وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول: إن أفعالهم مقدورة لهم. وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك، كما ذكرنا. فمعنى" بسم الله"، أي بالله. ومعنى" بالله" أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: معنى قوله" بسم الله" يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز. العاشرة ذهب أبو عبيد معمر بن المثني إلى أن" اسم" صلة زائدة واستشهد بقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
__________
(1). التخمير: التغطية. والوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس وغيرهما. أي شدوا رموس الأسقية بالوكاء لئلا يدخلها حيوان أو يسقط فيها شي.

فذكر" اسم" زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما. وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى. وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره، إ ن شاء الله تعالى. الحادية عشر اختلف في معنى زيادة" اسم" فقال قطرب: زيدت لإجلال ذكره تعالى وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك، لإن أصل الكلام: بالله. الثانية عشر اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه، هل دخلت على معنى الأمر؟ والتقدير: ابدا بسم الله. أو على معنى الخبر؟ والتقدير: ابتدأت بسم الله، قولان: الأول للقراء، والثاني للزجاج. ف" بسم الله" في موضع نصب على التأويلين. وقيل: المعنى ابتدائي بسم الله، ف" بسم الله" في موضع رفع خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف، أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله، فإذا أظهرته كان" بسم الله" في موضع نصب بثابت أو مستقر، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار. وفي التنزيل" فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي" ف" عِنْدَهُ" في موضع نصب، روى هذا عن نحاة أهل البصرة. وقيل التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت، ف" باسم" في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي. الثالثة عشر" بسم الله"، تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" فإنها تحذف لقلة الاستعمال .. اختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر، فقال الكسائي وسعيد الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وثاب: لا تحذف إلا مع" بسم الله" فقط، لأن الاستعمال إنما كثر فيه. الرابعة عشر واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان، فقيل: ليناسب لفظها عملها. وقيل لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض

الذي لا يكون إلا في الأسماء. الثالث: ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما، نحو الكاف في قول الشاعر «1»:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا

أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله. الخامسة عشر ايم، وزنه أفع، والذاهب منه الواو لأنه من سموت، وجمعه اسماء، وتصغيره سمى. واختلف في تقدير أصله، فقيل: فعل، وقيل: فعل. قال الجوهري: وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن، وهو مثل جذع وأجذع، وقفل وأقفال، وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع. وفية أربع لغات: اسم بالكسر، واسم بالضم. قال أحمد بن يحيى: من ضم الألف أخذه من سموت أسمو، ومن كسر أخذ من سمت أسمى. ويقال: سم وسم، وينشد:
والله أسماك سما مباركا ... أثرك الله به إيثاركا
وقال آخر:
وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه

مبتركا «2» لكل عظم يلحمه

قرصب الرجل: إذا أكل شيئا يابسا، فهو قرضاب." سمه" بالضم والكسر جميعا. ومنه قول الآخر:
باسم الذي في كل سورة سمه

وسكنت السين من" باسم" اعتلالا «3» على غير قياس، والفة ألف وصل، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة، كقول الأحوص:
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ... ولا من تسمى ثم يلتزم الاسما «4»
__________
(1). هو امر القيس. وتمام البيت وشرحه يأتي في ص 211 من هذا الجزء.
(2). رجل مبترك: معتمد على الشيء ملح. ويلحمه: ينزع عنه اللحم.
(3). كان الأصل اسم نقاب حركة الهمزة إلى السين ثم حذفت الهمزة ولما وصلت الباء به سكنت السين تخفيفا.
(4). المخسوس: المرذول. وجذم كل شي: أصله. ومالك: جد أعلى للشاعر. [.....]

السادسة عشر تقول العرب في النسب إلى الاسم: سموى، وأنشئت اسمى، تركته على حاله، وجمعه أسماء وجمع الأسماء إسام. وحكى الفراء: أعيذك بأسماوات الله. السابعة عشر اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره. وقيل إنما سمى الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمي الكلام: الحرف والفعل، والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل، فلعلوه عليهما سمى اسما فهذه ثلاثة أقوال. وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا" وسم". والأول أصح، لأنه يقال في التصغير سمى وفي الجمع أسماء، والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، فلا يقال: وسيم ولا أوسام. ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي: الثامنة عشر فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول: لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه ولا صفاته، وهذا قول أهل السنة. ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول: كان الله في الأزل بال اسم ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بال اسم ولا صفة، وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمة، وهو أعظم في الخطإ من قولهم: إن كلامه مخلوق، تعالى الله عن ذلك! وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي: التاسعة عشر فذهب أهل الحق فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن الاسم هو المسمى، وارتضاه ابن فورك، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه. فإذا قال قائل: الله عالم، فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما، فالاسم كونه عالما وهو المسمى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالق، فالخالق هو الرب، وهو بعينه الاسم. فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل.

قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذات، ولذلك يقولون الاسم غير المسمى، ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء عندهم. وسيأتي لهذه مزيد بيان في" البقرة" و" الأعراف" إن شاء الله تعالى. الموفية عشرين قوله:" الله" هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، لذلك لم يثن ولم يجمع، وهو أحد تأويلي قوله تعالى" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" أي من تسمى باسمه الذي هو" الله". فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه. وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال، والمعنى واحد. الحادية والعشرون واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم؟. فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله، فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه، مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة" لاه" وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
كذا الرواية: فتخزوني، الخاء المعجمة ومعناه: تسوسني. وقال الكسائي والفراء: معنى" بسم الله" بسم الإله، فخذوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة، كما قال عز وجل:" لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي" ومعناه، لكن أنا، كذلك قرأها الحسن. ثم قيل: هو مشتق من" وله" إذا تحير، والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل وله وامرأة والهة وواله، وماء مولة «1»: أرسل في الصحاري. فالله سبحانه تتحير
__________
(1). قوله، ماء مولة. هو بضم الميم وتخفيف اللام، وتشدد وتفتح الواو.

الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل" إلاه"" ولاه" وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في أشاح ووشاح، وإسادة ووسادة، وروى عن الخليل. وروى عن الضحاك أنه قال: إنما سمى" الله" إلها لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام) ويألهون أيضا (بكسرها) وهما لغتان. وقيل إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شي مرتفع: لاها فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: هو مشتق من أله الرجل إذا تنسك، ومن ذلك قوله تعالى:" ويذرك وإلاهتك" على هذه القراءة، فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك. قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين: لا إله إلا الله، معناه لا معبود غير الله. و" إلا" في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء. وزعم بعضهم أن الأصل فيه" الهاء" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجدا في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار" له" ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما. القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروى عن الخليل وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفها منه. قال الخطابي: والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف، ألا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: يا لله، فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم. الثانية والعشرون واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لااشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فحاز أن يقال: الله رحمان بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة

لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد قال الله عز وجل:" وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ" الآية. ولما كتب على رضى الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قال سهيل بن عمرو: أما" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فما ندري ما" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، الحديث. قال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى:" وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ". وذهب الجمهور من الناس إلى أن" الرحمن" مشتق من الرحمة مبني على المبالغة، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثني ولا يجمع كما يثنى" الرحيم" ويجمع. قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته". وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له. الثالثة والعشرون زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب" الزاهر" له: أن" الرحمن" اسم عبراني فجاء معه ب" الرحيم". وأنشد «1»:
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم ... بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون «2» إلى القسين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى:" الرحيم" عربي و" الرحمن" عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه. وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشاعر. وروى مطرف عن قتادة في قوله عز وجل:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قال: مدح نفسه. قال أبو إسحاق:
__________
(1). قائله جرير، والينبوت: ضرب من الشجر.
(2). انظر شرح القاموس واللسان مادة" رحم".

وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغني عن الاستشهاد، والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله. الرابعة والعشرون واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما بمعنى واحد، كندمان ونديم. قاله أبو عبيدة وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للممتلئ غضبا. وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال عملس «1»:
فأما إذا عضت بك الحرب عضة ... فإنك معطوف عليك رحيم
ف" الرَّحْمنِ" خاص الاسم عام الفعل. و" الرَّحِيمِ" عام الاسم خاص الفعل. هذا قول الجمهور. قال أبو على الفارسي:" الرَّحْمنِ" اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله." والرَّحِيمِ" إنما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى" وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً". وقال العرزمي «2»:" الرَّحْمنِ" بجميع خلقه في الأمصار ونعم الحواس والنعم العامة، و" الرَّحِيمِ" بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم. وقال ابن المبارك:" الرَّحْمنِ" إذا سئل أعطى، و" الرَّحِيمِ" إذا لم يسأل غضب. وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من لم يسأل الله يغضب عليه" لفظ الترمذي. وقال ابن ماجة:" من لم يدع الله سبحانه غضب عليه". وقال: سألت أبا زراعة عن أبي صالح هذا، فقال: هو الذي يقال له: الفارسي وهو خوزي «3» ولا أعرف اسمه. وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
__________
(1). هو عملس بن عقيل، كما في هامش بعض نسخ الأصل ولسان العرب مادة رحم.
(2). هو عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، كما في الخلاصة.
(3). نسبة إلى خوزستان بلاد بين فارس والبصرة.

الله يغضب إن تركت سؤله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة. قال الخطابي: وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شي من صفات الله تعالى. وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف". الخامسة والعشرون أكثر العلماء على أن" الرَّحْمنِ" مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «1»" فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال:" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ «2»" فأخبر أن" الرحمن" هو المستحق للعبادة جل وعز. وقد تجاسر مسيلمة الكذاب لعنه الله فتسمى برحمان اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك، وإن كان كل كافر كاذبا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به، ألزمه الله إياه. وقد قيل في اسمه الرحمن: إنه اسم الله الأعظم، ذكره ابن العربي. السادسة والعشرون" الرَّحِيمِ" صفة للمخلوقين، ولما في" الرَّحْمنِ" من العموم" قدم في كلامنا على" الرَّحِيمِ" مع موافقة التنزيل، قاله المهدوي. وقيل: إن معنى" الرَّحِيمِ" أي بالرحيم وصلتم إلى الله، ف" الرَّحِيمِ" نعت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد نعته تعالى بذلك فقال:" لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ" فكأن المعنى أن يقول: بسم الله الرحمن وبالرحيم، أي وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلتم إلى، أي باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي، والله أعلم.
__________
(1). آية 110 سورة الإسراء ج 10 ص 342.
(2). آية 45 سورة الزخرف ج 16 ص 95.

السابعة والعشرون روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله" بِسْمِ اللَّهِ" إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما" الرَّحْمنِ" فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما" الرَّحِيمِ" فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا. وقد فسره بعضهم على الحروف، فروى عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تفسير" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فقال:" أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر منخلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة". وروى عن كعب الأحبار أنه قال: الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شي أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شي قدير فلا شي يعازه. وقد قيل أن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه، فالباء مفتاح اسمه بصير، والسين مفتاح اسمه سميع، والميم مفتاح اسمه مليك، والألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، والراء مفتاح اسمه رازق، والحاء مفتاح اسمه حلم، والنون مفتاح اسمه نور، ومعنى هذا كله دعاء الله تعلى عند افتتاح كل شي. الثامنة والعشرون واختلف في وصل" الرَّحِيمِ" ب" الْحَمْدُ لِلَّهِ"، فروى عن أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ" يسكن الميم ويقف عليها، ويبتدئ بألف مقطوعة. وقرا به قوم من الكوفيين. وقرا جمهور الناس:" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ"، تعرب" الرَّحِيمِ" بالخفض وبوصل الألف من" الْحَمْدُ". وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ" بفتح الميم وصلة الألف، كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت. قال ابن عطية: ولم ترو هذه القراءة عن أحد فيما علمت. وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى:" الم اللَّهُ".

تفسير سورة الفاتحة
" بحول الله وكرمه" وفيها أربعة أبواب:

الباب الأول في فضائلها وأسمائها وفيه سبع مسائل
الاولى: روى الترمذي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة «1» بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (. أخرج مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أن أبا سعيد مولي [عبد الله بن ] عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه سلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي، فذكر الحديث. قال ابن عبد البر: أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة، روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل، وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا، رواه عنه حفص بن عاصم، وعبيد بن حنين. قلت: كذا قال في التمهيد: (لا يوقف له على اسم). وذكر في كتاب الصحابة الاختلاف في اسمه. والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: (ألم يقل الله" اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ «2» ثم قال) إني لاعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لاعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). قال ابن عبد البر وغيره: أبو سعيد بن المعلى
__________
(1). أي وقال الله هي مقسومة.
(2). راجع ج 7 ص 389

من جلة الأنصار، وسادات الأنصار، تفرد به البخاري، واسمه رافع، ويقال: الحارث بن نفيع بن المعلى، ويقال: أوس بن المعلى، ويقال: أبو سعيد بن أوس بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين «1» [سنة]، وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت، وسيأتي «2». وقد أسند حديث بن أبي يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي وهو يصلي، فذكر الحديث بمعناه. وذكر ابن الأنباري في كتاب الرد له: حدثني أبي حدثني أبو عبيد الله الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال: إن إبليس لعنه الله رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط من الجنة، وحين بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحين أنزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة. الثانية: اختلف العلماء في تفصيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض، فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض، لان الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها. ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، وجماعة من الفقهاء. وروى معناه عن مالك. قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها. وقال عن مالك في قول الله تعالى:" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها" [البقرة: 106] قال: محكمة مكان منسوخة. وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك. واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام الله، وكلام الله تعالى لا نقص فيه. قال البستي: ومعنى هذه اللفظة (ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن): أن الله تعالى لا يعطى لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل
__________
(1). قال ابن حجر في الإصابة: (وهو خطأ فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو صغير، وسياق الحديث يأبى ذلك.
(2). راجع ج 2 ص 149

ما يعطي لقارئ أم القرآن، إذ الله بفضله فضل هذه الامة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الامة. قال ومعنى قوله: (أعظم سورة) أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقال قوم بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى" وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ" [البقرة: 163] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" [المسد: 1] وما كان مثلها. والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق. وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه «1» وغيره من العلماء والمتكلمين، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار، لحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي بن كعب أنه قال قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم) قال فقلت:" اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: 255]. قال: فضرب في صدري وقال: (ليهنك العلم يا أبا المنذر) أخرجه البخاري ومسلم. قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص. وقال ابن العربي: قوله: (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها) وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها، لان هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل، صار أفضل الكل. كقولك: زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس. وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها. وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن. ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم،
__________
(1). ضبطه ابن خلكان فقال: (بفتح الراء بعد الالف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة، وقيل فيها أيضا: راهويه بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء.

كما صارت" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ، و" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لابي. (أي آية في القرآن أعظم) قال:" اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: 255]. وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) أفضل الذكر، لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى. الثالثة: روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب (. أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له. الرابعة: في أسمائها، وهي اثنا عشر اسما:) الأول (: الصلاة «1»، قال الله تعالى «2»: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) الحديث. وقد تقدم. (الثاني): [سورة] الحمد، لان فيها ذكر الحمد، كما يقال: سورة الأعراف، والأنفال، والتوبة، ونحوها. (الثالث): فاتحة الكتاب، من غير خلاف بين العلماء، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات. (الرابع): أم الكتاب، وفي هذا الاسم خلاف، جوزه الجمهور، وكرهه أنس والحسن وابن سيرين. قال الحسن: أم الكتاب الحلال والحرام، قال الله تعالى:" آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ" [آل عمران: 7]. وقال أنس وابن سيرين: أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ. قال الله تعالى:" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ". [الزخرف: 4].
__________
(1). في تفسير الآلوسي وغيره: سورة الصلاة. [.....]
(2). أي في الحديث القدسي.

(الخامس): أم القرآن، واختلف فيه أيضا، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس وابن سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين. روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الحمد لله أم القران وام الكتاب والسبع المثاني) قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري قال: وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقال يحيى بن يعمر: أم القرى: مكة، وام خراسان: مرو، وام القرآن: سورة الحمد. وقيل: سميت أم القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه، وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت، ومنه سميت الام أما لأنها أصل النسل، والأرض أما، في قول أمية بن أبي الصلت:
فالأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد

ويقال لراية الحرب: أم، لتقدمها واتباع الجيش لها. واصل أم أمهة، ولذلك تجمع على أمهات، قال الله تعالى:" وَأُمَّهاتُكُمُ". ويقال أمات بغير هاء. قال:
فرجت الظلام بأماتكا

وقيل: إن أمهات في الناس، وأمات في البهائم، حكاه ابن فارس في المجمل. (السادس): المثاني، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة. وقيل: سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الامة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها. (السابع): القرآن العظيم، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن، وذلك أنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الامر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين. (الثامن): الشفاء، روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فاتحة الكتاب شفاء من كل سم) «1».
__________
(1). الذي في مسند الدارمي عن عبد الملك بن عمير: قال قال رسول الله (في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء).

(التاسع): الرقية، ثبت ذلك من حديث أبى سعيد الخدري وفية: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للرجل، الذي رقى سيد الحي: (ما أدراك أنها رقية) فقال: يا رسول الله شي ألقى في روعي، الحديث. خرجه الأئمة، وسيأتي بتمامه. (العاشر): الأساس، شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شي أساس، وأساس الدنيا مكة، لأنها منها دحيت، وأساس السموات عريبا «1»، وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم، وأساس الأنبياء نوح، وأساس بني إسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى «2». (الحادي عشر): الوافية، قاله سفيان بن عيينة، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ، ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز. (الثاني عشر): الكافية، قال يحيى بن أبي كثير: لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها. يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الإسكندراني قال قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا). الخامسة: قال المهلب: إن موضع الرقية منها إنما هو" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: الآية 5]. وقيل: السورة كلها رقية، لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره: (وما أدراك أنها رقية) ولم يقل: أن فيها رقية، فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية، لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه، ومتضمنة لجميع علومه، كما تقدم والله أعلم.
__________
(1). وفي بعض الأصول: غريبا (بالغين المعجمة).
(2). كذا في نسخ الأصل. ولو كان جوابا للأمر لكان (تشف) مجزوما.

السادسة: ليس في تسميتها بالمثاني وام الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، قال الله عز وجل:" كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ" [الزمر: 23] فأطلق على كتابه: مثاني، لان الاخبار تثنى فيه. وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني، لان الفرائض والقصص تثنى فيها. قال ابن عباس: أوتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعا من المثاني، قال: السبع الطول. ذكره النسائي، وهي من" البقرة" إلى" الأعراف" ست، واختلفوا في السابعة، فقيل: يونس، وقيل: الأنفال والتوبة، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير. وقال أعشى همدان:
فلجوا المسجد وادعوا ربكم ... وادرسوا هذي المثاني والطول
وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة" الحجر" «1» إن شاء الله تعالى. السابعة: المثاني جمع مثنى، وهي التي جاءت بعد الاولى، والطول جمع أطول. وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر. وقيل: هي التي تزيد آياتها على المفصل وتنقص عن المئين. والمئون: هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية.

الباب الثاني في نزولها وأحكامها، وفيه عشرون مسألة
الاولى: أجمعت الامة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، إلا ما روى عن حسين الجعفي: أنها ست، وهذا شاذ. وإلا ما روى عن عمرو بن عبيد أنه جعل" إِيَّاكَ نَعْبُدُ" آية، وهي على عدة ثماني آيات، وهذا شاذ. وقول تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي" [الحجر: 87]، وقوله: (قسمت الصلاة) الحديث، يرد هذين القولين. وأجمعت الامة أيضا على أنها من القرآن. فإن قيل: لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه، فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن، كالمعوذتين عنده. فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال: حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا سليمان بن الأشعث حدثنا ابن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال: أظنه عن إبراهيم قال:
__________
(1). راجع ج 15 ص 249

قيل لعبد الله بن مسعود: لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك؟ قال: لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة. قال أبو بكر: يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لها، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة، إذ كانت تتقدمها في الصلاة. الثانية: اختلفوا أهي مكية أم مدنية؟ فقال ابن عباس وقتادة وأبو العالية الرياحي واسمه رفيع وغيرهم: هي مكية. وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم: هي مدنية. ويقال: نزل نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة. حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في تفسيره. والأول أصح لقوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" [الحجر: 87] والحجر مكية بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ"، يدل على هذا قوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب). وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم. وقد ذكر القاضي ابن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن، فقيل: المدثر، وقيل: اقرأ، وقيل: الفاتحة. وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لخديجة: (إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا) قالت: معاذ الله! ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ذكرت خديجة حديثه له، قالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل. فلما دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ أبو بكر بيده، فقال: أنطلق بنا إلى ورقة، فقال: (ومن أخبرك). قال: خديجة، فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: (إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض) فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد، قل" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ"، قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك. فلما توفى ورقة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني) يعني ورقة. قال البيهقي رضي الله عنه: هذا منقطع. يعني هذا الحديث، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" [العلق: 1] و" يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" [المدثر: 1]. الثالثة: قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد، لما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع نقيضا «1» من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته. قال ابن عطية: وليس كما ظن، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معلما به وبما ينزل معه، وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها، والله أعلم. قلت: الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء من ذلك. وقد بينا أن نزولها كان بمكة، نزل بها جبريل عليه السلام، لقوله تعالى:" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" [الشعراء: 193] وهذا يقتضي جميع القرآن، فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك بثوابها بالمدينة. والله أعلم. وقد قيل: إنها مكية مدنية، نزل بها جبريل مرتين، حكاه الثعلبي. وما ذكرناه أولى. فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد والمنة.
__________
(1). النقيض: الصوت.

الرابعة: قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح، وإذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت، ولا يذكر توجيها ولا تسبيحا لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما، وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت، قال بها جماعة من العلماء، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا افتتحا الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وبه قال سفيان وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وكان الشافعي يقول بالذي روى عن علي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) الحديث، ذكره مسلم، وسيأتي بتمامه في آخر سورة الانعام، وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفى إن شاء الله «1». قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) واستعمل ذلك أبو هريرة. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة. وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الباب. الخامسة: واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فقال مالك وأصحابه: هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة. قال ابن خويز منداد البصري المالكي: لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه. واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك. قال ابن خويز منداد وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام. قال ابن عبد البر: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها، كمن
__________
(1). راجع ج 7 ص 153.

أسقط سجدة سهوا. وهو اختيار ابن القاسم. وقال الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني: إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة، لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن، وهي تامة لقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) وهذا قد قرأ بها. قلت: ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة، وهو الصحيح على ما يأتي. ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات، وهذا هو سبب الخلاف والله أعلم. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرا غيرها أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: أقله ثلاث، آيات أو آية طويله كآية الدين. وعن محمد بن الحسن أيضا قال: أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة، نحو:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما. وقال الطبري: يقرأ المصلى بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها. قال ابن عبد البر: وهذا لا معنى له، لان التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها، ومحال أن يجئ بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجئ بها ويعود إليها، كسائر المفروضات المتعينات في العبادات. السادسة وأما المأموم فإن أدرك الامام راكعا فالإمام يحمل عنه القراءة، لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه قائما فإنه يقرأ، وهي المسألة: السابعة ولا ينبغي لاحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر، فإن فعل فقد أساء، ولا شي عليه عند مالك وأصحابه. وأما إذا جهر الامام وهي المسألة: الثامنة فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك، لقول الله تعالى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: 204]، وقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما لي أنازع القرآن)، وقوله في الامام: (إذا قرأ فأنصتوا)، وقوله: (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة).

وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل: لا تجزئ أحدا صلاة حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، إماما كان أو مأموما، جهر إمامه أو أسر. وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم: يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر، كمشهور مذهب مالك. وقال بمصر: فيما يجهر فيه الامام بالقراءة قولان: أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه إلا يقرأ ويكتفي بقراءة الامام. حكاه ابن المنذر. وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب والكوفيون: لا يقرأ المأموم شيئا، جهر إمامه أو أسر، لقوله عليه السلام: (فقراءة الامام له قراءة) وهذا عام، ولقول جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الامام. التاسعة: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)، وقوله: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القران فهي خداج) ثلاثا. وقال أبو هريرة: أمرني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أنادي أنه: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) أخرجه أبو داود. كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها، وبه قال عبد الله بن عون وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي، وروي مثله عن الأوزاعي، وبه قال مكحول. وروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبى أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وهو قول ابن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي، فهؤلاء الصحابة بهم القدوة، وفيهم الأسوة، كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة. وقد أخرج الامام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل
احتمال فقال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل، وحدثنا سويد بن سعيد

حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها). وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال للذي علمه الصلاة: (وأفعل ذلك في صلاتك كلها) وسيأتي. ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر؟ قال: أجل! صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: (هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة) فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: (فلا. وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن). وهذا نص صريح في المأموم. وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه، وقال: حديث حسن. والعمل على هذا الحديث في القراءة خلق الامام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، يرون القراءة خلف الامام. وأخرجه أيضا الدارقطني وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات، وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء «1»، وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس. وقال أبو محمد عبد الحق: ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم، ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا. وقال فيه أبو عمر: مجهول. وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال: سألت عمر عن القراءة خلف الامام، فأمرني أن أقرأ، قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. وروى عن جابر بن عبد الله
__________
(1). إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس.

قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الامام ضامن فما صنع فاصنعوا). قال أبو حاتم: هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الامام، وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسي أن يقرأ بها في نفسه حين قال له: إني أحيانا أكون وراء الامام، ثم استدل بقول تعالى: «1» (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل (. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) اقرءوا يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الحديث. العاشرة أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام: (وإذا قرأ فأنصتوا) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، وقال: وفى حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا) قال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها، منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة. قال الدارقطني: فإجماعهم يدل على وهمه. وقد روى عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي، ولكن ليس هو بالقوي، تركه القطان. وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديت أبي هريرة وقال: هذه الزيادة (إذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة. وذكر أبو محمد عبد الحق: أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال: هو عندي صحيح. قلت: ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها. وقد صححها الامام أحمد بن حنبل وابن المنذر. وأما قول تعالى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: 204] فإنه نزل بمكة، وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها، فإن المقصود كان المشركين، على ما قال سعيد بن المسيب. وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة. وقال: عبد الله بن عامر ضعيف. وأما قوله عليه السلام: (ما لي أنازع القرآن) فأخرجه مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي، واسمه فيما قال مالك: عمرو،
__________
(1). أي في الحديث القدسي.

وغيره يقول عامر، وقيل يزيد، وقيل عمارة، وقيل عباد، يكني أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة، لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد، وهو ثقة، وروى عنه محمد بن عمرو وغيره. والمعنى في حديثه: لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج، اقرءوا في أنفسكم. يبينه حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين. فلو فهم المنع جملة من قوله: (ما لي أنازع القرآن) لما أفتى بخلافه، وقول الزهري في حديث ابن أكيمة: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما جهر فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يريد بالحمد على ما بينا، وبالله توفيقنا. وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة) فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك، وأبو حنيفة «1» وهو ضعيف، كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر. أخرجه الدارقطني وقال: رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل ابن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصواب. وأما قول جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الامام، فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله. قال ابن عبد البر: ورواه يحيى ابن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ. وفية من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن، وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه ابن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وفية أيضا أن الامام قراءته لمن خلفه قراءة، وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره.
__________
(1). قد ترجمه ابن حجر في التهذيب وابن خلكان في الوفيات ولم يذكروا عنه ضعفا في الحديث ولكن ابن سعد في الطبقات قد وصفه بذلك.

الحادية عشرة قال ابن العربي: لما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال، أو على الاجزاء؟ اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر، ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم، كان الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت. ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة، فمن تأول قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (افعل ذلك في صلاتك كلها) لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود. والله أعلم. الثانية عشرة ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين، وأنها وغيرها من أي القرآن سواء. وقد عينها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله كما ذكرناه، وهو المبين عن الله تعالى مراده في قوله:" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ". وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. فدل هذا الحديث على أن قوله عليه السلام للأعرابي: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى:" فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ" [المزمل: 20] وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القران زاد في رواية فصاعدا". وقوله عليه السلام: (هي خداج ثلاثا غير تمام) أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة. والخداج: النقص والفساد. قال الأخفش: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق. والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر، على حسب حكمها. ومن أدعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل، ولا سبيل إليه من وجه يلزم، والله أعلم. الثالثة عشرة روى عن مالك أن القراءة لا تجب في شي من الصلاة، وكذلك كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها، ثم رجع عن هذا بمصر فقال: لا تجزئ صلاة من يحسن

فاتحة الكتاب إلا بها، ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها، فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها. وهذا هو الصحيح في المسألة وأما ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها، فذكر ذلك له فقال: كيف كان الركوع والسجود قالوا: حسن، قال: لا بأس إذا، فحديث منكر اللفظ منقطع الاسناد، لأنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر، وكلاهما منقطع لا حجة فيه، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه، لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة «1»، وقال ليس عليه العمل لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة، وهو الصحيح عنه. روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة. قال ابن عبد البر: وهذا حديث متصل شهده همام من عمر، روي ذلك من وجوه. وروى أشهب عن مالك قال: سئل مالك عن الذي نسي القراءة، أيعجبك ما قال عمر؟ فقال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله وأنكر الحديث وقال: يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به! أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا. الرابعة عشرة: أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة، على ما تقدم من أصولهم في ذلك. وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب، إلا أنهم يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال مالك: وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. وقال الأوزاعي: يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرا بغيرها أجزأه، وقال: وإن نسي أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد. وقال الثوري: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ويسبح في الأخريين إن شاء، وإن شاء قرأ، و
إن لم يقرأ ولم يسبح جازت
__________
(1). أي بتأخر وبعد عن الخير.

صلاته، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين. قال ابن المنذر: وقد روينا عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، وبه قال النخعي. قال سفيان: فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ركعة. قال: وكذلك إن نسي أن يقرأ في ركعة من صلاة الفجر. وقال أبو ثور: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة، كقول الشافعي المصري، وعليه جماعة أصحاب الشافعي وكذلك قال ابن خويز منداد المالكي، قال: قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة، وهذا هو الصحيح في المسألة. روى مسلم عن أبى قتادة قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، وكان يطول في الركعة الاولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح. وفي رواية: ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ذهب إليه مالك، ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة، خلافا لمن أبى ذلك، والحجة في السنة لا فيما خالفها. الخامسة عشرة ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسمعناكم، وما أخفى منا أخفينا منكم، فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل. وفي البخاري: وإن زدت فهو خير. وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة، منهم عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس وغيرهم، قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ معها من القرآن، فمنهم من حد آيتين، ومنهم من حد آية، ومنهم من لم يحد، وقال: شي من القرآن معها، وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب، لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما. وفي المدونة: وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال: حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول: لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ معها. واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال: سنة، فضيلة، واجبة.

السادسة عشرة: من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شي من القرآن ولا علق منه بشيء، لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الامام، فقد روى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله)، قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ قال: (قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني). السابعة عشرة: فإن عجز عن إصابة شي من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الامام جهده، فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله، وعليه أبدا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد، إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله. الثامنة عشرة: من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجمين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته، فإن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى. التاسعة عشرة: لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية، لان المقصود إصابة المعنى. قال ابن المنذر: لا يجزئه ذلك، لأنه خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلاف جماعات المسلمين. ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال. الموفية عشرين: من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة، فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة، ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة، لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به، فلا وجه
لإبطاله. قاله في كتاب ابن سحنون.

الباب الثالث في التأمين، وفيه ثمان مسائل
الاولى: ويسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون" وَلَا الضَّالِّينَ": آمين، ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن. الثانية: ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا أمن الامام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث، الاولى: تأمين الامام، الثانية: تأمين من خلفه، الثالثة: تأمين الملائكة، الرابعة: موافقة التأمين، قيل في الإجابة، وقيل في الزمن، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء، لقوله عليه السلام: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه). الثالثة روى أبو داود عن أبى مصبح المقرائي قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة، فيحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة. قال أبو زهير: ألا أخبركم عن ذلك، خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع منه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أوجب إن ختم) فقال له رجل من القوم: بأي شي يختم؟ قال: (بآمين فإنه ختم بآمين فقد أوجب) فانصرف الرجل الذي سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتى الرجل فقال له: اختم يا فلان وأبشر. قال ابن عبد البر: أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم). وقال وهب بن منبه: آمين أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول: اللهم اغفر من قال آمين. وفي الخبر (لقنني جبريل آمين عند

فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب) وفي حديث آخر: (آمين خاتم رب العالمين). قال الهروي قال أبو بكر: معناه أنه طابع الله على عباده، لأنه يدفع [به عنهم ] «1» الآفات والبلايا، فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه، ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه. وفي حديث آخر (آمين درجة في الجنة). قال أبو بكر: معناه أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة. الرابعة: معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا، وضع موضع الدعاء. وقال قوم: هو اسم من أسماء الله، روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف ورواه ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصح، قاله ابن العربي. وقيل معنى آمين: كذلك فليكن، قاله الجوهري. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما معنى آمين؟ قال: (رب افعل). وقال مقاتل: هو قوة للدعاء، واستنزال للبركة. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. الخامسة: وفي آمين لغتان: المد على وزن فأعيل كياسين. والقصر على وزن يمين. قال الشاعر في المد:
يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا
وقال آخر:
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أبلغها ألفين آمينا
وقال آخر في القصر:
تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وتشديد الميم خطأ، قال الجوهري. وقد روي عن الحسن وجعفر الصادق التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل، من أم إذا قصد، أي نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله:
__________
(1). الزيادة عن اللسان مادة (أمن).

" وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ" [المائدة: 2]. حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري. قال الجوهري: وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف، لاجتماع الساكنين. وتقول منه: أمن فلان تأمينا. السادسة اختلف العلماء هل يقولها الامام وهل يجهر بها، فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك. وقال الكوفيون وبعض المدنيين: لا يجهر بها. وهو قول الطبري، وبه قال ابن حبيب من علمائنا. وقال ابن بكير: هو مخير. وروى ابن القاسم عن مالك أن الامام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه، وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك. وحجتهم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: (إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقولوا آمين يجبكم الله) وذكر الحديث، أخرجه مسلم. ومثله حديث سمي عن أبي هريرة، وأخرجه مالك. والصحيح الأول لحديث وائل بن حجر قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قرأ" وَلَا الضَّالِّينَ" قال:" آمين" يرفع بها صوته، أخرجه أبو داود والدارقطني، وزاد" قال أبو بكر: هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة، هذا صحيح والذي بعده". وترجم البخاري" باب جهر الامام بالتأمين". وقال عطاء:" آمين" دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة «1». قال الترمذي: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها. وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وفى الموطأ والصحيحين قال ابن شهاب: وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول" آمين". وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال: ترك الناس آمين، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قال:" غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قال:" آمين" حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد. وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع الذي يقال فيه آمين، وهو إذا قال الامام:" وَلَا الضَّالِّينَ" ليكون قولهما معا، ولا يتقدموه بقول: آمين،
__________
(1). اللجة: الصوت.

لما ذكرناه، والله أعلم. ولقوله عليه السلام: (إذا أمن الامام فأمنوا). وقال ابن نافع في كتاب ابن الحارث: لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الامام يقول:" وَلَا الضَّالِّينَ". وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل. وقال ابن عبدوس: يتحرى قدر القراءة ويقول: آمين. السابعة قال أصحاب أبي حنيفة: الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه دعاء، وقد قال الله تعالى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً" [الأعراف: 5]. قالوا: والدليل عليه ما روي في تأويل قول تعالى:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: 89]. قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله داعيين. الجواب: أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء. وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره، وقد ندب الامام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها، فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه، وهذا بين. الثامنة كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام. ذكر الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول): حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهو تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون) قال أبو عبد الله: معناه أن موسى دعا على فرعون، وأمن هارون، فقال الله تبارك اسمه عند ما ذكر دعاء موسى في تنزيله:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: 89] ولم يذكر مقالة هارون، وقال موسى: ربنا، فكان من هارون التأمين، فسماه داعيا في تنزيله، إذ صير ذلك منه دعوة. وقد قيل: إن آمين خاص لهذه الامة، لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (ما حسدتكم اليهود على شي ما حسدتكم على السلام والتأمين) أخرجه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ....، الحديث. وأخرج أيضا من

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

حديث ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (ما حسدتكم اليهود على شي ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين). قال علماؤنا «1» رحمة الله عليهم: إنما حسدنا أهل الكتاب لان أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم، ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين.

الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والاعراب وفضل الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة
[سورة الفاتحة (1): آية 2]
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2)
الاولى قوله سبحانه وتعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي). وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). وقال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ). وفي (نوادر الأصول) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك (. قال أبو عبد الله: معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا، ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها، لان الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات، قال [الله تعالى:" وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ «2»] خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا" [مريم: 76]. وقيل في بعض الروايات: لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله، فهذا
__________
(1). هذا حمل منهم للحديث على الفاتحة مع آمين في آخرها. [.....]
(2). زيادة عن نوادر الأصول.

في التدبير «1». كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد، والدنيا من الله، وكلاهما من الله في الأصل، الدنيا منه والكلمة منه، أعطاه الدنيا فأغناه، وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ماجة عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثهم: (أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها (. قال أهل اللغة: أعضل الامر: اشتد واستغلق، والمعضلات (بتشديد الضاد): الشدائد. وعضلت المرأة والشاة: إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه، بتشديد الضاد أيضا، فعلى هذا يكون: أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء. والله أعلم. وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الطهور شطر الايمان والحمد لله تملا الميزان وسبحان الله والحمد لله تملان أو تملا ما بين السماء والأرض) وذكر الحديث. الثانية اختلف العلماء أيما أفضل، قول العبد: الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب العالمين أفضل، لان في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. وقالت طائفة: لا إله إلا الله أفضل، لأنها تدفع الكفر والاشراك، وعليها يقاتل الخلق، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). واختار هذا القول ابن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
__________
(1). في بعض نسخ الأصل: (في التذكير).

الثالثة أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه، وأن مما أنعم الله به الايمان، فدل على أن الايمان فعله وخلقه، والدليل على ذلك قوله:" رَبِّ الْعالَمِينَ". والعالمون جملة المخلوقات، ومن جملتها الايمان، لا كما قال القدرية: إنه خلق لهم، على ما يأتي بيانه. الرابعة الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر:
وأبلج محمود الثناء خصصته ... بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي
فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد. والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصال المحمودة. قال الشاعر:
إلى الماجد القرم الجواد المحمد

وبذلك سمي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الشاعر: «1»
فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجل: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته محمودا، تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته، أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حمده مثل همزة يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحمده النار بالتحريك: صوت التهابها. الخامسة ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، وليس بمرضى. وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب" الحقائق" له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه، لان قولك شكرا، إنما خصصت به الحمد، لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد، لأنه باللسان وبالجوارح
__________
(1). هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.

والقلب، والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل: الحمد أعم، لان فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر، لان الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمه كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام:" فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" «1» وقال إبراهيم عليه السلام:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ" «2». وقال في قصة داود وسليمان:" وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" «3». وقال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً" «4». وقال أهل الجنة:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ" «5»." وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" «6». فهي كلمة كل شاكر. قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان «7». وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا، يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قول تعالى:" مَقاماً مَحْمُوداً" «8». وقال عليه السلام: (أحمد إليكم غسل الإحليل) أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله" الْحَمْدُ لِلَّهِ": من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لان الحمد جاء وميم ودال، فالحاء من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير" الْحَمْدُ لِلَّهِ" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه، فهذه شرائط الحمد.
__________
(1). آية 28 سورة المؤمنون.
(2). آية 39 سورة إبراهيم.
(3). آية 15 سورة النمل.
(4). آية 111 سورة الاسراء.
(5). آية 34 سورة فاطر.
(6). آية 10 سورة يونس.
(7). عقب ذلك ابن عطية في تفسيره قوله: فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثنى بالصفات. وبه يتضح كلام المؤلف.
(8). آية 79 سورة الاسراء.

السادسة أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره، بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال:" فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى " «1». وقال عليه السلام: (احثوا في وجوه المداحين التراب) رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في" النساء" «2» إن شاء الله تعالى. فمعنى" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل. قال علماؤنا: فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده، حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل، فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أحصى ثناء عليك). وأنشدوا:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وقيل: حمد نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم، لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم به ثقل المنة. السابعة وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من" الْحَمْدُ لِلَّهِ". وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بنصب الدال، وهذا على إضمار فعل. ويقال:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن يفيد، فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمدا، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا، فهو خلاف معنى الخبر وفية معنى السؤال. وفي الحديث: (من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). وقيل: إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده، فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله. قال الطبري:" الْحَمْدُ لِلَّهِ"
__________
(1). آية 32 سورة النجم.
(2). راجع ج 5 ص 246

ثناء أثنى به على نفسه، وفى ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجئ قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، كما قال الشاعر:
وأعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج «1» لا يسير
فقال السائلون لمن حفرتم ... فقال القائلون لهم وزير
المعنى: المحفور له وزير، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه، وهذا كثير. وروي عن ابن أبي عبلة:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول، وليتجانس اللفظ، وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم، نحو: أجوءك، وهو منحدر من الجبل، بضم الدال والجيم. قال:
أضرب الساقين أمك هابل

بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة" مردفين" بضم الراء اتباعا للميم، وعلى ذلك" مقتلين" بضم القاف. وقالوا: لامك، فكسروا الهمزة اتباعا للأم، وأنشد للنعمان بن بشير:
ويل أمها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب «2»
الأصل: ويل لامها، فحذفت اللام الاولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للأم ثم أتبع اللام الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي:" الحمد لله" بكسر الدال على اتباع الأول الثاني. الثامنة قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (2) أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب: المالك. وفي الصحاح: والرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك، قال الحارث بن حلزة:
وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين «3» والبلاء بلاء
__________
(1). النواعج من الإبل: السراع. [.....]
(2). وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده. وهذا البيت نسبه سيبويه في كتابه مرة للنعمان (ج 2 ص 272) وأخرى لامرئ القيس (ج 1 ص 353). ونسبه البغدادي في خزانة الأدب في الشاهد 266 لامرئ القيس أيضا. وقد ورد في ديوانه:
لا كالذي في هواء الجو ...

وعلى هذا لا شاهد فيه.
(3). الحياران: موضع غزا أهله المنذر بن ماء السماء.

والرب: السيد، ومنه قوله تعالى:" اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ" «1». وفي الحديث: (أن تلد الامة ربتها) أي سيدتها، وقد بيناه في كتاب (التذكرة). والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شي وإتمامه: قد ربه يربه فهو رب له وراب، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: (هل لك من نعمة تربها عليه) أي تقوم بها وتصلحها. والرب: المعبود، ومنه قول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ويقال على التكثير «2»: رباه ورببه وربته، حكاه النحاس. وفي الصحاح: ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنى أي رباه. والمربوب: المربى. التاسعة قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم، لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن، كما في آخر" آل عمران" «3» وسورة" إبراهيم" «4» وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلاة بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال. واختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من التربية، فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم، ومنه قوله تعالى:" وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ" «5». فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها. فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات. العاشرة متى أدخلت الالف واللام على" رب" اختص الله تعالى به، لأنها للعهد، وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد، وزيد رب الدار، فالله سبحانه رب الأرباب، يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورزقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوك فمملك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما
__________
(1). آية 42 سورة يوسف.
(2). في النحاس: (على التكبير).
(3). راجع ج 4 ص 313.
(4). راجع ج 9 ص 368.
(5). آية 23 سورة النساء.

يملك شيئا دون شي، وصفه الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين. الحادية عشرة قوله تعالى (الْعالَمِينَ) اختلف أهل التأويل في" الْعالَمِينَ" اختلافا كثيرا، فقال قتادة: العالمون جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل، لقول تعالى:" أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ" «1» أي من الناس. وقال العجاج:
فخندف هامة هذا العالم «2»

وقال جرير بن الخطفى:
تنصفه البرية وهو سام ... ويضحي العالمون له عيالا
وقال ابن عباس: العالمون الجن والانس، دليله قوله تعالى:" لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً" «3» ولم يكن نذيرا للبهائم. وقال الفراء وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الانس والجن والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم، لان هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة. قال الأعشى:
ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا

وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس أيضا: كل ذي روح دب على وجه الأرض. وقال وهب بن منبه: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. وروى الربيع ابن أنس عن أبي العالية قال: الجن عالم، والانس عالم، وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم، خلقهم لعبادته.
__________
(1). سورة الشعراء آية 165.
(2). خندف اسم قبيلة من العرب، وذكر العلامة الشنقيطي أن العجاج كان ينشد: العالم، بالهمز والإسكان.
(3). سورة الفرقان آية 1

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

قلت: والقول الأول أصح هذه الأقوال، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، دليله قوله تعالى:" قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا «1»" ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة، لأنه يدل على موجده. كذا قال الزجاج قال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال الخليل: العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء، فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا، وهذا واضح. وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد: الحمد لله، فقال له: أتمها كما قال الله، قل: رب العالمين، فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر. الثانية عشرة يجوز الرفع والنصب في" رب" فالنصب على المدح، والرفع على القطع، أي هو رب العالمين.

[سورة الفاتحة (1): آية 3]
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3)
الثالثة عشرة قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) وصف نفسه تعالى بعد" رَبِّ الْعالَمِينَ"، بأنه" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لأنه لما كان في اتصافه ب" رَبِّ الْعالَمِينَ" ترهيب قرنه ب" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال:" نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ «2»". وقال:" غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ" «3». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد). وقد تقدم ما في هذين الاسمين من المعاني، فلا معنى لإعادته.

[سورة الفاتحة (1): آية 4]
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
الرابعة عشرة قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) قرأ محمد بن السميقع بنصب مالك، وفية أربع لغات: مالك وملك وملك مخففة من ملك ومليك. قال الشاعر: «4»
وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
__________
(1). آية 23 سورة الشعراء.
(2). آية 50 49 سورة الحجر.
(3). آية 3 سورة غافر.
(4). هو عمرو بن كلثوم. [.....]

وقال آخر: «1»
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
الخلائق: الطبائع التي جبل الإنسان عليها. وروي عن نافع إشباع الكسرة في" ملك" فيقرأ" ملكي" على لغة من يشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره. الخامسة عشرة اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر. ذكرهما الترمذي، فقيل:" ملك" أعم وأبلغ من" مالِكِ" إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولان أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قال أبو عبيدة والمبرد. وقيل:" مالِكِ" أبلغ، لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. وقال أبو علي: حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب" ملك" أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شي بقوله:" رَبِّ الْعالَمِينَ" فلا فائدة في قراءة من قرأ" مالِكِ" لأنها تكرار. قال أبو على: ولا حجة في هذا، لان في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله:" هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ" فالخالق يعم. وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة، وكما قال تعالى:" وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" بعد قوله:" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". والغيب يعم الآخرة وغيرها، ولكن ذكرها لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها، وكما قال:" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فذكر" الرَّحْمنِ" الذي هو عام وذكر" الرَّحِيمِ" بعده، لتخصيص المؤمنين به في قوله:" وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً". وقال أبو حاتم: إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من" ملك"، و" ملك" أبلغ في مدح المخلوقين من مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة
__________
(1). هو لبيد بن ربيعة العامري.

أوجه، الأول: أنك تضيفه إلى الخاص والعام، فتقول: مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك الملوك. الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير، وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا. والثالث: أنك تقول: مالك الملك، ولا تقول: ملك الملك. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك لان المراد من" مالِكِ" الدلالة على الملك بكسر الميم وهو لا يتضمن" الملك" بضم الميم و" ملك" يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة. ويتضمن أيضا الكمال، ولذلك استحق الملك على من دونه، ألا ترى إلى قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ «1» عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"، ولهذا قال عليه السلام: (الامامة في قريش) وقريش أفضل قبائل العرب، والعرب أفضل من العجم وأشرف. ويتضمن الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته، ويتضمن البطش والامر والنهي والوعد والوعيد، ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام:" ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً" «2» إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك. قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لان فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك. قلت: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفية من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا والله أعلم. السادسة عشرة لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله تعالى، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) وعنه أيضا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الاملاك زاد مسلم لا مالك إلا الله عز وجل) قال سفيان «3»:" مثل: شاهان شاه. وقال
__________
(1). سورة البقرة آية 247.
(2). سورة النمل آية 20، 21.
(3). سفيان هذا، أحد رواة سند هذا الحديث.

أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع، فقال: أوضع. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل [كان ] يسمى ملك الاملاك لا ملك إلا الله سبحانه). قال ابن الحصار: وكذلك" ملك يوم الدين" و" مالِكَ الْمُلْكِ" لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الاملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك وهي: السابعة عشرة فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما، قال الله العظيم:" إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً" «1». وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج) 2 (هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة). الثامنة عشرة إن قال قائل: كيف قال" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" ويوم الدين لم يوجد بعد، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده قيل له: اعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا، كقولك: هذا ضارب زيد غدا، أي سيضرب زيدا. وكذلك: هذا حاج بيت الله في العام المقبل، تأويله سيحج في العام المقبل، أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد، وإنما أريد به الاستقبال، فكذلك قوله عز وجل:" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" على تأويل الاستقبال، أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر. ووجه ثان: أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة، أي إنه قادر في يوم الدين، أو على يوم الدين وإحداثه، لان المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه، والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شي. والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها، قال أبو القاسم الزجاجي.
__________
(1). سورة البقرة آية 2 (247) ثبج البحر: وسطه ومعظمه.

ووجه ثالث: فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره؟ قيل له: لان في الدنيا كانوا منازعين في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له، كما قال تعالى:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" «1» فأجاب جميع الخلق:" لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" فلذلك قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره، سبحانه لا إله إلا هو. التاسعة عشرة إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. الموفية العشرين اليوم: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد يطلق اليوم على الساعة منه، قال الله تعالى:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" «2» وجمع يوم أيام، وأصله أيوام فأدغم، وربما عبروا عن الشدة باليوم، يقال: يوم أيوم، كما يقال: ليلة ليلاء. قال الراجز: «3»
نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي «4»

وهو مقلوب منه، أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا، كما قالوا: أدل في جمع دلو. الحادية والعشرون الدين: الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وقتادة وغيرهم، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدل عليه قوله تعالى:" يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ" «5» أي حسابهم. وقال:" الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" [غافر 17] و" الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" «6» وقال:" أَإِنَّا لَمَدِينُونَ" «7» أي مجزيون محاسبون. وقال لبيد:
__________
(1). سورة غافر آية 16.
(2). سورة المائدة آية 3.
(3). هو أبو الاخزر الحماني كما في اللسان مادة" يوم".
(4). قوله:" وهو" أي اليمي.
(5). سورة النور آية 25.
(6). سورة الجاثية آية 28.
(7). سورة الصافات آية 53.

حصادك يوما ما زرعت وإنما ... يدان الفتى يوما كما هو دائن

آخر:
إذا ما رمونا رميناهم ... ودنّاهم مثل ما يقرضونا
آخر:
واعلم يقينا «1» أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان
وحكى أهل اللغة: دنته بفعله دينا (بفتح الدال) ودينا (بكسرها) جزيته، ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي، وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه) أي حاسب. وقيل: القضاء. روي عن ابن عباس أيضا، ومنه قول طرفة:
لعمرك ما كانت حمولة «2» معبد ... على جدها «3» حربا لدينك من مضر
ومعاني هذه الثلاثة متقاربة. والدين أيضا: الطاعة، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي: الثانية والعشرون قال ثعلب: دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عز، ودان إذا ذل، ودان إذا قهر، فهو من الأضداد. ويطلق الدين على العادة والشأن، كما قال:
كدينك من أم الحويرث قبلها

وقال المثقب [يذكر ناقته ]:
تقول إذا درأت لها وضيني «4» ... أهذا دينه أبدا وديني
__________
(1). في اللسان مادة (دين):" قال خويلد بن نوفل الكلابي للحارث بن أبي شمر الغساني وكان قد اغتصبه ابنته: يا حار أيقن أن ملكك زائل ...." إلخ
(2). الحمولة: الإبل التي يحمل عليها. [.....]
(3). الجد (بالضم): البئر الجيدة الموضع من الكلا. والخطاب لعمرو بن هند وقد أغار على إبل معبد أخي طرفة.
(4). درأت وضين البعير: إذا بسطته على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

والدين: سيرة الملك. قال زهير:
لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك «1»
أراد في موضع طاعة عمرو. والدين: الداء، عن اللحياني. وأنشد:
يا دين قلبك من سلمى وقد دينا

[سورة الفاتحة (1): آية 5]
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
الثالثة والعشرون قوله تعالى:" إِيَّاكَ نَعْبُدُ" رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين، لان من أول السورة إلى هاهنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه، كقوله" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «2»". ثم قال:" إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً". وعكسه:" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «3»" [يونس: 22] على ما يأتي. و" نَعْبُدُ" معناه نطيع، والعبادة الطاعة والتذلل. وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين، قاله الهروي. ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى، إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك." وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أي نطلب العون والتأييد والتوفيق. قال السلمي في حقائقه: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا حفص الفرغاني يقول: من أقر ب" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فقد برئ من الجبر والقدر. الرابعة والعشرون إن قيل: لم قدم المفعول على الفعل؟ قيل له: قدم اهتماما، وشأن العرب تقديم الأهم. يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له الساب: إياك أعني: فقال له الآخر: وعنك أعرض، فقدما الأهم. وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز نعبدك ونستعينك، ولا نعبد إياك ونستعين إياك، فيقدم الفعل على كناية المفعول، وإنما يتبع لفظ القرآن. وقال العجاج:
إياك أدعو فتقبل ملقي ... واغفر خطاياي وكثر ورقي
__________
(1). جو (بالجيم) كما في الأصول والديوان. قال البكري في معجمه:" انه موضع في ديار بني أسد" واستشهد ببيت زهير هذا. وفي القاموس وشرحه في مادة الخو بالخاء المعجمة: (ويوم خو لبني أسد، قال زهير وذكر البيت قال أبو محمد الأسود ومن رواه بالجيم فقد أخطأه وكان هذا اليوم لهم على بني يربوع. وفدك: موضع بخيبر.
(2). راجع ج 19 ص 145.
(3). راجع ج 8 ص 324.

ويروى: وثمر. وأما قول الشاعر «1»:
إليك حتى بلغت إياكا

فشاذ لا يقاس عليه. والورق بكسر الراء من الدراهم، وبفتحها المال. وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك. الخامسة والعشرون الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من" إِيَّاكَ" في الموضعين. وقرا عمرو بن قائد:" إياك" بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها. وهذه قراءة مرغوب عنها، فإن المعنى يصير: شمسك نعبد أو ضوءك، وإياة الشمس (بكسر الهمزة): ضوءها، وقد تفتح. وقال «2»:
سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسفّ فلم تكدم عليه بإثمد
فإن أسقطت الهاء مددت. ويقال: الاياة للشمس كالهالة للقمر، وهي الدارة حولها. وقرا الفضل الرقاشي:" إِيَّاكَ" (بفتح الهمزة) وهي لغة مشهورة. وقرأ أبو السوار الغنوي:" هياك" في الموضعين، وهي لغة، قال:
فهياك والامر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره
السادسة والعشرون" وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (5) عطف جملة على جملة. وقرا يحيى بن وثاب والأعمش:" نَسْتَعِينُ" بكسر النون، وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، ليدل على أنه من استعان، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل. واصل" نَسْتَعِينُ" نستعون، قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء، والمصدر
__________
(1). هو حميد الأرقط. والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك.
(2). قائله طرفة بن العبد. والهاء في (سقته) و(لثاته) يعود على الثغر، وكذا المضمر الذي في (أسف). ومعنى سقته: حسنته وبيضته وأشربته حسنا. و(أسف): ذر عليه. و(فلم تكدم عليه): أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها. (عن شرح المعلقات).

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

استعانة، والأصل استعوان، قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الالف الثانية لأنها زائدة، وقيل الاولى لان الثانية للمعنى، ولزمت الهاء عوضا.

[سورة الفاتحة (1): آية 6]
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
السابعة والعشرون قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء: فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به [الداعي ] لان هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث: (ليس شي أكرم على الله من الدعاء). وقيل المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله تعالى:" إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «1»" [الأعراف: 156] أي ملنا، وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين، أي يتمايل. ومنه الهدية، لأنها تمال من ملك إلى ملك. ومنه الهدي للحيوان الذي يساق إلى الحرم، فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق. وقال الفضيل بن عياض:" الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى. قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ": هو دين الله الذي لا يقبل من العبادة غيره. وقال عاصم الأحول عن أبي العالية:" الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن: إن أبا العالية يقول:" الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحباه، قال: صدق ونصح. الثامنة والعشرون أصل الصراط في كلام العرب الطريق، قال عامر بن الطفيل:
شحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط
وقال جرير:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
وقال آخر:
فصد عن نهج الصراط الواضح
__________
(1). راجع ج 7 ص 296

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم، قال ابن عطية: وهذا ضعيف جدا. وقرى: السراط (بالسين) من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقرى بين الزاي والصاد. وقرى بزاء خالصة والسين الأصل. وحكى سلمة عن الفراء قال: الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذره وكلب وبني القين، قال: وهؤلاء يقولون [في أصدق ]: أزدق. وقد قالوا: الأزد والأسد ولسق به ولصق به. و" الصِّراطَ" نصب على المفعول الثاني، لان الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، قال الله تعالى:" فَاهْدُوهُمْ «1» إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ". [الصافات: 23]. وبغير حرف كما في هذه الآية." الْمُسْتَقِيمَ" صفة ل" الصِّراطَ"، وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ومنه قوله تعالى:" وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً «2» فَاتَّبِعُوهُ" [الانعام: 153] وأصله مستقوم، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.

[سورة الفاتحة (1): آية 7]
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)
قوله تعالى:
التاسعة والعشرون صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيد أبوك. ومعناه: «3» أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدي إلى الطريق ثم يقطع به. وقيل: هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله عز وجل والفهم عنه، قال جعفر بن محمد. ولغة القرآن" الَّذِينَ" في الرفع والنصب والجر، وهذيل تقول: اللذون في الرفع، ومن العرب من يقول: اللذو «4»، ومنهم من يقول الذي «5» وسيأتي. وفي" عَلَيْهِمْ" عشر لغات، قرئ بعامتها:" عَلَيْهِمْ" بضم الهاء وإسكان الميم." وعليهم" بكسر الهاء وإسكان الميم. و" عليهمي" بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة. و" عليهمو" بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و" عليهمو" بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم و" عليهم" بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء:
__________
(1). راجع ج 15 ص 73.
(2). راجع ج 7 ص 137
(3). أي قوله تعالى: اهْدِنَا وما بعده.
(4). قال أبو حيان في البحر: واستعماله بحذف النون جائز. كذا في اللسان.
(5). أي إفرادا أو جمعا في الرفع والنصب والجر، كما يؤخذ من لسان العرب.

" عليهمي" بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن «1» البصري عن العرب. و" عليهم" بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و" عليهم" بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و" عليهم" بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب، قاله ابن الأنباري. الموفية الثلاثين قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما" صراط من أنعمت عليهم". واختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى:" وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «2»" [النساء: 69]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان. الحادية والثلاثون وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة كانت أو معصية، لان الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الامر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا:" صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" [الفاتحة: الآية]. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون فيقولون:" رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا «3»" [آل عمران: 8] الآية. الثانية والثلاثون غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) اختلف في" الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" و" الضَّالِّينَ" من هم فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في جامعه. وشهد لهذا التفسير
__________
(1). في بعض نسخ الأصل: (الأخفش البصري) وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة. [.....]
(2). راجع ج 5 ص 271.
(3). راجع ج 4 ص 19.

أيضا قوله سبحانه في اليهود:" وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ" [البقرة: 61 وآل عمران: 112]. وقال:" «1» وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" [الفتح: 6] وقال في النصارى:" قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ «2»" [المائدة: 77]. وقيل:" الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" المشركون. و" الضَّالِّينَ" المنافقون. وقيل:" الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة، و" الضَّالِّينَ" عن بركة قراءتها. حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره، وليس بشيء. قال الماوردي: وهذا وجه مردود، لان ما تعارضت فيه الاخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. وقيل:" الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" باتباع البدع، و" الضَّالِّينَ" عن سنن الهدى. قلت: وهذا حسن، وتفسير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى وأعلى وأحسن. و" عَلَيْهِمْ" في موضع رفع، لان المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدة. ورجل غضوب أي شديد الخلق. والغضوب: الحية الخبيثة لشدتها. والغضبة: الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض، سميت بذلك لشدتها. ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته، أو نفس العقوبة، ومنه الحديث: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) فهو صفة فعل. الثالثة والثلاثون" وَلَا الضَّالِّينَ" الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، ومنه: ضل اللبن في الماء أي غاب. ومنه:" أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ" [السجدة: 10] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا، قال:
ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا
والضلضلة: حجر أملس يردده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة: صخرة في الجبل مخالفة لونه، قال:
أو غضبة في هضبة ما أمنعا

الرابعة والثلاثون قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب" غير المغضوب عليهم وغير الضالين" وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين، فالخفض على البدل من" الَّذِينَ"
__________
(1). راجع ج 16 ص 265
(2). راجع ج 6 ص 252

أو من الهاء والميم في" عَلَيْهِمْ"، أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام، فالكلام بمنزلة قولك: إني لأمر بمثلك فأكرمه، أو لان" غَيْرِ" تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما، كما تقول: الحي غير الميت، والساكن غير المتحرك، والقائم غير القاعد، قولان: الأول للفارسي، والثاني للزمخشري. والنصب في الراء على وجهين: على الحال من الذين، أو من الهاء والميم في عليهم، كأنك قلت: أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم. أو على الاستثناء، كأنك قلت: إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب باعني، وحكى عن الخليل. الخامسة والثلاثون" لا" في قوله" وَلَا الضَّالِّينَ" اختلف فيها، فقيل هي زائدة، قاله الطبري. ومنه قوله تعالى:" ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ «1»" [الأعراف: 12]. وقيل: هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين، حكاه مكي والمهدوي. وقال الكوفيون:" لا" بمعنى غير، وهي قراءة عمر وأبي، وقد تقدم. السادسة والثلاثون الأصل في" الضَّالِّينَ": الضاللين حذفت حركة اللام الاولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الالف واللام المدغمة. وقرا أيوب السختياني:" ولا الضالين" بهمزة غير ممدودة، كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة. حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ:" فيومئذ لا يسئل «2» عن ذنبه إنس ولا جأن" [الرحمن: 39] فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب: دأبة وشأبة. قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير:
إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت «3»

نجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد والمنة.
__________
(1). راجع ج 7 ص 170
(2). راجع ج 17 ص 174
(3). كذا ورد هذا الشطر في جميع نسخ الأصل وتفسير ابن عطية وأبي حيان والبيت كما في ديوانه واللسان مادة (جنن):
وأنت ابن ليلى خير قومك مشهدا ... إذا ما احمأرّت بالعبيط العوامل
وهو من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان. وعوالي الرماح: أسنتها واحدتها عالية. والعبيط: الدم الطري. واحمر الشيء واحمار بمعى.

تفسير سورة البقرة
(بحول الله وكرمه، لا رب سواه) وأول مبدوء به

الكلام في نزولها وفضلها وما جاء فيها،
وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك، فنقول: سورة البقرة مدنية، نزلت في مدد شتى. وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة، إلا قوله تعالى:" وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ «1» إِلَى اللَّهِ" [البقرة: 281] فإنه آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن. وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم. ويقال لها: فسطاط القرآن، قاله خالد بن معدان. وذلك لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها. وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ثماني سنين كما تقدم. قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر. وبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة، وقال له: (اذهب فأنت أميرهم) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه. وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)، قال معاوية: «2» بلغني أن البطلة: السحرة. وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). وروى الدارمي عن عبد الله قال: ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط. وقال: إن لكل شي سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شي لبابا وإن لباب القرآن المفصل. قال أبو محمد الدارمي. اللباب: الخالص. وفي صحيح البستي
__________
(1). راجع ج 3 ص 375.
(2). معاوية هذا، هو أحد رواة سند هذا الحديث.

عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن لكل شي سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام (. قال أبو حاتم البستي: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام) أراد: مردة الشياطين. وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال قال عبد الله: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح، أربعا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها، أولها:" لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ" [البقرة: 284]. وعن الشعبي عنه: لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شي يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق. وقال المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله: لم ينس القرآن. وقال إسحاق بن عيسى: لم ينس ما قد حفظ. قال أبو محمد الدارمي: منهم من يقول: المغيرة بن سميع. وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: وكان لبيد بن ربيعة [بن عامر «1»] بن مالك بن جعفر ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة. وقد قال كثير من أهل الاخبار: إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا قال ابن عبد البر: وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي، وهو أصح عندي. وقال غيره: بل البيت الذي قاله في الإسلام: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح وسيأتي ما ورد في آية الكرسي وخواتيم البقرة «2»، ويأتي في أول سورة آل عمران «3» زيادة بيان لفضل هذه السورة، إن شاء الله تعالى.
__________
(1). الزيادة عن كتاب الاستيعاب (ج 1 ص 235) طبع الهند.
(2). راجع ج 3 ص 268، 431.
(3). راجع ج 4 ص 2

الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (رب يسر وأعن)

[سورة البقرة (2): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)

[بيان الأقوال الواردة في الحروف المقطعة التي في أوائل السور]
اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر. فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب «1» أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل بها. قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري: حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم «2» قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون «3» به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون. قال أبو بكر: فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد. حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ:" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" [البقرة: 3].
__________
(1). في نسخة من الأصل: (ولا يجوز أن نتكلم فيها ... وتمر كما) إلخ. وفي نسخة: (وتقر كما جاءت).
(2). قال صاحب تهذيب التهذيب: (في التقريب الربيع بن خثيم، بضم المعجمة وفتح المثلثة. ولكن في الخلاصة بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة. [.....]
(3). في نسخة من الأصل: (تجزون به).

قلت: هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في (آل عمران) إن شاء الله تعالى «1». وقال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضا: أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال قطرب والفراء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا:" الم" و" المص" استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا:" لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «2»" [فصلت: 26] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس وغيره: الالف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: الالف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد. وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله:" الم" قال: أنا الله أعلم،" الر" أنا الله أرى،" المص" أنا الله أفصل. فالألف تؤدي عن معنى أنا، واللام تؤدي عن اسم الله، والميم تؤدي عن معنى أعلم. واختار هذا القول الزجاج وقال: اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله:
فقلت لها قفي فقالت قاف

أراد: قالت وقفت. وقال زهير:
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد: وإن شرا فشر. وأراد: إلا أن تشاء.
__________
(1). راجع ج 4 ص 2
(2). راجع ج 15 ص 356

وقال آخر:
نادوهم ألا ألجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلهم ألا فا
أراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا. وفي الحديث: (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) قال شقيق: هو أن يقول في أقتل: اق، كما قال عليه السلام (كفى بالسيف شا) معناه: شافيا. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه، عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال: لا يصح أن يكون قسما لان القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يمينا. والجواب أن يقال: موضع القسم قوله تعالى:" لا رَيْبَ فِيهِ" فلو أن إنسانا حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديدا، وتكون" لا" جواب القسم. فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح. فإن قيل: ما الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين: مصدق، ومكذب، فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم؟. قيل له: القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه، والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. وقال بعضهم:" الم" أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال قتادة في قوله:" الم" قال اسم من أسماء القرآن. وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس. وقيل غير هذا من الأقوال، فالله أعلم. والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها. واختلف: هل لها محل من الاعراب؟ فقيل: لا، لأنها ليست أسماء متمكنة، ولا أفعالا مضارعة، وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية. هذا مذهب الخليل وسيبويه.

ومن قال: إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر، أي هذه" الم"، كما تقول: هذه سورة البقرة. أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك، كما تقول: زيد ذلك الرجل. وقال ابن كيسان النحوي:" الم" في موضع نصب، كما تقول: اقرأ" الم" أو عليك" الم". وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: إنها أقسام أقسم الله بها. قوله تعالى: (ذلِكَ الْكِتابُ) قيل: المعنى هذا الكتاب. و" ذلِكَ" قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب، كما قال تعالى في الاخبار عن نفسه جل وعز:" ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ «1»"، ومنه قول خفاف بن ندبة:
أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا «2»
أي أنا هذا. ف" ذلِكَ" إشارة إلى القرآن، موضوع موضع هذا، تلخيصه: الم هذا الكتاب لا ريب فيه. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما، ومنه قوله تعالى:" وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها «3» إِبْراهِيمَ" ..." تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ «4»" أي هذه، لكنها لما أنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك. وفي البخاري" وقال معمر ذلِكَ الْكِتابُ هذا القرآن"." هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" بيان ودلالة، كقوله:" ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ" «5» هذا حكم الله. قلت: وقد جاء" هذا" بمعنى" ذلك"، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام: (يركبون ثبج «6» هذا البحر) أي ذلك البحر، والله أعلم. وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب. واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة، فقيل:" ذلِكَ الْكِتابُ" أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا رَيْبَ فِيهِ، أي لا مبدل له. وقيل: ذلِكَ الْكِتابُ، أي الذي كتبت على نفسي في الأزل (أن رحمتي سبقت غضبي). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي) في رواية: (سبقت). وقيل:
__________
(1). سورة السجدة آية 6.
(2). يأطر: يثنى.
(3). سورة الانعام آية 83.
(4). سورة البقرة آية 252.
(5). سورة الممتحنة آية 10
(6). ثبج البحر: وسطه ومعظمه.

إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لابتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان) الحديث. وقيل: الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. وقيل: إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة:" إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ «1» قَوْلًا ثَقِيلًا" لم يزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستشرفا لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل، فلما أنزل عليه بالمدينة:" الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ" [البقرة: 2 1] كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة. وقيل: إن" ذلِكَ" إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل. و" الم" اسم للقرآن، والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل، يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما. وقيل: إن" ذلِكَ الْكِتابُ" إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما، والمعنى: الم ذانك الكتابان أو مثل ذلك الكتابين، أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين، فعبر ب" ذلِكَ" عن الاثنين بشاهد من القرآن، قال الله تبارك وتعالى:" إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ" [البقرة: 68] أي عوان بين تينك: الفارض والبكر، وسيأتي «2». وقيل: إن" ذلِكَ" إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال الكسائي:" ذلِكَ" إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد. وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. قال المبرد: المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا. وقيل: إلى حروف المعجم في قول من قال:" الم" الحروف التي تحديتكم بالنظم منها. والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة، لاجتماعها. وتكتبت الخيل صارت كتائب. وكتبت البغلة: إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سير، قال:
لا تأمنن فزاريا حللت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
__________
(1). سورة المزمل آية 5.
(2). آية 68 راجع ص 448 من هذا الجزء.

والكتبة (بضم الكاف): الخرزة، والجمع كتب. والكتب: الخرز. قال ذو الرمة:
وفراء غرفية أثأى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتب «1»
والكتاب: هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا، كما قال الشاعر:
تؤمل رجعة مني وفيها ... كتاب مثل ما لصق الغراء
والكتاب: الفرض والحكم والقدر، قال الجعدي:
يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني ... عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا
قوله تعالى: (لا رَيْبَ) نفي عام، ولذلك نصب الريب به. وفي الريب ثلاثة معان: أحدها الشك، قال عبد الله بن الزبعري:
ليس في الحق يا أميمة ريب ... إنما الريب ما يقول الجهول
وثانيها التهمة، قال جميل:
بثينة قالت يا جميل أربتني ... فقلت كلانا يا بثين مريب
وثالثها: الحاجة، قال: «2»
قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب، والمعنى: أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله، وصفه من صفاته، غير مخلوق ولا محدث، وإن وقع ريب للكفار. وقيل: هو خبر ومعناه النهي، أي لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا. وتقول: رابني هذا الامر إذا أدخل عليك شكا وخوفا. وأراب: صار ذا ريبة، فهو مريب. ورابني أمره. وريب الدهر: صروفه.

[الكلام على هداية القرآن وفيه ست مسائل ]
قوله تعالى: (فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فيه ست مسائل:
__________
(1). قوله: (وفراء) أي واسعة. و(غرفية): مدبوغة بالغرف، وهو نبت تدبغ به الجلود. والثأي والثأي (بسكون الهمزة وفتحها): خرم خرز الأديم. والمشلشل: الذي يكاد يتصل قطره وسيلانه لتتابعه.
(2). هو كعب بن مالك الأنصاري، كما في اللسان مادة (ريب).

الاولى قوله تعالى:" فِيهِ" الهاء في" فِيهِ" في موضع خفض بفي، وفيه خمسة أوجه، أجودها: فيه هدى ويليه فيه هدى (بضم الهاء بغير واو) «1» وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر. ويليه فيهي هدى (بإثبات الياء) وهي قراءة ابن كثير. ويجوز فيهو هدى (بالواو). ويجوز فيه هدى (مدغما) وارتفع" هُدىً" على الابتداء والخبر" فِيهِ". والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى. الثانية الهدى هديان: هدى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى:" وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ «2»" [الرعد: 7]. وقال:" وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «3»" [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" إِنَّكَ لا تَهْدِي «4» مَنْ أَحْبَبْتَ" [القصص: 56] فالهدى على هذا يجئ بمعنى خلق الايمان في القلب، ومنه قوله تعالى:" أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ" [البقرة: 5] وقوله:" وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ" [فاطر: 8] والهدى: الاهتداء، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت. قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ «5». سَيَهْدِيهِمْ" [محمد: 5 4] ومنه قوله تعالى:" فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ «6»" [الصافات: 23] معناه فاسلكوهم إليها. الثالثة الهدى لفظ مؤنث قال الفراء: بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول: هذه هدى حسنة. وقال اللحياني: هو مذكر، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في" الفاتحة «7»"، تقول: هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار، أي عرفته. الاولى لغة أهل الحجاز، والثانية حكاها الأخفش. وفي التنزيل:" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «8»" و" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا «9»" [الأعراف: 43] وقيل: إن الهدى اسم من أسماء النهار، لان الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم، ومنه قول ابن مقبل:
__________
(1). أي بعد الهاء من (فيه). [.....]
(2). راجع ج 9 ص 285.
(3). راجع ج 16 ص 60.
(4). راجع ج 13 ص 299.
(5). راجع ج 16 ص 230.
(6). راجع ج 15 ص 73.
(7). راجع ص 146 من هذا الجزء.
(8). راجع ص 146 من هذا الجزء.
(9). راجع ج 7 ص 208

حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة ... يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا «1»
[الرابعة قوله تعالى:" لِلْمُتَّقِينَ" خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه. وروي عن أبى روق أنه قال:" هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" أي كرامة لهم، يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم. واصل" لِلْمُتَّقِينَ": للموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الاولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين. الخامسة: التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام، حكاه ابن فارس. قلت: ومنه الحديث: (التقي ملجم والمتقي فوق المؤمن والطائع) وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه، كما قال النابغة:
سقط النصيف «2» ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد

وقال آخر:
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال قال يوما لابن أخيه: يا بن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال: يا بن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قلت: بلى، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم. وقال أبو يزيد البسطامي: المتقي من إذا قال قال لله، ومن إذا عمل عمل لله. وقال أبو سليمان الداراني: المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات. وقيل: المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق. قال ابن عطية: وهذا فاسد، لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم،
__________
(1). هذا البيت ساقط في جميع الأصول، والزيادة من اللسان مادة (هدى) والبحر المحيط في هذا الموضوع.
(2). النصيف: ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها، سمى نصيفا لأنه نصف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
السادسة التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شي، فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا
وروى ابن ماجة في سننه عن أبى أمامة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله (. والأصل في التقوى: وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله وقي، وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاه، كما قالوا: تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث.

[سورة البقرة (2): آية 3]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
فيها ست وعشرون مسألة:
الاولى قوله: (الَّذِينَ) في موضع خفض نعت" لِلْمُتَّقِينَ"، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. (يُؤْمِنُونَ) يصدقون. والايمان في اللغة: التصديق، وفي التنزيل:" وَما أَنْتَ «1» بِمُؤْمِنٍ لَنا" أي بمصدق، ويتعدى بالباء واللام، كما قال:" وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ «2»" ..." فَما آمَنَ لِمُوسى «3»" وروى حجاج بن حجاج
__________
(1). سورة يوسف آية 17.
(2). سورة آل عمران آية 73.
(3). سورة يونس آية 83

الأحول ويلقب بزق العسل قال سمعت قتادة يقول: يا بن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة، ولكن المؤمن هو المتحامل «1»، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، وإن المؤمنين هم العجاجون «2» إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية. الثانية قوله تعالى: (بِالْغَيْبِ) الغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء، يقال منه: غابت الشمس تغيب، والغيبة معروفة. وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها، ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطه من الأرض، والغيابة: الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب، لأنه غاب عن البصر. الثالثة واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه. وضعفه ابن العربي. وقال آخرون: القضاء والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. قلت: وهذا هو الايمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأخبرني عن الايمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (. قال: صدقت. وذكر الحديث. وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ:" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" [البقرة: 3]. قلت: وفي التنزيل:" وَما كُنَّا غائِبِينَ «3»" وقال:" الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ «4»". فهو سبحانه غائب عن الأبصار، غير مرئي في هذه الدار، غير غائب بالنظر والاستدلال،
__________
(1). تحامل في الامر وبه: تكلفه على مشقة وإعياء. [.....]
(2). العج: رفع الصوت بالتلبية.
(3). سورة الأعراف آية 7.
(4). سورة الأنبياء آية 49.

فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض، والحمد لله. وقيل:" بِالْغَيْبِ" أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين، وهذا قول حسن. وقال الشاعر:
وبالغيب آمنا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبل محمد
الرابعة قوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) معطوف جملة على جملة. وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها، على ما يأتي بيانه. يقال: قام الشيء أي دام وثبت، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك: قام الحق أي ظهر وثبت، قال الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق

وقال آخر:
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان
وقيل:" يُقِيمُونَ" يديمون، وأقامه أي أدامه، وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. الخامسة إقامة الصلاة معروفة، وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على تاركها. وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر، وروى عن مالك، واختاره ابن العربي قال: لان في حديث الاعرابي (واقم) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء. قال: فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. قال ابن عبد البر قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وتحريمها التكبير) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شي فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا: من تركها عمدا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن، والله أعلم.

السادسة واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أولا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (. رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمشي وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك (. وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر «1» فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق: يسرع إذا خاف فوات الركعة، وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب، لان الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي. قلت: واستعمال سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل حال أولى، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خلاف ما أخبره، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه. ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرجه الدارمي في مسنده قال: حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة). فمنع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى:" فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" «2» وأنه ليس المراد به الاشتداد على الاقدام، وإنما عنى العمل والفعل، هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم.
__________
(1). البهر (بالضم): تتابع النفس من الإعياء.
(2). سورة الجمعة آية 9

السابعة واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: (وما فاتكم فأتموا) وقوله: (واقض ما سبقك) هل هما بمعنى واحد أو لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام، قال الله تعالى:" فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ" «1» وقال:" فَإِذا قَضَيْتُمْ «2» مَناسِكَكُمْ". وقيل: معناهما مختلف وهو الصحيح، ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو أخرها؟ فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك منهم ابن القاسم ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة، فيكون بانيا في الافعال قاضيا في الأقوال. قال ابن عبد البر: وهو المشهور من المذهب. وقال ابن خويز منداد: وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود ابن علي. وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون قاضيا في الافعال والأقوال، وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك. قال ابن عبد البر: من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام، لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في أخرها، فمن هاهنا قالوا: إن ما أدرك فهو أول صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله: (فأتموا) والتمام هو الآخر. واحتج الآخرون بقوله: (فاقضوا) والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من روى" فَأَتِمُّوا" أكثر، وليس يستقيم على قول من قال: إن ما أدرك أول صلاته ويطرد، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الامام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها، فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم، رضي الله عنهم. الثامنة الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) خرجه مسلم وغيره، فأما إذا شرع في نافلة
__________
(1). سورة الجمعة آية 10.
(2). سورة البقرة آية 200

فلا يقطعها، لقوله تعالى:" وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ" «1» وخاصة إذا صلى ركعة منها. وقيل: يقطعها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. التاسعة واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة، فقال مالك: يدخل مع الامام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شي من أفنية المسجد التي تصلي فيها الجمعة اللاصقة بالمسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الاولى فليدخل وليصل معه، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب، ولان يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الامام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع الامام وكذلك قال الأوزاعي، إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان: إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعي: من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الامام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد. وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك، وهو الصحيح في ذلك، لقوله عليه السلام. (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). وركعتا الفجر إما سنة، وإما فضيلة، وإما رغيبة، والحجة عند التنازع حجة السنة. ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والامام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة، ثم إنه صلى مع الامام. ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد. وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة «2» في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما. قالوا: (وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن
__________
(1). سورة محمد آية 33.
(2). الأسطوانة: العامود.

المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد (، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة «1» قال: أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال:) اتصلي الصبح أربعا) وهذا إنكار منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والامام يصلي، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت، لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك، والله أعلم. العاشرة الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، ومنه قوله عليه السلام: (إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل) أي فليدع. وقال بعض العلماء: إن المراد الصلاة المعروفة، فيصلي ركعتين وينصرف، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت أسماء: ثم مسحه وصلي عليه، أي دعا له. وقال تعالى:" وَصَلِّ عَلَيْهِمْ" «2» أي ادع لهم. وقال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال الأعشى أيضا:
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم
ارتسم الرجل: كبر ودعا، قاله في الصحاح. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوي السابق، فاشتقت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للايمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لان الراكع تثنى صلواه. والصلاة: مغرز الذنب من الفرس،
__________
(1). (بحينة): أمه، وهي بنت الحارث بن عبد المطلب. وأبوه مالك بن القشب بن فضلة الأزدي.
(2). سورة التوبة آية 103.

والاثنان صلوان. والمصلي: تالي السابق، لان رأسه عند صلاه. وقال علي رضي الله عنه: سبق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلي أبو بكر وثلث عمر. وقيل: هي مأخوذة من اللزوم، ومنه صلي بالنار إذا لزمها، ومنه" تَصْلى ناراً حامِيَةً «1»" [الغاشية: 4]. وقال الحارث بن عباد:
لم أكن من جناتها علم اللَّ ... هـ وإني بحرها اليوم صال
أي ملازم لحرها، وكان المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به. وقيل: هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء. والصلاء: صلاء النار بكسر الصاد ممدود، فإن فتحت الصاد قصرت، فقلت صلا النار، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع، قال الخارزنجي: «2»
فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلى عصاك كمستديم «3»
والصلاة: الدعاء والصلاة: الرحمة، ومنه: (اللهم صل على محمد) الحديث. والصلاة: العبادة، ومنه قوله تعالى:" وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ" «4» [الأنفال: 35] الآية، أي عبادتهم. والصلاة: النافلة، ومنه قوله تعالى:" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ" «5» [طه: 132]. والصلاة التسبيح، ومنه قوله تعالى:" فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" «6» [الصافات: 143] أي من المصلين. ومنه سبحة الضحى. وقد قيل في تأويل" نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ" «7» [البقرة: 30] نصلي. والصلاة: القراءة، ومنه قوله تعالى:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ" «8» [الاسراء: 110] فهي لفظ مشترك. والصلاة: بيت يصلي فيه، قاله ابن فارس. وقد قيل: إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة، فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع، ولم يخل شرع من صلاة، حكاه أبو نصر القشيري. قلت: فعلى هذا القول لا اشتقاق لها، وعلى قول الجمهور وهي: الحادية عشرة اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي، وكذلك الايمان والزكاة والصيام والحج، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام، أو
__________
(1). سورة الغاشية آية 4.
(2). كذا في جميع الأصول وفي اللسان والتاج مادة (صلا): (.. قيس بن زهير).
(3). كذا في جميع الأصول. وفي اللسان: (عصاه). [.....]
(4). سورة الأنفال آية 35.
(5). سورة طه آية 132.
(6). سورة الصافات آية 143.
(7). سورة البقرة آية 30.
(8). سورة الاسراء آية 110.

هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. هنا اختلافهم والأول أصح، لان الشريعة ثبتت بالعربية، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين، ولكن للعرب تحكم في الأسماء، كالدابة وضعت لكل ما يدب، ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء، والله أعلم. الثانية عشرة واختلف في المراد بالصلاة هنا، فقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل معا، وهو الصحيح، لان اللفظ عام والمتقي يأتي بهما. الثالثة عشرة الصلاة سبب للرزق، قال الله تعالى:" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ" [طه: 132] الآية، على ما يأتي بيانه في" طه" «1» إن شاء الله تعالى. وشفاء من وجع البطن وغيره، روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال: هجر «2» النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهجرت فصليت ثم جلست، فالتفت إلي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إشكمت درده) قلت: نعم يا رسول الله، قال: (قم فصل فإن في الصلاة شفاء). في رواية: (إشكمت درد) يعني تشتكي بطنك بالفارسية، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه «3» أمر فزع إلى الصلاة. الرابعة عشرة الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض، فمن شروطها: الطهارة، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء «4» والمائدة «5». وستر العورة، يأتي في الأعراف «6» القول فيها إن شاء الله تعالى. وأما فروضها: فاستقبال القبلة، والنية، وتكبيرة الإحرام والقيام لها، وقراءة أم القرآن والقيام لها، والركوع والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه، والسجود والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من السجود، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والسجود الثاني والطمأنينة فيه. والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة لما أخل بها، فقال له: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع
__________
(1). راجع ج 11 ص 263
(2). التهجير: التبكير إلى كل شي والمبادرة إليه.
(3). حزبه الامر: نابه واشتد عليه، وقيل: ضغطه.
(4). راجع ج 5 ص 204 فما بعد.
(5). راجع ج 6 ص 80 فما بعد.
(6). راجع ج 7 ص 182 فما بعد.

حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) خرجه مسلم. ومثله حديث رفاعة بن رافع، أخرجه الدارقطني وغيره. قال علماؤنا: فبين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أركان الصلاة، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات، وعن التسبيح في الركوع والسجود، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام. أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما «1». وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء، لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع. وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام. وقال بعض أصحابه: الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة، وهو قول الحميدي، ورواية عن الأوزاعي. واحتجوا بقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أخرجه البخاري. قالوا: فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل، لأنه المبلغ عن الله مراده. وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور. وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول: من أسقط من التكبيرة في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام، وإن لم يسجد بطلت صلاته، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو، فإن لم يفعل في شي عليه، وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها. وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض، وأن اليسير منه متجاوز عنه. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم: ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شي إذا كبر تكبيرة الإحرام، فإن تركه ساهيا سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شي عليه، ولا ينبغي لاحد أن يترك التكبير عامدا، لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد أساء ولا شي عليه وصلاته ماضية. قلت: هذا هو الصحيح، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم. وقد ترجم البخاري
__________
(1). راجع ص 117، 164 من هذا الجزء.

رحمه الله (باب إتمام التكبير في الركوع والسجود) وساق حديث مطرف بن عبد الله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحديث عكرمة قال: رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال: أو ليس تلك صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أم لك «1»! فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم. روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا علي يوم الجمل صلاة اذكرنا بها صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، قال أبو موسى: فإما نسيناها وإما تركناها عمدا. قلت: أتراهم أعادوا الصلاة! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته! ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه، وبالله التوفيق. الخامسة عشرة وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور، وأوجبه إسحاق بن راهويه، وأن من تركه أعاد الصلاة، لقوله عليه السلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم). السادسة عشرة وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وأصحابه: الجلوس الأول والتشهد له سنتان. وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا: هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا «2» من المزابنة «3»، والقراض «4» من الإجارات، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الامام راكعا. واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان
__________
(1). قوله: لا أم لك. في النهاية ابن الأثير: (هو ذم وسب. أي أنت لقيط لا تعرف لك أم. وقيل: قد يقع مدحا بمعنى التعجب منه وفية بعد).
(2). العرايا: نخل كانت توهب ثمارها للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. [.....]
(3). المزابنة: بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر كيلا، وبيع الزبيب بالكرم.
(4). القراض (بالكسر): إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه.

العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة. احتج من لم يوجبه بأن قال: لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به، كما لو ترك سجدة أو ركعة، ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما. وفي حديث عبد الله بن بحينة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو، لان الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم. واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك. وهي: السابعة عشرة على خمسة أقوال: أحدها: أن الجلوس فرض والتشهيد فرض والسلام فرض. وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة، وبه قال داود. قال الشافعي: من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه. وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد. واحتجوا بأن بيان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة فرض، لان أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صلوا كما رأيتموني أصلي). القول الثاني: أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب، وإنما ذلك كله سنة مسنونة، هذا قول بعض البصريين، وإليه ذهب إبراهيم بن علية، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الاولى، فخالف الجمهور وشذ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله. ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا رفع الامام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته) وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر، وقد بيناه في كتاب المقتبس «1». وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس.
__________
(1). في بعض الأصول: (المفتين).

القول الثالث: إن الجلوس مقدار التشهد فرض، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا. قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين. واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف، وفية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته). قال ابن العربي: وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس:
ويرى الخروج من الصلاة بضرطة ... أين الضراط من السلام عليكم
قال ابن العربي: وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين، أما أحدهما: فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا، فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه، وهذا مذهب أهل العراق بعينه. وأما الثاني: فوقع في الكتب المنبوذة أن الامام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقيل السلام أنه يجزئ من خلفه، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى، وإن عمرت به المجالس للذكرى. القول الرابع: إن الجلوس فرض والسلام فرض، وليس التشهد بواجب. وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية. واحتجوا بأن قالوا: ليس شي من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن. القول الخامس: أن التشهد والجلوس واجبان، وليس السلام بواجب، قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه، واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التشهد وقال له: (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك). قال الدارقطني: قوله (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك) أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وشبابة ثقة. وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك، جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الثامنة عشرة واختلف العلماء في السلام، فقيل: واجب، وقيل: ليس بواجب. والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه، وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. وحسبك به! وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي: التاسعة عشرة فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة، وهو الصواب وعليه الجمهور، وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة. الموفية عشرين واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة، فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء: لا يجزئ إلا التكبير، لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد. هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين، ولا يجزئ عند مالك إلا" الله أكبر" لا غير ذلك. وكذلك قال الشافعي وزاد: ويجزئ" الله الأكبر" و" الله الكبير" والحجة لمالك حديث عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ". وحديث علي: وتحريمها التكبير. وحديث الاعرابي: فكبر. وفي سنن ابن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا: حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي

يقول: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال:" الله أكبر" وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير، قال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شي ... محاولة وأعظمه جنودا
ثم إنه يتضمن القدم، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم، فكان أبلغ في المعنى، والله أعلم. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه، وإن قال: اللهم اغفر لي لم يجزه، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير. وكان الحكم ابن عتيبة يقول: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. قال ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره، كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها. وقال أبو حنيفة: يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية. قال ابن المنذر: لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين، وخلاف ما علم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال. والله أعلم. الحادية والعشرون واتفقت الامة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة، وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه. قال ابن العربي: والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها، أو قبل ذلك بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها، كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله. قال ابن العربي: وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان: سمعت إمام الحرمين يقول: يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل، وإنما يكون ذلك في أوحى «1» لحظة، لان
__________
(1). أوحى: أسرع.

تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل، وتذكارها يكون في لحظة، ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها، إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون: رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها، فقلت له ما هذا؟ فقال: عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها. قلت: فهذه جملة من أحكام الصلاة، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة، ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف، في" النساء" «1» والأوقات في" هود «2» وسبحان «3» والروم «4»" وصلاة الليل في" المزمل «5»" وسجود التلاوة في" الأعراف «6»" وسجود الشكر في" ص «7»" كل في موضعه إن شاء الله تعالى. الثانية والعشرون قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) رزقناهم: أعطيناهم، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، خلافا للمعتزلة في قولهم: إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك. قالوا: فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوى وصار لصا، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا. وهذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، لان لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. ولما اجتمعت الامة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولان الامة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون،
__________
(1). راجع ج 5 ص 351 فما بعد.
(2). راجع ج 9 ص 109 فما بعد.
(3). راجع ج 10 ص 303 فما بعد.
(4). راجع ج 14 ص 14 فما بعد.
(5). راجع ج 19 ص 51 فما بعد.
(6). راجع ج 7 ص 357 فما بعد.
(7). راجع ج 15 ص 183.

وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه. والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق:" هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ «1» مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ" [فاطر: 3] وقال:" إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ «2» ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" [الذاريات: 58] وقال:" وَما مِنْ دَابَّةٍ «3» فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها" [هود: 6] وهذا قاطع، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوزا، لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة «4»، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها، إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما، وجميع ذلك رزق. وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى:" كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ «5» وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ" [سبأ: 15] فقال: ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. الثالثة والعشرون قوله تعالى:" وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ" الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا، فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه أرزاق، والرزق: العطاء. والرازقية: ثياب كتان [بيض «6»]. وارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم. والرزقه: المرة الواحدة، هكذا قال أهل اللغة. وقال ابن السكيت: الرزق بلغة أزد شنوءة: الشكر، وهو قوله عز وجل:" وَتَجْعَلُونَ «7» رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" [الواقعة: 82] أي شكركم التكذيب. ويقول: رزقني أي شكرني. الرابعة والعشرون قوله تعالى:" يُنْفِقُونَ" ينفقون: يخرجون. والإنفاق: إخراج المال من اليد، ومنه نفق البيع: أي خرج من يد البائع إلى المشتري. ونفقت الدابة: خرجت روحها، ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى. ومنه المنافق، لأنه يخرج من الايمان أو يخرج الايمان من قلبه. ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها. ونفق الزاد: فنى وأنفقه صاحبه. وأنفق القوم: فني زادهم، ومنه قوله تعالى:" إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ «8»" [الاسراء: 100].
__________
(1). راجع ج 14 ص 321 فما بعد.
(2). راجع ج 17 ص 55.
(3). راجع ج 9 ص 6 فما بعد. [.....]
(4). راجع ص 140 فما بعدها من هذا الجزء.
(5). راجع ج 14 ص 284.
(6). الزيادة عن اللسان مادة (رزق).
(7). ج 17 ص 228 فما بعد.
(8). راجع ج 10 ص 335

الخامسة والعشرون واختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا، فقيل: الزكاة المفروضة روي عن ابن عباس لمقارنتها الصلاة. وقيل: نفقة الرجل على أهله روي عن ابن مسعود لان ذلك أفضل النفقة. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك (. وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله) قال أبو قلابة «1»: وبدأ بالعيال [ثم ] قال أبو قلابة: وأى رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. وقيل: المراد صدقة التطوع روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع. قال الضحاك: كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات «2» في" براءة". وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة، لان الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها. وقيل: هو عام وهو الصحيح، لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا، وذلك لا يكون إلا من الحلال، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه. وقيل: الايمان بالغيب حظ القلب. وإقام الصلاة حظ البدن. ومما رزقناهم ينفقون حظ المال، وهذا ظاهر. وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى:" وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" أي مما علمناهم يعلمون، حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري.
__________
(1). أبو قلابة: أحد رواة سند هذا الحديث.
(2). مثل قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) الآية. ج 8 ص 244 فقد قال ابن العربي إنها ناسخة لآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) الآية انظر صفحة 381 من الجزء الأول من تفسيره المطبوع بمصر سنة 1331 هـ. وكذلك روى الجصاص نسخها بها عن عمر بن عبد العزيز.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

[سورة البقرة (2): آية 4]
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
قيل: المراد مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وفية نزلت، ونزلت الاولى في مؤمني العرب. وقيل: الآيتان جميعا في المؤمنين، وعليه فإعراب" الَّذِينَ" خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين. ومن جعلها في صنفين فإعراب" الَّذِينَ" رفع بالابتداء، وخبره" أُولئِكَ عَلى هُدىً" ويحتمل الخفض عطفا. قوله تعالى: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) يعني القرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) يعني الكتب السالفة، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله:" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «1» قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا" [البقرة: 91] الآية. ويقال: لما نزلت هذه الآية:" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب، فلما قال:" وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ" [البقرة: 3] قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال" وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" قالوا: نحن ننفق ونتصدق، فلما قال:" وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" نفروا من ذلك. وفي حديث أبي ذر قال قلت: يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: (مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ (2) ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان (. الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي. وهنا مسألة: إن قال قائل: كيف يمكن الايمان بجميعها مع تنافي أحكامها؟ قيل له فيه جوابان: أحدهما أن الايمان بأن جميعها نزل من عند الله، وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع. الثاني أن الايمان بما لم ينسخ منها، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي وبالبعث والنشر هم عالمون. واليقين: العلم دون الشك، يقال منه: يقنت الامر (بالكسر) يقنا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى،
__________
(1). راجع ج 2 ص 2 (29) أخنوخ هو إدريس عليه السلام.

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك: موقن، للضمة قبلها، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع. وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شي عليه، قال الشاعر: «1»
تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره
يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير، وسيأتي. والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها، كما أن الدنيا مشتقة من الدنو، على ما يأتي.

[سورة البقرة (2): آية 5]
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
قال النحاس أهل نجد يقولون: ألاك، وبعضهم يقول: ألا لك، والكاف للخطاب. قال الكسائي: من قال أولئك فواحدة ذلك، ومن قال ألاك فواحدة ذاك، وألالك مثل أولئك، وأنشد ابن السكيت:
ألا لك قومي لم يكونوا أشابه «2» ... وهل يعظ الضليل إلا ألالكا
وربما قالوا: أولئك في غير العقلاء، قال الشاعر:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
وقال تعالى:" إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «3»" [الاسراء: 36] وقال علماؤنا: إن في قوله تعالى:" مِنْ رَبِّهِمْ" ردا على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال:" مِنْ أَنْفُسِهِمْ"، وقد تقدم الكلام فيه «4» وفي الهدى «5» فلا معنى لاعادة ذلك. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ..." رَبِّهِمْ" يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره" الْمُفْلِحُونَ"، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن تكون" رَبِّهِمْ" زائدة يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا و" الْمُفْلِحُونَ" خبر" أُولئِكَ".
__________
(1). هو أبو سدرة الأسدي، ويقال: الهجيمي.
(2). الاشابة من الناس: الأخلاط. والاشابة في الكسب: ما خالطه الحرام الذي لا خير فيه والسحت.
(3). راجع ج 10 ص 259.
(4). راجع المسألة الحادية والثلاثين ص 149.
(5). راجع المسألة الثانية ص 160 من هذا الجزء.

والفلح أصله في اللغة الشق والقطع، قال الشاعر:
إن الحديد بالحديد يفلح

أي يشق، ومنه فلاحه الأرضين إنما هو شقها للحرث، قال أبو عبيد. ولذلك سمي الأكار «1» فلاحا. ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح، وهو بين الفلحة، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. وقد يستعمل في الفوز والبقاء، وهو أصله أيضا في اللغة، ومنه قول الرجل لامرأته: استفلحي بأمرك، معناه فوزي بأمرك، وقال الشاعر:
لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء:
لكل هم من الهموم سعة ... والمسي والصبح لا فلاح معه
يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. وقال آخر:
نحل بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير
أي البقاء: وقال عبيد:
أفلح بما شئت فقد يدرك بالض ... عف وقد يخدع الأريب

أي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. فمعنى" وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ": أي الفائزون بالجنة والباقون فيها. وقال ابن أبي إسحاق: المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر مأمنه هربوا، والمعنى واحد. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث: حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. أخرجه أبو داود. فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا. والفلاح (بتشديد اللام): المكاري في قول القائل: «2»
لها رطل تكيل الزيت فيه ... وفلاح يسوق لها حمارا
ثم الفلاح في العرف: الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
__________
(1). الذي يحرث الأرض. [.....]
(2). هو عمرو بن أحمد الباهلي، كما في اللسان مادة (فلح).

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

مسألة: إن قال قائل كيف قرأ حمزة: عليهم واليهم ولديهم، ولم يقرأ من ربهم ولا فيهم ولا جنتيهم؟ فالجواب أن عليهم واليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها، وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم، ووافقه الكسائي في" عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ" و" إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ" على ما هو معروف من القراءة عنهما.

[سورة البقرة (2): آية 6]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)

بيان حال الكافرين ومآلهم ومعنى الكفر
لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضد الايمان وهو المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف: (ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء) قيل: بم يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن)، قيل أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط) أخرجه البخاري وغيره. واصل الكفر في كلام العرب: الستر والتغطية، ومنه قول الشاعر:
في ليلة كفر النجوم غمامها

أي سترها. ومنه سمي الليل كافرا، لأنه يغطي كل شي بسواده، قال الشاعر: «1»
فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر
ذكاء (بضم الذال والمد): اسم للشمس، ومنه قول الآخر:
فوردت قبل انبلاج الفجر ... وابن ذكاء كامن في كفر
أي في ليل. والكافر أيضا: البحر والنهر العظيم. والكافر: الزارع، والجمع كفار، قال الله تعالى:" كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ «2»" [الحديد: 20]. يعني الزراع لأنهم يغطون الحب. ورماد
__________
(1). هو ثعلبة بن صعير المازني، يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند غروب الشمس. والثقل (بالتحريك) هنا: بيض النعام المصون. والرشيد: المنضد بعضه فوق بعض أو إلى جنب بعض. وألقت يمينها في كافر: أي بدأت في المغيب. اللسان مادة (كفر).
(2). راجع ج 17 ص 255

مكفور: سفت الريح عليه التراب. والكافر من الأرض: ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور. ويقال الكفور: القرى. قوله تعالى: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ) معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه، أي سواء عليهم هذا. وجئ بالاستفهام من أجل التسوية، ومثله قوله تعالى:" سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ «1»" [الشعراء: 136]. وقال الشاعر: «2»
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
قوله تعالى: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) الإنذار الإبلاغ والاعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا، قال الشاعر:
أنذرت عمرا وهو في مهل ... قبل الصباح فقد عصى عمرو
وتناذر بنو فلان هذا الامر إذا خوفه بعضهم بعضا. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا. وقال ابن عباس والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر، وذلك داخل في ضمن الآية. قوله تعالى" لا يُؤْمِنُونَ" موضعه رفع خبر" إن" أي إن الذين كفروا لا يؤمنون. وقيل: خبر" إن"" سَواءٌ" وما بعده يقوم مقام الصلة، قاله ابن كيسان. وقال محمد بن يزيد:" سَواءٌ" رفع بالابتداء،" أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ" الخبر، والجملة خبر" إن". قال النحاس: أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا. واختلف القراء في قراءة" أَأَنْذَرْتَهُمْ" فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو
__________
(1). راجع ج 13 ص 125.
(2). هو أعشى قيس الملقب بالاعشى الأكبر.

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق:" أَأَنْذَرْتَهُمْ" بتحقيق الاولى وتسهيل الثانية، واختارها الخليل وسيبويه، وهي لغة قريش وسعد بن بكر، وعليها قول الشاعر «1»:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أنت أم أم سالم
هجاء" آنت" ألف واحدة. وقال آخر:
تطاللت فاستشرفته فعرفته ... فقلت له آنت زيد الأرانب
وروى عن ابن محيصن أنه قرأ:" أنذرتهم أم لم تنذرهم" بهمزة لا ألف بعدها، فحذف لالتقاء الهمزتين، أو لان أم تدل على الاستفهام، كما قال الشاعر:
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر
أراد: أتروح، فاكتفى بأم من الالف. وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ:" أأنذرتهم" فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم: ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا. وقرا حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين:" أأنذرتهم" وهو اختيار أبي عبيد، وذلك بعيد عند الخليل. وقال سيبويه: يشبه في الثقل ضننوا. قال الأخفش: ويجوز تخفيف الاولى من الهمزتين وذلك ردئ، لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه من القراءات، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن، لأنه مخالف للسواد «2». قال الأخفش سعيد: تبدل من الهمزة هاء تقول: هأنذرتهم، كما يقال هياك وإياك، وقال الأخفش في قوله تعالى:" ها أَنْتُمْ" [آل عمران: 66] إنما هو أاأنتم.

[سورة البقرة (2): آية 7]
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7)
فيها عشر مسائل: الاولى قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ) بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الايمان بقوله:" خَتَمَ اللَّهُ". والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم، شدد للمبالغة، ومعناه
__________
(1). هو ذو الرمة كما في كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري.
(2). السواد من الناس هم الجمهور الأعظم.

التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شي، ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار. فقال في الإنكار:" قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ «1»" [النحل: 22]. وقال في الحمية:" إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ «2» الْحَمِيَّةَ". [الفتح: 26] وقال في الانصراف:" ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ «3» اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ" [التوبة: 127]. وقال في القساوة:" فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ «4» قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ" [الزمر: 22]. وقال:" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ «5» مِنْ بَعْدِ ذلِكَ" [البقرة: 74]. وقال في الموت:" أَوَمَنْ كانَ «6» مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ" [الانعام: 122]. وقال:" إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى «7» يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ" [الانعام: 36]. وقال في الرين:" كَلَّا بَلْ رانَ «8» عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ". [المطففين: 14]. وقال في المرض:" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ". [محمد: 29] وقال في الضيق:" وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً «9» حَرَجاً". [الانعام: 125]. وقال في الطبع:" فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ «10» فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ" [المنافقون: 3]. وقال:" بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ «11»" [النساء: 155]. وقال في الختم:" خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ". [البقرة: 7]. وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. الثانية الختم يكون محسوسا كما بينا، ومعنى كما في هذه الآية. فالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته. وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته. وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته، هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. الثالثة في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والايمان، فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم، فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الايمان ولو جهدوا،
__________
(1). راجع ج 10 ص 95.
(2). راجع ج 16 ص 288.
(3). راجع ج 8 ص 300.
(4). راجع ج 15 ص 248.
(5). راجع ج 1 ص 462.
(6). راجع ج 7 ص 78.
(7). راجع ج 6 ص 418 [.....]
(8). راجع ج 19 ص 257
(9). راجع ج 7 ص 81.
(10). راجع ج 18 ص 124.
(11) راجع ج 6 ص 7

وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم" وَمَنْ يُضْلِلِ «1» اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ"! [الزمر: 23] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والاخبار بأنهم لا يؤمنون، لا الفعل. قلنا: هذا فاسد، لان حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم، ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما، لا التسمية والحكم. هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولان الامة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى:" بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ" [النساء: 155]. وأجمعت الامة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون، لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ويحكمون عليهم بذلك. فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الايمان به، دليله قوله تعالى:" كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ «2». لا يُؤْمِنُونَ بِهِ" [الحجر: 12]. وقال:" وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ «3»" [الانعام: 25]. أي لئلا يفقهوه، وما كان مثله. الرابعة قوله: (عَلى قُلُوبِهِمْ) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. والقلب للإنسان وغيره. وخالص كل شي وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل:
ما سمي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل
__________
(1). راجع ج 15 ص 250.
(2). راجع ج 10 ص 7 و271.
(3). راجع ج 10 ص 7 و271.

ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه، تفريقا بينه وبين أصله. روى ابن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة). ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك). فإذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به، قال الله تعالى:" وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ" [الأنفال: 24]. وسيأتي «1». الخامسة الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب وإن كان رئيسها وملكها بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر والباطن، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسود قلبه) وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: (أن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه). قال: وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله:" كَلَّا بَلْ رانَ عَلى «2» قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ" [المطففين: 14]. وقال مجاهد: القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع، ثم يطبع. قلت: وفي قول مجاهد هذا، وقوله عليه السلام: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) دليل على أن الختم يكون حقيقيا، والله أعلم. وقد قيل: إن القلب يشبه الصنوبرة، وهو يعضد قول مجاهد، والله أعلم. وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة). ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شي ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن
__________
(1). راجع ج 7 ص 390.
(2). راجع ج 19 ص 257.

في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولين كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعية «1» وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا (. ففي قوله:) الوكت) وهو الأثر اليسير. ويقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من الارطاب: قد وكت، فهو موكت. وقوله: (المجل)، وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء، وقد فسره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: (كجمر دحرجته) أي دورته على رجلك فنفط. (فتراه منتبرا) أي مرتفعا ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه، وكذلك الختم والطبع، والله أعلم. وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأى قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مرباد «2» كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ... (وذكر الحديث (مجخيا): يعني مائلا. السادسة القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى:" كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ «3»" [الفرقان: 32] وقال:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «4»" [الشرح: 1] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل، قال الله تعالى:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى «5» لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ" [ق: 37] أي عقل، لان القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد، والله أعلم. السابعة قوله تعالى: (وَعَلى سَمْعِهِمْ) استدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه، وقال تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ «6» وَأَبْصارَكُمْ" [الانعام: 46]. وقال:" وَجَعَلَ لَكُمُ «7» السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ" [السجدة: 9]. قال: والسمع يدرك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وقال أكثر المتكلمين
__________
(1). ساعية: هو رئيسهم الذي يصدرون عن رأيه ولا يمضون أمرا دونه (النهاية).
(2). ويروي: (مربد) أي اختلط سواده بكدرة.
(3). راجع ج 13 ص 28.
(4). راجع ج 20 ص 104.
(5). راجع ج 17 ص 23. [.....]
(6). راجع ج 6 ص 427.
(7). راجع ج 10 ص 151

بتفضيل البصر على السمع، لان السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست. الثامنة إن قال قائل: لم جمع الأبصار ووحد السمع؟ قيل له: إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال: سمعت الشيء أسمعه سمعا وسماعا، فالسمع مصدر سمعت، والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر. وقيل: إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة، كما قال الشاعر: «1»
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
إنما يريد جلودها فوحد، لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. وقال آخر «2» في مثله:
لا تنكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا
يريد في حلوقكم، ومثله قول الآخر:
كأنه وجه تركيّين قد غضبا ... مستهدف لطعان غير تذبيب
وإنما يريد وجهين، فقال وجه تركيين، لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد، ومثله كثير جدا. وقرى:" وعلى أسماعهم" ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم، لان السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقد يكون السمع بمعنى الاستماع، يقال: سمعك حديثي أي استماعك إلى حديثي يعجبني، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب:
وقد توجس ركزا مقفر ندس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب
__________
(1). هو علقمة بن عبدة. وصف طريقا بعيدا شاقا على من سلكه. فجيف الحسرى وهو المعيبة من الإبل مستقرة فيه. وقوله: فأما عظامها فبيض، أي أكلت السباع والطير ما عليها من اللحم فتعرت وبدا وضحيها. وقوله: وأما جلدها إلخ، أي محرم يائس لأنه ملقى بالفلاة لم يدبغ، ويقال: الصليب هنا الودك، أي قد سال ما فيه من رطوبة لاحماء الشمس عليه. (عن شرح الشواهد للشنتمري).
(2). هو المسيب بن زيد مناة الغنوي، كما في كتاب سيبويه.

أي ما في استماعه كذب، أي هو صادق الاستماع. والندس: الحاذق. والنبأة: الصوت الخفي، وكذلك الركز. والسمع (بكسر السين وإسكان الميم): ذكر الإنسان بالجميل، يقال: ذهب سمعه في الناس أي ذكره. والسمع أيضا: ولد الذئب من الضبع. والوقف هنا:" وَعَلى سَمْعِهِمْ". و" غِشاوَةٌ" رفع على الابتداء وما قبله خبر. والضمائر في" قُلُوبِهِمْ" وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش، وقيل من المنافقين، وقيل من اليهود، وقيل من الجميع، وهو أصوب، لأنه يعم. فالختم على القلوب والاسماع. والغشاوة على الأبصار. والغشاء: الغطاء. وهي: التاسعة ومنه غاشية السرج، وغشيت الشيء أغشية. قال النابغة:
هلا سألت بنى ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما «1»
وقال آخر «2»:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
قال ابن كيسان: فإن جمعت غشاوة قلت: غشاء بحذف الهاء. وحكى الفراء: غشاوى مثل أداوي. وقرى:" غِشاوَةٌ" بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب قوله:
علفتها تبنا وماء باردا

وقول الآخر «3»:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا
المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا رمحا، لان الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو. وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الاسماع والأبصار، والوقف على" قُلُوبِهِمْ". وقال آخرون: الختم في الجميع، والغشاوة هي الختم، فالوقف على هذا على" غِشاوَةٌ". وقرا الحسن" غشاوة" بضم الغين، وقرا أبو حيوة بفتحها، وروي عن
__________
(1). الأشمط: الذي خالطه الشيب. والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر ويأكل معهم من لحمه.
(2). هو الحارث بن خالد المخزومي، كما في اللسان مادة (غشا).
(3). هو عبد الله بن الزبعري، كما في الكامل للمبرد ص 189 طبع أوربا.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

أبي عمرو: غشوة، رده إلى أصل المصدر. قال ابن كيسان: ويجوز غشوة وغشوة وأجودها غشاوة، كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشيء، نحو عمامة وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك. العاشرة قوله تعالى: (وَلَهُمْ) أي للكافرين المكذبين (عَذابٌ عَظِيمٌ) نعته. والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد، إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان. وفي التنزيل:" وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ «1» مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [النور: 2] وهو مشتق من الحبس والمنع، يقال في اللغة: أعذبه عن كذا أي أحبسه وأمنعه، ومنه سمي عذوبة الماء، لأنها قد أعذبت. واستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه، ومنه قول علي رضي الله عنه: أعذبوا نساءكم عن الخروج، أي احبسوهن. وعنه رضي الله عنه وقد شيع سرية فقال: أعذبوا عن ذكر النساء [أنفسكم ] فإن ذلك يكسركم عن الغزو، وكل من منعته شيئا فقد أعذبته، وفي المثل:" لألجمنك لجاما معذبا" أي مانعا عن ركوب الناس. ويقال: أعذب أي امتنع. وأعذب غيره، فهو لازم ومتعد، فسمي العذاب عذابا لان صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها.

[سورة البقرة (2): آية 8]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
فيه سبع مسائل: الاولى روى ابن جريج عن مجاهد قال: نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، واثنتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. وروى أسباط عن السدي في قوله:" وَمِنَ النَّاسِ" قال: هم المنافقون. وقال علماء الصوفية: الناس اسم جنس، واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. الثانية واختلف النحاة في لفظ الناس، فقيل: هو اسم من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانه، على غير اللفظ، وتصغيره نويس. فالناس من النوس وهو الحركة، يقال: ناس ينوس أي تحرك، ومنه حديث أم زرع:" أناس من حلي أذني". وقيل: أصله من نسي، فأصل
__________
(1). راجع ج 12 ص 166

ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الالف واللام فقيل: الناس. قال ابن عباس: نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا. وقال عليه السلام: (نسي آدم فنسيت ذريته). وفي التنزيل:" وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ «1» مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ" [طه: 115] وسيأتي. وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر:
لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي
وقال آخر:
فإن نسيت عهودا منك سالفة ... فاغفر فأول ناس أول الناس
وقيل: سمي إنسانا لأنسه بحواء. وقيل: لأنسه بربه، فالهمزة أصلية، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
الثالثة لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم، إذ الكفر والايمان طرفان. ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم، لنفي الايمان عنهم بقوله الحق:" وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ". ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن الايمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى:" فَأَثابَهُمُ اللَّهُ «2» بِما قالُوا" [المائدة: 85]. ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم (. وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الايمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان). أخرجه ابن ماجة في سننه. فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد. الرابعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمن ضربان: مؤمن يحبه الله ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه، فكل من علم الله أنه يوافي بالايمان، فالله محب له، موال له، راضي عنه. وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط
__________
(1). راجع ج 11 ص 251.
(2). راجع ج 6 ص 260

عليه، معاد له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان: كافر يعاقب لا محالة، وكافر لا يعاقب. فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، فالله ساخط عليه معاد له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالايمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محب له موال، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي: الخامسة بأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة، ولأجل هذا قلنا: إن الله راضي عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومزيد لثوابه ودخوله الجنة، لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به. وخالفت القدرية في هذا وقالت: إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر. ويدل عليه إجماع الامة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار، بل هو ساخط عليه، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وإنما الأعمال بالخواتيم) ولهذا قال علماء الصوفية: ليس الايمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا، لكن الايمان جرى السعادة في سوابق الأزل، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا، وربما يكون حقيقة. قلت: هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها (. فإن قيل وهي:

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

السادسة فقد خرج الامام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد بن أبي قيس، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه) قال قلت: كيف يحيي الله الموتى؟ قال: (أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة) قلت: بلى. قال: (كذلك النشور) قال قلت: كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: (ليس أحد من هذه الامة قال ابن أبي قيس: أو قال من أمتي عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن (. قلت: وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ابن مسعود، فإن ذلك موقوف على الخاتمة، كما قال عليه السلام: (وإنما الأعمال بالخواتيم). وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال، والله أعلم. السابعة: قال علماء اللغة: إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر، تشبيها باليربوع، له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء. وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره إيمان، وباطنه كفر، وقد تقدم هذا المعنى.

[سورة البقرة (2): آية 9]
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9)
قال علماؤنا: معنى" يُخادِعُونَ اللَّهَ" أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم. وقيل: قال ذلك لعملهم عمل المخادع. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن الحسن وغيره. وجعل خداعهم لرسوله خداعا له، لأنه دعاهم برسالته، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله. ومخادعتهم: ما أظهروه من الايمان

خلاف ما أبطنوه من الكفر، ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا، قاله جماعة من المتأولين. وقال أهل اللغة: أصل المخدع في كلام العرب الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الاعرابي. وأنشد:
أبيض اللون لذيذ طعمه ... طيب الريق إذا الريق خدع «1»
قلت: ف" يُخادِعُونَ اللَّهَ" على هذا، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء. وكذا جاء مفسرا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما يأتي. وفي التنزيل:" يُراؤُنَ النَّاسَ
«2»". [النساء: 142] وقيل: أصله الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء، حكاه ابن فارس وغيره. وتقول العرب: انخدع الضب في جحره. قوله تعالى: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) نفي وإيجاب، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم. ومن كلامهم: من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وهذا صحيح، لان الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه. ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال: (لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر) قالوا: يا رسول الله، وكيف يخادع الله؟ قال: (تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره). وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى:" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" [البقرة: 15]. وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو:" يخادعون" في الموضعين، ليتجانس اللفظان. وقرا عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر:" يَخْدَعُونَ" الثاني. والمصدر خدع (بكسر الخاء) وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. وقرا مورق العجلي:" يخدعون الله" (بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال) على التكثير. وقرا أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم، فحذف حرف الجر، كما قال تعالى:" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ" [الأعراف: 155] أي من قومه.
__________
(1). قاله سويد بن أبي كاهل. يصف ثغر امرأة.
(2). راجع ج 5 ص 422

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

قوله تعالى: (وَما يَشْعُرُونَ) أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم:" ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً" [الحديد: 13] على ما يأتي «1». قال أهل اللغة: شعرت بالشيء أي فطنت له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني. ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمت.

[سورة البقرة (2): آية 10]
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10)
قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ابتداء وخبر. والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا. والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. قال ابن فارس اللغوي: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في امر. والقراء مجمعون على فتح الراء من" مَرَضٌ" إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء. قوله تعالى: (فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) قيل: هو دعاء عليهم. ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة، كما قال الشاعر:
يا مرسل الريح جنوبا وصبا ... إذ غضبت زيد فزدها غضبا
أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم، لأنهم شر خلق الله. وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم، أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في آية أخرى:" فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ «2»" [التوبة: 125]. وقال أرباب المعاني:" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها. وقوله:" فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً" أي وكلهم إلى أنفسهم، وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين." وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" بما يفنى عما يبقى. وقال الجنيد: علل القلوب من اتباع الهوى، كما أن علل الجوارح من مرض البدن.
__________
(1). راجع ج 17 ص 246.
(2). راجع ج 8 ص 299 [.....]

قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ..." أَلِيمٌ" في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا:
ونرفع من صدور شمردلات ... يصك وجوهها وهج أليم «1»
وآلم إذا أوجع. والإيلام: الايجاع. والألم: الوجع، وقد ألم يألم ألما. والتألم: التوجع. ويجمع أليم على الماء مثل كريم وكرماء، وآلام مثل أشراف. قوله تعالى: (بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)
ما مصدرية، أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله عز وجل وتكذيبهم بآياته، قاله أبو حاتم. وقرا عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف، ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين. مسألة: واختلف العلماء في إمساك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال: القول الأول قال بعض العلماء: إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه. وقد اتفق العلماء على بكرة «2» أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإنما اختلفوا في سائر الأحكام. قال ابن العربي: وهذا منتقض، فقد قتل بالمجذر بن زياد الحارث بن سويد بن الصامت، لان المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث «3»، فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله، فأخبر به جبريل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقتله به، لان قتله كان غيلة «4»، وقتل الغيلة حد من حدود الله. قلت: وهذه غفلة من هذا الامام، لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر، لان الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانقطاع الوحي، وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي، فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع. والله أعلم.
__________
(1). شمردلات: إبل طوال. ونرفع: نستحثها في السير. والوهج: الحر الشديد المؤلم.
(2). قوله: (على بكرة أبيهم) هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفير العدد.
(3). بعاث: موضع في نواحي المدينة، كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج.
(4). راجع هذه القصة في سيرة ابن هشام ص 356، 579 (طبع أوربا.

القول الثاني: قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لان الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الايمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي: وهذا وهم، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة «1» وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معرضا عنهم مع علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة «2» قال قولا لم يصح لاحد. القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هذا المعنى بقوله لعمر: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن عطية. وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المنافقين، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واحتج بقوله تعالى:" لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «3»" [الأحزاب: 60] إلى قوله:" وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا" [الأحزاب: 61]. قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المنافقين ليبين لامته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين. قال القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبد الله «4» ابن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس «5» بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر: السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد
__________
(1). الذي في كتاب الأحكام لابن العربي: (... أن استتابة الزنديق غير واجبة).
(2). كذا في الأصول وكاتب الأحكام لابن العربي. ولعل صواب العبارة: (إن استتابة الزنديق واجبة).
(3). راجع ج 14 ص 245.
(4). سيذكر الامام القرطبي قصته عند تفسير سورة (المنافقون).
(5). كان متهما بالنفاق، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا) الآية. وستأتي قصته عند تفسير هذه الآية في سورة (براءة) إن شاء الله تعالى. وقد أوردها ابن هشام في سيرته ص 355 طبع أوربا، وابن عبد البر في الاستيعاب ج 1 ص 97 طبع الهند.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

وأعلن بالايمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه. وإنما منع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم، لان ما يظهرونه يجب ما قبله. وقال الطبري: جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لاحد أن يحكم بخلاف ما ظهر، لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لاحد كان أولى الناس به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم في قوله:" وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ" [المنافقون: 1] قال ابن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص «1» عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا. قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له: لا. القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، وليس كذلك اليوم، لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا.

[سورة البقرة (2): آية 11]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
(إذا) في موضع نصب على الظرف والعامل فيها" قالُوا"، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر. قال الجوهري:" إِذا" اسم يدل على زمان مستقبل، ولم تستعمل إلا مضافة إلى
__________
(1). قوله: لكل مغموص. أي مطعون في دينه، منهم بالنفاق.

جملة، تقول: أجيئك إذا أحمر البسر، وإذا قدم فلان. والذي يدل على أنها اسم وقوعها موقع قولك: آتيك يوم يقدم فلان، فهي ظرف وفيها معنى المجازاة. وجزاء الشرط ثلاثة: الفعل والفاء وإذا، فالفعل قولك: إن تأتني آتك. والفاء: إن تأتني فأنا أحسن إليك. وإذا كقوله تعالى:" وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا «1» هُمْ يَقْنَطُونَ" [الروم: 36]. ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب «2»
فعطف" فنضارب" بالجزم على" كان" لأنه مجزوم، ولو لم يكن مجزوما لقال: فنضارب، بالنصب. وقد تزاد على" إذا"" ما" تأكيدا، فيجزم بها أيضا، ومنه قول الفرزدق:
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم ... وكان إذا ما يسلل السيف يضرب
قال سيبويه: والجيد ما قال كعب بن زهير:
وإذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطا مذعورا «3»
يعني أن الجيد ألا يجزم بإذا، كما لم يجزم في هذا البيت. وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة: خرجت فإذا زيد، ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة. وهذا مردود، لان المعنى خرجت فإذا حضور زيد، فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم:" اليوم خمر وغدا أمر" فمعناه وجود خمر ووقوع أمر. قوله: (قيل) من القول وأصله قول، نقلت كسرة الواو إلى القاف فانقلبت الواو ياء. ويجوز:" قيل لهم" بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين، لان الياء حرف مد ولين. قال الأخفش: ويجوز" قيل" بضم القاف والياء. وقال الكسائي: وبجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله، وهي لغة قيس وكذلك جئ وغيض وحيل وسيق وسيء
__________
(1). راجع ج 14 ص 34
(2). يقول: إذا قصرت أسيافنا في اللقاء عن الوصول إلى الاقران وصلناها بخطانا مقدمين عليهم حتى تنالهم.
(3). وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كله، فشبهها في انبعاثها مسرعة بناشط قد ذعر من صائد أو سبع. والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك أوحش له وأذعر.

وسيئت. وكذلك روى هشام عن ابن عباس «1»، ورويس «2» عن يعقوب. وأشم منها نافع سيئ وسيئت خاصة. وزاد ابن ذكوان: حيل وسيق، وكسر الباقون في الجميع. فأما هذيل وبنو دبير من أسد وبني فقعس فيقولون:" قول" بواو ساكنة. قوله: (لا تُفْسِدُوا)" لا" نهى. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد. والمعنى في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الايمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن. وقيل: كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي، فلما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما قال في آية أخرى:" وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها «3»" [الأعراف: 56]. قوله:" فِي الْأَرْضِ" الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة، ولكنهم لم يقولوا. والجمع أرضات، لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم: عرسات. ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الالف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت. وقد تجمع على أروض. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: أرض وآراض، كما قالوا: أهل وآهال. والأراضي أيضا على غير قياس، كأنهم جمعوا أرضا. وكل ما سفل فهو أرض. وأرض أريضة، أي زكية بينة الاراضة. وقد أرضت بالضم، أي زكت. قال أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة، أي معجبة للعين، ويقال: لا أرض لك، كما يقال: لا أم لك. والأرض: أسفل قوائم الدابة، قال حميد يصف فرسا:
ولم يقلب أرضها البيطار ... ولا لحبليه بها حبار
__________
(1). في نسخة: (ابن عامر). [.....]
(2). رويس (كزبير) محمد بن المتوكل القارئ، راوي يعقوب ابن إسحاق.
(3). راجع ج 7 ص 226

أي أثر والأرض: النفضة والرعدة. روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال: زلزلت الأرض بالبصرة، فقال ابن عباس: والله ما أدري! أزلزلت الأرض أم بي أرض؟ أي أم بي رعدة، وقال ذو الرمة يصف صائدا:
إذا توجس ركزا من سنابكها ... أو كان صاحب أرض أو به الموم «1»
والأرض: الزكام. وقد آرضه الله إيراضا، أي أزكمه فهو مأروض. وفسيل مستأرض، وودية مستأرضة (بكسر الراء) وهو أن يكون له عرق في الأرض، فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب. والاراض (بالكسر): بساط ضخم من صوف أو وبر. ورجل أريض، أي متواضع خليق للخير. قال الأصمعي يقال: هو آرضهم أن يفعل ذلك، أي أخلقهم. وشئ عريض أريض إتباع له، وبعضهم يفرده ويقول: جدي أريض أي سمين. قوله:" نَحْنُ" أصل" نَحْنُ" نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء، قاله هشام بن معاوية النحوي. وقال الزجاج:" نَحْنُ" لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو، فلما اضطروا إلى حركة" نَحْنُ" لالتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة. قال: لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل:" أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ" [البقرة: 16] وقال محمد بن يزيد:" نَحْنُ" مثل قبل وبعد، لأنها متعلقة بالأخبار عن اثنين وأكثر، ف" أنا" للواحد" نحن" للتثنية والجمع، وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله: نحن قمنا، قال الله تعالى:" نَحْنُ قَسَمْنا «2» بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ" [الزخرف: 32]. والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر، تقول المرأة: قمت وذهبت، وقمنا وذهبنا، وأنا فعلت ذاك، ونحن فعلنا. هذا كلام العرب فأعلم. قوله تعالى:" مُصْلِحُونَ" اسم فاعل من أصلح. والصلاح: ضد الفساد. وصلح الشيء (بضم اللام وفتحها) لغتان، قال ابن السكيت. والصلوح (بضم الصاد) مصدر صلح (بضم اللام)، قال الشاعر:
__________
(1). توجس: تسمع. الركز: الحس والصوت الخفي. سنابكها: حوافرها. الموم: البرسام وهو الخيل. وقيل: الموم الجدري الكثير المتراكب. ومعناه: أن الصياد يذهب نفسه إلى السماء ويفغر إليها أبدا لئلا يجد الوحش نفسه فينفر. وشبه بالمبرسم أو المزكوم لان البرسام مفغر والزكام مفغر. (عن اللسان).
(2). راجع ج 16 ص 83

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح
وصلاح من أسماء مكة. والصلح (بكسر الصاد): نهر. وإنما قالوا ذلك على ظنهم، لان إفسادهم عندهم إصلاح، أي أن ممالاتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. قال ابن عباس وغيره.

[سورة البقرة (2): آية 12]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)
قوله عز وجل: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) ردا عليهم وتكذيبا لقولهم. قال أرباب المعاني: من أظهر الدعوى كذب، ألا ترى أن الله عز وجل يقول:" أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ" وهذا صحيح. وكسرت" إن" لأنها مبتدأة، قال النحاس. وقال علي بن سليمان. يجوز فتحها «1»، كما أجاز سيبويه: حقا أنك منطلق، بمعنى ألا. و" هم" يجوز أن يكون مبتدأ و" المفسدون" خبره والمبتدأ وخبره خبر" إن". ويجوز أن تكون" هم" توكيدا للهاء والميم في" إنهم". ويجوز أن تكون فاصلة والكوفيون يقولون عمادا و" المفسدون" خبر" إن"، والتقدير ألا إنهم المفسدون، كما تقدم في قوله:" وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [لقمان: 5]. قوله تعالى: (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) قال ابن كيسان يقال: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم، قال: ففيه جوابان: أحدهما أنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والوجه الآخر: أن يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه." وَلكِنْ" حرف تأكيد واستدراك ولا بد فيه من نفي وإثبات، إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب، وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي. ولا يجوز الاقتصار بعده على اسم واحد إذا تقدم الإيجاب، ولكنك تذكر جملة
__________
(1). في العبارة غموض. ولعل المعنى المراد: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه أما أنك منطلق على معنى حقا أنك منطلق. وأما بمعنى ألا، فإذا فتحت إن بعدهما كانتا بمعنى حقا أنك ... وإذا كسرت كانتا أداتي استفتاح. راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 462 طبع بولاق.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

مضادة لما قبلها كما في هذه الآية، وقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت، لأنهم قد استغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن، وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو.

[سورة البقرة (2): آية 13]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13)
قوله تعالى:" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ" يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره." آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ" أي صدقوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرعه، كما صدق المهاجرون والمحققون «1» من أهل يثرب. وألف" آمِنُوا" ألف قطع، لأنك تقول: يؤمن، والكاف في موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، أي إيمانا كإيمان الناس. قوله تعالى: (قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) يعني أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن ابن عباس. وعنه أيضا: مؤمنو أهل الكتاب. وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفه لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود، أي وإذا قيل لهم يعني اليهود آمنوا كما آمن الناس: عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء. واصل السفه في كلام العرب: الخفة والرقة، يقال: ثوب سفيه إذا كان ردئ النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر: مالت به، قال ذو الرمة:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم «2»
__________
(1). المحققون هنا هم الذين يكون إيمانهم مقرونا بالإخلاص خالصا عن شوائب النفاق كما قال الألوسي وغيره.
(2). وصف نساء فيقول: إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت. والنواسم: الخفيفة الهبوب.

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

وتسفهت الشيء: استحقرته. والسفه: ضد الحلم. ويقال: إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى. ويجوز في همزتي السفهاء «1» أربعة أوجه، أجودها أن تحقق الاولى وتقلب الثانية واوا خالصة، وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو. وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الاولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة. وإن شئت خففت الاولى وحققت الثانية. وإن شئت حققتهما جميعا. قوله تعالى: (وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) مثل" وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ"، وقد تقدم. والعلم معرفة المعلوم على ما هو به، تقول: علمت الشيء أعلمه علما عرفته، وعالمت الرجل فعلمته أعلمه (بالضم في المستقبل). غلبته بالعلم.

[سورة البقرة (2): آية 14]
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)
قوله تعالى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين. أصل لقوا: لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وقرا محمد بن السميقع اليماني:" لاقوا الذين آمنوا". والأصل لاقيوا، تحركت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفا، اجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الالف لالتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم. وإن فيل: لم ضمت الواو في لاقوا في الإدراج وحذفت من لقوا؟ فالجواب: أن قبل الواو التي في لقوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها، وحركت في لاقوا لان قبلها فتحة. قوله تعالى: (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) إن قيل: لم وصلت" خلوا" ب" إلى" وعرفها أن توصل بالباء؟ قيل له:" خلوا" هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا، ومنه قول الفرزدق:
كيف تراني قالبا مجني ... [أضرب أمري ظهره لبطن ] «2»

قد قتل الله زيادا عني
__________
(1). أي مع كلمة ألا التي بعدها.
(2). الزيادة عن كتاب النقائض. وزياد، هو زياد بن أبيه. والمجن: الترس.

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

لما أنزله منزلة صرف. وقال قوم:" إلى" بمعنى مع، وفية ضعف. وقال قوم:" إلى" بمعنى الباء، وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وقيل: المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم، ف" إلى" على بابها. والشياطين جمع شيطان على التكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة «1». واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا، فقال ابن عباس والسدي: هم رؤساء الكفر. وقال الكلبي: هم شياطين الجن. وقال جمع من المفسرين: هم الكهان. ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الايمان والخير يعم جميع من ذكر. والله أعلم. قوله تعالى: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) أي مكذبون بما ندعى إليه. وقيل: ساخرون. والهزء: السخرية واللعب، يقال: هزئ به واستهزأ، قال الراجز: «2»
قد هزئت مني أم طيسله ... قالت أراه معدما لا مال له
وقيل: أصل الاستهزاء: الانتقام، كما قال الآخر:
قد استهزءوا منهم بألفي مدجج ... سراتهم وسط الصحاصح جثم «3»

[سورة البقرة (2): آية 15]
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم، فسمى العقوبة باسم الذنب. هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة. وقال
__________
(1). راجع ص 90.
(2). هو صخر الغي الهلالي. والبيت كما ذكره القالي في أماليه (ج 2 ص 284) طبع دار الكتب المصرية:
تهزأ مني أخت آل طيسله ... قالت أراه مبلطا لا شي له

(3). الصحاصح (جمع صحصح): الأرض ليس بها شي ولا شجر ولا قرار للماء. والجاثم: اللازم مكانه لا يبرح.

الله عز وجل:" وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" [الشورى: 40]. وقال:" فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ" [البقرة: 194]. والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء، لأنه حق وجب، ومثله:" وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ" [آل عمران: 54]. و" إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً" [الطارق: 16 15]. و" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ... اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك" يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
" [النساء: 142]." فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ" [التوبة: 79]. وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا). قيل: حتى بمعنى الواو أي وتملوا. وقيل المعنى وأنتم تملون. وقيل: المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل. وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر، حسب ما روى: (إن النار تجمد كما تجمد الإهالة «1» فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى:" وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا" هم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر على ما تقدم قالوا: إنا معكم على دينكم" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ" بأصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قول الله عز وجل:" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله تعالى:" فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ «2». عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ" [المطففين: 35 34] إلى أهل النار" هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ" [المطففين: 36]. وقال قوم: الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم، فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من عذاب الآخرة، فيظنون أنه راض عنهم، وهو تعالى
__________
(1). الإهالة: ما أذيب من الالية والشحم. وقيل: الدسم الجامد.
(2). راجع ج 19 ص 266 [.....]

قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع، ودل على هذا التأويل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج). ثم نزع بهذه الآية:" فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «1» فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" [الانعام: 45 44]. وقال بعض العلماء في قوله تعالى:" سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ «2» حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ": [الأعراف: 182] كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة. قوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ) أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال:" إِنَّما نُمْلِي «3» لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً" [آل عمران: 178] وأصله الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مد لهم في الشر، وأمد في الخير، قال الله تعالى:" وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «4»". [الاسراء: 6]. وقال:" وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ «5» وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ" [الطور: 22]. وحكى عن الأخفش: مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته. وعن الفراء واللحياني: مددت، فيما كانت زيادته من مثله، يقال: مد النهر [النهر «6»]، وفي التنزيل:" وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ «7» مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ" [لقمان: 27]. وأمددت، فيما كانت زيادته من غيره، كقولك: أمددت الجيش بمدد، ومنه:" يُمْدِدْكُمْ «8» رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ". [آل عمران: 125]. وأمد الجرح، لان المدة من غيره، أي صارت فيه مدة. قوله تعالى: (فِي طُغْيانِهِمْ) كفرهم وضلالهم. واصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى:" إِنَّا لَمَّا طَغَى «9» الْماءُ" [الحاقة: 11] أي ارتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخزان. وقوله في فرعون:" إِنَّهُ طَغى " «10» [طه: 24] أي أسرف في الدعوى حيث قال:" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى " [النازعات: 24]. والمعنى في الآية: يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم. قوله تعالى: (يَعْمَهُونَ) يعمون. وقال مجاهد: أي يترددون متحيرين في الكفر. وحكى أهل اللغة: عمه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار، ويقال رجل عامه
__________ (1). راجع ج 6 ص 426 وقد ذكر القرطبي هنالك الحديث برواية تختلف في بعض اللفظ، وفية: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا) الآية بدل نزع
(2). راجع ج 7 ص 329.
(3). راجع ج 4 ص 287.
(4). راجع ج 10 ص 217.
(5). راجع ج 17 ص 68.
(6). الزيادة عن اللسان مادة (مد).
(7). راجع ج 14 ص 76.
(8). راجع ج 4 ص 190.
(9). راجع ج 18 ص 263.
(10). راجع ج 19 ص 199

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

وعمه: حائر متردد، وجمعه عمه. وذهبت إبله العمهى إذا لم يدر أين ذهبت. والعمى في العين، والعمه في القلب وفي التنزيل:" فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «1»" [الحج: 46]

[سورة البقرة (2): آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16)
قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) قال سيبويه: ضمت الواو في" اشْتَرَوُا" فرقا بينها وبين الواو الأصلية، نحو:" وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ". [الجن: 16]. وقال ابن كيسان: الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها. وقال الزجاج: حركت بالضم كما فعل في" نحن". وقرا ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر «2» بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان «3» ما قبلها مفتوحا. وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر. واشتروا: من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبوا الكفر على الايمان، كما قال:" فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى " [فصلت: 17] فعبر عنه بالشراء، لان الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا، لان المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ومعناه استبدلوا واختاروا الكفر على الايمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا، لان الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت «4» الحلم بعدك بالجهل
__________
(1). راجع ج 12 ص 77.
(2). قال صاحب تهذيب التهذيب: (في التقريب بفتح التحتانية والميم وبينهما مهملة ساكنة. وفي المغني بفتح الميم وضمها).
(3). في بعض الأصول: (وإن ما قبلها مفتوحا) وفي البعض الآخر: (وإن كان قبلها مفتوحا).
(4). ويروي: (اشتريت) كما في ديوان أبي ذؤيب. ويقول: إن كنت تزعمين أنى كنت أجهل في هواى لكم وصبوني إليكم فقد شريت بذلك الجهل والصبا حلما وعقلا، ورجعت عما كنت عليه. (عن شرح الشواهد). [.....]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

وأصل الضلالة: الحيرة. ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة، قال عز وجل:" فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ" «1» [الشعراء: 20] أي الناسين. ويسمى الهلاك ضلالة، كما قال عز وجل:" وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ «2»" [السجدة: 10]. قوله تعالى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم، والمعنى: ربحت وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك وصمت في نهارك، أي فما ربحوا في تجارتهم. وقال الشاعر:
نهارك هائم وليلك نائم ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ابن كيسان: ويجوز تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل. قوله تعالى: (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) في اشترائهم الضلالة. وقيل: في سابق علم الله. والاهتداء ضد الضلال، وقد تقدم «3».

[سورة البقرة (2): آية 17]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)
قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي اسم، كما هي في قول الأعشى:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل «4»
وقول امرئ القيس:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي «5»
__________
(1). راجع ج 13 ص 95.
(2). راجع ج 14 ص 91.
(3). راجع ص 160 من هذا الجزء.
(4). المعنى: لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن جائف، أي نافذ إلى الجوف، يغيب فيه الزيت والفتل. (عن خزانة الأدب).
(5). يقول رجعنا بفرس كأنه ابن ماء (طير ماء) خفة وحسنا وطول عنق. وهو يجنب: أي يقاد فلا يركب.

أراد مثل الطعن، وبمثل ابن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه. والمتماثلان: المتشابهان، هكذا قال أهل اللغة. قوله" الَّذِي" يقع للواحد والجمع. قال ابن الشجري هبة الله بن علي: ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد، كما قال:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد «1»
وقيل في قول الله تعالى" وَالَّذِي «2» جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [الزمر: 33]: إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله:" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي" قيل: المعنى كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال:" ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ"، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما قوله تعالى:" وَخُضْتُمْ كَالَّذِي «3» خاضُوا" [التوبة: 69] فإن الذي هاهنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا. وقيل: إنما وحد" الَّذِي" و" اسْتَوْقَدَ" لان المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال" بِنُورِهِمْ". واستوقد بمعنى أوقد، مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر: «4»
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي يجبه. واختلف النحاة في جواب لما، وفي عود الضمير من" نورهم"، فقيل: جواب لما محذوف وهو طفئت، والضمير في" نورهم" على هذا للمنافقين، والاخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة، كما قال تعالى:" فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ «5»" [الحديد: 13]. وقيل: جوابه" ذهب"، والضمير في" نورهم" عائد على" الذي"، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين،
__________
(1). فلج (بفتح أوله وسكون ثانيه): موضع بين البصرة وضرية. وقيل هو واد بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. قائله الأشهب بن رميلة ير؟ ى قوما قتلوا في هذا الموضع (عن اللسان).
(2). راجع ج 15 ص 256.
(3). راجع ج 8 ص 201.
(4). هو كعب بن سعد الغنوي ير؟ ى أخاه أبا المغوار (عن اللسان).
(5). راجع ج 17 ص 246

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

وذلك أن ما يظهرونه من الايمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها وراي ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم كما أخبر التنزيل:" إِنَّ الْمُنافِقِينَ «1» فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" [النساء: 145] ويذهب نورهم، ولهذا يقولون:" انْظُرُونا نَقْتَبِسْ «2» مِنْ نُورِكُمْ" [الحديد: 13]. وقيل: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار، وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. قوله:" نارا" النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق. وهي من الواو، لأنك تقول في التصغير: نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ونيران، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. وضاءت وأضاءت لغتان، يقال: ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضئ، يكون لازما ومتعديا. وقرا محمد بن السميقع: ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف، قال الشاعر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «3»
(ما حَوْلَهُ)" ما" زائدة مؤكدة. وقيل: مفعولة بأضاءت. و" حوله" ظرف مكان، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. و(ذَهَبَ) وأذهب لغتان من الذهاب، وهو زوال الشيء. (وَتَرَكَهُمْ) أي أبقاهم. (فِي ظُلُماتٍ) جمع ظلمة. وقرا الأعمش:" ظلمات" بإسكان اللام على الأصل. ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرا أشهب العقيلي:" ظلمات" بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف. وقال الكسائي:" ظلمات" جمع الجمع، جمع ظلم. (لا يبصرون) فعل مستقبل في موضع الحال، كأنه قال: غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على" ظلمات".

[سورة البقرة (2): آية 18]
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)
__________ (1). راجع ج 5 ص 424.
(2). راجع ج 17 ص 245.
(3). الجزع (بفتح الجيم وكسرها): ضرب من الخرز. وقيل: هو الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد، فشبه به الأعين.

قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)" ... صُمٌّ" أي هم صم، فهو خبر ابتداء مضمر. وفي قراءة عبد الله ابن مسعود وحفصة: صما بكما عميا، فيجوز النصب على الذم، كما قال تعالى:" مَلْعُونِينَ «1» أَيْنَما ثُقِفُوا" [الأحزاب: 61]، وكما قال:" وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ «2» الْحَطَبِ" [المسد: 4]، وكما قال الشاعر: «3»
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
فنصب" عداة الله" على الذم. فالوقف على" يُبْصِرُونَ" على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صما ب" تَرَكَهُمْ"، كأنه قال: وتركهم صما بكما عميا، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على" يُبْصِرُونَ". والصمم في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة. وصممت القارورة إذا سددتها. فالاصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، قال:
فليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله. وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الامر إذا التبس، ومنه قوله تعالى:" فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ «4»" [القصص: 66]. وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا. ولقد أحسن الشاعر حيث قال:
أصم عما ساءه سميع

وقال آخر:
وعوراء الكلام صممت عنها ... ولو أني أشاء بها سميع
وقال الدارمي:
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الجدر
__________
(1). راجع ج 14 ص 247. [.....]
(2). راجع ج 20 ص 239.
(3). هو عروة بن الورد. وصف ما كان من فعل قوم امرأته حين احتالوا عليه وسقوه الخمر حتى أجابهم إلى مفاداتها وكانت سبية عنده (عن شرح الشواهد).
(4). راجع ج 13 ص 304

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك:
أدخل إذا ما دخلت أعمى ... وأخرج إذا ما خرجت أخرس
وقال قتادة:" صُمٌّ" عن استماع الحق،" بُكْمٌ" عن التكلم به،" عُمْيٌ" عن الأبصار له. قلت: وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاة آخر الزمان في حديث جبريل (وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها). والله أعلم. قوله تعالى: (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم. يقال: رجع بنفسه رجوعا، ورجعه غيره، وهذيل تقول: أرجعه غيره. وقوله تعالى:" يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ «1»" [سبأ: 31] أي يتلاومون فيما بينهم، حسب ما بينه التنزيل في سورة" سبأ «2»".

[سورة البقرة (2): آية 19]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)
قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) قال الطبري:" أَوْ" بمعنى الواو، وقاله الفراء. وأنشد:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها «3»
وقال آخر: «4»
نال الخلافة «5» أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
أي وكانت. وقيل:" أَوْ" للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، والمعنى أو كأصحاب صيب. والصيب: المطر. واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل، قال علقمة:
فلا تعدلي بيني وبين مغمر ... سقتك روايا المزن حيث تصوب «6»
__________
(1). راجع ج 14 ص 302.
(2). راجع ج 14 ص 302.
(3). البيت من قصيدة لتوبة الخفاجي قالها في ليلى الأخيلية.
(4). هو جرير بن عطية يمدح عمر بن عبد العزيز.
(5). في ديوانه المخطوط: (إذ) بدل (أو).
(6). المغمر والغمر: الجاهل الذي لم يجرب الأمور، كأن الجهل غمره واستولى عليه. وروايا المزن: التي. تروى بكثرة مائها.

وأصله: صيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين. وقال بعض الكوفيين: أصله صويب على مثال فعيل. قال النحاس:" لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه، كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيب صيايب. والتقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل «1» صيب". قوله تعالى:" مِنَ السَّماءِ" السماء تذكر وتؤنث، وتجمع على أسمية وسموات وسمي، على فعول، قال العجاج:
تلفه الرياح والسمي «2»

والسماء: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت:
ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفيها الروامس والسماء
وقال آخر: «3»
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. يريدون الكلا والطين. ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه، قال: «4»
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فريا وأما أرضه فمحول
والسماء: ما علا. والأرض: ما سفل، على ما تقدم. قوله تعالى:" فِيهِ ظُلُماتٌ" ابتداء وخبر" وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ" معطوف عليه. وقال: ظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، وهو الغيم، ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت. وقد مضى ما فيه من اللغات «5» فلا معنى للإعادة، وكذا كل ما تقدم إن شاء الله تعالى.
__________
(1). في الأصل: (... نارا أو كصيب). والتصويب عن كتاب إعراب القرآن للنحاس.
(2). السمي: يريد الأمطار.
(3). هو معاوية بن مالك.
(4). القائل هو طفيل الغنوي، كما في اللسان مادة (سما)
(5). راجع ص 213 من هذا الجزء. [.....]

واختلف العلماء في الرعد، ففي الترمذي عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرعد ما هو؟ قال: (ملك من الملائكة [موكل «1» بالسحاب ] معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله). فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: (زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله) قالوا: صدقت. الحديث بطوله. وعلى هذا التفسير أكثر العلماء. فالرعد: اسم الصوت المسموع، وقاله علي رضي الله عنه، وهو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته:
فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
وروي عن ابن عباس أنه قال: الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت. واختلفوا في البرق، فروي عن علي وابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم: البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب. قلت: وهو الظاهر من حديث الترمذي. وعن ابن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجر به السحاب. وعنه أيضا البرق ملك يتراءى. وقالت الفلاسفة: الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب. والبرق ما ينقدح من اصطكاكها. وهذا مردود لا يصح به نقل، والله أعلم. ويقال: أصل الرعد من الحركة، ومنه الرعديد للجبان. وارتعد: اضطرب، ومنه الحديث: (فجئ بهما ترعد فرائصهما) الحديث. أخرجه أبو داود. والبرق أصله من البريق والضوء، ومنه البراق: دابة ركبها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة أسرى به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله. ورعدت السماء من الرعد، وبرقت من البرق. ورعدت المرأة وبرقت: تحسنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق: تهدد وأوعد، قال ابن أحمر:
يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... وطلابنا فأبرق بأرضك وأرعد
__________
(1). زيادة عن الترمذي.

وأرعد القوم وأبرقوا: أصابهم رعد وبرق. وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: أرعدت السماء وأبرقت، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد، وأنكره الأصمعي. واحتج عليه بقول الكميت:
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر
فقال: ليس الكميت بحجة.

فائدة:
روى ابن عباس قال: كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار، قال: فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد، وفرق الناس. قال فقال لي كعب: إنه من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق. قال: فقلتها أنا وكعب، فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس. قال: وما ذاك؟ قال: فحدثته حديث كعب. قال: سبحان الله! أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم! في رواية فإذا «1» بردة قد أصابت أنف عمر فأثرت به. وستأتي هذه الرواية في سورة" الرعد" «2» إن شاء الله. ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين. وعن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك).
قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام، وذلك عندهم كفر والكفر موت. وفي واحد الأصابع خمس لغات: إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء، وإصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما جميعا، وضمهما جميعا، وبكسرهما جميعا، وهي مؤنثة. وكذلك الاذن وتخفف وتثقل وتصغر، فيقال: أذينة. ولو سميت بها رجلا ثم صغرته قلت: أذين، فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر. فأما قولهم: أذينة في الاسم العلم فإنما سمي به مصغرا، والجمع آذان. وتقول: أذنته إذا ضربت أذنه. ورجل أذن: إذا كان يسمع كلام كل أحد، يستوي فيه الواحد
__________
(1). البرد (بالتحريك): حب الغمام.
(2). راجع ج 9 ص 295

والجمع. وأذاني: عظيم الأذنين. ونعجة أذناء، وكبش آذن. وأذنت النعل وغيرها تأذينا: إذا جعلت لها أذنا. وأذنت الصبي: عركت أذنه. قوله تعالى: (مِنَ الصَّواعِقِ) أي من أجل الصواعق. والصواعق جمع صاعقة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق. وكذا قال الخليل، قال: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد: الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد. وحكى الخليل عن قوم: الساعقة (بالسين). وقال أبو بكر النقاش: يقال صاعقة وصعقة وصاعقة بمعنى واحد. وقرا الحسن: من" الصواقع" (بتقديم القاف)، ومنه قول أبي النجم:
يحكون بالمصقولة القواطع ... تشقق البرق عن الصواقع
قال النحاس: وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة. ويقال: صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب، قال الله عز وجل:" فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ «1» الْعَذابِ الْهُونِ" [فصلت: 17] ويقال: صعق الرجل صعقة وتصعاقا، أي غشي عليه، وفي قوله تعالى:" وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً «2»" [الأعراف: 143] فأصعقه غيره. قال ابن مقبل:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ... أحاد ومثنى أصعقتها صواهله «3»
وقوله تعالى:" فَصَعِقَ «4» مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ" [الزمر: 68] أي مات. وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به. وقيل: مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الاشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق،
__________
(1). راجع ج 15 ص 349.
(2). راجع ج 7 ص 279
(3). النعرة (مثال الهمزة): ذباب ضخم أزرق العين أخضر، له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافر خاصة. واللبان: الصدر، وقيل: وسطه، وقيل: ما بين الثديين، ويكون للإنسان وغيره. وأصعقتها صواهله: أي قتلها صهيله.
(4). راجع ج 15 ص 279.

مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. قول: (حَذَرَ الْمَوْتِ) حذر وحذار بمعنى، وقرى بهما. قال سيبويه: هو منصوب، لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر، وأنشد سيبويه:
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما «1»

وقال الفراء: هو منصوب على التمييز والموت: ضد الحياة. وقد مات يموت، ويمات أيضا، قال الراجز:
بنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا يؤمن أن تماتي
فهو ميت وميت، وقوم موتى وأموات وميتون وميتون. والموات (بالضم): الموت. والموات (بالفتح): ما لا روح فيه. والموات أيضا: الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد. والموتان (بالتحريك): خلاف الحيوان، يقال: اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب. والموتان (بالضم): موت يقع في الماشية، يقال: وقع في المال موتان. وأماته الله وموته، شدد للمبالغة. وقال:
فعروة مات موتا مستريحا ... فها أنا ذا أموت كل يوم
وأماتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مميت ومميتة. قال أبو عبيد: وكذلك المرأة، وجمعها مماويت. قال ابن السكيت: أمات فلان إذا مات له ابن أو بنون. والمتماوت من صفة الناسك المرائي وموت مائت، كقولك: ليل لائل، يؤخذ من لفظه ما يؤكد به. والمستميت للأمر: المسترسل له، قال رؤبة:
__________
(1). البيت لحاتم الطائي. يقول: إذا جهل علي الكريم احتملت جهله إبقاء عليه وادخارا له، وإن سبني اللئيم أعرضت عن شتمه.

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

وزبد البحر له كتيت ... والليل فوق الماء مستميت «1»
المستميت أيضا: المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت، وفي الحديث: (أرى القوم مستميتين) وهم الذين يقاتلون على الموت. والموتة (بالضم): جنس من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. ومؤتة (بضم الميم وهمز الواو): اسم أرض «2» قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام. قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) ابتداء وخبر، أي لا يفوتونه. يقال: أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة، قال الشاعر:
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم
ومنه قول تعالى:" وَأُحِيطَ «3» بِثَمَرِهِ" [الكهف: 42]. وأصله محيط، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره، كما قال:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ «4»" [الزمر: 67]. وقيل:" مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ" أي عالم بهم. دليله:" وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً «5»" [الطلاق: 12]. وقيل: مهلكهم وجامعهم. دليله قوله تعالى:" إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ «6»" [يوسف: 66] أي إلا أن تهلكوا جميعا. وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية. والله أعلم.

[سورة البقرة (2): آية 20]
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
__________
(1). كذا في الأصول واللسان مادة (موت) .. الذي في ديوانه المخطوط بدار الكتب المصرية برقم 516 أدب.
وزبد البحر له كتيت ... تراه والحوت له نئيت
كلاهما مغتمس مغتوت ... وكلكل الماء له مبيت
والليل فوق الماء مستميت ... يدفع عنه جوفه المسحوت
الكتيت: الهدير. والنئيت والزحير والطحير والانيت كله الزحير (إخراج الصوت أو النفس عند عمل بانين أو شدة). المغتوت: المغموم. والمسحوت: الذي لا يشبع.
(2). وقيل إنها قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. وقيل: إنها بمشارف الشام وعلى اثنى عشر ميلا من أذرح. راجع تاج العروس مادة (مات).
(3). راجع ج 10 ص 409.
(4). راجع ج 15 ص 277.
(5). راجع ج 18 ص 176.
(6). راجع ج 9 ص 225 [.....]

قوله تعالى: (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ) ..." يَكادُ" معناه يقارب، يقال: كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل. ويجوز في غير القرآن: يكاد أن يفعل، كما قال رؤبة:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا «1»

مشتق من المصح وهو الدرس. والأجود أن تكون بغير" أن"، لأنها لمقاربة الحال، و" أن" تصرف الكلام إلى الاستقبال، وهذا متناف، قال الله عز وجل:" يَكادُ سَنا بَرْقِهِ «2» يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ" [النور: 43]. ومن كلام العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميرا، لقربهما من تلك الحال. وكاد فعل متصرف على فعل يفعل. وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل، قال:" وما كدت «3» آئبا". ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها بغير" أن"، قال الله عز وجل:" وَطَفِقا «4» يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ" [الأعراف: 22] لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة، والحال لا يكون معها" أن"، فأعلم. قوله تعالى:" يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" الخطف: الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته. فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم. ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما. وقد خطفه (بالكسر) يخطفه خطفا، وهي اللغة الجيدة، واللغة الأخرى حكاها الأخفش: خطف يخطف. الجوهري: وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف. وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى" يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وقال النحاس: في" يَخْطَفُ" سبعة أوجه، القراءة الفصيحة: يَخْطَفُ. وقرا علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: يخطف بكسر الطاء، قال سعيد الأخفش: هي لغة. وقرا الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء. وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء. قال الفراء: وقرا بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء. قال الكسائي والأخفش والفراء: يجوز" يخطف" بكسر الياء والخاء والطاء. فهذه ستة أوجه موافقة للخط.
__________
(1). يمصح: يذهب ويدرس.
(2). راجع ج 12 ص 290.
(3). قائله تأبط شرا. والبيت بتمامه:
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر

(4). راجع ج 7 ص 180

والسابعة حكاها عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبي بن كعب" يتخطف"، وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ" يخطف" بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف، ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. قال سيبويه: ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها. وقال الكسائي: ومن كسر الياء فلان الالف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين. قال النحاس وغيره. قلت: وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء" يخطف". قال ابن مجاهد: وأظنه غلطا، واستدل على ذلك بأن" خَطِفَ الْخَطْفَةَ «1»" لم يقرأه أحد بالفتح." أَبْصارَهُمْ" جمع بصر، وهي حاسة الرؤية. والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم. ومن جعل" البرق" مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. قوله تعالى: (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) ..." كُلَّما" منصوب لأنه ظرف. وإذا كان" كُلَّما" بمعنى" إذا" فهي موصولة والعامل فيه" مَشَوْا" وهو جوابه، ولا يعمل فيه" أَضاءَ"، لأنه في صلة ما. والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير عنده: كلما أضاء لهم البرق الطريق. وقيل: يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى، كسكت وأسكت، فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال الفراء: يقال ضاء وأضاء، وقد تقدم. والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه" قامُوا" أي ثبتوا على نفاقهم، عن ابن عباس. وقيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم، عن ابن مسعود وقتادة. قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ «2»" [الحج: 11]. وقال علماء الصوفية: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا، فارتقى من
__________
(1). راجع ج 15 ص 67.
(2). ج 12 ص 17.

تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها. وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود، لما نصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا، وهذا ضعيف. والآية في المنافقين، وهذا أصح عن ابن عباس، والمعنى يتناول الجميع. قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) ..." لَوْ" حرف تمن وفية معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لاطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان. وقرى" بأسماعهم" على الجمع، وقد تقدم الكلام في هذا «1». قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عموم، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه. وأجمعت الامة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر. والقدير أبلغ في الوصف من القادر، قاله الزجاجي. وقال الهروي: والقدير والقادر بمعنى واحد، يقال: قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا، أي قدرة. والاقتدار على الشيء: القدرة عليه. فالله عز وجل قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم. فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره. ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه غير مستبد بقدرته. وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها، لأنه تقدم ذكر فعل مضمنة الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك. والله أعلم. فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضا.
__________
(1). راجع المسألة الثامنة ص 190 من هذا الجزء.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

[سورة البقرة (2): آية 21]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
قوله سبحانه وتعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) قال علقمة ومجاهد: كل آية أولها" يا أَيُّهَا النَّاسُ" فإنما نزلت بمكة، وكل آية أولها" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فإنما نزلت بالمدينة. قلت: وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يا أَيُّهَا النَّاسُ. وأما قولهما في" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" [النساء: 19] فصحيح. وقال عروة بن الزبير: ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح. و" يا" في قوله:" يا أَيُّهَا" حرف نداء" أي" منادى مفرد مبني على الضم، لأنه منادي في اللفظ، و" ها" للتنبيه." الناس" مرفوع صفة لاي عند جماعة النحويين، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في: يا هذا الرجل. وقيل: ضمت" أي" كما ضم المقصود المفرد، وجاءوا ب" ها" عوضا عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ب" ها" حتى يبقى الكلام متصلا. قال سيبويه: كأنك كررت" يا" مرتين وصار الاسم بينهما، كما قالوا: ها هو ذا. وقيل لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادي مجرد عن حرف تعريف، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء، والتزموا رفعه، لأنه المقصود بالنداء، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي، فاعلمه. واختلف من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ" [البقرة: 23]. الثاني أنه عام في جميع الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها. وهذا حسن. قوله تعالى:" اعْبُدُوا" أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه. واصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبده إذا كانت موطوءة بالاقدام.

قال طرفة:
وظيفا وظيفا فوق مور معبد «1»

والعبادة: الطاعة. والتعبد: التنسك. وعبدت فلانا: اتخذته عبدا. قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكُمْ) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم. وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم. وفي أصل الخلق وجهان: أحدهما: التقدير، يقال: خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع، قال الشاعر: «2»
ولانت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
وقال الحجاج: ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت إلا وفيت. الثاني: الإنشاء والاختراع والإبداع، قال الله تعالى:" وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً" «3» [العنكبوت: 17]. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم، فالجواب: أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا. والله أعلم. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)" لعل" متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لان من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي. وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله:" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
...، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ...، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
...، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" فيه ثلاث تأويلات.
__________
(1). صدر البيت:
تبارى عناقا ناجيات أتبعت

تبارى: تعارض، يقال: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله. والعتاق: الكرام من الإبل البيض. والناجيات: السراع. والوظيف: عظم الساق. وقوله: أتبعت وظيفا وظيفا، أي اتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت. والمسور: الطريق (عن شرح المعلقات).
(2). هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته. وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماضي العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. (عن اللسان).
(3). راجع ج 13 ص 335

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

الأول: أن" لعل" على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل:" اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى . فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى " «1» [طه: 44 43] قال معناه: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى. واختار هذا القول أبو المعالي. الثاني أن العرب استعملت" لعل" مجردة من الشك بمعنى لام كي. فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر:
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق

فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق
المعنى: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت" لعل" هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قطرب والطبري. الثالث أن تكون" لعل" بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرضين لان تعقلوا، أو لان تذكروا أو لان تتقوا. والمعنى في قوله" لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو. وقال عنترة:
ولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتّقتني الخيل بابني حذيم

[سورة البقرة (2): آية 22]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
__________
(1). راجع ج 11 ص 199.

قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) فيه ست مسائل: الاولى قوله تعالى:" الَّذِي جَعَلَ" معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين: ويأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى:" (ما) جَعَلَ اللَّهُ مِنْ «1» بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ" [المائدة: 103] وقوله:" وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ" [الانعام: 1] ويأتي بمعنى سمى، ومنه قوله تعالى:" حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ «2» قُرْآناً عَرَبِيًّا" [الزخرف: 3 1]. وقوله:" وَجَعَلُوا «3» لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً" [الزخرف: 15]." وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً «4»" [الزخرف: 19] أي سموهم. ويأتي بمعنى أخذ، كما قال الشاعر: «5»
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها
وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر:
وقد جعلت أرى الاثنين أربعة ... والواحد اثنين لمّا هدني الكبر
وقد قيل في قوله تعالى" وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ": إنها زائدة. وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال الشاعر: «6»
ناط أمر الضعاف واجتعل اللي ... ل كحبل العادية الممدود" فراشا"
أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها. وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لان الجبال كالأوتاد كما قال:" أَلَمْ نَجْعَلِ «7» الْأَرْضَ مِهاداً. وَالْجِبالَ أَوْتاداً" [النبأ: 7 6]. والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال:" وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ" «8» [البقرة: 164] الثانية قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث، لان اللفظ لا يرجع إليهما عرفا.
__________
(1). راجع ج 6 ص 335 و386.
(2). راجع ج 16 ص 61 و69 و71.
(3). راجع ج 16 ص 61 و69 و71. [.....]
(4). راجع ج 16 ص 61 و69 و71.
(5). هو مغلس بن لقيط الأسدي. وصف شدة أصابه بها رجلان من قومه، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لاصابتهما بمثل الشدة التي أصاباني بها. وضرب الضغمة مثلا ثم وصف الضغمة فقال: يقرع العظم نابها. فجعل لها نابا على السعة. والمعنى: يصل الناب فيها إلى العظم فيقرعه. (عن شرح الشواهد للشنتمري).
(6). هو أبو زبيد الطائي يرثى اللجلاج ابن أخته. يقول: جعل يسير الليل كله مستقيما كاستقامة حبل البئر إلى الماء. ناط: علق. والعادية: البئر القديمة. (عن اللسان).
(7). راجع ج 19 ص 169.
(8). راجع ج 2 ص 194.

وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الايمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين، فإن عدم ذلك فالعرف. الثالثة قوله تعالى: (وَالسَّماءَ بِناءً) السماء للأرض كالسقف للبيت، ولهذا قال وقوله الحق" وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً «1»" [الأنبياء: 32] وكل ما علا فأظل قيل له سماء، وقد تقدم القول «2» فيه والوقف على" بِناءً" أحسن منه على" تَتَّقُونَ"، لان قوله:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً" نعت للرب. ويقال: بنى فلان بيتا، وبنى على أهله بناء فيهما أي زفها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ، وكان الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله: بان. وبنى (مقصورا) شدد للكثرة، وابتنى دارا وبنى بمعنى، ومنه بنيان الحائط، وأصله وضع لبنة على أخرى حتى تثبت. وأصل الماء موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه، فالتقى حرفان خفيان فأبدلت من الهاء همزة، لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه، فقلت: ماء، الالف الاولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث، فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل فقالوا: مويه وأمواه ومياه، مثل جمال وأجمال. الرابعة قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) الثمرات جمع ثمرة. ويقال: ثمر مثل شجر. ويقال ثمر مثل خشب. ويقال: ثمر مثل بدن. وثمار مثل إكام جمع ثمر. وسيأتي لهذا مزيد بيان في" الانعام" إن «3» شاء الله. وثمار السياط: عقد أطرافها. والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات." رِزْقاً" طعاما لكم، وعلفا لدوابكم، وقد بين هذا قوله تعالى:" أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفاكِهَةً وَأَبًّا. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ «4»" [عبس: 32 25] وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى «5» والحمد لله.
__________
(1). راجع ج 11 ص 285.
(2). راجع ص 216 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 7 ص 49.
(4). راجع ج 19 ص 218.
(5). راجع ص 177 و178 من هذا الجزء.

فإن قيل: كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك؟ قيل له: لأنها معدة لان تملك ويصح بها الانتفاع، فهي رزق. الخامسة قلت: ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى: (والله لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه). أخرجه مسلم. ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا. وقال علماء الصوفية: أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبا والكلأ طعاما، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عز وجل قد أتاح «1» لك ما لأبد لك منه، من غير منة فيه لاحد عليك. وقال نوف البكالي: رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام ... وذكر باقي الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى:" أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ «2»" [البقرة: 186] إن شاء الله تعالى. السادسة قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا) نهى. (لِلَّهِ أَنْداداً) أي أكفاء وأمثالا ونظراء، واحدها ند، وكذلك قرأ محمد بن السميقع" جُنْداً"، قال الشاعر:
نحمد الله ولا ند له ... عنده الخير وما شاء فعل
وقال حسان:
أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء
__________
(1). في الأصول: (أباح) بالباء الموحدة، وهو تصحيف.
(2). راجع ج 2 ص 308

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

ويقال: ند ونديد ونديده على المبالغة، قال لبيد:
ليكلا يكون السندري نديدتي ... وأجعل أقواما عموما عماعما «1»
وقال أبو عبيدة" أَنْداداً" أضدادا. النحاس:" أَنْداداً" مفعول أول، و" لِلَّهِ" في موضع الثاني. الجوهري: والند (بفتح النون): التل المرتفع في السماء. والند من الطيب ليس بعربي. وند البعير يند ندا وندادا وندودا: نفر وذهب على وجهه، ومنه قرأ بعضهم" يَوْمَ التَّنادِ «2»". وندد به أي شهره وسمع به. السابعة قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والخطاب للكافرين والمنافقين، عن ابن عباس. فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى. فالجواب من وجهين: أحدهما" وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق، فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد. الثاني أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، والله أعلم. وفي هذا دليل على الامر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.

[سورة البقرة (2): آية 23]
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23)
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أي في شك. (مِمَّا نَزَّلْنا) يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تحدوا، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله،
__________ (1). السندري: ابن يزيد الكلابي، شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان لبيد مع عامر بن الطفيل، فدعى لبيد إلى مهاجاته فأبى وقال البيت. والعماعم: الجماعات المتفرقون. ومعنى الشطر الثاني: وأجعل أقواما مجتمعين فرقا. (عن شرح القاموس واللسان).
(2). راجع ج 15 ص 311. [.....]

وإنا لفي شك منه، فنزلت الآية. ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الاولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده. قوله: (عَلى عَبْدِنا) يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، فسمى المملوك من جنس ما يفعله عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
أي المذلل. قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا:
يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
(فَأْتُوا بِسُورَةٍ) الفاء جواب الشرط، ائتوا مقصور لأنه من باب المجيء، قاله ابن كيسان. وهو أمر معناه التعجيز، لأنه تعالى علم عجزهم عنه. والسورة واحدة السور. وقد تقدم الكلام فيها «1» وفي إعجاز «2» القرآن، فلا معنى للإعادة." ومن" في قوله" مِنْ مِثْلِهِ" زائدة، كما قال" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ" والضمير في" مِثْلِهِ" عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء، كقتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: يعود على التوراة والإنجيل. فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. وقيل: يعود على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. المعنى: من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ. فمن على هذين التأويلين للتبعيض والوقف على" مِثْلِهِ" ليس بتام، لان" وَادْعُوا" نسق عليه. قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ) معناه أعوانكم ونصراءكم. الفراء: آلهتكم. وقال ابن كيسان: فإن قيل كيف ذكر الشهداء هاهنا، وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمرا، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم:" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ"؟ فالجواب: أن
__________
(1). راجع ص 65 من هذا الجزء.
(2). راجع ص 78 69 من هذا الجزء.

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم. قلت: هذا هو معنى قول مجاهد. قال مجاهد: معنى:" وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ" أي ادعوا ناسا يشهدون لكم، أي يشهدون أنكم عارضتموه. النحاس:" شُهَداءَكُمْ" نصب بالفعل جمع شهيد، يقال: شاهد وشهيد، مثل قادر وقدير. وقوله: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي من غيره، ودون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفا. والدون: الحقير الخسيس، قال:
إذا ما علا المرء رام العلاء ... ويقنع بالدون من كان دونا
ولا يشتق منه فعل، وبعضهم يقول منه: دان يدون دونا. ويقال: هذا دون ذاك، أي أقرب منه. ويقال في الإغراء بالشيء: دونكه. قالت تميم للحجاج: أقبرنا «1» صالحا وكان قد صلبه فقال: دونكموه. قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة، لقولهم في آية أخرى:" لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا «2» مِثْلَ هذا" [الأنفال: 31] والصدق: خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث. والصدق: الصلب من الرماح. ويقال: صدقوهم القتال. والصديق: الملازم للصدق. ويقال: رجل صدق، كما يقال: نعم الرجل. والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود.

[سورة البقرة (2): آية 24]
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24)
قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) يعني فيما مضى (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي. والوقف على هذا على" صادِقِينَ" تام. وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار. فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على" صادِقِينَ".
__________
(1). أقبرنا، أي ائذن لنا في أن نقبره. وصالح: هو صالح بن عبد الرحمن مولى تميم، كان كاتبا للحجاج، ويرى رأى الخوارج.
(2). راجع ج 7 ص 397

فإن قيل: كيف دخلت" إن" على" لم" ولا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أن" إن" ها هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على" لم" كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في" لم" كما لا تعمل في الماضي، فمعنى إن لم تفعلوا إن تركتم الفعل. قوله تعالى" وَلَنْ تَفْعَلُوا" نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة:
فلن «1» أعرض أبيت اللعن بالصفد

وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه: فقيل لي" لن ترع". هذا على تلك اللغة. وفي قوله:" وَلَنْ تَفْعَلُوا" إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. وقال ابن كيسان:" وَلَنْ تَفْعَلُوا" توقيفا لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر، وأنه أساطير الأولين، وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله. وقوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ) جواب" فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا" أي اتقوا النار بتصديق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطاعة الله تعالى. وقد تقدم معنى التقوى «2» فلا معنى لإعادتها. ويقال: إن لغة تميم وأسد" فتقوا النار". وحكى سيبويه: تقى يتقي، مثل قضى يقضي." النَّارَ" مفعولة." الَّتِي" من نعتها. وفيها ثلاث لغات: التي والت (بكسر التاء) والت (بإسكانها). وهي اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة، ولا يجوز نزع الالف واللام منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة. وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا: اللتان واللتا (بحذف النون) واللتان (بتشديد النون). وفي جمعها خمس لغات:
__________
(1). رواية الديوان وهي المشهورة في مصادر الأدب: (فلم أعرض). ويروي: (فما عرضت). وصدر البيت:
هذا الثناء فإن تسمع به حسنا

وقوله: أبيت اللعن. تحية كانوا يحيون بها الملوك. والصفد: العطاء، معناه: أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه وتذم. يقول: هذا الثناء الصحيح الصادق فمن الحق أن تقبله مني، فلم أمدحك متعرضا لعطائك، لكن امتدحتك إقرارا بفضلك. (عن شرح الديوان).
(2). راجع ص 161 من هذا الجزء.

اللاتي، وهي لغة القرآن. واللات (بكسر التاء بلا ياء). واللواتي. واللوات (بلا ياء)، وأنشد أبو عبيدة:
من اللواتي واللتي واللاتي ... زعمن أن قد كبرت لداتي
واللوا (بإسقاط التاء)، هذا ما حكاه الجوهري. وزاد ابن الشجري: اللائي (بالهمز وإثبات الياء). واللاء (بكسر الهمزة وحذف الياء). واللا (بحذف الهمزة) فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي وفي اللائي: اللوائي. قال الجوهري: وتصغير التي اللتيا (بالفتح والتشديد)، قال الراجز «1»:
بعد اللتيا واللتيا والتي ... إذا علتها أنفس تردت
وبعض الشعراء أدخل على" التي" حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الالف واللام إلا في قولنا: يا الله، وحده. فكأنه شبهها به من حيث كانت الالف واللام غير مفارقتين لها، وقال:
من أجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني
ويقال: وقع فلان في اللتيا والتي، وهما اسمان من أسماء الداهية. والوقود (بالفتح): الحطب. وبالضم: التوقد. و" النَّاسُ" عموم، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها، أجارنا الله منها." وَالْحِجارَةُ" هي حجارة الكبريت الأسود عن ابن مسعود والفراء وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت. وليس في قوله تعالى:" وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ" دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى:" إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ «2» جَهَنَّمَ" [الأنبياء: 98] أي حطب جهنم. وعليه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار، وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس.
__________
(1). هو العجاج. وصف دواهي شنيعة. يقول: بعد الجهد والمشرف الذي أشرفت عليه. ومعنى تردت: سقطت هاوية وهلكت.
(2). راجع ج 11 ص 343

وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة. وقد جاء الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (كل مؤذ في النار). وفي تأويله وجهان: أحدهما- أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. الثاني- أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة. والله أعلم. روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح «1»- في رواية- ولولا أنا لكان فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ..." وَقُودُهَا" مبتدأ." النَّاسِ" خبره." وَالْحِجارَةُ" عطف عليهم. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف:" وقودها" (بضم الواو). وقرا عبيد بن عمير:" وقيدها الناس". قال الكسائي والأخفش: الوقود (بفتح الواو): الحطب، و(بالضم): الفعل، يقال: وقدت النار تقد وقودا (بالضم) ووقدا وقدة [ووقيدا «2» ووقدا] ووقدانا، أي توقدت. وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضا. والاتقاد مثل التوقد، والموضع موقد، مثل مجلس، والنار موقدة. والوقده: شدة الحر، وهي عشرة أيام أو نصف شهر. قال النحاس: يجب على هذا ألا يقرأ إلا" وَقُودُهَا" [بفتح «3» الواو [لان المعنى حطبها، إلا أن الأخفش قال: وحكى أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود بمعنى الحطب والمصدر. قال النحاس: وذهب إلى أن الأول أكثر، قال: كما أن الوضوء الماء، والوضوء المصدر. قوله تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك، بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة، على ما يأتي. وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافا للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن. وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي. روى مسلم عن عبد الله «4» بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة «5»،
__________
(1). الضحضاح في الأصل: مارق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، واستعير للنار.
(2). الزيادة عن هامش بعض نسخ الأصل.
(3). الزيادة عن كتاب (إعراب القرآن للنحاس).
(4). كذا في الأصول. وفي صحيح مسلم: (عن أبي هريرة).
(5). الوجبة: صوت الشيء يسقط فيسمع له، كالهدة.

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تدرون ما هذا) قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها). وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها (. وأخرجه مسلم «1» بمعناه. يقال: احتجت بمعنى تحتج، للحديث المتقدم حديث ابن مسعود «2»، ولان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أراهما في صلاة الكسوف، ورأهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة، فلا معنى لما خالف ذلك. وبالله التوفيق. و" أُعِدَّتْ" يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة، وأضمرت معه قد، كما قال:" أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «3»" [النساء: 90] فمعناه قد حصرت صدورهم، فمع" حَصِرَتْ" قد مضمرة لان الماضي لا يكون حالا إلا مع قد، فعلى هذا لا يتم الوقف على" الْحِجارَةُ". ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله، كما قال:" وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ «4»" [فصلت: 23]. وقال السجستاني:" أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" من صلة" الَّتِي" كما قال في آل عمران:" وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ «5»" [آل عمران: 131]. ابن الأنباري: وهذا غلط، لان التي في سورة البقرة قد وصلت بقوله:" وَقُودُهَا النَّاسُ" فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية، وفي آل عمران ليس لها صله غير" أُعِدَّتْ".

[سورة البقرة (2): آية 25]
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25)
__________
(1). بمراجعة صحيحي البخاري ومسلم وجدنا أن الرواية لمسلم، وأخرجه البخاري بمعناه. [.....]
(2). يلاحظ أن راوي الحديث المتقدم في صحيحي مسلم والبخاري أبو هريرة.
(3). راجع ج 5 ص 309.
(4). راجع ج 15 ص 353.
(5). راجع ج 4 ص 202.

قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) فيه ثلاث مسائل: الاولى- لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا. والتبشير الاخبار بما يظهر أثره على البشرة- وهي ظاهر الجلد- لتغيرها بأول خبر يرد عليك، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به، وغير مقيد أيضا. ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به، قال الله تعالى" فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ" [الانشقاق: 24]. ويقال: بشرته وبشرته- مخفف ومشدد- بشارة (بكسر الباء) فأبشر واستبشر. وبشر يبشر إذا فرح. ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة (بفتح الباء). والبشرى: ما يعطاه المبشر. وتباشير الشيء: أوله. الثانية- أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. واختلفوا إذا قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول، فقال أصحاب الشافعي: نعم، لان كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا، لان المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق محمد ابن الحسن بين قوله: أخبرني، أو حدثني، فقال: إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر- ولا نية له- فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق، لان هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق، لأنه قال: أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا، وإن كان عنى- حين حلف- بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم. الثالثة- قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) رد على من يقول: إن الايمان بمجرده يقتضي الطاعات، لأنه لو كان ذلك ما أعادها، فالجنة تنال بالايمان والعمل الصالح. وقيل: الجنة تنال بالايمان، والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات. والله أعلم.

(أَنَّ لَهُمْ) في موضع نصب ب"- بشر" والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم، أو لان لهم، فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقال الكسائي وجماعة من البصريين:" أن" في موضع خفض بإضمار الباء. (جَنَّاتٍ) في موضع نصب اسم" أن"،" وأن وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني. والجنات: البساتين، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها،